متابعات تحليلية - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

سوريا علي الطريق الروسي للتسوية

طباعة
4/1/2015 مثل قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر في 18 ديسمبر 2015 بشأن التسوية المحتملة لإنهاء الصراع في سوريا متغيرا جديدا في مسار الأزمة السورية؛ فالسرعة التي أُتخذ بها القرار من قبل القوى الدولية أعضاء مجلس الأمن وبالإجماع كانت لافتة بالمقارنة مع مشاريع قرارات سابقة تحطمت على صخرة الاعتراض الروسي الصيني.

وكان لافتا للانتباه حالة التوافق الأمريكي الروسي التي سبقت صدور القرار وذلك عبر زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لموسكو قبل اجتماع مجموعة الاتصال الدولية المعنية بالأزمة السورية في نيويورك التي مهدت لاجتماع مجلس الأمن وصدور القرار المذكور.

لماذا صدر القرار الآن؟ السرعة اللافتة التي صدر بها القرار تدفع إلى البحث عن الأسباب التي دفعت القوى الدولية لإصداره، أي لماذا أصبحت التسوية السورية ملحة وذات أولوية الآن؟ أولى هذه الدوافع يشير إلى التغير الاستراتيجي في مجريات الصراع السوري الناتج عن التدخل العسكري الروسي منذ سبتمبر الماضي، على الرغم من كون الضربات الروسية لم تحدث حتى هذه اللحظات تغييرات جذرية في موازين الصراع السوري الداخلي ولكن استمرار الضربات، واتساع نطاقها لتشمل المناطق المأهولة بالمدنيين، واتباع روسيا سياسة الأرض المحروقة في أماكن متعددة من سوريا، بالإضافة إلى استهدافها المعارضة بصورة أكثر وضوحا عن استهدافها لداعش شكلت كلها عوامل من شأنها الدفع نحو ضرورة البحث عن مخرج للأزمة، مع ملاحظة أن هذا المخرج وبمقتضى القرار الذى نحن بصدده يعتبر "مخرجا روسيا" بامتياز؛ للدرجة التي اعتبرها البعض إذعانا أمريكيا غربيا للرؤية الروسية للحل في سوريا من منطلق أن الغرب والولايات المتحدة يريان أن روسيا هي القوى الوحيدة القادرة على "ترشيد" سياسات النظامين السوري والإيراني معا.

بالإضافة إلى ذلك تأتى الحرب الكونية على الإرهاب وبالتحديد ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"؛ خاصة بعد القناعة التي ترسخت لدى الغرب بأن سوريا أصبحت مركزا لتفريخ الإرهاب والحاضنة الرئيسية له، لاسيما وأن سيطرة التنظيم على المناطق النفطية في سوريا وفر مصدرا ماليا يمول به داعش قواته وميليشياته العسكرية.

كما تأتي قضية اللاجئين وما فرضته من تحديات على الداخل الأوروبي كأحد دوافع الإسراع بالتسوية المأمولة.

قراءة في بنود القرار صدر القرار بحيثية نصها "كفالة الانتقال السياسي، وفي ظل عملية سياسية جامعة يمتلك السوريون زمامها، بقيادة سورية تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري، على أساس مجمل ما جاء في بيان جنيف المؤرخ في 30 يونيو 2012 ".

وأشتمل القرار على 16 بندا تدور حول وقف إطلاق النار، تمهيدا لتحرك القوى الدولية والإقليمية نحو المفاوضات خلال الجولة القادمة من مباحثات فيينا على أن تبدأ العملية التفاوضية في يناير 2016، مع وضع آلية لرصد وقف إطلاق النار، واعتبار مقررات جنيف1 ومقررات فيينا الصادرة في 30 أكتوبر الماضي هي الأسس التي سيتم عليها وضع خريطة طريق التسوية السياسية مع إعطاء الأولوية لمقررات فيينا باعتبارها أقرت محاربة الإرهاب.

كما نص القرار على تشكيل هيئة حكم انتقالية؛ وهي حكومة يشترط فيها أن تكون جامعة وتمتلك صلاحيات تنفيذية كاملة، تتولى تلك الهيئة إجراء تعديلات دستورية، يليها إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية على أن يتم ذلك في مدى زمني لا يتعدى 18 شهرا، مع التأكيد على وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، وكفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، ومطالبة الدول الأعضاء بمنع وقمع ومحاربة الأعمال الإرهابية التي يقوم بها تحديدا تنظيم الدولة الاسلامية وجبهة النصرة وسائر التنظيمات المنتمية لداعش أو القاعدة بالإضافة إلى الفصائل التي سيحددها الفريق الدولي لدعم سوريا، وكذلك التي يحددها مجلس الأمن باعتبارها كيانات إرهابية، مع وقف استهداف المدنيين.

كما تم النص أيضا على العودة الطوعية والآمنة للاجئين والنازحين، وأخيرا تكليف المبعوث الأممي دي ميستورا بتهيئة الأجواء الدبلوماسية الكفيلة باتخاذ إجراءات من شأنها إعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وتكليفه كذلك بدعوة أطراف الصراع السوري (النظام والمعارضة) للدخول في مفاوضات على نحو عاجل حول عملية الانتقال السياسي. في هذا السياق وعند تحليل القرار الأممي يمكن رصد الملاحظات التالية: • أن القرار لم يشر إلى المعضلة الرئيسية في الصراع السوري وهي مصير بشار الأسد ولم ينص صراحة على رحيله، وربما يتشابه القرار هنا مع كافة مخرجات المؤتمرات الخاصة بالأزمة السورية بداية من جنيف 1 ونهاية بفيينا 2، إلا أنه يفوقها في كونه قرارا دوليا صدر بالإجماع أي لديه المشروعية الدولية التي تمكن من تنفيذه، وعلى الرغم من النص الخاص بإجراء انتخابات خلال 18 شهرا من بدأ التفاوض في يناير 2016 إلا أنه لم يوضح أو بمعنى أكثر دقة لم يمنع الرئيس السوري من إعادة ترشيح نفسه فيها؛ أي لا يوجد أي تعهد دولي يضمن إزاحة الأسد من المشهد السياسي خلال المرحلة القادمة، ومن ثم يمكن القول أن القرار أقر بوجود بشار الأسد بصلاحياته ومؤسساته.

هناك من يرى أن خروج القرار بهذا النص يجعله مقبولا من جانب النظام السوري ويدفعه للدخول في مفاوضات قريبة، ويدفع كذلك راعييه الروس والإيرانيين إلى تبني سياسات للتسوية الحقيقية، على أن يمارسا نفوذهما – وبالتحديد الجانب الروسي – على بشار الأسد لمنعه من دخول هذه الانتخابات.

• تغير منظور القوى الدولية للأزمة السورية من صراع بين معارضة ونظام على الحرية والعدالة إلى أزمة مسببة لتصاعد الإرهاب العالمي، ومن ثم تراجع أولوية إسقاط النظام مقابل القضاء على الإرهاب، ما يعنى التسليم الدولي بالطرح الذى طالما قدمه بشار الأسد بوضع القوى الدولية أمام خيارين لا ثالث لهما "هو أو الإرهاب"، والقرار بحيثياته السابقة يشير إلى قبول القوى الدولية بقاء بشار والتكتل في مواجهة الإرهاب. • يظهر القرار تراجعا واضحا من جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن الأزمة السورية لصالح الجانب الروسي، بدأ هذا التراجع في مؤتمر فيينا – أكتوبر 2015 – وهو المؤتمر الذى وضع أسس خارطة طريق للتسوية في سوريا والتي من خلالها تم اشتقاق نصوص القرار الأممي.

كما أنه يمنح التدخل الروسي العسكري شرعية دولية باعتبارها إحدى القوى الدولية التي تحارب الإرهاب، بينما لم ينص على منع وتجريم أو حتى إدراج كافة الميليشيات التابعة لإيران ضمن جداول الكيانات الإرهابية. • ارتباطا بالنقطة السابقة أيضا يعتبر القرار انعكاسا للشروط الروسية في الحل لاسيما فيما يتعلق بعمل لجنة تحديد أسماء الفصائل الموصومة بالإرهاب، وهي اللجنة التي تتولاها المملكة الأردنية، وفقا لرؤية مجموعة الاتصال المعنية بالأزمة السورية والتي تضم 17 دولة، والتي تقدمت بلائحة أولية اعتبرت تنظيمات الحرس الثوري، وفيلق القدس، وميليشيات حزب الله إلى جانب تنظيمات داعش والنصرة وعدد آخر من التنظيمات المسلحة كيانات إرهابية، وهو ما اعترضت عليه إيران وروسيا بشدة.

كما اعترضت كل من السعودية وتركيا على وضع أحرار الشام وجيش الإسلام على اللائحة نفسها.

والأخطر من ذلك أن روسيا لم يروقها المساعي الأردنية فضغطت من أجل تشكيل لجنة رباعية تتولى تصنيف الفصائل المسلحة في سوريا تضم روسيا وإيران والأردن وفرنسا، والمنطق يقول أن لجنة كهذه لابد وأن تشكل من قوى دولية وإقليمية ليست طرفا أصيلا في الصراع، وهو أمر تجبه عضوية روسيا وإيران فيها.

• البند الخاص بالعمل على إبقاء مؤسسات الدولة قائمة، وهو نص سبق وأقره بيان فيينا وأعاد القرار الأممي النص عليه، ما يعني أن القوى الدولية متفقة على الحفاظ على النظام السوري بكامل مؤسساته بما فيها المؤسسات الأمنية التي ترى المعارضة ضرورة إعادة هيكلتها.

والجديد هنا هو أن القرار أقر بأهمية وضرورة خلق "صيغ جديدة للتفاهم والاندماج" داخل مؤسسات الدولة بعد أن يتم تشكيل هيئة الحكم الانتقالية الجامعة، وهنا تأتي أهم ثغرات القرار لأنه لم يوضح الجهة التي "ستخول" الهيئة صلاحياتها التنفيذية؛ هل هو الرئيس السوري أم الأمم المتحدة أم مجموعة الاتصال الدولية؟ لاسيما وأن تشكيل الهيئة سيكون سابق على إجراء الانتخابات البرلمانية أي لن تتشكل بناء على نتائج الانتخابات، وهو ما قد يشير إلى أن بشار باعتباره رئيسا هو من سيمنح الهيئة صلاحياتها، ما يخلق معضلة كبيرة أمام تشكيلها بصورة جامعة كما ينص القرار.

• سحب الرعاية الإقليمية لكل من السعودية وتركيا عن فصائل المعارضة السورية التي ستشارك في المفاوضات القادمة؛ حيث تضمن القرار تكليف المبعوث الأممي دي ميستورا "بدعوة النظام والمعارضة " لبدء المفاوضات خلال يناير 2016؛ ما يعنى أن دي ميستورا أصبح ووفقا للقرار الدولي هو المسئول عن تشكيل وفد المعارضة وليست الدول الداعمة لها، هذا بالإضافة إلى النص على ضرورة أن يأخذ دي ميستورا في الحسبان مؤتمري المعارضة اللذان عقدا في القاهرة وموسكو خلال عام 2015.

بناء على ذلك فمن المحتمل أن يتم ضم عناصر غير مقبولة لدى المعارضة التي تتبناها السعودية وتركيا، مع الإشارة إلى جدوى مؤتمر الرياض دون أن يتبناه القرار، وهو المؤتمر الذى نظمته السعودية في 9 ديسمبر 2015، والذى ضم إلى جانب ممثلي المعارضة السياسية ممثلي أكثر من 15 فصيل من المعارضة المسلحة؛ للوقوف على وفد موحد يشارك في أية مفاوضات محتملة، ويعني ذلك فعليا توجيه ضربة قاضية للمؤتمر وراعيته الإقليمية، لاسيما بعد أن تم الاتصال مباشرة بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ورئيس الائتلاف السوري خالد الخوجة يطالبه فيه بعقد اجتماع شامل وموحد لفصائل المعارضة في تجاهل واضح وكامل لمؤتمر المعارضة الذى عقد بالفعل في الرياض مؤخرا.

• القرار في حالة بلورته لاسيما فيما يتعلق بتحديد ماهية الكيانات الإرهابية قد يطال المجموعات التي تسيطر على مناطق أرياف حلب وحماه وإدلب، وهي مجموعات ترتبط بتركيا وتسعى موسكو حثيثا إلى إدخالها لقائمة الإرهاب في إطار خلافاتها الحادة مع أنقرة عقب إسقاط الأخيرة لمقاتلة روسية في منطقة الحدود السورية التركية مؤخرا. احتمالية التطبيق من عدمه القرار بالكيفية السابق ذكرها قد لا يكون فعليا قابل للتنفيذ؛ حيث رصد المهتمون بالشأن السوري عدة معوقات قد تكون حجر عثرة أمام هذا القرار، ما يجعله مجرد مرجعية جديدة عاجزة عن التنفيذ شأنه شأن كافة القرارات التي اتخذها المجلس بالنسبة للأزمة السورية منذ اندلاعها وحتى الآن.

فهناك من يشير إلى صعوبة تقبل المعسكر الداعم للمعارضة وبالتحديد السعودية وتركيا فكرة استبعاد عناصر معينة من المعارضة السورية من المفاوضات القادمة، أو حتى إدراجها ضمن قوائم الإرهاب، ناهيك عن رؤيتهما بالنسبة لماهية وطبيعة وعمل الهيئة الانتقالية وطبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، والتي ستختلف بالطبع مع رؤية المعسكر المقابل لاسيما أن القرار أقر حرفيا بجملة "تحت قيادة سورية" دون أن يحدد من هي هذه القيادة السورية بشار الأسد ونظامه أم قيادة جديدة.

ستكون القوى الدولية مطالبة بالتالي بالضغط على نظام بشار الأسد لقبوله تمثيل بعض عناصر المعارضة المسلحة في الهيئة الانتقالية، كنوع من احتواء الاعتراض السعودي التركي لاسيما بعد سكوته مجبرا على فرض روسيا رؤيتها للتسوية القادمة.

أيضا تعتبر مسألة تحديد من هي العناصر الإرهابية مسألة شائكة وستستغرق وقتا طويلا، وبالتالي تأخر تشكيل الهيئة الانتقالية وبالتبعية تأخر إجراءات وقف اطلاق النار بين النظام والمعارضة، لأن القرار زامن بين بدء العملية السياسية وبدء وقف إطلاق النار.

لابد من الإشارة أيضا إلى أن السكون التركي السعودي المتقبل للقرار على مضض يمكن أن يكون من قبيل استيعاب الصدمة ثم التفكير في رد الفعل لاحقا؛ فلا زالا فعليا يتحكمان في أرض الصراع الميداني عبر مساندة المعارضة التي لاتزال تسيطر بدورها على مناطق شاسعة بالمقارنة بالجيش النظامي، مما يمكنها من تعطيل التنفيذ الفعلي للقرار، كما أنهما قادرتان على نسف فكرة الهيئة الانتقالية، لاسيما بالنسبة لمعادلة توزيع المهام داخلها لأنه من المتوقع أن يصر النظام على الاحتفاظ بالمؤسسات السيادية، وهو ما سترفضه المعارضة التي سترى ضرورة إعادة هيكلة كافة مؤسسات الدولة ومعاقبة المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية.

أضف إلى ذلك أن تركيا بالتحديد ستستمر في دعم قوى المعارضة القريبة من حدودها لقطع الطريق على الجيش السوري من السيطرة على المناطق المحاذية لها.

مما سبق يمكن القول أن التوجه نحو تسوية فعلية للأزمة السورية قد يكون نظريا، إذ عمليا لا تزال هناك العديد من المعوقات التي ستؤخر عملية الإسراع بقطار التسوية، وستدخل هذه المسألة مرحلة تكسير عظام بين القوى الدولية التي تتناقض مواقفها من الصراع السوري.

لكن الحقيقة الجديدة التي كشف عنها القرار هي كون الرهان على القوى الدولية للضغط على بشار الأسد لتقديم تنازلات أصبح رهانا خاسرا، بل على العكس أصبحت الرعاية الدولية للنظام عبر الحليف الروسي توفر له ما يمكنه من البقاء والصمود بعد أن كاد يجمع حقائبه ويرحل! وتبقى الكلمة الفصل للصراع الفعلي على أرض الميدان حيث من المتوقع أن لا يهضم المعسكر الداعم للمعارضة الشروط الروسية للتسوية بسهولة، مما قد يدفع الصراع على الأرض إلى حلقة جديدة من التصعيد لفرض أجندات محددة لهذا الطرف أو ذاك؛ لأن التطورات على الأرض غالبا لا تخضع لحسابات الأروقة الدبلوماسية وإن كانت تتأثر بها.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية