متابعات تحليلية - مصر

ثورة 25 يناير في ذكراها الخامسة: محاولة للتقييم

طباعة

بينما يدور الصراع في وسائل الاعلام والوسائط الاجتماعية على الانترنت بين من ينظرون إلى 25 يناير والايام التالية له حتى اضطرار الرئيس السابق حسني مبارك للتخلي عن السلطة في 11 فبراير 2011 على أنها فترة ثورة مكتملة الأركان لم تحقق أهدافها حتى اليوم، يري آخرون أن ما حدث لم يكن سوى محض مؤامرة شاركت فيها أطراف داخلية وخارجية عديدة.

ويصدق الأمر نفسه على الموقف مما جرى في 30 يونيو عام 2013 حيث تثار نفس التساؤلات: هل ما حدث ثورة منفصلة عن ثورة 25 يناير أم أنه تصحيح أو استكمال لها، أم انقلاب عسكري جاء بمؤامرات داخلية وخارجية أيضا؟ ليس من المناسب هنا الدخول في معارك نظرية حول تعريف "الثورة " وهل ما زالت تعني إحلال طبقة اجتماعية محل طبقة اجتماعية أخرى كما يقول الماركسيون، أم أن الثورة بهذا المفهوم لم يعد لها وجود على الأقل بسبب غموض مصطلح الطبقة ذاته كما يقول الليبراليون.

الأمر الأكثر إلحاحا هو كيفية تقييم أي حدث، ليس في إطار الأسباب التي وقفت وراء وقوعه فقط، وليس أيضا في مدى تحقق الأهداف التي طالب بها من صنعوا أو شاركوا في هذا الحدث، بل في إطار الظروف التي أحاطت به محليا وإقليميا ودوليا.

والنظر في نفس الظروف التي أحاطت بالذكرى الخامسة له سواء صنفه البعض باعتباره ثورة أم انتفاضة، أم صنفه البعض الآخر باعتباره ثورة ثقافية وليست اجتماعية، أو فيما حتى لو كان حسب رؤية البعض محض مؤامرة.

التقييم بين الشعارات والأيديولوجيا مما لا شك فيه ومن خلال العودة إلى الدعوات للتظاهر والتي سبقت اندلاع "الثورة" ضد نظام مبارك، سنجد أن من دعوا لها من تنظيمات وأحزاب وجماعات وأفراد نشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يستخدموا تعبيرات الثورة وإسقاط النظام على الإطلاق.

كانت الدعوات تطالب بالتجمع فقط من أجل إظهار الاحتجاج على بعض السياسات الاجتماعية والأمنية لنظام الحكم وحصرت مطالبها في تحسين الأوضاع المعيشية ومعالجة مشكلات البطالة للشباب، وكبح الممارسات العنيفة التي تنتهجها الشرطة ضد المواطنين.

ومع تدهور الأوضاع بعد الصدامات العنيفة بين الشرطة والمتظاهرين خاصة في اليوم الرابع لاندلاع الاحتجاجات، وبعد انسحاب الشرطة من الشارع وحلول الجيش محلها بهدف حفظ الأمن واستعادة الهدوء سارت الاحداث في اتجاه مغاير وظهرت شعارات "عيش - حرية - عدالة اجتماعية "، "الشعب يريد إسقاط النظام".

وعلى حين كان الشعار الأول جاذبا لأغلب من شاركوا في المظاهرات الحاشدة بعد يوم 28 يناير 2011 ويحظى بتأييد واسع حتى في أوساط الأغلبية الصامتة التي لم تنزل إلى الشوارع ولم تشارك في الاحتجاجات، كان الشعار الثاني قد تم تبنيه من فئات متنوعة انتمت لتيارات واسعة من ليبراليين ويساريين وإسلاميين ولكنه لم يدخل ضمن المطالَب الحقيقية لمن تبنوا الشعار الأول.

وعلى حين كان شعار "عيش-حرية-عدالة اجتماعية" يتسم بالعمومية والغموض، كان شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" محددا ودقيقا في أهدافه وإن افتقد الإشارة إلى البديل الذي يمكن أن يكون مطروحا في أعقاب سقوط النظام، واتسم في جانب منه أيضا بالغموض وتجاهل سؤال وماذا بعد ان يتحقق الهدف؟ كان هذا التناقض بين ما تؤيده الأغلبية من المصريين من مطالب لا تصل إلى حد إسقاط النظام، وبين تيارات سياسية ذات أيدولوجيات متنوعة وتسعى لإسقاط النظام دون الاتفاق على البديل الذي يرتضونه هو السبب المباشر فيما آلت إليه الاحتجاجات أو "الثورة" من تمزق وتشتت بين كافة القوى "الثورية" وعدم استقرار أدى إلى مزيد من الشعور بوطأة سوء الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية، وتفاقم عدم الشعور بالأمن لفترة امتدت حتى إجراء الانتخابات الرئاسية في يونيو 2012.

ولعبت التدخلات الدولية والإقليمية في الأزمة التي واجهها نظام مبارك دورا لا يمكن تجاهله في زرع الشكوك داخل نفوس أغلب المصريين من أن ما يحدث وان كان له دواعيه المحلية، فأن أهدافه ربما تتجاوز ذلك إلى تحقيق بعض القوى الخارجية لأهداف أخرى لا تحظى بالضرورة بالقبول من أغلبية المصريين.

بمعنى أكثر وضوحا لم تحقق الثورة أهدافها، ليس بسبب ما يسميه البعض بمؤامرات الثورة المضادة أو قوة الدولة "العميقة"، ولكن بسبب الاضطراب في تعريف محتوى الاحتجاجات منذ بدايتها، والتضارب في تحديد أهدافها من قبل من شاركوا فيها من النخب السياسية وجمهور المحتجين، على حد سواء، جنبا إلى جنب مع التخوف من مؤامرات خارجية تضر بمستقبل البلاد في المدى البعيد.

ورغم ذلك لا يمكن إنكار أن 25 يناير 2011 قد حقق هدفا مهما للغاية وهو وقاية البلاد من احتمالات الانقسام في مؤسسات الدولة وربما حماها أيضا من تدهور الأوضاع إلى شبه حرب أهلية اذا ما نجح الرئيس السابق حسني مبارك في تمرير مشروع التوريث.

وفتحت "الثورة" أيضا الطريق أمام توسيع هامش الحريات السياسية والحزبية، وغيرت -ولو لحظيا- من العلاقة بين رئيس الدولة وبين الشعب من علاقة حاكم-رعية إلى علاقة رئيس-مواطنين.

" الثورة " في ذكراها الخامسة...

استمرار الإشكالية اذا كان سبب فشل الثورة في تحقيق أهدافها قد تمحور في عدم بلورة القوى الثورية لرؤية تراعي التوفيق بين المطالَب وبين قدرة الواقع السياسي-الاجتماعي على تحمل تكلفة تحقيقها، فالوضع بعد مرور خمس سنوات لم يحرك ساكنا.

فمازالت قدرة الجماعات السياسية على صوغ مشروع واقعي للتحول نحو مجتمع ودولة ديمقراطيتين على مدى زمني مناسب ضعيفة إن لم تكن معدومة.

ويتم الاستعاضة عن طرح التساؤلات الضرورية لتحقيق هذا المشروع باستخدام الشعارات والدعوة إلى التظاهر والاعتصام وأعمال الاحتجاج على مواقف وقضايا هامشية دون التحلي بالقدرة على التوجه نحو تحقيق استراتيجيات بعيدة المدى بوسائل متدرجة.

فعلى سبيل المثال لم تطرح هذه القوي بجدية مسألة العلاقات المدنية-العسكرية وظلت تردد أنه طالما أن رئيس الدولة قد أتى من المؤسسة العسكرية، فالنظام القائم هو نظام عسكري يجب إزالته وتمكين المدنيين من الحكم، برغم أن معيار الحكم العسكري لا يتوقف على هذا البعد وحده، وبرغم التجارب التي تشير إلى أن رئاسة الدولة يمكن أن تكون قاصرة على المدنيين، ولكن ذلك لا يمنع نفوذ المؤسسة العسكرية من أن يكون هو المرجح للخيارات السياسية التي قد يتبناها الرئيس المدني.

وبرغم أن ذلك أيضا قد لا يمنع من تحالف قوى استبدادية مدنية مع المؤسسة العسكرية لتشكيل نظام سلطوي أو ديكتاتوري.

وأخيرا لا تنظر هذه القوى بشكل واقعي إلى قضية نفوذ المؤسسة العسكرية وعلاقته بكتل اجتماعية كبيرة تؤيدها خوفا من الفوضى أو سيناريو الحرب الأهلية، وتري أن خوفها على الديمقراطية يحب أن يؤخذ في الاعتبار حتى لو تم تجاهل مخاوف الكتل المشار إليها من انهيار الدولة في حالة ابتعاد العسكريين بشكل كامل عن المشاركة في القرار السياسي.

إن مسألة إبعاد العسكريين عن المجال السياسي تستدعي حوارا معمقا ومسؤولا بين القوى السياسية والمؤسسة العسكرية ينطلق من فهم طبيعة اللحظة ومتطلباتها بأكثر من المراهنة على الأفكار النظرية المجردة، وتبدو مسؤولية القوى المدنية كبيرة في هذا الإطار من حيث ضرورة تبنيها لخطاب متوازن كمدخل لهذا الحوار يراعي البعدين التاريخي والاجتماعي في علاقة المؤسسة العسكرية بالوضع السياسي في البلاد.

وبمعنى آخر ينبغي تخلي هذه القوى عن الشعارات الاستبعادية بداية وأن تضع استراتيجية واضحة لخلق بدائل قادرة على طمأنة الجماهير التي تربط أمانها بوجود العسكريين في مؤسسة الرئاسة من جانب، وقادرة من جانب آخر على خلق مساحة من الاتفاق مع المؤسسة العسكرية حول أولويات المرحلة الراهنة وسبل تطوير الحياة السياسية ووضع ترتيبات متدرجة ومقبولة من الطرفين لفض الاشتباك حول مكانة ودور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.

في الاتجاه نفسه تبدو نظرة المجتمع المدني إلى جهاز الشرطة باعتباره موضع للكراهية الجماعية استنادا إلى ممارسات بعض المنتمين له منذرة بخطورة كبيرة على استقرار البلاد لا تقل عن خطورة ترك هذه الممارسات مستمرة دون مسائلة وعقاب من جانب صانع القرار...

واذا كان البعض يحاول تبرير هذه الممارسات بحجة المواجهات التي تقوم بها الشرطة ضد الجماعات الإرهابية، فالطرف الذي يرفض هذه الممارسات ويجرمها يبدو أنه يركز على إسقاط هذه المؤسسة بأكثر من تركيزه على قضية إصلاحها وتقليل حجم انتهاكات أفرادها للقانون دون النظر لخطورة تكرار ما حدث في أعقاب انهيار الجهاز وانسحاب أفراده من الشارع بعد ليلة 28 يناير 2011.

ان إصلاح جهاز الشرطة يتطلب حوارا حضاريا بين كافة الأطراف كما يتطلب طرح مقترحات والضغط من أجل تطبيقها مثل إلزام الشرطة بقبول نشطاء من جماعات حقوق الانسان لحضور التحقيقات مع المتهمين بأية مخالفات، كما يتطلب أيضا الضغط من أجل تغيير نظام التعلىم في كلية الشرطة وتعديل القوانين واللوائح التي يستغلها بعض المنتمين للجهاز للهروب من المساءلة في حالة ارتكاب مخالفات قانونية، وأخيرا يجب أن يستغل المجتمع المدني المجال القضائي لمطاردة المخالفين للقانون من رجال الشرطة بشكل مستمر وعدم اليأس من النجاح في معاقبة بعض المخالفين حتى لو تمكن آخرون من النجاة من المحاكمات.

وما يصدق على معالجة وضع المؤسسة العسكرية وجهاز الشرطة يصدق على قضايا أخرى مثل سبل مكافحة الفساد بكافة أشكاله السلطوية والاجتماعية، وكيفية الحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع في ظل تحدي الجماعات الإرهابية والقوي الدولية والإقليمية المرتبطة بها.

إن محاولة إشاعة أن التحديات الخارجية وتحدي الاٍرهاب في الداخل ليس سوى ذريعة لتبرير الاستبداد السياسي وانتهاكات حقوق الانسان وهيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي، وإيهام المواطن بأن هذه التحديات والمشكلات غير حقيقية أو محض مبالغات، يشكل خطأ بالغ في معالجة المخاطر العديدة التي تحيط بالبلاد حتى وإن تباينت درجاتها ومدى أو حجم صدقيتها.

وَمِمَّا لا شك فيه أن الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير قد أظهرت مدى توجس المجتمع المصري من المخاطر الداخلية والخارجية التي تحيط بالبلاد بحيث مرت هذه الذكرى في بيئة غلب علىها التحريض على إسقاط النظام دون شعور بالمسؤولية حيال غياب البدائل، كما غلب علىها مبالغة الدولة في تبعات هذا التحريض إلى الحد الذي أجبر أغلب المصريين على عدم مغادرة منازلهم في ذلك اليوم، وحتى لا يتكرر الأمر في الذكرى القادمة للثورة يجب على القوى المدنية أن تبحث عن الوسائل الكفيلة بتجسير الفجوة بينها وبين مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسستين المحتكرتين شرعيا للعنف: الجيش والشرطة.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية