متابعات تحليلية - العالم

احتجاجات الأورومو في إثيوبيا: ردا على تاريخ من المظالم بحق الأغلبية العرقية

طباعة

 شهد إقليم أوروميا بإثيوبيا منذ شهر نوفمبر الماضي احتجاجات حاشدة بدأها طلاب المدارس والجامعات وانضم إليها الآباء وسكان المدن مما أدى الى اضطرابات في 130 مدينة وخلف أكثر من مائة قتيل ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين.

وانضم أعضاء من الشرطة إلى المتظاهرين في بعض المدن احتجاجا على الهجوم الوحشي الذى شنته قوات الشرطة الاتحادية والجيش على المحتجين بعد أن اتهمتهم السلطة الحاكمة بالإرهاب وأكدت نشر قوات عسكرية في مشهد يشبه كثيرا المظاهرات التي خاضها الطلاب وقادة المعارضة وأدت للإطاحة بآخر أباطرة اثيوبيا الامبراطور هيلاسلاسي في عام 1974.

وجاءت هذه الاحتجاجات التي بدأت من مدينة جينشي ((Ginci ردا على الخطة الرئيسية لتوسيع العاصمة الإثيوبية أديس أبابا (the Master Plan) والتي تقع في قلب إقليم أوروميا، على حساب أراضي جماعة الأورومو، مما سيؤدى إلى تمزيق الجماعة العرقية بين أقاليم أخرى وسيؤثر على خصوصيتها الثقافية وقوتها.

كما يأتي توسيع العاصمة والاستيلاء على أراضي الأورومو كجزء من تزايد الطلب على الاستثمار الأجنبي والخاص، مما يحمل آثار اقتصادية وبيئية خطيرة للإقليم.

وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات لم تكن الأولى من نوعها فمنذ عام 2001 يشهد هذه الإقليم احتجاجات ضد ممارسات الحكومة الاثيوبية؛ فخلال شهري إبريل ومايو 2014 انطلقت احتجاجات مشابهة إلا أن الاحتجاجات الأخيرة عبرت عن الأزمة التي تعيشها العديد من القوميات داخل الدولة الإثيوبية والإخفاقات التي صادفها تطبيق الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا في ظل الاضطهاد والتحيز ضد أكبر جماعة عرقية في البلاد وهى الأورومو، والتي تمثل نحو 40% من تعداد السكان البالغ عددهم 95 مليون نسمه وتقطن أكبر ولاية من الولايات التسعة المكونة للدولة الاثيوبية وفقا لنظام الفيدرالية الإثنية.

كما كشفت هذه الاحتجاجات عن الفشل الذى يعاني منه حزب الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية ((EPRDF وهو الفشل الذى يظهر في عدم تمكنه بعد أكثر من عقدين من نجاحه في الإطاحة بحكم نظام الدرج؟ الاشتراكي من حماية حقوق القوميات المختلفة المشكلة للدولة الإثيوبية، وتحقيق نموذج ديمقراطي قائم على فكرة المواطنة وليس الانتماء للجماعة العرقية.

فعبر عقود طويلة ظل تأثير تكوين الدولة الإثيوبية مستمر على مسار الأحداث فيها، حيث حكم الأباطرة هذه الدولة (1855-1974)،واتسمت سياستهم بالتوسع على حساب الأقاليم المجاورة فتشكلت الدولة الإثيوبية من جماعات عرقية مختلفة وهيمنت جماعات عرقية رئيسية هي الأمهرة والتيجري على غيرها من الجماعات الأخرى، ولم تتطور هذه السياسة دون مقاومة.

وكان في مقدمة الجماعات العرقية التي عانت من استبداد الأمهرة والتيجري، جماعة الأورومو والجماعات العرقية الأخرى في جنوب غرب إثيوبيا.

لذلك كانت مشكلة إثيوبيا الكبيرة هي البحث عن هوية قومية موحدة ، فالجماعات العرقية من غير الأمهرة ولا سيما الأورومو، كانت ترى أن إثيوبيا الحالية يمتلكها ويسيطر عليها الأمهرة والتيجري فقط.

وأن إثيوبيا لم تكن أبدا دولة موحدة من حيث التاريخ والثقافة، واللغة المشتركة، إلا في أوقات الحروب في القرن التاسع عشر حيث حاربت ضد القوى الخارجية مثل الأتراك والإيطاليين وكذلك المصريين والسودانيين.

وعلى العكس من ذلك، كانت الجماعات العرقية المختلفة تنخرط في حروب داخلية ضد هيمنة وتوسع "الغزاة الإثيوبيين" هذه الهيمنة التي كانت تقودها جماعتي الأمهرة والتيجري بمساعدة من الأوروبيين.

ونتيجة لتفوق الأمهرة في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية في البلاد، فُرضت اللغة والتاريخ، والثقافة الأمهرية على الجماعات الأخرى سواء من خلال الوسائل السلمية أو وسائل الاستيعاب الأخرى.

ويرى بعض علماء الأورومو أنه لا توجد هوية واحدة تسمى "إثيوبيا" أو "الإثيوبية".

وتاريخيا كان السكان الذين يسمون اليوم، الإثيوبيين هم من القاطنين الأصليين لهضبة الحبشة ويشار إلى "الحبشة" (أمهرة والتيجري).

والاحباش كانوا يعيشون في المرتفعات الإثيوبية (شمال جوندار والجوجام، التيجرى، الوال، والشوا).

نظرا لقربها من البحر الأحمر، وكان الأحباش (الإثيوبيين) على اتصال وثيق مع القوات الأوروبية، وعلى رأسها اليونانية، والتي مكنتهم من بناء إمبراطورية من خلال استعمار وإخضاع أعدائهم التقليديين، وعندما أصبحوا أقوياء عسكريا واقتصاديا قاموا بتدعيم قوتهم عبر جمع الضرائب من الجماعات العرقية الأخرى لبناء مملكتهم.

وكان التصور السائد أن إثيوبيا "جزيرة مسيحية تعيش في بحر إسلامي" وساعد الأوروبيون المسيحيون الإثيوبيون في مقاومة من أطلق عليهم الغزاة المسلمين.

ومنذ الستينيات حاول الباحثين من جماعة الأورومو إعادة تعريف وإعادة صياغة مفهوم الهوية الوطنية ورفض الهوية الوطنية الإثيوبية المفروضة على الجميع.

بهذا المعنى فالوعي الوطني لدى الإثيوبيين كان يعبر عن الوحدة تحت حكم الإمبراطورية، وليس مفهوم المواطنة والانتماء للدولة.

وخلال حكم هيلاسلاسي (1930-1974) الذى أسس لنظام شديد المركزية تحت سيطرة الأمهرة، فرضت عقوبات وحشية على جماعة الأورومو، إلا أن نظام حكم الدرج؟ الاشتراكي منحهم بعض الحقوق الاقتصادية، ولكن اهتمام هذا النظام بمحاولة بناء دولة على النموذج السوفيتي وتبنيه لنظام قمعي أدى في النهاية إلى سخط القوميات المختلفة من غير الأمهرة وخاصة الأورومو على هذا النظام .

ضعف مؤسسات الأورومو

على الرغم من أن جماعة الأورومو كانت من أكثر الجماعات التي تعانى من القمع السياسي والتهميش الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن الانشقاقات التي اتسمت بها جبهات المقاومة، التي أنشأتها الجماعة، ساهمت في إضعافها وعدم قدرتها على استرداد حقوقها.

وخاضت هذه الجماعة كفاحا مسلحا في أوروميا ضد حكم هيلاسيلاسي خلال الستينيات، كما تعاونت جبهة تحرير الأورومو التي نشأت عام 1973 ، مع القوى التي أرادت إسقاط نظام الدرج، واستطاعت تحقيق شعبية كبيرة في المناطق التي يعيش فيها الأورومو، وفي عام 1991 انضمت جبهة تحرير أورومو إلى الحكومة الانتقالية بقيادة جبهة تحرير شعب التيجري.

ومع إنشاء المنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو OPDO في ولاية التيجري وتحت مظلة الجبهة الشعبية الثورية الحاكمة، وعلى الرغم من افتقاد هذه المنظمة للشعبية لأنها نشأت بعيدا عن إقليم أوروميا، فقد اعتبرت جبهة تحرير أورومو نفسها الصوت الوحيد المعبر عن المظالم القومية للأورومو.

وبحلول عام 1991، عندما انهار نظام الدرج، كانت تتمتع جبهة تحرير الأورومو بتأييد شعبي واسع النطاق وخاصة في أوروميا، وكان لقادتها علاقات راسخة في مجتمع الأورومو، وبرزت التوترات بين الجماعتين (المنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو وجبهة تحرير الاورومو).

وقد شنت جبهة تحرير الأورومو منذ عام 1992 "كفاحا مسلحا" ضد حكومة الجبهة الشعبية الثورية، بعد أن اضطرت للانسحاب من انتخابات يونيو 1992، ولم تستطع المشاركة في البرلمان أو الحكومة منذ ذلك التاريخ، في ظل قيام القوات العسكرية للجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية باعتقال الآلاف من مقاتلي جبهة تحرير أورومو، وسط اتهامات لها بالإرهاب روج لها النظام الحاكم من أجل رفع جميع القيود عن استخدام القمع والتنكيل بهذه الجبهة ومن يؤيدونها من الأورومو، ومعلومات عن تلقيها دعما من إريتريا، كما حظرت الحكومة معظم منظمات المجتمع المدني والمنظمات الثقافية مما يعبر عن استمرار المظالم التاريخية لهذه الجماعة.

وبعد ابتعاد جبهة تحرير أورومو عن العملية السياسية أصبحت المنظمة الديمقراطية لشعب الأورومو OPDO تسيطر على مقاعد مجلس النواب الخاصة بولاية أوروميا وأصبحت هذه المنظمة تحتكر بصورة شبه كاملة السلطة السياسية في الولاية منذ عام 1992.

وعلى الرغم من هزيمتها على أرض الواقع وغياب طويل عن الساحة السياسية، احتفظت جبهة تحرير أورومو بمكانتها باعتبارها أقوى رمز معبر عن قومية الأورومو وهي محور الخطاب السياسي في أوروميا. 

إخفاقات الفيدرالية الإثنية

في عام 1989 اندمجت جميع الفصائل المعارضة لنظام الدرج لتشكل الجبهة الإثيوبية الشعبية الثورية الديمقراطية تحت قيادة جبهة تحرير شعب التيجري، لقلب نظام حكم الدرج الاشتراكي ، وفى مايو 1991 سيطرت الجبهة الشعبية على البلاد واختارت نموذج "الفيدرالية الإثنية" لمعالجة مشكلة الاندماج الوطني وتسوية النزاعات العرقية ، إلا أن حزب الجبهة الشعبية الثورية الحاكم عانى من إخفاقات مختلفة في تحقيق هذه الفيدرالية والتي أقرها دستور عام 1994 حيث انقسمت البلاد إلى تسع ولايات ومنح الدستور هذه الولايات حق المطالبة بالانفصال عن الدولة الإثيوبية وفقا لشروط حددها الدستور.

أما على الأرض فقد عززت الجبهة الشعبية الثورية قوتها من خلال "حكومة الأقلية" التي تعزز من سيطرة التيجري والأمهرة على السلطة، وعقدت الجبهة مؤتمر وطني في عام 1991 لتشكيل حكومة ائتلافية خلال الفترة الانتقالية وحضره أكثر من 20 حزب سياسي، حيث سيطرت الجبهة والفصائل المؤيدة لها على المؤتمر في الوقت الذى تعمدت فيه الجبهة الشعبية على استبعاد بعض القوى السياسية ومنها جبهة تحرير الأورومو.

كما عمل الحزب الحاكم على استغلال الدستور في الاستيلاء على الأراضي حيث يقر الدستور الإثيوبي أن جميع الأراضي هي ملك للدولة.

وفى إطار برنامج توسيع العاصمة أديس أبابا التي تعد واحدة من أسرع المدن نموا في العالم، في ظل الانفجار السكاني الذى تتميز به، امتدت المدينة إلى قرى الأورومو المجاورة واستولت الحكومة على الأراضي الزراعية والغابات بها.

وخلال السنوات العشر الأخيرة، تم طرد أكثر من 150 ألف من المزارعين الأورومو من أراضي أجدادهم دون تعويض مناسب، أو إعادة توطين سليم.

وأصبح المزارعون النازحون عمال يومية على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها منهم.

وفى الوقت الذى حاول فيه بعض المسئولين الحكوميين استيعاب موجه الغضب التي يعبر عنها المحتجين بالتأكيد على أن خطة توسيع العاصمة سيتم مناقشتها أولا مع المواطنين بحيث يمكن تعديلها أو إلغائها إذا لزم الأمر، أصرت وسائل الإعلام الحكومية على إظهار جهل المحتجين بإنجازات النظام الحاكم والجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية، واتهم بعض المسئولين المحتجين بمحاولة تشويه صورة إثيوبيا وأنهم معادين للسلام مما فاقم من الأزمة، كذلك عمد البعض للهجوم على العناصر من الأورومو داخل الجبهة الشعبية الثورية مما طرح بوادر فتنة داخل الحزب الحاكم.

وينص الدستور الإثيوبي على أن "المصالح الخاصة" لأوروميا كمدينة والتي تتعارض مع العاصمة الإقليمية، سيتم احترامها.

ومع ذلك، بعد عقدين على اعتماد الدستور، فشلت حكومة الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية في تمرير هذا القانون لتنفيذ بند المصالح الخاصة.

ويخشى نشطاء الأورومو والسياسيين المعارضين من أن خطة توسيع العاصمة أديس أبابا سوف تؤدى إلى انتزاع جديد وغير مقيد للأراضي مما يمكن أن يحدث تغييرا جذريا للتركيبة السكانية في الإقليم، وللواقع الثقافي للأورومو ويصفون هذا التوسع بأنه عملية تطهير عرقي ضد الأورومو وثقافتهم.

طباعة
د. أميرة عبد الحليم

خبيرة الشئون الأفريقية بالبرنامج الأفريقى - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية