متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

إيران وحسابات مخاض تسويات الأزمات الإقليمية

د. محمد سعيد إدريس 27-1-2016
طباعة
27/01/16 ربما يكون الوقت مازال مبكراً للحديث عن تسويات لأزمات إقليمية، لكن من الصعب أيضاً تجاهل وجود مؤشرات وتطورات تكشف عن معالم لبعض هذه التسويات التي يصعب أيضاً تصور أن إيران يمكن أن تكون بمعزل عنها.

هذا القول ينطبق على مجموعة من الأزمات الكبرى في إقليم الشرق الأوسط أبرزها بالطبع الأزمة السورية والحرب ضد تنظيم "داعش" في العراق، إضافة إلى أزمة الرئاسة اللبنانية وربما الأزمة الليبية والحرب في اليمن. إيران تدرك ذلك وتدرك أيضاً أن القوتين الإقليميتين المنافستين على الزعامة الإقليمية: إسرائيل وتركيا لن تفوتا فرصة لتجيير أي من تحولات تلك الأزمات لصالحها، أو على الأقل سوف تسعى لتقليل المخاطر وتعظيم المكاسب، ومن هنا فإن العقل الاستراتيجي الإيراني من المؤكد أنه يتابع عن كثب ما يحدث من تطورات سواء في جمود تسوية كل من هذه الأزمات، أو في تفاعلات إسرائيل وتركيا معها.

فكيف ستتعامل إيران مع هذه المستجدات؟ أولاً: إسرائيل وأزمات المنطقة لو أخذنا إسرائيل كحالة للدراسة والتحليل سنجد العقل الإستراتيجي مشغولاً بالحصول على إجابة مأمونة لسؤال كيف يمكن أن نخرج من تسويات هذه الأزمات بأعلى مكاسب وأقل خسائر، وهو ما يرتبط بأمر آخر لا يقل أهمية له ثلاثة أبعاد: أولها، تأمين التفوق العسكري – الإستراتيجي الإسرائيلي المطلق على كل القوى المجاورة عربية كانت أم إقليمية.

وثانيها، تأمين ظهير دولي قوي قادر على توفير الضمانات الكافية للتفوق الإسرائيلي مع الأخذ في الاعتبار كل ما يحدث من تطورات في توازنات القوى الدولية وأدوارها المتحولة.

وهنا يجئ التأكيد على حتمية عدم التفريط بأي حال من الأحوال بالعلاقة فوق الإستراتيجية أو الاستثنائية التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة على الرغم من تراجع الدور والنفوذ الأمريكيين في إدارة الصراعات الدولية، مع حرص على كسب صداقة والتحالف مع القوة الدولية الصاعدة والمنافسة بقوة للنفوذ الأمريكي خاصة في إقليم الشرق الأوسط أي روسيا الاتحادية.

وثالثها، الحرص على تجديد حيوية الوظيفة التاريخية لدولة إسرائيل بالنسبة للعالم الغربي كله، ثم وهو الأهم ابتداع وظيفة إقليمية لإسرائيل تأخذ في اعتبارها ما حدث وما يحدث من تحولات في إدراك دول وأطراف عربية لإسرائيل باعتبارها حليفا محتملا بعد أن كانت عدواً مؤكداً، وهي تحولات حدثت وتحدث نتيجة التفكيك الذي جرى على مدى العقود الثلاثة الماضية في علاقة دول عربية بالقضية الفلسطينية التي لم تعد محدداً محورياً، أو لم تعد المحدد المحوري أو الوحيد في علاقة دول عربية بإسرائيل على نحو ما كان في السابق عندما كانت هذه القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية. هذه الاهتمامات الثلاث تعمل جنباً إلى جنب مع الانشغال الإسرائيلي بالإجابة على السؤال الشاغل والأهم الخاص بالحصول على أعلى مكاسب وأدنى خسائر من تطورات ما يدور على أرض العرب من صراعات مشتعلة وبالذات الصراع الدائر في سوريا.

وهنا نجد الإسرائيليين مشغولين بثلاثة قضايا محورية: القضية الأولى، هي الانتشار العسكري الروسي المكثف في سوريا في ظل العزوف الأمريكي عن أي تورط عسكري جديد في العراق أو سوريا، وما يفرضه من تداعيات تخص مستقبل سوريا من ناحية، بمعنى: أي سوريا ستنشأ في ظل كل هذا الانتشار العسكري الروسي.

وما هي التحالفات التي ستنشأ نتيجة هذا الانتشار، وبالذات التحالف الروسي- الإيراني، والصراع الروسي- التركي، واحتمالات التمدد الروسي في العراق رداً على التورط التركي في شمال العراق؟ وكيف سينعكس كل ذلك على المكونات العرقية في المنطقة وبالذات المكون السُني وعلاقته بالمكون الشيعي، وكيف سيؤثر هذا كله على مصالح وأمن إسرائيل من ناحية وعلى تحالفات إسرائيل الإقليمية من ناحية أخرى؟ أما القضية الثانية فهي، وكما كتب المعلق الإسرائيلي يعقوب عميدور، زيادة كثافة الوجود العسكري الإيراني في سوريا وتمدد نفوذ حزب الله على الأراضي السورية تحت المظلة العسكرية الروسية.

فإسرائيل تخشى من توجه إيراني مسنود من حزب الله لتأسيس جبهة قتال ضدها في الجولان المحتل، وتخشى من استفادة مقاتلي حزب الله من خبرة القتال في سوريا، وانعكاسات ذلك على توازن القوى على جبهة الصراع في جنوب لبنان، لكن الأهم هو خطر تحول إيران إلى جار ملاصق لإسرائيل على الأرض السورية، وانعكاسات ذلك على الأمن والمصالح الإسرائيلية. أما القضية الثالثة فهي خطر تفكك سوريا كاحتمال وارد للصراع الدائر على الأرض السورية.

وهنا يخشى الإسرائيليون من نزوح الملايين من الكتلة السكانية السُنية، ومن ثم تفوق الكتلة العلوية في سوريا وما يعنيه ذلك على مستقبل النظام السياسي السوري.

كما يخشى الإسرائيليون من احتمال ظهور دويلات تسيطر عليها جماعات إسلامية متطرفة، إذا ما سقط نظام بشار الأسد. هذه القضايا الثلاث تثير مخاوف إسرائيلية مكثفة: أول هذه المخاوف ما يسمونه بـ "فراغ القوة" الناشئ عن الغياب الأمريكي الإرادي، في ظل تشبث الرئيس الأمريكي أوباما بعدم التورط عسكرياً في سوريا أو العراق والاكتفاء بتقديم الدعم العسكري للحلفاء والتعويل على الضربات الجوية لتنظيم "داعش".

فراغ القوة هذا يغري، ومن وجهة نظر الإسرائيليين، مَن في مقدوره أن يملأه بأن يتقدم.

وهم هنا يرون أن روسيا هي الطرف الدولي المهيأ لذلك، ومن ثم يحرصون على التنسيق العسكري مع روسيا، والرهان على روسيا كحليف محتمل مع تراجع دور ونفوذ الحليف الأمريكي، وبهدف محاولة احتواء التحالف الإيراني- الروسي وتقليل مخاطره على إسرائيل. التخوف الثاني هو فرص تأسيس تحالف إستراتيجي إيراني- روسي وهنا يراهن الإسرائيليون على تنافس محتمل بين إيران وروسيا على النفوذ في سوريا في ظل إدراك تباعد المصالح المستقبلية وخشية الإيرانيين من أن يؤول نفوذهم في سوريا إلى روسيا. أما التخوف الثالث فهو من تأسيس محور لعرب الشيعة تقوده إيران وروسيا، وهنا يأتي التوجه الإسرائيلي نحو تشكيل حلف مشابه لحلف الناتو بين إسرائيل وبعض القوى الإقليمية لمواجهة التحالف المحتمل بين إيران وروسيا. كيف ستتعامل إيران مع هذا التحدي الإسرائيلي؟ ثانياً: تركيا والكيد لإيران على الطرف الآخر نجد أن تركيا التي تدرك أنها الطرف الخاسر أكثر من غيره في معادلة الصراع الإقليمي الراهن بعد صدامها غير المحسوب مع روسيا، تتجه إلى سياسة تقليل الخسائر واللعب بالمتناقضات وبالذات في صراعها ضد محور "روسيا- إيران" الذي كان السبب الأساسي لخسائرها في سوريا.

تركيا تفعل ذلك بالعمل في اتجاهين؛ أولهما، نحو العراق، والثاني نحو إسرائيل. 1- التمركز العسكري في العراق لم تجد تركيا بديلاً للحد من خسائرها في سوريا غير الذهاب إلى العراق من خلال الدفع بقواتها العسكرية إلى الشمال العراقي بالقرب من الموصل. دخول القوات التركية إلى العراق كان يوم الثالث من ديسمبر، عندما تم إدخال قوات تركية مدرعة (دبابات ومدافع) إلى منطقة بعشوقة في محافظة نينوى دون إذن أو علم الحكومة العراقية، وعندما بادر حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية بإعلام الحكومة التركية أن أمامها يومين لسحب قواتها وألا استخدمت بغداد كل الخيارات المتاحة، وأتبع ذلك بإبلاغ القوة الجوية العراقية أن تكون على أهبة الاستعداد "للدفاع عن الوطن وحماية سيادته" جاء رد الحكومة التركية مراوغاً ومستفزاً.

في البداية ربطت الحكومة التركية دخول قواتها بعلم حكومة بغداد المسبق، وعندما فندت الحكومة العراقية هذا التبرير جاء الرد صريحاً وعلى لسان نائب رئيس الحكومة نعمان قور تلموش بأن "القوة التركية ليست موجهة ضد الشعب العراقي بل ضد (داعش)، وبأن وجودها في العراق لأغراض تدريبية". المؤكد أن الحكومة التركية كانت على دراية كاملة بالنقاش الأمريكي – العراقي العلني والمفتوح الخاص باقتراح تقدم به أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي مطالبين بتشكيل قوة إقليمية من "دول سُنية" لمحاربة "داعش"، ورفض الحكومة العراقية القاطع لهذا الاقتراح. ولعل ذلك ما شجع تركيا للذهاب إلى العراق لكن لدوافع أخرى غير أكذوبة الحرب ضد "داعش".

وهنا يجدر بنا أن نتساءل: إذا كانت تركيا لا تحارب "داعش" بل هي داعم لهذا التنظيم لوجستياً على الأقل وطرف مستفيد من الحرب التي يخوضها هذا التنظيم الإرهابي، فلماذا كان التدخل التركي، وما هي السيناريوهات المحتملة للتدخل التركي في العراق؟ الإجابة على هذه التساؤلات تستلزم استعراض الملاحظات التالية التي لها علاقة مباشرة بتأزم المشروع الإقليمي لتركيا خاصة في سوريا والانتكاسات العسكرية والسياسية المتعاقبة لهذا المشروع. الملاحظة الأولى، هى فشل المشروع السياسي التركي في سوريا بشقيه: إسقاط حكم الرئيس بشار الأسد وتمكين الإخوان من حكم دمشق.

فلا الرئيس السوري سقط على مدى أربع سنوات مضت من الحرب التي تشارك فيها تركيا ضده، ولا أمكن للإخوان فرض أنفسهم كطرف رئيسي في معادلة مستقبل سوريا ضمن تنازع هذا المستقبل بين أطراف وقوى متعددة. الملاحظة الثانية، هي فشل تركيا عسكرياً في سوريا وبالتحديد فرض منطقة آمنة في شمال سوريا بين جرابلس وأعزاز، بهدف منع الكنتونات الكردية في شمال سوريا، وجاءت تداعيات إسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية لتضع نهاية أليمة لهذا الحلم التركي بعد أن فرضت روسيا منطقة حظر على دخول أي قوات تركية إلى شمال سوريا وزادت من تعاونها مع وحدات الحماية الكردية الحليفة لحزب العمال الكردستاني التركي المعارض التي نجحت في فرض سيطرتها على أكثر من 500 كيلو متر من الحدود السورية مع تركيا. الملاحظة الثالثة تتعلق بالتطورات التي حدثت على صعيد التسوية السياسية للأزمة السورية وبالذات مخرجات مؤتمري فيينا الأخيرين، ومن بينها التوصل إلى توافق يبقي مرحلياً على بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية المقترحة. أما الملاحظة الرابعة فتتعلق بالتطورات الميدانية التي تزامنت مع فشل الرهانات التركية في سوريا، بعد أن تم تحرير سنجار على يد قوات البشمركة العراقية وتحرير منطقة الهول على يد قوات حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، الأمر الذي أدى إلى خسارة إستراتيجية لتنظيم "داعش" من شأنها قطع الطرق الموصلة بين مدينتي "الرقة" السورية (عاصمة "داعش" في سوريا) والموصل (عاصمة "داعش" في العراق) ما يعني توجيه ضربة إستراتيجية لمشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام، لكن ما هو أخطر أن هذا الإنجاز تحقق على أيدي مقاتلين أكراد الأمر الذي فجر المخاوف لدى تركيا، ومن هنا كان التوجه العسكري التركي نحو العراق. بهذا المعنى نستطيع أن نقول أن الدخول العسكري التركي شمال العراق جاء بدافع من كل هذه التطورات وبالذات الخسائر التي واجهت وتواجه "داعش" والمكاسب التي تتحقق للأكراد، وخطورة أن تنعكس انتصارات الأكراد في شمال تركيا والعراق على الداخل التركي نفسه، ومنح حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل داخل المناطق الكردية في تركيا ويسعى لفرض خيار "الحكم الذاتي" بحكم الأمر الواقع ويستقوى سياسياً بوجود حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في البرلمان، فرصة سانحة للانتصار. كما استهدفت تركيا من تدخلها العسكري في العراق توجيه رسائل إلى قطبي مؤتمر فيينا السوري: الولايات المتحدة وروسيا بأن تركيا لديها أوراق تستطيع أن تلعبها في العراق، ولعل هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى دعم المطلب العراقي المؤيد من روسيا بضرورة خروج القوات التركية من العراق، وتفنيد المزاعم التركية بأن وجود القوة التركية في العراق هدفه محاربة "داعش" على نحو ما جاء على لسان نائب رئيس الوزراء التركي.

لكن: إلى أي مدى يمكن أن تصطدم واشنطن مع أنقرة في العراق؟ إجابة هذا السؤال يمكن أن تكشف مستقبل حدود الدور التركي الإقليمي نظراً لأن تركيا لن تخرج عن الطاعة الأمريكية، كما أن واشنطن يصعب أن تضحي بحليف تاريخي مثل تركيا خصوصاً في ظل التوجه التركي الجديد لمغازلة إسرائيل علنياً في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أوراق اللعب التركية مع التعقد المتزايد لخريطة التحالفات والتوازنات الدولية والإقليمية. 2- العودة إلى "الحليف المأمون" لم تكتف تركيا بمحاولة فرض نفسها كلاعب أساسي في التطورات والتسويات المحتملة في العراق على ضوء نجاحات العراق في هزيمة "داعش" في مدينة "الرمادي" عاصمة محافظة الانبار، ما يعني أن فرص تحرير مدينة الموصل هي الأخرى باتت مواتية، ولكنها اتجهت إلى إسرائيل، أو قررت أن تتجه صوب إسرائيل بعد انسداد فرصها تماماً في سوريا نكاية مع إيران. قبل التوجه نحو إسرائيل كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حريصاً على تأمين مكاسبه العربية من خلال قناتين: الأولى، الاستجابة السريعة للمشاركة في التحالف الإسلامي الذي أعلنت عنه السعودية.

والثانية، تفعيل اتفاقية الشراكة الإستراتيجية مع دولة قطر بالإعلان عن إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر هي الأولى من نوعها منذ انتهاء عصر الإمبراطورية العثمانية. الواضح أن إقامة هذه القاعدة العسكرية التركية في قطر ليس لدوافع من حاجة قطرية للحصول على دعم عسكري تركي لأن قطر بها أهم قاعدتين عسكريتين أمريكيتين، الأمر الذي يكشف أن الدوافع سياسية بالدرجة الأولى، وهي رسالة مزدوجة الأولى نحو إيران لإعلان موقف تركي مفاده أنه إذا كانت طهران قد نجحت في أن تقيم وتؤسس نفوذاً على حدود تركيا في سوريا، فإن تركيا تقيم قاعدة عسكرية في قطر بمواجهة الأراضي والسواحل الإيرانية.

أما الرسالة الثانية فهي للحليف الإسرائيلي، مفادها أن تركيا تتوجه نحو إسرائيل من موقع القوة والنفوذ الإقليمي وليس من موقع الضعف، وتحمل أيضاً ما هو أكثر وهو أن الشراكة التركية- الإسرائيلية الجديدة في مقدورها أن تفتح آفاقاً غير معهودة لإسرائيل على مقربة من السواحل الإيرانية. كما أن تركيا كانت حريصة أيضاً على تمتين العلاقة مع المملكة العربية السعودية، عبر اتهام إيران بإشعال صراع طائفي سُني- شيعي يهدد استقرار وأمن دول المنطقة.

فقد بادر أردوغان بتبني خطاب مذهبي امتد إلى حزبه الحاكم في أنقرة "العدالة والتنمية"، بدأ بتعمد أردوغان الإشارة علناً إلى الانتماء المذهبي العلوي لزعيم المعارضة التركية كمال كيليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، وتوجيه خطاب انتقادي غير معهود للشيعة على شاشات التليفزيون واصفاً إياهم بأنهم "منافقون وكاذبون". فقد تساءل أردوغان، في حديثه إلى محطة تليفزيونية عربية، عن مصير بعض المجموعات في العراق، التي قال أن القوة العسكرية التركية الموجودة في العراق تهدف إلى ضمان أمنها.

وقال بالحرف الواحد: "هنا يوجد عرب سنة، ويوجد تركمان سنة، ويوجد أكراد سنة، فمن الذي سيحفظ أمن هؤلاء.

هم بحاجة إلى حماية أنفسهم عبر برنامج التدريب الحالي، وكل الخطوات التي نقوم بها هي في هذا الاتجاه". هذا الخطاب المذهبي، وهذا الدور الذي يتحدث عنه أردوغان لتركيا في العراق ينسجم أيضاً مع الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي حامل لواء الدعوة إلى تأسيس حلف جديد تدعمه إسرائيل لمواجهة حلف "عرب الشيعة" المدعوم من إيران وروسيا. وإذا كان أردوغان قد قرر العودة إلى إسرائيل باعتبارها القاعدة الثابتة التي يجدها عند الضرورة والمفتوحة له دائماً بدافع من الفشل السياسي التركي في سوريا والعراق، فإنه يتجه أيضاً نحو هذا الحليف الإسرائيلي الدائم بدافع من الهروب من الحصار والتضييق الروسي على تركيا في قاعدتها الخلفية في إقليم قزوين وخاصة مع أرمينيا، حيث تتجه روسيا إلى إنشاء نظام إقليمي موحد للدفاع الجوي بين البلدين في منطقة القوقاز.

لكن التوجه التركي نحو إسرائيل يجئ أيضاً بدوافع اضطرارية خاصة بالحرص على تنويع مصادر الطاقة وتحسباً لتضييق روسي على تركيا في اتفاقيات بيع الغاز، حيث أن تركيا تعتمد على استيراد الغاز الروسي لتلبية ثلث إن لم يكن نصف احتياجاتها من الغاز. أردوغان يتجه إلى إسرائيل للحصول على الغاز الإسرائيلي كي يتحرر من الضغوط الروسية، لكن لسوء حظه أنه لن يستطيع أن يحصل من إسرائيل على ما يأمله، فالإنتاج الإسرائيلي من الغاز لن يستطيع أن يوفر لتركيا ما تحصل عليه من كميات الغاز الروسي الضخمة، كما أن أردوغان يربط توقيع اتفاقية شراء الغاز الإسرائيلي بتوقيع اتفاقية أخرى مع إسرائيل تنص على أن تمر كل صادرات الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا أو قسمها الأكبر عبر الأراضي التركية، أي إنشاء أنبوب من منصات الغاز الإسرائيلية إلى تركيا ومنها إلى دول البلقان وهو ما ترفضه إسرائيل لسببين: أولهما، الخوف من أن تصبح إسرائيل تحت رحمة المزاج المتقلب للرئيس التركي.

وثانيهما، التحسب من ردود الفعل اليونانية والقبرصية التي سترفض حتماً مثل هذا الأمر على ضوء اتفاقيات إسرائيلية مسبقة حول الغاز مع البلدين، وأيضاً على ضوء التوترات الحادة في العلاقات بين هاتين البلدين مع تركيا. هذا يعني أن فرص القبول الإسرائيلي بمطالب أردوغان تبدو ضئيلة وليس هذا فحسب بل إن فرص تطبيع العلاقات ستبقى مرهونة بإصرار حكومة أردوغان على ضرورة موافقة إسرائيل على الطلب التركي برفع الحصار عن قطاع غزة، وهو ما ترفضه إسرائيل بل وتزيد أيضاً بأنها "لن تغير سياسة الإغلاق"، وتصر على أن تقوم تركيا بطرد صالح عاروري القيادي البارز في حركة "حماس" من تركيا، وترى المصادر الأمنية الإسرائيلية أنه لن يكون بالإمكان التوصل إلى اتفاق سياسي مع تركيا "إذا لم تلتزم أيضاً تركيا بترحيل قادة حماس من أراضيها، وإذا لم تلتزم أيضاً بممارسة ضغوط على حماس لتليين مواقفها". 3- حسابات إيران المعقدة هذه الترتيبات الإسرائيلية والتركية تأتي في ظروف تشهد خلافات مكتومة بين إيران والحليف الروسي سواء حول مستقبل الحل في سوريا والصراع الحتمي المتوقع على مواقع النفوذ على الأرض السورية في ظل ما يشاع عن تفاهمات روسية- أمريكية تتعلق بوضع نهاية لحكم الرئيس الأسد في سوريا، أو حول تحالفات إيران الإقليمية خاصة مع حزب الله ومنظمات المقاومة خاصة مع حركة حماس، أو حول مستقبل التسوية الفلسطينية، في ظل التنسيق الأمني بين موسكو وتل أبيب الذي لم يمنع إسرائيل من اغتيال سمير القنطار في سوريا. الخلافات الإيرانية مع روسيا حول مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد في التسوية السياسية للأزمة السورية، والصراع على النفوذ في سوريا، والخلاف حول العلاقة الروسية مع إسرائيل كلها عوامل ضغط على القرار الإيراني في العلاقة مع الحليف الروسي، الأمر الذي يزيد من تعقيد الحسابات الإيرانية، وربما هذا ما يفسر السر وراء محاولات التقارب الإيراني مع المملكة العربية السعودية والمعلومات المتسربة عن وساطة عمانية خصوصاً بعد إعلان الرياض عن تسمية سفير جديد للسعودية في طهران. هل يمكن أن يكون التقارب الإيراني- السعودي هو الرد على التقارب التركي مع إسرائيل؟ الإجابة مستبعدة في ظل التقارب السعودي- التركي، وتأسيس السعودية لحلف إسلامي حمل في مراحله الأولى اسم "الحلف السُني"، كما أنها مستبعدة في ظل استمرار التورط الإيراني في اليمن، وهنا تجد طهران نفسها أمام سؤال: هل تكون التسوية في اليمن سابقة للتسوية في سوريا؟، وهل يمكن أن يكون التوافق على الرئيس اللبناني الجديد عربوناً لعلاقة مأمولة مع السعودية؟ أسئلة إيرانية كثيرة سيظل العقل الإستراتيجي الإيراني مشغولاً بها في ظل اهتماماته بأن يكون طرفاً أساسياً في المخاض الراهن للتسويات المحتملة للصراعات الإقليمية المتأزمة. نُشر هذا المقال بالعدد رقم 180 (نوفمبر-ديسمبر 2015) من "مختارات إيرانية" أحد إصدارات مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
طباعة