متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

هل انتهت فرص التسوية السلمية للأزمة اليمنية؟

د. معتز سلامة 9-2-2016
طباعة
09/02/2016 اعتبرت الأزمة اليمنية منذ تفجر الثورة في 2011 ساحة حصرية على دول مجلس التعاون الخليجي، فعملت القوى الدولية على قصر هذه الساحة على دول المجلس، وعلى الرغم من تعيين جمال بن عمر كمستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون اليمن منذ إبريل 2011 وحتى إبريل 2015، إلا أن هذا المبعوث كان على صلة وطيدة بموقف دول المجلس والمبادرة الخليجية منذ إطلاقها.

وأكد الموقف الدولي بخصوص جعل اليمن ساحة حصرية لدول مجلس التعاون، القرارات الدولية التي صدرت بشأن الأزمة، والتي مررتها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بما فيها روسيا التي اكتفت بالامتناع عن التصويت على أهم هذه القرارات، وهو القرار 2216 الذي صدر في إبريل 2015 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي نزع الشرعية عن سلوكيات صالح والحوثي، وفرض عقوبات طالت الاثنين وبعض أقربائهما بالاسم.

هكذا جرى عزل اليمن عن المحيط الإقليمي والدولي، وجرت "عاصفة الحزم" من قبل التحالف العربي، بمعزل عن المشاركة الدولية (باستثناء مشاركة أمريكية لوجستية ومعلوماتية محدودة)، وحتى الآن لا تزال تطورات العملية العسكرية التي يخوضها التحالف مجالا حصريا على دوله، وفي القلب منها مجلس التعاون الخليجي.

ولكن على الرغم من ذلك، فلم تترك الأمم المتحدة الأزمة لمجلس التعاون الخليجي تماما؛ فقد جرى تعيين إسماعيل ولد الشيخ أحمد مبعوثا أمميا للمنظمة الدولية في إبريل 2015، بديلا لـ"بن عمر"، وأشرفت المنظمة على المفاوضات التي عقدت بين أطراف الأزمة في جنيف 1 و2، وبدا أن المنظمة التي دفعتها دولها لتبني قرارات لمصلحة التحالف تعمل على موازنة هذا الدور بأثر رجعي من خلال السماح بإشراك وفد الحوثي-صالح والتعامل معه، ومناقشة مقترحاته ومبادراته، وهو ما عني أن المنظمة فتحت الباب مجددا للتعامل سياسيا مع الأخيرين وتفاوضت معهما.

هناك جوانب أخرى تخص الدور الدولي في مسار الحرب، فهناك قيود على التصرفات العسكرية للتحالف العربي، وهي القيود التي تطرحها المنظمات الدولية كمنظمتي "العفو" و"هيومن رايتس ووتش" اللتين علا صوتهما بالنقد للتحالف العربي والحوثيين على حد سواء على ما اعتبراه خرقا للقانون الإنساني الدولي في اليمن وجرائم حرب، وهو ما يضع قيودا على الحملة العسكرية ويلزمها بمعايير تحد من القدرة على شن الضربات الجوية.

فضلا عن ذلك فإن الدور الأمريكي في اليمن لا يبدو أنه بعيد تماما عن التدخل العسكري المباشر، فلا زالت ضربات طائرات الدرون الأمريكية (طائرات من دون طيار) تضرب عناصر من تنظيم القاعدة، وفي 3 فبراير 2016 أعلن عن مقتل 6 عناصر من تنظيم القاعدة في غارة لطائرة أمريكية بدون طيار، كانت قد استهدفت آلية تقل عشرة منتسبين من القاعدة في قطاع رضوم في محافظة شبوة جنوب شرق اليمن.

وعلى الرغم من أن عوامل متعددة تفرض ضرورة إنهاء الحرب بسرعة، إلا أنه لا تتوافر دلائل كافية على الرغبة الدولية في إنهائها أو رغبة أطرافها "اليمنيين" في ذلك.

فبالنسبة للقوى الدولية والإقليمية، فإنها مشغولة أكثر بالصراع الدائر في سوريا، وتدرك هذه القوى (روسيا وإيران تحديدا) أنه بمجرد انتهاء واستتباب جبهة اليمن فإن المملكة العربية السعودية ستوجه اهتمامها تاليا وبسرعة شديدة للجبهة في سوريا لمواجهة إيران هناك، ومن ثم من مصلحة هذه القوى أن تظل جبهة اليمن مفتوحة على المملكة، التي لا تزال تعلن تمسكها بالإطاحة بالأسد سلما أو حربا، وتبدي استعدادها لإرسال قوات عسكرية لمواجهة داعش في سوريا (كستار على هدفها الحقيقي لإسقاط الأسد). وعلى جانب القوى الداخلية في اليمن (قوات صالح والحوثي تحديدا)، فإنها لا تبدو مهتمة كثيرا بإنهاء الحرب لأسباب أربعة: فالحرب ترتب خسائر بشرية وحرجا سياسيا لأطراف التحالف واستمرارها يسلط الضوء أكثر على هذا الجانب الإنساني وما يعتبره الحوثي وصالح "جرائم حرب"، كما يعرض التحالف لضغوط تدفعه إلى استئناف عملياته العسكرية التي لم تعد مرغوبة من بعض أطراف التحالف ذاتها، كذلك فإن استمرار الحرب يظهر قوات التحالف بأنها غير قادرة على ضمان استقرار المناطق التي ادعت تحريرها(عدن تحديدا)، فضلا عن أنه يمكن ميليشيات الحوثي وصالح من تطبيق ما تعتقد أنه جني ثمار الحرب بعد الصبر الطويل لمدة تزيد على 10 أشهر، من خلال إجبار التحالف على خوض معركة صنعاء، وهي التي يتوقع أن توقع خسائر بشرية أكثر في صفوف التحالف، وفضلا عن كل ذلك تستمر الهجمات الحوثية المضادة على الجنوب السعودي، على نحو يمنح الحوثيين وصالح أوراق ضغط عند التفاوض.

في ظل هذه الأجواء، تتشابه الحرب في اليمن والمعركة الصفرية، التي تتراجع فيها إمكانات قبول أطرافها بالحلول الوسط، وهي الحلول التي تحفز على التسويات في كل الحروب، ويخلف استمرار الضربات المتبادلة خسائر وكوارث تغذي دورة الحرب.

ويستغل الحوثي- صالح إطالة المواجهة في إعادة كسب الاعتراف الدولي، فعلى الرغم من صدور القرارات الدولية الخاصة بالأزمة مثل القرار 2216، فقد تم التعامل معه بقفازات ناعمة، وبدت الأمم المتحدة كمن اندفع إلى موقف دون أن يحسبه جيدا، حيث أعطت لدول التحالف ما أرادت (قرار دولي به كل عناصر الإلزام)، لكن بالمقابل لم توفر أدوات دولية لتنفيذه، ما يعني أن تعتمد دول التحالف على قدراتها الخاصة.

كما تتجه الحرب للدوران مع دورات مصالح دولية وداخلية أكبر وأوسع، ففي داخل اليمن، تؤدي الحرب إلى انتعاش المُركب التجاري القبلي العسكري الذي انتعش على حروب الداخل اليمني في ظل سنوات حكم الرئيس علي صالح، وهو الأمر الذي سوف ينتعش أكثر في ظل وجود قوى ودول باستطاعتها الإنفاق على أطراف الصراع، سواء على جانب قوى الدولة والقوات التابعة لعبد ربه منصور هادي، أو على طرف قوات صالح والحوثي.

حتى الآن لا يزال الحديث عن بدء معركة صنعاء من جانب التحالف عند مستوى التهديد اللفظي، وإن كان هناك مؤشرات على الأرض باتجاه القوات التابعة للشرعية للضغط على العاصمة من جبهات مختلفة، واتجاه الضربات الجوية للتركز في نواحي محددة من العاصمة ربما بهدف إحداث خروقات تكون مقدمة للغزو البري، ويبدو أنه خلال الأسابيع الماضية تطور سيناريو لاختراق العاصمة والحسم العسكري فيها، وهو ما تشير إليه مؤشرات عدة، لكن حتى الآن يمكن توظيف هذه الخطوات العسكرية من جانب التحالف في مزيد من الضغط السياسي على أنصار صالح والحوثي لإجبارهم على التنازل في التسوية، إلا أنه لا تبدو هناك مؤشرات على اتجاه الأخيرين للتنازل، برغم وجود مؤشرات على اختراقات سياسية في صفوفهم وانضمام البعض إلى صفوف الشرعية.

كما أن هناك احتمالات اللحظة الأخيرة، بإمكانات أن يكون شراء الولاءات القبلية في اليمن قد وصل إلى مرحلة متطورة على نحو يجعل الأرض تميد تحت أقدام الحوثي صالح فجأة، وهو أمر ليس بغريب على الخبرة اليمنية، حيث يمكن أن ينتهي الأمر إلى هزيمة ساحقة وهروب هزلي للقيادات في صفوف أنصار صالح والحوثي بعد انفضاض التحالفات من حولهم.

وعلى أية حال، فإذا بدأت معركة صنعاء، ودخلت قوات التحالف في مناطق بالمدينة وتمكنت من إحداث جيوب وجبهات للتمترس بها، فسوف تبدأ موجة جديدة من المعارك التي قد لا تنتهي، وهو ما يبدو المسار المرجح للحرب حتى الآن، حيث يتقلص هامش الوقت والفرص التي كان يسعى من خلالها أطراف الصراع لتعظيم الكروت والأوراق في أيديهم لاستخدامها وتوظيفها في التفاوض، ويتجه الأمر نحو تبني الخيار العسكري كخيار وحيد لحسم المعركة وفرض الهزيمة الساحقة على الطرف الآخر، وهو ما يعني أن مسار التفاوض انتهى فعليا، وأنه علينا انتظار ترضيات وصفقات سياسية لما بعد الحرب.

هنا يمكن أن تأخذ الأمور الخاصة بمستقبل التسوية السياسية أحد هذه المسارات الثلاثة: 1- تسوية شاملة تحت ضغط معارك صنعاء: حيث يمكن أن يصمد تحالف الحوثي–صالح في وجه الضربات التي تتعرض لها العاصمة لفترة، وأن يكرس الضغط المعنوي والسياسي على دول التحالف لإنهاء عملياتها بعد أن تتعاظم الكوارث الإنسانية، وينتهي الأمر بدفع الجانبين إلى تسوية لا تحقق شروط أي منهما بشكل كامل، ومن ثم تنتهي التسوية إلى نقطة وسط تحقق نصف أهداف كل جانب، وهو ما يعني أن تعود الشرعية للحكم في اليمن مع تغييرات سياسية، وأن يبقى تحالف الحوثي وصالح مع تغييرات داخلية بحيث تتوارى القيادات عن المشهد.

2- تسوية شاملة ما بعد انتهاء معارك صنعاء: وهنا الافتراض الأساسي أن تنتهي الحرب إلى أحد نتيجتين الأولى: إكمال التحالف هدفه بالاستيلاء على صنعاء، وهروب القيادات في تحالف الحوثي-صالح، ونجاح السيناريو العسكري للتحالف في كسر القوات الخارجة عن الشرعية، وهو ما يعني أن يتمكن التحالف من تحقيق الأهداف الأولى التي بدأ الحرب لأجلها، المتمثلة في إبعاد صالح والحوثي، وإعادة الدولة اليمنية إلى مسار المبادرة الخليجية ومقررات الحوار الوطني، وهو المسار الأمثل للتحالف.

أما الوجه الآخر لهذا السيناريو، فهو ألا تنكسر إرادة الحوثي صالح، وأن تنتهي معارك وحروب صنعاء إلى انسحاب لقوات التحالف وخسائر بشرية كبيرة، وانهيار قوات الشرعية وخيار الشرعية، وبدء مشكلات كبيرة بين اليمن والمملكة العربية السعودية.

3- تسويات وترضيات "دون وطنية": قد تنتهي نتيجة الحرب إلى تغليب سيناريو آخر، وهو الدخول في مرحلة من المساومات مع قوى ما دون الدولة، وبناء كل طرف تحالفات "دون وطنية" مع القوى الأدنى على حساب الدولة الوطنية، وهو ما يعني أن يتكرس اليمن الجنوبي، من خلال اكتفاء الجيش الشرعي بالسيطرة على المناطق الجنوبية، وعدم إكمال حرب صنعاء، وأن تتجه دول التحالف إلى بناء شراكات وتحالفات مع مناطق وقوى ومحافظات يمنية لأجل استمرار التصدي لقوات الحوثي صالح، وربما التغاضي عن سيطرة تنظيم القاعدة وتنظيمات داعشية على مناطق من اليمن على حساب الدولة، وبناء إمارات إسلامية وسلفية.

وينتهج الحوثي صالح النهج نفسه، حيث تصب مكاسب الحرب في النهاية في مصلحة القوى اللادولتية وبيزنيس لوردات الحروب.

طباعة