متابعات تحليلية - مصر

مصر والتكامل الاقتصادي الأفريقي: مجالات الفرص والتحديات

طباعة

استضافت مدينة شرم الشيخ يومي 20 و21 فبراير 2016، فعاليات منتدى أفريقيا 2016، الذي ينظم للمرة الأولى بمبادرة ورعاية مصر لبحث وسائل تعزيز التجارة والاستثمار والتعاون الثنائي في المجالات التنموية بين دول القارة الافريقية.

وقد جرت فعاليات المنتدى بالتعاون مع هيئة الاستثمار الإقليمية التابعة لمنظمة الكوميسا، كما تم عقد المنتدي تحت مظلة مفوضية الاتحاد الأفريقي بحضور رؤساء السودان، ونيجيريا، وتوجو، والجابون، وغينيا الاستوائية، ورئيس وزراء إثيوبيا.

والمنتدى هو الأول من نوعه في أفريقيا وهو بمثابة آليه جديدة لتواصل دول القارة مع بعضها البعض بما يساهم في التكامل الاقتصادي.

وتنظر مصر للمنتدى باعتباره وسيلة لتعزيز مكانتها كعنصر فاعل في تنمية القارة الأفريقية عبر تكاملها الإقليمي، خاصة بعد تزايد الاهتمام العالمي بالقارة السمراء التي بدأت في تحقيق ناتج محلي إجمالي بحوالي 2 تريليون دولار، بفضل قوة العمل التي تناهز حوالي 400 مليون نسمة، والمؤهلة للتزايد نظراً لامتلاك القارة السمراء نسبة السكان الأصغر عمراً علي مستوي قارات العالم والذين بدأوا في الحصول علي تأهيل علمي وعملي، الي جانب الارتفاع المتوالي في الإنفاق الاستهلاكي للمواطن الأفريقي والذي يقترب هذا العام من 1.1 تريليون دولار.

منتدي أفريقيا 2016، يعد المرحلة الثانية من الجهد المصري الرامي إلى تحقيق الاندماج الاقتصادي الإقليمي في أفريقيا، وذلك في أعقاب الاتفاق الثلاثي التاريخي بين الكوميسا والسادك ومجموعة شرق أفريقيا الذي وقع في مدينة شرم الشيخ خلال يونيو 2015 والذي بموجبه أطلق أحد أكبر التكتلات التجارية في القارة الأفريقية، ويضم 26 دولة، بإجمالي ناتج محلي يصل إلى حوالي 1.2 تريليون دولار، لخدمة سوق بها نحو 625 مليون مستهلك.

وتأتى الجهود السابقة استكمالا للمبادرات الأفريقية الساعية لإحداث نقلة اقتصادية وتنموية لدول القارة، فإفريقيا تسعى لتنفيذ اجندة التكامل كإستراتيجية جماعية للتنمية بهدف إنشاء سوق قارية.

بما يسهم في تعزيز السياسات في العديد من مجالات التنمية، خصوصا وأن ضغوط العولمة تجبر البلدان على السعى إلى تحقيق الفاعلية من خلال أسواق أوسع ومنافسة أشد.

ويوفر تجميع الاقتصادات والأسواق معا تحت مظلة التكامل الإقليمي نطاقا اقتصاديا وسوقيا كبير، قادر على تحقيق معدلات نمو مرتفعة.

فمن الملاحظ استمرار اتجاه صادرات الدول الأفريقية إلى شركائهم التقليديين، تحديدا، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والذى يصل نصيبهما من الصادرات في المتوسط حوالى 57%.

في حين أن الصين بوجه خاص وآسيا بوجه عام في طريقهما لأن يصبحا ضمن الأسواق الهامة التى تقصدها الصادرات الأفريقية.

بالنسبة للواردات الأفريقية لم يختلف الأمر كثيرا حيث أن الأسواق الرئيسية الموردة للبضائع لأفريقيا هم الشركاء التجاريين التقليديين لها، ومرة أخرى فهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين.

في ذات الوقت يتراوح متوسط التجارة الأفريقية البينية بين 10- 12? فقط، بينما تحقق تجارة الولايات المتحدة الأمريكية 40% مع بلدان أمريكا الشمالية، كما بلغت نسبة التجارة فيما بين بلدان غرب أوروبا 63%.

ولا شك أن تعزيز التجارة الافريقية البينية سوف يساعد على تعزيز التخصص السلعي فيما بين البلدان الأفريقية.

ولذلك، يتعين على أفريقيا ان تنتهج بفاعلية ومثابرة سياسات تجارية إقليمية شاملة ومتسقة كجزء من تنميتها وتحولها الجماعي في سياق التكامل الإقليمي.

مصر وأفريقيا: رغم قدم العلاقات السياسية والاقتصادية بين مصر وأفريقيا، إلا أن الواقع الفعلي لا يعكس هذا الأمر، فوزن أفريقيا النسبي في الاقتصاد المصري مازال ضعيفا.

فإذا نظرنا للتبادل التجاري بين الطرفين على سبيل التوضيح، نجد أن الصادرات المصرية لأفريقيا، لم تتجاوز عام 2014 نحو 2.9 مليار دولار بنسبة لم تتجاوز 10.8% من إجمالي الصادرات والبالغة 26.7 مليار دولار، وبالنسبة للواردات المصرية من أفريقيا فلم تتجاوز خلال نفس العام 1.1 مليار دولار، بنسبة 1.6% من إجمالي الواردات المصرية والبالغة 68.2 مليار دولار.

وبالنسبة لإجمالى الاستثمارات المصرية في أفريقيا، فهى لم تتجاوز 7.8 مليار دولار، في حين بلغ إجمالى الاستثمارات العالمية المتدفقة إلى القارة عام 2015 فقط حوالى 54 مليار دولار.

وتركزت الاستثمارات المصرية في مجالات مواد البناء والأدوية والأجهزة الكهربائية.

فحين لم يتجاوز إجمالى الاستثمارات الأفريقية في مصر 2.8 مليار دولار.

ورغم الجهود المضنية التى تبذلها الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة، لحجز مكانة تليق بتاريخية العلاقات مع أفريقيا، إلا أن ذلك يتطلب مثابرة وجهد وأموال طائلة حتى تستطيع مصر جني أية مكاسب من سوق استهلاكي ضخم وصل تعداده لنحو 1.16 مليار نسمة عام 2014.

وكانت مصر مع تعاظم دور المنظمات الإقليمية الاقتصادية داخل أفريقيا، قد سعت للانضمام لمنظمة الكوميسا (السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الأفريقي) عام 1998، وجاء ذلك نتيجة لإدراك للأهمية الاستراتيجية للمحيط الجغرافي وخاصة لعلاقات مصر مع دول حوض النيل، وحتمية التواجد المصري في التجمعات الأفريقية التى تضم هذه الدول، وبالأخص التجمعات الاقتصادية، حيث أن عضوية مصر في الكوميسا تتيح لها نطاقاً أرحب من الحركة في مجال فتح الأسواق، والحصول على مزايا نسبية جديدة.

وقد استفادت مصر بالعديد من الامتيازات والتخفيضات الجمركية، على النحو التالى: - السوق الواسعة للدول الأعضاء في الكوميسا والتى يصل تعدادها لنحو 400 مليون نسمة، الأمر الذى يعد متنفسا للعديد من المنتجات المصرية، حيث تستطيع النفاذ لأسواق 14 دولة من الدول الأفريقية بدون سداد رسوم جمركية، نتيجة للإعفاءات المتبادلة.

- الاستفادة من هيكل واردات الدول الأعضاء حيث تقبل تلك الدول على استيراد العديد من السلع التي تتمتع مصر بميزة عالية في إنتاجها يأتي على رأس تلك القائمة السلع الغذائية والأدوية والسلع الهندسية والأدوات المنزلية ومواد البناء بالأخص السيراميك والأدوات الصحية ومنتجات الألمونيوم والحديد والصلب والمنتجات الجلدية.

- استيراد العديد من المواد الخام اللازمة للصناعة بإعفاء جمركي خاصة وأن أغلب دول الكوميسا تعتمد على تصدير خامات ومواد خام وسلع رئيسية مثل النحاس والتبغ والبن والشاي والجلود الخام واللحوم والسمسم.

- الاستفادة من المساعدات المالية التي يقدمها بنك التنمية الأفريقي وغيره من المؤسسات المالية الدولية في مجال تنمية الصادرات إلى دول إفريقيا.

- الانخراط في مجتمع شرق وجنوب إفريقيا يتيح لمصر فرصة الإلمام بشئون القارة الأفريقية والمساهمة في وضع الخطط التنموية والمشاركة في إدارة الحوار وتسوية المنازعات القائمة في القارة.

- بالإضافة إلى المكاسب الأخرى الناتجة عن التعاون في مختلف المجالات الصناعية والزراعية، وكذلك في مجالات النقل والمواصلات.

كما أن الاتفاقية تتيح الفرصة لمصر لتصدير الخبرات الفنية خاصة مع تفوق مصر في مجال التجارة في الخدمات وبالأخص أعمال المقاولات.

أثر انضمام مصر إلى الكوميسا على التبادل التجاري مع الدول الأعضاء: توضح أرقام الصادرات والواردات بين مصر والدول الأعضاء بالكوميسا على حدوث تحول جذري للميزان التجارى بعد انضمام مصر للاتفاقية مقارنة بما قبلها، حيث نجد أن صادرات مصر للكوميسا عام 1997 وعام 1998 (قبل انضمام مصر للكوميسا) كانت قد بلغت 44 و46 مليون دولار على التوالى، كما أن الواردات المصرية من الدول الأعضاء خلال العامين المذكورين بلغت نحو 152 و154 مليون دولار على التوالي، مما يوضح أن مؤشرات التجارة بين مصر والكوميسا كانت تحقق عجزا قدره 81 و108 مليون دولار على الترتيب، لكن هذا العجز أخذ في الانخفاض تدريجيا خاصة مع زيادة نسب التخفيضات الجمركية لتصل لـ 100% عام 2000، وقد أظهر ذلك تحولا إيجابيا في الميزان التجارى لصالح مصر في السنوات التالية للانضمام خاصة بداية من عام 2004، الذى حققت فيه مصر لأول مرة فائضا تجاريا بلغ قدره 3.9 مليون دولار، حيث بلغت صادرات هذا العام نحو 159.8 مليون دولار، مقابل واردات مصرية بلغت نحو 155.9 مليون دولار.

كما أن الصادرات المصرية أخذت في التزايد التدريجى بداية من عام الانضمام (1998) من 44 مليون دولار لتحقق بعد مرور 10 سنوات (2008) قفزة نوعية وتتخطى الصادرات للمرة الأولى حاجز المليار دولار تحديدا 1.651 مليار دولار، مقابل واردات خلال نفس العام بلغ قدرها 1.158 مليار دولار، وبذلك حقق الميزان التجارى فائضا قدره 493 مليون دولار، ويستمر بعد ذلك التزايد لتتخطى قيمة الصادرات المصرية للدول الأعضاء بالكوميسا عام 2010 رقم المليارين تحديدا 2.492 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 962 مليون دولار، محققة بذلك فائضا تجاريا لصالح مصر بلغ 1.57 مليار دولار.

وتعرضت قيمة الصادرات للهبوط والصعود في الفترة التالية لذلك لتصل عام 2014 لنحو 2.0 مليار دولار مقابل واردات آخذه في الانخفاض بلغت قيمتها في العام المذكور نحو 693 مليون دولار، ليسجل بذلك الميزان التجارى فائضا قدره 1.3 مليار دولار لصالح مصر.

ومع المكاسب التى حققتها مصر بالانضمام لاتفاقية الكوميسا، استمر سعيها في دعم التكامل الإقليمي الأفريقي ودعمت توقيع اتفاق ثلاثى عام 2015، بين ثلاث من اهم المنظمات الاقتصادية الإقليمية وهى: الكوميسا والسادك وجماعة شرق إفريقيا (EAC)، لإنشاء منطقة تجارة حرة (TFTA) كمرحلة أولى تتعلق بتجارة السلع وإزالة الحواجز الجمركية، تتبعها مرحلة ثانية تشهد إنشاء اتحاد جمركى وتركز على التجارة في الخدمات والملكية الفكرية.

تضم هذه التجمعات 26 دولة تتداخل عضوية الكثير منها في التجمعات الثلاثة مما يبرز حجم المصالح والتهديدات المشتركة التى تجمعها.

ويعد خطوة رصينة في طريق تعزيز التكامل الاقتصادى بين ثلاثة تجمعات اقتصادية إفريقية.

وتتويجا للجهود الأفريقية في مجال التكامل الاقتصادي الإقليمي، تم الإعلان عن إنشاء هذه المنطقة التجارية الحرة بين 26 دولة أعضاء في ثلاث تكتلات اقتصادية أفريقية (الكوميسا والسادك وتجمع شرق أفريقيا)، خلال قمة التكتلات الاقتصادية التى عقدت في مؤتمر بشرم الشيخ يونيو 2015.

حيث تم الإعلان عن إقامة منطقة تجارة حرة بهدف السعي الى تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الاعضاء.

ومنطقة التجارة الحرة تمثل سوقا مشتركة لنحو 26 دولة يبلغ تعداد سكانها نحو 350 مليون نسمة يبلغون نحو 57% من إجمالي عدد سكان قارة إفريقية بإجمالي ناتج محلي يقدر بنحو 360 مليار دولار وتسهم بحوالى 53% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالى للقارة الأفريقية.

وسوف تعمل هذه المنطقة على تعزيز السوق المشتركة، كما ستعمل على رفع مستوى الاستثمار إلى جانب تشجيع التنمية في البنية التحتية.

وتستند هذه المنطقة الثلاثية إلى المنهج التنموي المستند إلى ثلاث ركائز في التكامل السوقي، تنمية البنية التحتية، إضافة إلى رفع مستوى الترابط فيما بين الدول المعنية، مع رفع مستوى التواصل وحرية حركة رؤوس الأموال، وتقليل كلفة الاعمال التجارية.

وقد أوضح البيان الختامي لمجموعة التكتلات الأفريقية الاقتصادية الثلاث أن إنشاء منطقة التجارة الحرة يعتبر مبادرة هامة لصالح المجتمع الاقتصادي في القارة الأفريقية، كما يعمل على تعبئة الاهتمام بإرساء تجارة أفريقية قارية حرة على نطاق أوسع.

وتتضمن الاتفاقية إلغاء الحواجز التجارية لتحرير التجارة السلعية بين بلدان هذا التكتل بصورة تدريجية، تبدأ بتخفيض الرسوم الجمركية في غضون ثلاث سنوات للوصول إلى تخفيض 85% من التعريفات الجمركية، وكذلك إزالة الحواجز التجارية غير الجمركية، وتطبيق مبدأ المعاملة الوطنية بمنح كل دولة عضو معاملة لا تقل تفضيلاً عن تلك الممنوحة لمثيلاتها من المنتجات المحلية، كما تلتزم الدول الموقعة بعدم فرض أى قيود كمية على الصادرات أو الواردات، وكذلك اتخاذ جميع التدابير اللازمة للتعاون الجمركي والتدابير الخاصة بمكافحة الإغراق والرسوم التعويضية.

وربما تكون الجهود المصرية في دعم المزيد من الاندماج الإقليمي هي أفضل سبيل متاح لدعم تواجدها السياسى والاقتصادى في جميع المحافل الأفريقية، حتى تعوض سنوات الغياب الطويلة التى أثرت بالسلب على مصالحها الاستراتيجية مثل "قضية مياه النيل".

ورغم التحديات والمخاطر الكثيرة التى تعترض التعاون المشترك خاصة في مجال البنية التحتية والمواصلات وضعف الاستثمارات المتاحة، إلا أن المكاسب كبيرة، لأن الأسواق الأفريقية مازالت سوق بكر واعدة تزخر بالعديد من الفرص التى تنتظر فقط من يستطيع أن يجني ثمارها.

طباعة
سنية الفقى

باحثة بوحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية