متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

التدخل البري السعودي-التركي في سوريا.. الدوافع والقيود

طباعة
23/02/2016 كان للتغير الحادث في موازين القوى العسكرية بين النظام السوري والمعارضة المسلحة منذ مطلع العام الجاري لصالح النظام، نتيجة المساندة الجوية العسكرية الروسية، مردوده وانعكاساته على مواقف القوى الإقليمية الداعمة للمعارضة وتحديدا كل من تركيا والسعودية.

فكلا الدولتين أعلنتا التنسيق المشترك بينهما بشأن إمكانية التدخل البري في سوريا، أو دعم عملية برية للتحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة، وهو هدف ظاهري يخفي وراءه العديد من الدوافع المشتركة التي تستهدف إعادة التوازن بين طرفي الصراع المسلح ودعم المعارضة من أجل البقاء والصمود بعد تعرضها لانتكاسات عسكرية في أرياف دمشق ودرعا وحمص وحلب واللاذقية، وهو ما تسعى إليه السعودية بالدرجة الأولى.

أما تركيا فتتعدد أهدافها من الانخراط بريا في سوريا خاصة في ظل التقدم الذي يحرزه الجيش السوري في المنطقة الحدودية بينهما بالاشتراك مع قوات وحدات الحماية الشعبية الكردية من ناحية، ودعم وحماية المظلة العسكرية الروسية من ناحية ثانية، الأمر الذي ترى أنه وضع أمنها القومي تحت التهديد العسكري المباشر.

ناهيك عن قطع شريان الاتصال بينها وبين المعارضة وما يعنيه ذلك من تقليص قدرة المعارضة على المواجهة الميدانية نتيجة لتوقف تدفق السلاح والمقاتلين.

دوافع الرياض من التدخل البرى في سوريا: إعلان الرياض رسميا على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير بعد مقابلته لنظيره الأمريكي جون كيري على هامش اجتماعات ميونيخ في 11 فبراير الجاري "بأن بلاده على استعداد لإرسال قوات برية إلى سوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية إذا قرر التحالف الدولي ذلك" حمل العديد من الرسائل والمخاطر لاسيما في ظل ترحيب أمريكي غامض كعادة مواقف الإدارة الأمريكية بشأن الصراع السوري.

وأيضا في ظل التواجد العسكري الروسي الإيراني وما سيفرضه ذلك من مواجهات حتمية بين تلك الأطراف الإقليمية بصورة مباشرة بعد أن كانت حربا بالوكالة.

وجاء رفض روسيا وقف ضرباتها لمواقع المعارضة السورية إعمالا لاتفاق ميونيخ القاضي بوقف الأعمال العدائية في سوريا تمهيدا لتنفيذ القرار 2254 ليزيد من شكوك ومخاوف الرياض حول جدية الولايات المتحدة في اقناع روسيا بالتوقف عن حربها في سوريا، بل وليتأكد لها أن التنسيق الأمريكي الروسي والتفاهم بين الطرفين بات على أعلى المستويات، وأن اتفاق ميونيخ ما هو إلا محاولة أمريكية باهتة للضغط على موسكو، ولا يعد خطوة فعلية يمكن التعويل عليها في تنفيذ خارطة طريق القرار الأممي المذكور. أدركت الرياض إذن أن الضغط على الإدارة الأمريكية لإنقاذ المعارضة بعد الانتكاسات التي تعرضت لها لاسيما ما يحدث في حلب وتقدم قوات النظام فيها لم يأت بالنتائج المرجوة.

كما أدركت أن واشنطن ليست جادة وربما ليست راغبة في وقف الحرب الروسية على المعارضة، فقررت التلويح بما أسمته الخطة "ب" للتدخل العسكري المباشر في سوريا عبر التحالف الدولي.

واعتبر البعض أن هذه الخطة هي محاولة سعودية لإحراج واشنطن التي طالما طالبت الدول العربية والإسلامية بزيادة مشاركتها في محاربة الإرهاب، وفي الوقت نفسه الضغط عليها بشأن موسكو.

وبدأت الرياض تطبيق الخطة فعليا حيث أعلنت عن إرسال طائرات حربية إلى قاعدة أنجرليك التركية لتكون في وضع الاستعداد، كما قامت بتزويد المعارضة بصواريخ جراد أرض– أرض التي ساهمت إلى حد ما في تقليص خسائر المعارضة المتتالية في حلب، وإن كانت لم تمنعها.

وتسعى السعودية حاليا إلى تزويد المعارضة بصواريخ أرض– جو لمواجهة الاستهداف الجوي لها والتلويح بأن الطائرات الروسية لن تكون بعيدة عن هذا الاستهداف، وسيتم استخدام تلك الصواريخ بإشراف سعودي تركي مشترك، ما يعني تصعيد مستوى المواجهة مع روسيا خلال المرحلة القادمة إن لم يتم وقف القتال فعليا، لاسيما بعد إعلان الأردن والإمارات عن موافقتهما على تلك النقلة السعودية.

وفي هذه الحالة فمن المتوقع أن يتم مساندة المعارضة عبر دعم لوجستي عسكري أكثر فعالية من جهة الحدود مع تركيا شمالا، سيقابل ذلك رفع مستوى الدعم العسكري اللوجستي السعودي والإماراتي في الجنوب عبر الحدود الأردنية لدعم المعارضة في درعا التي تتعرض أيضا لضربات قاسية. تلويح الرياض وأنقرة بالتدخل العسكري دفع الإدارة الأمريكية لتفاهم ميونيخ الخاص بوقف الأعمال العدائية، وعلى الرغم من أن الإعلان تم التوافق عليه من قبل مجموعة الاتصال الدولية المعنية بالأزمة السورية إلا أنه لم يدخل حيز التنفيذ، وتبدد الأمل بأن تقبل روسيا-التي كانت طرفا في هذا الإعلان- وقف إطلاق النار باعتبار أنها لا تصنف ضرباتها الجوية ضمن الأعمال العدائية، وعلى الجهة المقابلة فالمعارضة ترفض قبول الإعلان لأنها فسرت توقيت صدوره بأنه محاولة لمنع الإمدادات العسكرية التي بدأت تتلقاها من جديد لمساعدتها على الصمود في مواجهة الهجوم الضاري عليها من قبل النظام والقوات الحليفة له، ومساعدتها كذلك على استعادة ما فقدته من مناطق خلال الشهرين الماضيين، وبالتالي ترجمة التقدم الذي يحرزه النظام السوري على حساب المعارضة في الحل السياسي الذي تسعى لفرضه الأجندة الروسية الإيرانية المشتركة خلال جولة التفاوض القادمة في جنيف، والتي ستعقد في أواخر فبراير الجاري.

دوافع تركيا ..

الحدود وكبح الورقة الكردية أما بالنسبة لتركيا فالوضع الميداني بين المعارضة والنظام المدعوم من قبل روسيا، واقتراب النظام من البلدات الحدودية معها جعل تدخلها في الصراع بصورة مباشرة أصبح أكثر إلحاحا؛ لا من جهة أن التقدم الذي يحرزه النظام في حلب وفي باقي المناطق الحدودية من شأنه قطع خطوط الاتصال والإمداد التي تصل المعارضة عبر الحدود التركية، وما ينتج عنه من تهجير الآلاف من السوريين في اتجاه تلك الحدود، ولكن أيضا من جهة دخول المتغير الكردي السوري في سياق الصراع بين النظام والمعارضة.

فقد أصبحت المعارضة في الشمال بين فكي النظام وقوات وحدات الحماية الشعبية الكردية السورية التي وافقت على التعاون مع روسيا لضرب عناصر المعارضة السورية مقابل وعود بدعم الإدارة الذاتية الكردية في الشمال، وهو الدعم الذي بدأت أولى خطواته بفتح ممثلية للأكراد السوريين في موسكو مؤخرا، وما يمثله ذلك من تحد واضح للحكومة التركية التي ترى في تحركات أكراد سوريا وحصولهم على حكم ذاتي أمرا يهدد أمنها القومي نظرا لارتباطه بوضع الأكراد الأتراك، وبالتحديد التعاون المحتمل بين الوحدات الكردية السورية وبين حزب العمال الكردستاني المعارض، وانعكاس ذلك في الضربات الأمنية التي يوجهها الأخير داخل العمق التركي، بل وفي العاصمة أنقرة.

أيضا أزدادت دوافع تركيا بشأن المتغير الكردي بعد نجاح وحدات حماية الشعب الكردية السورية في دخول بلدة تل رفعت واقترابها من بلدة إعزاز وتأهبها لدخول بلدة مارع وجميعها بلدات في ريف حلب الشمالي التي يحاصرها النظام السوري لقطع التواصل بينها وبين الحدود التركية.

أضف إلى ذلك رفض واشنطن مطالب أنقرة بتصنيف وحدات حماية الشعب الكردية السورية على أنها منظمة إرهابية على غرار تصنيفها لحزب العمال الكردستاني التركي المعارض ما اعتبرته أنقرة استهدافا مباشرا لأمنها، ووفقا لذلك قامت تركيا باستخدام المدفعية الثقيلة في قصف وحدات حماية الشعب الكردية السورية في محاولة لمنع دخولها البلدات الحدودية والسيطرة عليها، في الوقت الذي طالبت واشنطن أنقرة بوقف استهدافها لأكراد سوريا الأمر الذي دفع الرئيس التركي رجب أروغان لتوجيه انتقادات حادة للإدارة الامريكية مطالبا إياها بالاختيار بين تركيا والقوات الكردية، كما اتهمها بالمسئولية عن تحويل الشرق الأوسط إلى بركة دماء. التدخل التركي لمحاربة داعش داخل الأراضي السورية ضمن تحالف دولي يعتبر نقلة نوعية تسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى؛ أهمها أن طرد تنظيم الدولة من المناطق الحدودية بينها وبين سوريا سيكون الثمن الذي ستقدمه أنقرة لواشنطن مقابل موافقة الأخيرة على قيام الأولى بسحق الوحدات الكردية السورية، ومنعها من التواصل مع حزب العمال الكردستاني التركي المعارض.

ومن ناحية أخرى وضع حد لتقدم قوات الأسد والميليشيات العراقية واللبنانية المتحالفة معها نحو مزيد من بلدات ريف حلب الشمالي، وبالتالي حرمانها من هدف إغلاق الحدود التركية وما يعنيه ذلك من وقف المساعدات الإنسانية للمدنيين والعسكرية للمعارضة.

إضافة إلى ما سبق فإن ثمة دوافع مشتركة سعودية تركية تدفع إلى ترجيح التدخل العسكري المباشر عبر عمليات خاطفة لقوات خاصة أهمها؛ دفع واشنطن إلى اتخاذ موقف يساوي بين إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية وبين الإرهاب الذي يمارسه النظام السوري ضد شعبه وضد المعارضة، وهو ما يعني إعاقة حالة التفاهم والتماهي بينها وبين روسيا في هذا الشأن، والتي تقوم على محاولاتهما "إعادة انتاج" نظام الأسد واستخدامه كشريك في محاربة الإرهاب.

وقد قرأت روسيا الدوافع التركية لاحتمالات تدخلها العسكري البري في سوريا جيدا، فحاولت إجهاض هذه الاحتمالات عبر دعوة مجلس الأمن لعقد جلسة مغلقة في 20 فبراير الجاري قدمت خلالها مشروع قرار تطالب فيه "باحترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وكذلك التخلي عن كل محاولات أو خطط للتدخل الأجنبي البري في أراضيها"؛ في محاولة منها لمنع التدخل البرى السعودي التركي المحتمل.

ومحاولة وقف ضربات المدفعية التركية على ميليشيات قوات حماية الشعب الكردية السورية في شمال سوريا، وقد لاقى مشروع القرار اعتراضا من كل من الولايات المتحدة وفرنسا.

الرفض الأمريكي لمشروع القرار الروسي عكس "اختراقا طفيفا" لحالة التفاهم والتماهي الروسية الأمريكية المعتادة منذ عام 2013 وحتى الآن بالنسبة للصراع في سوريا؛ فقد اعتبرت السفيرة الأمريكية لدى مجلس الأمن أن المشروع ما هو إلا محاولة لإلهاء القوى المعنية بالصراع السوري وتشتيتها عن خطط وقف إطلاق النار التي أقرها القرار رقم 2254 واتفاق ميونيخ القاضي بوقف "الأعمال العدائية" خاصة أن الأخير حظى بموافقة القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع.

وبدوره يعد الرفض الفرنسي لمشروع القرار الروسي اختراقا لحالة التنسيق الروسية الفرنسية التي شهدتها علاقات الدولتين في مجال محاربة الإرهاب منذ هجمات باريس في نوفمبر 2015، حيث اعتبرت باريس أن التصعيد العسكري الروسي ضد المعارضة المعتدلة بمساندة النظام، لاسيما في حلب والمناطق القريبة من الحدود مع تركيا، أصبح ينذر بكارثة واعتبرته كذلك "تصعيدا عسكريا خطيرا". القيود والكوابح اتساع الصراع في سوريا بهذا الشكل سيفرض أن يكون التدخل التركي السعودي - في حالة حدوثه - محدود النطاق، حيث يشير عدد من المحللين إلى أن المواجهة بقوات برية ضخمة من شأنه توسيع دائرة الصراع ووضع السعودية وتركيا في مواجهة مباشرة مع روسيا ويجعل المجتمع الدولي أمام حرب عالمية جديدة، وهو ما تدركه كافة الأطراف بما فيها روسيا نفسها، ومن ثم فإن التدخل المحتمل من قبل أنقرة والرياض قد يقتصر على عمليات عسكرية خاطفة وموجعة تقوم بها القوات الخاصة ذات الكفاءة القتالية العالية ضد داعش وضد النظام السوري في الوقت نفسه، كما أن هذا التدخل قد يعيد طرح المطلب التركي بإقامة مناطق عازلة وآمنة لحماية المعارضة إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، مقابل أن يقوم التحالف السعودي التركي بمحاربة تنظيم الدولة والسماح لأنقرة بضرب القوات الكردية السورية. هذا التلويح بالتدخل يفرض تساؤلا حول الموقف الأمريكي الغامض من هذا التطور؛ فهل سيكون التدخل التركي السعودي بالتنسيق معها، أم ستتحرك الدولتان بمعزل عن هذا التنسيق، ما قد تعتبره واشنطن نوعا من تمرد حلفائها على سياستها الغامضة تجاه الأزمة السورية؟ هنا تجدر الإشارة إلى أن النقلة النوعية التركية السعودية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتم دون موافقة من واشنطن، ومن الناتو تحديدا بالنسبة لتركيا باعتبارها عضوا فيه وانخراطها العسكري قد يفرض تبعات تؤدي إلى مواجهة بين الحلف وبين موسكو، وهو أمر مرفوض من قبل الناتو.

وقد انعكس ذلك بوضوح في كبح تحركات سلاح الجو التركي بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية لاسيما بعد نشر روسيا لمنظومة صواريخ إس 400 في سوريا، الأمر الذي دفع أنقرة إلى الاكتفاء بسلاح المدفعية -انطلاقا من الأراضي التركية- في ضرب وحدات الحماية الكردية السورية التي ترى أن اقترابها من المناطق الحدودية يشكل تهديدا للأمن التركي. أيضا من القيود التي قد تكبح التدخل السعودي التركي في سوريا قدر الخلافات البينية بين التحالف التركي العربي؛ فعلى سبيل المثال لا تتقبل أنقرة بسهولة المشاركة الإماراتية في هذا التحالف لدعم معارضة الجنوب عبر الأردن، هذا بالإضافة لحالة التقارب التي أبدتها البحرين تجاه روسيا في أعقاب زيارة ملك البحرين لموسكو مؤخرا بما يتعارض مع الموقف السعودي، ناهيك عن الرفض المصري الرسمي لانخراط السعودية وتركيا في سوريا على خلفية التعاون المصري الروسي من ناحية، ودعم القاهرة لبقاء الأسد من ناحية ثانية، وهو ما يتعارض مع توجهات الحليف السعودي الداعم لمصر بقوة.

بالإضافة إلى ذلك توجد جملة من التحديات الاقتصادية التي تواجه السعودية من شأنها التأثير على قرارات المملكة تجاه التدخل المحتمل في سوريا منها الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وتأثيرات ذلك على الاحتياطات النقدية التي يتم استخدام بعض أرصدتها في تمويل التواجد العسكري السعودي في اليمن، وما يمثله ذلك من استنزاف الموارد المالية والعسكرية للمملكة على حد سواء، ويجعل الانخراط العسكري في جبهتين جنوبية في اليمن وشمالية في سوريا أمرا غاية في الصعوبة، هذا إلى جانب سياسة التحالفات المتعددة التي تنخرط فيها السعودية كالتحالف الإسلامي، والتحالف الاستراتيجي مع تركيا، والتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ما يفرض بالضرورة تضارب في المواقف والأهداف التي تهتم بها تلك التحالفات، بما ينعكس على مواقف الدول المشاركة فيها.

وختاما فإن تدخلا عسكريا نوعيا من قبل السعودية وتركيا في سوريا خلال المرحلة القادمة لم يعد أمرا مستبعدا، إلا أن احتمالات حدوثه تظل محكومة بمجموعة من القيود والكوابح التي تجعل حسابات الطرفين السعودي والتركي في سوريا غاية في التعقيد، في ظل حالة التواجد العسكري الروسي وفي ظل حالة التفاهم الأمريكية الروسية السائدة حاليا.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية