متابعات تحليلية - العالم

رسائل عيد "النوروز": لماذا يتعمد خامنئي التقليل من أهمية نتائج الانتخابات ؟

طباعة

 حرص المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي على استغلال احتفالات إيران بعيد "النوروز" لتوجيه رسائل عديدة حول حدود التحول المحتملة في سياسة إيران الخارجية واتجاهات علاقاتها مع القوى الدولية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، في مرحلة ما بعد الوصول للاتفاق النووي في 14 يوليو 2015 ورفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران في 16 يناير 2016.

واللافت في هذا السياق، هو أن تلك الرسائل لم تكن موجهة إلى الخارج فحسب، بل، وربما يكون ذلك هو الأهم، كانت موجهة بالأساس إلى الداخل، وبالتحديد إلى ما بات يطلق عليه "تيار المعتدلين" أو "البراجماتيين" الذي يقوده الرئيسان الحالي حسن روحاني والأسبق هاشمي رفسنجاني، والذي يسعى إلى استثمار النتائج التي أسفرت عنها انتخابات مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) ومجلس خبراء القيادة (الذي يتولى مهمة تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية ومراقبة أعماله) التي أجريت في 26 فبراير 2016، من أجل تعزيز دور "التيار" في عملية صنع القرار، خاصة على مستوى السياسة الخارجية لإيران، التي باتت رقما رئيسيا في معظم، إن لم يكن مجمل الملفات الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط.

فقد وجه خامنئي انتقادات قوية سواء إلى الاتفاق النووي الذي تسعى حكومة الرئيس حسن روحاني إلى الترويج له باعتباره إنجاز كبيرا لها، أو إلى الجهود التي تبذلها الحكومة من أجل تحسين علاقات إيران مع القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أشار إلى أن العقوبات التي رفعت ما زالت على الورق فقط، متهما وزارة الخزانة الأمريكية بعرقلة الإجراءات التي تتخذ في هذا السياق.

لكن أهم ما حاول خامنئي الإشارة إليه، يتمثل في أنه هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد اتجاهات السياستين الداخلية والخارجية للدولة، وأن نتائج الانتخابات، أيا كانت، لن تفرض ضغوطا عليه في هذا السياق، ولن تدفعه إلى إجراء تغييرات في هاتين السياستين، ما لم يكن هو نفسه راضيا عنها أو مقتنعا بأهميتها.

اعتبارات عديدة

حرص خامنئي على توجيه هذه الرسائل تحديدا ربما يمكن تفسيره في ضوء اعتبارات عديدة: أولها، أن الحملة التي روج لها أنصار الرئيسين روحاني ورفسنجاني باعتبار نتائج الانتخابات تعد انتصارا لتيار "المعتدلين" وخسارة فادحة لتيار "المحافظين الأصوليين"، لا تتوافق مع المعطيات الموجودة على الأرض، والتي تشير إلى أن هذا التيار نفسه الذي يدعي الانتصار يمثل تكتلا فضفاضا يضم قوى وأطيافا سياسية تتباين في رؤاها وسياساتها بشكل واضح، بما يعني أن تعزيز فرصها في الوصول إلى مقاعد مجلس الشورى ومجلس الخبراء من خلال الانضمام إلى هذا التيار كان هو الهدف المشترك الذي اجتمعت عليه من البداية، دون أن يقضي ذلك على الاختلافات الواضحة فيما بينها حول كيفية التعامل مع القضايا الداخلية والخارجية.

ومن دون شك، فإن ما يضفي وجاهة خاصة على التباينات الواضحة داخل تيار "المعتدلين"، هو أن بعض المرشحين الذين ترشحوا على قوائم هذا التيار وفازوا في الانتخابات ينتمون إلى تيار "المحافظين الأصوليين"، على غرار علي مطهري، الذي رفض "المحافظون الأصوليون" ترشيحه على قوائمهم وكاد مجلس صيانة الدستور، الذي يتولى البت في ملفات المرشحين، أن يطيحه من السباق الانتخابي قبل أن يعيده قبل إجراء الانتخابات بفترة وجيزة.

وهنا يمكن القول إن تأسيس هذا التيار الفضفاض يشير إلى حدوث تغير في سياسة التيار الكلاسيكي الذي ضم "الإصلاحيين" في السابق.

فقد اصطدم تيار "الإصلاحيين" مع النظام في أعقاب رفضه نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في عام 2009 وأسفرت عن فوز الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية، وهو ما فرض ضغوطا قوية على هذا التيار بدأت بوصفه بأنه "تيار الفتنة"، وانتهت باعتقال وفرض الإقامة الجبرية على كثير من قادته وأنصاره في الأعوام الأخيرة.

لكن رغم ذلك، فإن معظم القوى السياسية التي انتمت إلى هذا التيار لم تعلن عن تمردها على نظام الجمهورية الإسلامية أو رفضها لـ"ولاية الفقيه"، وهي العمود الفقري الذي يتأسس عليه هذا النظام، حيث تغاضت في النهاية عن الإجراءات القمعية التي اتبعها النظام تجاهها، وقررت المشاركة بقوة في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يونيو 2013 وأسفرت عن فوز الرئيس حسن روحاني بالرئاسة، ثم انتخابات مجلس الشورى الإسلامي ومجلس الخبراء التي أجريت في فبراير 2016، وبلغت ذروة مشاركة هذا التيار في الانتخابات، في تصويت كل من مير حسين موسوى (وزوجته زهرا رهنافارد) ومهدي كروبي، وهما قادة ما يسمى بـ"الحركة الخضراء" الذين يخضعون للإقامة الجبرية منذ فبراير 2011، في الانتخابات الأخيرة.

ومن هنا، أطلقت اتجاهات عديدة مصطلح "البراجماتيين" أو "المعتدلين" على هذا التيار الجديد الذي حقق نتائج بارزة في الانتخابات الأخيرة، سواء لأنه يختلف عن التيار التقليدي السابق في أنه يضم أقطابا من تيار "المحافظين الأصوليين" تمردوا على السياسة المتشددة التي يتبناها الأخير، على المستويين الداخلي والخارجي، أو لأنه أشار إلى تجاوز "الإصلاحيين التقليديين" لفكرة "المظلومية السياسية" التي تعرضوا لها منذ انتهاء فترة الرئاسة الثانية للرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي في عام 2005.

وثانيها، أن هناك مؤسسات كثيرة، غير مجلس الشوري ومجلس الخبراء، تمارس أدوارا رئيسية في عملية صنع القرار بدون أن يكون للمعتدلين سيطرة أو نفوذا فيها، على غرار مجلس صيانة الدستور، والمؤسسات العسكرية وخاصة الحرس الثورى، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والسلطة القضائية.

إذ أن قادة ورؤساء تلك المؤسسات يدينون بالولاء للمرشد الأعلى على خامنئي، وينتمي معظمهم إلى تيار "المحافظين الأصوليين"، الذي يتبنى سياسة رافضة لتوجهات الرئيس حسن روحاني وتيار "المعتدلين" القريب منه، وربما يسعى، خلال الفترة القادمة، إلى توحيد صفوفه، وقبل فترة من إجراء الانتخابات الرئاسية في منتصف عام 2017، من أجل دعم أحد مرشحيه في مواجهة الرئيس روحاني، واستخلاص الدروس المستفادة من الانتخابات الماضية، حيث كانت انقسامات "المحافظين الأصوليين"، وليس قوة ونفوذ تيار "المعتدلين"، هى السبب الرئيسي في هزيمتهم في تلك الانتخابات.

وقد بدا أن حرص بعض قادة الحرس الثوري، مثل الجنرال محمد علي جعفري قائد الحرس، والجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" التابع للحرس، على تأكيد استعداد الحرس للمشاركة مع الحكومة في تأسيس ما يسمى "بالاقتصاد المقاوم" الذي دعا إليه المرشد الأعلى على خامنئي، أو على إجراء تجارب إطلاق لصواريخ باليستية، كان إشارة إلى أن الحرس لن يتنازل عن نفوذه الواضح في عملية صنع القرار، ودوره في الاقتصاد، حتى مع الوصول للاتفاق النووي وتسارع جهود الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وإلى أن هناك اتجاها داخل نظام الجمهورية الإسلامية يميل إلى وضع عقبات عديدة أمام سياسة روحاني التي تسعى إلى تحسين العلاقات مع القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن هنا، ربما يمكن تفسير أسباب الحملة العنيفة التي شنها المرشد خامنئي على الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد "النوروز"، ففضلا عن استمرار إبداءه شكوكا عميقة في نوايا واشنطن تجاه طهران، خاصة بعد الوصول للاتفاق النووي، فقد تعمد تأكيد أنه الشخص الأول والرئيسي في إيران الذي بيده تغيير سياسة إيران، حتى بعد إجراء الانتخابات الأخيرة.

طباعة
محمد عباس ناجى

رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية