متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

مصر والسعودية وتركيا ومثلثات القوى الإقليمية في الشرق الأوسط

محمد عبد القادر خليل 28-1-2016
طباعة
28/01/2016 مثلثات القوى الإقليمية تتبدل أضلاعها وتتباين نمط التفاعلات السياسية فيما بينها، وتضطلع كل من مصر والسعودية وتركيا بأدوار لافتة ضمن هذه المثلثات، والتي قام أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء التركي الحالي، في كتابه الأشهر "العمق الاستراتيجي"، بتصنيف مستوياتها إلى ثلاثة تتدرج من حيث القوة والنفوذ الإقليمي، معتبرا أن تركيا يتصاعد حضورها على مسرح عمليات الإقليم كلما كان نمط تحالفاتها يدفع بتوثيق الروابط مع دولتين من المستوى الأول (يضم مصر وتركيا وإيران)، إلى جانب دولة من المستوى الثاني (يشمل السعودية والعراق وسوريا).

وبينما كانت العلاقات السعودية - التركية تتحرك بين حدين ضَمنا لها الاستقرار النسبي خلال السنوات الماضية، فإن وتيرة الصلات بين مصر وتركيا ارتبطت تقريبا (سواء بشكل قصدي أو دون قصد) بنمط عكسي مع طبيعة العلاقات التركية – الإيرانية.

ذلك أن تركيا تجنبت خلال السنوات الماضية التصعيد سياسيا حيال مصر وإيران في توقيت واحد.

وقد تزايدت مؤخرا نذر التوتر في العلاقات الإيرانية-التركية لتباين الرؤى حيال العديد من القضايا الإقليمية، هذا فيما تصاعدت مظاهر التطور الإيجابي في العلاقات السعودية-التركية، خصوصا بعد الإعلان عن تأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي المشترك.

وقد دفع ذلك المملكة العربية السعودية للسعي لتوظيف علاقاتها الاستراتيجية مع الجانبين (المصري والتركي) لتجسير هوة الخلاف بينهما، على نحو قد يدعم، من ناحية، مظاهر الاستقرار الإقليمي وفق الرؤية السعودية، ويفضي من ناحية أخرى إلى إزالة العوائق التي يمكن أن تعترض عمل "التحالف الإسلامي"، الذي كانت قد أعلنت عن تأسيسه، والذي يشمل بين أقطابه كلا من الدولتين. مسارات العلاقات المصرية التركية ربما تكون مصر وتركيا في حاجة إلى إحداث اختراق في مسار علاقاتهما المشترك منذ أن أقدمت القاهرة على اتخاذ قرار يقضي بتخفيض العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى القائم بالأعمال، في نوفمبر 2013، ردا على الموقف التركي الذي تبنى توجهات عدائية حيال الدولة المصرية في مرحلة ما بعد الثلاثين من يونيو 2013.

وقد ساهم التصعيد الإعلامي المتبادل، خصوصا من قبل الجانب التركي، في إحباط كافة الجهود التي بذلت من قبل قوى تركية داخلية، بعضها ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه، والبعض الآخر ينتمي إلى أحزاب سياسية معارضة، هذا بالإضافة إلى جهود المملكة العربية السعودية على المستوى الإقليمي، التي أخذت على عاتقها العمل من خلال القنوات السياسية والدبلوماسية لبلوغ صيغ توافقية تعيد بلورة المقاربات المتبادلة، في توقيت يموج فيه الإقليم بالصراعات، وتتصاعد مظاهر التوتر مع إيران على أكثر من جبهة.

وقد تأسس ذلك على أن توثيق العلاقات بين الدول الثلاث (مصر، والسعودية، وتركيا) وإعادة تشكيل العلاقات والروابط داخل المستوى الأول لمثلثات القوى الإقليمية، من شأنه أن يسفر عن تغيير محوري في معادلات الأمن الإقليمي، ولعل ذلك يفسر الإصرار السعودي على إحداث نقلة في علاقات الجانبين المصري والتركي.

وأيضا طبيعة "النفس الطويل" الذي وسم تحركات الدبلوماسية السعودية على هذا المسار، والأسباب التي أدت لأن تغدو القاسم المشترك في كافة المناسبات التي تم الحديث فيها عن احتمالية إعادة تطبيع العلاقات بين الدولتين. وفي هذا الإطار أشارت بعض التقارير التركية، مؤخرا، إلى أن الجانبين المصري والتركي في طريقهما إلى صوغ "مذكرة مصالحة" عبر وساطة سعودية.

هذا فيما أشارت بعض التقارير الإعلامية، إلى وجود وفد أمني مصري في أنقرة لبحث سبل إعادة تطبيع العلاقات بين الجانبين، بالتزامن مع توجيه بعض الأصوات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين انتقادات واضحة للحكومة التركية، في سابقة غير معهودة، وذلك بسبب ما اعتبرته هذه الأصوات تضييق نسبي على تحركاتهم ووقف لمصادر تمويل سخرتها تركيا بسخاء لخدمة أهداف عناصر الجماعة، خلال الفترة الماضية، بما قد يمثل مؤشرا آخر على إمكانية إعادة ضبط الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يبث من أنقرة نحو القاهرة.

المحركات المحفزة للتحركات السعودية ثمة العديد من المحركات التي قد تجعل من الخطى السعودية لتحسين العلاقات المصرية-التركية أكثر قدرة على اختراق جدار التوتر الصلب، وذلك بالنظر إلى طبيعة الاستدارة التركية في أعقاب التدخل الروسي في سوريا، والذي جعل أنقرة تواجه ما يمكن اعتباره جملة من الصراعات مع كل من العراق، وسوريا، وإيران، وروسيا، في توقيت واحد، بما يعنيه ذلك من ضرورات العمل على إعادة تدوير زوايا الاتجاهات حتى لا تبدو تركيا دولة معزولة على مسرح عمليات الإقليم. يرتبط ذلك على جانب ثان، بنمط السياسات التي تبنتها موسكو حيال أنقرة بعد إقدام الأخيرة على إسقاط الطائرة الروسية SU-24، في 24 نوفمبر الماضي، حيث تعددت العقوبات الاقتصادية المباشرة، والسياسية، والعسكرية غير المباشرة، بما أفضى إلى حاجة أنقرة إلى إعادة النظر في سياساتها حيال بعض القوى الإقليمية.

ويأتي في هذا السياق الإعلان المفاجئ عن التوصل لاتفاق يقضي بإعادة "تطبيع" العلاقات التركية – الإسرائيلية، خصوصا في ظل تصاعد تلويح كل من روسيا وإيران بورقة الغاز، وذلك بسبب اعتماد أنقرة على واردات الغاز من الدولتين، بما يغطي ما يزيد على ثلثي احتياجاتها منه، وما يتجاوز نصف وارداتها من النفط.

وعلى جانب ثالث، يرتبط ذلك بطبيعة المخاوف السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تعتري بعض الأوساط التركية حيال نمط التحسن المتصاعد في العلاقات بين إيران والعديد من الدول الغربية، سيما بعد رفع العقوبات الدولية عن طهران، واحتمالية توسع الأخيرة في عمليات التسلح، ومد خطوط النفوذ في مناطق مجاورة لأنقرة، استغلالا للوفرة المالية المحتملة.

وعلى الرغم من أن أنقرة تعد واحدة من أكثر البلدان التي استفادت من العقوبات الغربية على طهران، فإن بعض الأوساط الاقتصادية التركية توقعت تحقيق مكاسب أكبر بعد رفع هذه العقوبات.

بيد أن نمط التوجهات الإيرانية، وتصاعد الخلافات السياسية بين الجانبين، قد يهددان ليس فحسب المكاسب التركية المحتملة، وإنما أيضا المحققة فعليا.

فهناك نحو 200 شركة تركية عملت في إيران من دون وجود منافسين في المجالات التي كانت لا تعمل فيها الشركات الغربية بسبب العقوبات.

ولذا تتوفر بعض التقديرات بأنه ربما يفضي رفع العقوبات إلى تحقيق خسائر لتركيا بعد فترة من المكاسب التي حققتها من التعاملات المشروعة وغير المشروعة التي كانت قائمة في السابق. في المقابل، تبدو مصر بدورها في حاجة إلى عدم تصعيد ملفات التوتر مع تركيا، باعتبارها قوى إقليمية رئيسية، وتضطلع بأدوار على مسرح عمليات الإقليم، كما أن العمل على تحقيق درجة من التناغم مع السياسات السعودية يأتي ضمن أولويات الدولة المصرية، انطلاقا مما يستوجبه نمط العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين، والذي تجسد مؤخرا في "إعلان القاهرة"، والذي يضع آليات تفصيلية لإدارة العلاقات على مختلف الأصعدة، هذا فضلا عن حاجات مصر إلى تجفيف كافة منابع الدعم عن جماعة الإخوان المسلمين، سواء على المستوى السياسي أو المادي.

مؤشرات العلاقات بين الأضلاع الثلاثة العلاقات بين السعودية ومصر تتخذ منحى أكثر تطورا، خصوصا في ظل توالي المؤشرات الدالة على التوجه بمنح العلاقات سمة مؤسسية على أكثر من مستوى، ومن ضمنها المستوى العسكري، خصوصا مع توالي تنظيم البلدين للمناورات العسكرية المشتركة، وذلك على نحو غير مسبوق سواء من حيث المستوى أو الكثافة.

هذا في وقت تشهد فيه العلاقات السعودية مع تركيا تطورات لافتة، تمثلت - مؤخرا- في التوصل إلى اتفاقات تخص مستويات التعاون الاقتصادية والعسكرية، قدرت بما يتجاوز العشرة مليارات دولار.

وبينما تشير بعض المؤشرات إلى أن ثمة تحولات إيجابية محتملة بشأن مستقبل العلاقات المصرية التركية، خاصة بعد الانفراجة النسبية التي باتت تشهدها العلاقات التركية– الإماراتية، غير أن العائق الأبرز أمام ذلك يتمثل في أن ثمة قوى داخل تركيا تناور لتفادي الاستجابة للتحركات السعودية والضغوط الحزبية الداخلية، بإعطاء إشارات متناقضة، ذلك أن تحسين العلاقات مع مصر، سيتطلب تلقائيا، ووفق الاشتراطات المصرية، التخلي عن دعم جماعة الإخوان، وتسليم بعض المطلوبين قضائيا، وإغلاق كافة القنوات الإعلامية التي توظف للنيل من أمن واستقرار الدولة المصرية.

وبينما تبدى الحكومة التركية حرصا على تحقيق ذلك، فإن الرئاسة التركية وبالتبعية مستشاريها تبدو أكثر ممانعة.

ويبدو أن ترجيح كفة أي من الاتجاهين هو الذي سيقرر نمط الاستجابة التركية لكل من الاشتراطات المصرية من جانب، والرؤى السعودية الخاصة بنمط التفاعلات على مسرح العمليات الإقليمي من جانب آخر.

ذلك أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها إبراهيم كالين المتحدث باسم الرئاسة التركية، وكبير مستشاري الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بشأن اتجاهات تركيا حيال الأوضاع السياسية في مصر، تشير إلى أن ثمة قوى رئيسية داخل الدولة التركية مازالت تعتبر أن استقرار الدولة المصرية واضطلاعها بأدوار رئيسية على المستوى الإقليمي، يشكل خصما من أدوار تركيا إن على مستوى الدولة أو القيادة السياسية.
طباعة