دراسات

كشف حساب التحالف الدولي لقتال داعش: ما الجدوى؟

طباعة

 بقدر ما كان التمدد الكبير لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مفاجئا للجميع في يونيو 2014 بقدر ما كان أيضا له إرهاصات تم التجاوز عنها أو تم تجاهلها حتى أسهمت في الصعود الكبير للتنظيم.

غير أن سقوط الموصل ومن بعده السيطرة التامة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وإسقاط الحدود الدولية بينهما حفز دولا غربية وعربية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على تنسيق الجهود لمواجهة تحول الإرهاب إلى دولة.

وفي هذا الإطار لا يمكن إنكار أن الشرارة التي حركت المجتمع الدولي بقيادة أمريكية كان إقدام داعش على ارتكاب مذابح مروعة بحق أقليات العراق خاصة الأيزيديين بسنجار في أغسطس 2014، ومن ثم انطلق التحالف الدولي كرد فعل مباشر على هذه التجاوزات غير المسبوقة.

لكن بقدر ما كان هذا الحافز الانساني نبيلا ، بقدر ما كشف عوار تعامل المجتمع الدولي مع أربعة أعوام ونيف من انتهاكات مذهبية مشابهة مارسها نظام الأسد العلوي بغطاء إيراني شيعي على الشعب السوري الذي ينتمي بأغلبيته للطائفة السُنية.

ومن ثم نشأ التحالف الدولي لقتال داعش بعوار هيكلي لم يقف على السبب المباشر لنشأته ولكنه امتد ليشمل مداه الزمني ومسرح عملياته والشركاء الضالعين فيه وأدوارهم النسبية، فضلا عن أهدافه وتقييم مدى نجاحه من عدمه.

إذ يضم التحالف حوالي 65 دولة أبرزها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسويد والدنمارك وإيطاليا وإسبانيا وهولاندا وبلجيكا والنرويج وكندا، فضلا عن نيوزيلندا وأستراليا.

كما يضم أيضا 6 دولا عربية هي السعودية والبحرين والإمارات وقطر والأردن والمغرب.

وقد نفذ التحالف بحسب مصادر أمريكية أكثر من 8 آلاف غارة جوية على مواقع لتنظيم داعش في كل من العراق وسوريا خلال عام ونيف من بدء عملياته .

وقد اتخذ التحالف شكلا مرنا من التنظيم بحيث تم تعيين منسق عام له أمريكي الجنسية لينسق العمليات بين الجيوش أو بالأحرى أسلحة الجو المنخرطة فيه.

حيث حددت كل دولة شكل ودرجة إنخراطها في هذا التحالف طوعيا وبحسب مصالحها ومدى قدرتها على العطاء في كل مرحلة من مراحل الصراع مع داعش.

- التخبط حول أهداف ووسائل العملية وإطارها الزمني شهد التحالف منذ إطلاقه جدلا كبيرا حول أهدافه والإطار الزمني الذي يتوجب فيه تنفيذ هذه الأهداف.

حيث جاءت الصياغات فضفاضة في مؤتمرات صحفية دولية لقادة الدول المشاركة فيه ودبلوماسييها لتعلن عن أن الهدف النهائي هو القضاء على داعش وأن هذا الهدف قد يتطلب بضع سنوات لتحقيقه .

ولعل هذه المصطلحات الفضفاضة غير الدقيقة قد تصلح لمهام دبلوماسية دعائية وليست لعمليات عسكرية، ولكن يبدو أن الأهداف الجزئية والإطار الزمني المقابل لها قد تم تحديده وفق تفاهمات كانت على الأغلب ثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول المشاركة فيه.

وربما كان الجدل الأهم في هذا الشأن مع السعودية التي كانت تفضل أن يشمل التحالف ضمن أهدافه الإطاحة بحكم بشار الأسد عبر الضربات الجوية.

غير أن أمريكا قررت قصر أهداف التحالف على إضعاف داعش وصولا للقضاء عليها دون المساس بالأسد، وكان ذلك ربما بتفاهم مع الحكومة العراقية ومن ورائها إيران التي تشكل دعما قويا لحكومة الأسد.

في هذه الأثناء كانت الولايات المتحدة تضع أمالا كبيرا على المفاوضات النووية مع إيران وتراهن على تغيير سلوكها الإقليمي وخاصة في سوريا.

لكن على الجانب الآخر كانت السعودية ترى أن التساهل مع إيران لن يؤدي إلا إلى المزيد من التوسع في سياسة الهيمنة التي تريد فرضها على المنطقة.

ومن ثم كان الخلاف المبدأي في التحالف الوليد آنذاك حول إشراك إيران من عدمه في جهود مكافحة توسع داعش على أساس أن إيران متضررة من تمدد داعش في كل من العراق وسوريا وهي حليفة لنظام البلدين.

ورغم أن بعض الأطراف الضالعة في المفاوضات النووية كانت متحمسة لإشراك إيران في جهود مكافحة داعش، إلا أن الموقف السعودي كان حاسما في هذا الإطار، ولم يكن من الممكن إطلاق هذا التحالف دون دولة سُنية كبيرة بحجم السعودية من أجل إشراك إيران.

ومن ثم انطلق التحالف بمشاركة السعودية ولكن بشرط أساسي أن يقتصر دوره على قتال داعش دون الإطاحة بالأسد، رغم أن الأسد نفسه كان أحد أهم أسباب افساح المجال لتمدد داعش.

وعلى هذا الأساس دخلت السعودية ومن ورائها الدول العربية في التحالف بشكل استعراضي قوي خاصة في مرحلة بداية القصف داخل الأراضي السورية في 23 سبتمبر 2014 قبل أن تتقلص مشاركتها في التحالف الدولي لحساب التحالف العربي الضالع في عاصفة الحزم لإعادة الشرعية ضد الحوثيين في اليمن في نهاية مارس 2015.

الأمر الذي بدا وكأنه توافق ضمني بين أمريكا والسعودية على عمليات كل منهما في اليمن من جهة والعراق وسوريا من جهة أخرى، دون أن يؤدي ذلك الي تطابق تام في الرؤي حول كلا الملفين.

غير أن أغلب الظن أن قبول السعودية بالمشاركة في التحالف الدولي لقتال داعش كان على أساس توفير غطاء من دولة سُنية كبيرة بالمنطقة أكثر منه استثمار جهودها الفعلية في العمليات.

ولذا كان الإعلان عن مشاركة ست دول عربية في الغارات الأولي للتحالف التي طالت داعش بسوريا بمثابة الرخصة الإقليمية للتحالف كي يعمل بموافقة الدول السُنية بالمنطقة وبمشاركة منها .

من جهة ثانية، كان من ضمن الأهداف المعلنة للتحالف دك حصون داعش وإضعافها عبر القصف الجوي مما يُسهم في إستعادة المناطق التي سيطرت عليها سواء بالعراق أو سوريا.

ورغم أهمية هذا الهدف إلا أن الموارد المتاحة لتحقيقه كانت غير متناسبة، فاستعادة المناطق التي سيطر عليها داعش يتطلب تحالفا قويا مع قوات برية لم يكن متوفرا بشكل واضح منذ بداية التحالف غير أنه تبلور تدريجيا مع عدة شركاء كما سنبين لاحقا.

وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء العراقي في مؤتمر عٌقد بباريس لدول التحالف في يونيو 2015 كاشفا عن خيبة أمله بضعف الدعم المقدم لقوات بلاده البرية لكي تحقق انتصارات على داعش وتستعيد منها المدن التي خسرتها.

فيما عبر عن ذلك لاحقا في اكتوبر 2015 المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف ستيف وارن معترفا بعجز التحالف عن تحقيق أهدافه دون قوات برية ذات كفاءة قتالية فيما يبدو أنه إشارة لتوسيع صيغة التحالف لتشمل حلفاء على الأرض أو لإدخال قوات برية تابعة لدول التحالف في كل من العراق وسوريا .

ومن بين الأهداف الواسعة التي صاحبت إطلاق التحالف كان القضاء على خطوط الإمداد البشرية والمالية لتنظيم داعش، خاصة من خلال وقف تدفق المتطوعين والمجندين في صفوفه من مختلف دول العالم ووقف تدفق التمويل الذي يقوم عليه التنظيم.

وكان قرار مجلس الأمن رقم 2170 الصادر في 16 أغسطس 2014 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة هو الصيغة الدولية الحاكمة لهذه الجهود.

حيث نص القرار على ضرورة إعمال إجراءات وقف السفر وحظر السلاح وتجميد الأرصدة من أجل إضعاف والقضاء على كل من تنظيم الدولة الاسلامية وجبهة النصرة في كل من العراق وسوريا.

غير أن العديد من المراقبين قد اعتبروا أن القرار يسمح بتطبيق عقوبات ولكنه لا يلزم الدول المختلفة على تطبيقه، ومن ثم فهو بمثابة إطار نظري وقانوني محض بانتظار تفعيله عبر اجراءات عملية ملزمة للدول الأعضاء .

أما هدف وقف إمداد داعش بالمجندين، فكان يعتمد بالأساس على حكومات الدولي التي يرد منها المجندون بداعش، وهو هدف كبير وفضفاض بدوره، خاصة أن اعتراض الدول المختلفة لسفر هؤلاء يُعد معضلة حقيقية في ظل سهولة التنقل من بلد الي آخر بالنسبة للمجندين الذي يحملون جوازات سفر غربية ويتبعون مسارا غير مباشرا للطيران الي تركيا ومنها بالتسلل الي سوريا.

وفي هذا الإطار نشط التنسيق بين استخبارات دول التحالف لتبادل قوائم المشتبه بهم لمنعهم من السفر أو تعقبهم واعتراض طريقهم الي تركيا، ومع ذلك ظل مستوى التنسيق أقل من المطلوب وظل اعتراض المسافرين الي داعش بشكل كامل مهمة شبه مستحيلة .

- التخبط حول شركاء التحالف ومسرح عملياته استمر التخبط حول شركاء التحالف الدولي لقتال داعش بعد استبعاد إيران، فرغم أن التحالف يضم حوالي 65 دولة من الشرق الأوسط والعالم، إلا أن الدول الفاعلة بحق داخل التحالف تعتبر أقل من ذلك بكثير.

فعلى مدار عام ونيف عقد ما يزيد عن ستة اجتماعات لرؤساء أركان جيوش الدول المشاركة بالتحالف في عدة بلدان كالسعودية وفرنسا وألمانيا والأردن وأمريكا.

ولم تكتمل مشاركة دول التحالف الـ65 في أي من هذه المؤتمرات، بل شارك على الأكثر نحو 26 دولة لمناقشة تطورات العمليات وجوانب نجاحها وكيفية تطويرها.

كما استمر التخبط حول مسرح عمليات التحالف، فقصف مواقع داعش بالعراق بدأ في 8 أغسطس 2014 وشاركت به أغلب الدول الغربية المشاركة بالتحالف بعد الحصول على موافقة الحكومة العراقية وبالتنسيق معها.

على الجانب الآخر أدى استبعاد الأسد من معادلة مكافحة داعش ضمن التحالف الدولي إلى معضلة حقيقية من حيث فقدان المسوغ القانوني لعمليات التحالف داخل الأجواء السورية.

ومن ثم تأخرت عمليات التحالف داخل سوريا لتبدأ في 23 سبتمبر 2014 بقيادة أمريكا ومشاركة عربية تقودها السعودية.

ومع ذلك فقد أحجم عدد من الدولة الأوروبية الضالعة في التحالف خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن توسيع عملياتها من العراق الي سوريا.

الأمر الذي تغير لاحقا عقب هجمات باريس في نوفمبر 2015، حيث وسعت فرنسا من عملياتها في التحالف لتشمل الرقة بسوريا وأرسلت حاملة الطائرات الشهيرة شارل ديغول الي المتوسط لخدمة هذه العمليات.

فيما حذت بريطانيا حذوها لتمد عملياتها وقصفها الجوي من العراق الي سوريا، بما يّنذر بالمزيد من التحولات المشابهة في مواقف الدول الأوروبية التي سبق وأحجمت عن ذلك.

من جهتها كانت السعودية قد اشترطت الإطاحة بالأسد لتكون مشاركتها فعالة، ولكنها انتهت بالالتزام بالمشاركة ضمن الضربات الجوية الواقعة داخل الآراضي السورية منذ سبتمبر 2014.

وعلى هامش المشاركة السعودية في التحالف الدولي، تعهدت واشنطن بدعم وتدريب نحو 15 ألف مقاتل سوري من المعارضة المعتدلة بالتنسيق مع كل من السعودية والأردن وتركيا على مدار 3 سنوات بتكلفة 500 مليون دولار، في محاولة لإيجاد بديل عسكري على الأرض يرث تداعيات إضعاف داعش.

وفي نفس الوقت يكون هذا البديل العسكري معارض للنظام ويمهد لبروز جيش سوري بديل في حال سقوط الأسد.

غير أن برامج التدريب التي رعتها واشنطن اشترطت على المشاركين فيها من الجيش السوري الحر اقتصار قتالهم على داعش دون الأسد، الأمر الذي خلق إرباكا كبيرا بين قوى المعارضة المسلحة التي كانت راغبة في تلقي التدريب والدعم وأحجم معظمها عن المشاركة.

أما ما تحقق فعليا من هذه التدريبات فهو القيام بتدريب ما بين 60 الي 200 جنديا سوريا من المعارضة المعتدلة بقيادة ضابط سوري منشق عن الجيش يطمح لوصول هذه الفرقة الي 1200 مقاتل .

حيث جرى تدريب العشرات منهم ومدهم بالسلاح ثم إدخالهم الي سوريا من الحدود التركية.

غير أنهم كانوا هدفا سهلا لجبهة النصرة التي ترصدت دخولهم واستولت على ربع عتادهم وسلاحهم في مقابل السماح لهم بالعبور الآمن الي داخل سوريا .

عكست هذه الواقعة التخبط الذي تعيشه السياسة الأمريكية تجاه سوريا، فهي من جهة تتعهد بحرب مشروطة ضد داعش ولا تلقي بالا لمطالب الشعب السوري للإطاحة بالأسد ومن ثم تصطدم بالواقع على الأرض، حيث لجبهة النصرة نفوذ كبير لا يمكن أن يناطحه أي فصيل معارض آخر إلا إذا حصل على الدعم العسكري الكافي لقتال الأسد، قبل أن يلتفت لقتال داعش.

ومن ثم تستمر واشنطون وغيرها من دول التحالف في تجاهل أصل المشكلة – الأسد- وتركز للتعامل مع تداعياتها – داعش – وتنتظر نتائج إيجابية من وراء هذا التصور المغلوط.

أما بالعراق فقد امتد تعاون التحالف الدولي مع الحكومة العراقية والجيش العراقي والحشد الشعبي الشيعي فضلا عن البشمركة الكردية.

هذا التعاون شمل إلى جانب تنسيق الطيران الحربي، قيام الأمريكيين بالتدريب والتخطيط وتنفيذ العمليات المشتركة من خلال حوالي 3550 مدرب عسكري أمريكي يقدمون المشورة العسكرية دون المشاركة الفعلية بالقتال .

أما الأردن فقد شارك في الضربات الجوية بفعالية منذ بداية استهداف سوريا تحديدا، ثم اكتسبت مشاركته أهمية خاصة عقب أسر أحد طياريه وتحطم طائرته فوق الأجواء السورية في ديسمبر 2014.

أسر الطيار الأردني كان مناسبة للتفاوض مع داعش عبر وسطاء لتبادل الطيار مع معتقلين لدى الحكومة الأردنية، غير ان فشل التفاوض أدى الي قتل الطيار حرقا في فيديو مروّع بثه داعش في مطلع فبراير 2015.

الأمر الذي ترتب عليه تنفيذ الأردن لقصف موجه ضد معاقل داعش بالرقة انتقاما لمقتل الطيار الأسير ، معززا بسرب طائرات حربية إماراتية لتنفيذ المهمة.

كما امتدت مشاركة الأردن في التحالف باستضافة المقاتلات الغربية والعربية التي تشارك في تنفيذ الغارات ضمن قاعدة الأزرق العسكرية في شمال البلاد.

مصر من جانبها، رحبت بالمشاركة بالتحالف ولكن انضوائها به تعثر بمطلبها الأساسي بضم ليبيا الي مسرح عملياته، حيث تشكل ليبيا وما بها من فوضى المجموعات المسلحة مصدر تهديد أساسي لأمنها القومي.

غير أن تمسك التحالف بقصر مسرح عملياته العسكرية والقصف الجوي بسوريا والعراق فقط أضعف من حماس مصر للمشاركة به.

ومن ثم جنحت مصر في فبراير 2015 الي تنفيذ قصف جوي منفرد ضد مواقع لتنظيم داعش بليبيا عقب قيام التنظيم بذبح 21 مصريا اختطفوا أثناء عملهم بليبيا .

في مقابل ذلك، أعلنت عدة دول بالتحالف الدولي كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وايطاليا وأمريكا في بيان مشترك تأكيدهم على دعم جهود الحل السياسي في ليبيا دون الإشارة إلى الحل العسكري ، بما يعني رفض الاقتراب المصري في ضم ليبيا الي مسرح عمليات التحالف الدولي.

من جهتها، تحفظت تركيا كما السعودية على عدم تركيز التحالف على الإطاحة بالأسد، ومن ثم لم تتحمس كثيرا في البداية للانخراط العسكري الفعلي في عمليات التحالف، بينما قصرت مشاركتها عبر ترصد المقاتلين الراغبين بالالتحاق بداعش عبر الأراضي التركية.

غير أن الوضع قد تغير جملة وتفصيلا لاحقا، عندما نجحت القوات الكردية السورية الممثلة بقوات الحماية المدنية في تحقيق انتصارات نوعية ضد داعش بمؤازرة جوية ومساعدات وتدريبات عسكرية حصلت عليها من دول التحالف.

الأكراد السوريون استطاعوا وقف زحف داعش الي الشمال الشرقي السوري وخاضوا معارك طاحنة في كوباني لتحريرها ومن ثم مواصلة الهجوم لدحر داعش على حدود دير الزور والرقة.

هذا النجاح أثار حفيظة الأتراك الذين رأوا في التنسيق العسكري الغربي الكردي تهديدا لمصلحة تركيا في عزل الأكراد واتهامهم بالإرهاب والتطرف.

على الجانب الآخر من الحدود، كان لدأب البشمركة في دحر داعش بعيدا عن حدود إقليم كردستان العراق ثم تطهير الجيوب الحدودية وتحرير سنجار ومناطق أخرى في نينوى وكركوك أثرا مشابها على تركيا.

ففي مقابل التخبط الرسمي العراقي، حتى بعد تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء بعد نوري المالكي المثير للجدل، كان الأكراد أكثر جدية والتزاما بالقتال ضد داعش ومن ثم نجحوا في تحقيق انتصارات ملموسة.

وفي هذا الإطار، وبالإضافة الي العمليات الإرهابية المتكررة التي تبنتها داعش داخل الأراضي التركية، راجعت تركيا مشاركتها في التحالف الدولي وقررت الانخراط الجاد فيه.

ويُرجح أن صيغة الاتفاق الثنائي مع أمريكا قضت بانخراط تركيا في القصف الجوي داخل سوريا والعراق والسماح الضمني لها بخلق منطقة آمنة ضمن الحدود الشمالية لسوريا، وبالأخص بين جرابلس واعزاز وتطهيرها من المتشددين.

ولفظ المتشددين أو المتطرفين في العرف التركي لا يقتصر على داعش فقط، بل يمتد الي وصف الأكراد وخاصة حزب العمال الكردستاني الذي تصر تركيا على ملاحقته في شمال العراق وسوريا على حدٍ سواء.

في المقابل يتمتع التحالف الدولي بحرية استخدام القواعد العسكرية التركية جنوب البلاد خاصة قاعدة انجرليك ويحظى بتسهيلات عسكرية كبيرة من جانب أنقرة.

كما استهدفت تركيا من وراء هذه الصفقة أيضا وضع حد للمقولات الشائعة عن دور تركيا في تسهيل عبور الدعم العسكري والمقاتلين والنفط المهرب من وإلى داعش عبر الحدود التركية.

وهي المقولات التي وصمت بها أنقرة لفترة طويلة تحت ذريعة السماح بتمدد داعش لكبح جماح الطموح الكردي السوري في الاستقلال والحكم الذاتي .

ضمن هذه المعادلات، عمل التحالف الدولي طوال عام على إضعاف داعش وقدم ذريعة لنشاط عسكري كبير للدول الغربية في الشرق الأوسط.

الأمر الذي أثار حفيظة روسيا وجعلها تندفع نحو اتخاذ خيار واقعي لمقارعة الغربيين في المتوسط.

وهكذا فعّـلت موسكو مؤخرا وعودها السابقة بانشاء قاعدة عسكرية روسية في اللاذقية وشرعت في تنفيذ غارات جوية داخل الأراضي السورية لمكافحة تمدد داعش.

ومن ثم كان للتدخل الروسي تداعيات كبيرة على المشهد المعقد أصلا، فمن جهة كان التدخل الروسي في ظاهره ضد داعش ولكنه كان في باطنه مؤازر للنظام السوري ضد المعارضة المعتدلة.

حيث شرعت موسكو غاراتها الجوية باستهداف مناطق خالية تماما من داعش، وبعضها يعود لسيطرة المجموعات لمعارضة المعتدلة خاصة تلك الموالية لتركيا، ناهيك عن المناطق المدنية تماما.

ومن ثم تكشفت سريعا النوايا الروسية التي أرادت إخضاع الجميع لواقع وجودها المستجد على الأراضي السورية، فهى لم تعد حليف بعيد يدعم النظام ويؤازره بل صارت لاعب أصلي على رقعة الصراع السوري.

ولكن يبدو من طبيعة العمليات الروسية الجارية حاليا خاصة بقصف أرياف اللاذقية وحلب وحماة، يبدو أن الروس يخططون لبقاء أطول في سوريا ويسعون لتأمين هذه المناطق لضمان رقعة آمنة يتحرك فيها النظام وحلفائه.

ومن ثم يبدو أن العمليات الحالية ليست إلا تطهيرا وتعبيدا للطريق الذي قد يستضيف قريبا قوات روسية أكبر من أجل التمهيد لوجود عسكري روسي طويل الأمد.

ومن هنا يأتي أيضا منشأ الصراع الروسي التركي قبل وبعد إسقاط الأتراك للمقاتلة الروسية مؤخرا.

إذ تتناقض خطط الروس في هذا الصدد مع الخطة التركية بتأمين المنطقة المحاذية لحدودها شمال حلب لإقامة منطقة آمنة تابعة لها.

ومن ثم فصراع الإرادات العسكرية في هذه المنطقة من المرجح أن يشهد تصاعدا مستمرا وما الاشتباك الروسي التركي إلا البداية فيه.

ومن ثم تأتي الدعوات الفرنسية لتوحيد جهود مكافحة داعش بين الغرب وروسيا لتكون فاقدة الجدوى، إذ من غير المتوقع أن يتم ذلك في سياق التنافس بين الفريقين على دعم وكلائهم المحليين سواء كان الأسد من جانب الروس وإيران أو المعارضة المسلحة والمدعومة من جانب الغرب ثم تركيا والسعودية.

- التخبط حول نتائج وثمار العمليات لا شك أن قياس نجاح عمليات التحالف الدولي أمر في غاية الصعوبة، فلا يمكن ترجيح هل بالفعل نجحت هذه العمليات أم لا، فالإجابة القاطعة لا محل لها هنا.

ولعل هذه المعضلة كانت قد واجهت بعض القيادات الاستخباراتية الأمريكية التي وجدت صعوبة في رصد نجاح عمليات التحالف فعمدت الي تحريف التقارير العسكري التي ترفع للرئيس الأمريكي بحيث توحي بأن التحالف يحقق تقدما في عملياته العسكرية .

ورغم الكشف عن هذا الأمر وتقديم هذه القيادات للتحقيق، فإن المعضلة مستمرة والسؤال يظل حائرا، هل نجحت بالفعل هذه العمليات أم لا؟ من جهة، نجد أن عمليات التحالف وبخاصة القصف الجوي قد خفض من حرية الحركة التي تمتعت بها داعش في بداية صعودها في صيف 2014.

فلم يعد المرور ذهابا وإيابا بين العراق وسوريا ميسرا كذي قبل.

صهاريج الوقود التي تنقل انتاج مصافي النفط السوري يتم قصفها على الحدود، وقوافل المقاتلين يتم استهدافها خاصة ما يمكن رصدها بسهولة من الجو.

معاقل التنظيم استهدفت بكثافة سواء في العراق أو سوريا.

من جهة ثانية، أعلن التحالف عن مقتل من ألف الي خمسة آلاف عنصرا من التنظيم سواء بالقتال المباشر على الأرض في معارك مع أكراد سوريا والعراق، أو عبر القصف الذي يستهدف المعسكرات ومخازن السلاح والذخيرة.

من جهة ثانية فإن تحرير كوباني والمناطق المحاذية للوجود الكردي في سوريا، فضلا عن تحرير سنجار بنينوي وبعض المناطق المحيطة بواسطة جهود البشمركة الكردية العراقية، يحمل بعض ملامح النجاح، الذي قد يُنسب أيضا لدعم التحالف الدولي لأكراد البلدين بالتدريب والعتاد.

وقد تمثل هذا النجاح في إقدام داعش على تغيير مناطق توسعها بدلا من التمدد شرقا الي الحسكة في سوريا إلى التمدد غربا نحو شرق حمص ومن ثم السيطرة على مدينة تدمر التاريخية بعد معارك هزيلة مع نظام الأسد الذي كان يسيطر عليها.

ومن ثم فإن الأطراف التي دعمها التحالف الدولى قد تغلبت على داعش على الأرض وهو ما ينطبق على الأكراد على وجه الخصوص.

وهو ما قد ينطبق أيضا على بعض المجموعات المسلحة السورية الأكثر اعتدالا والتي طردت داعش من بعض مناطق شمال حلب قرب الحدود التركية، وهي مجموعات مدعومة بصفة خاصة من تركيا والسعودية.

أما الرقة ودير الزور حيث تُحكم دولة داعش سيطرتها، فقد عانت هذه المناطق من التهميش لفترة طويلة في التاريخ السوري ثم تدفع اليوم الثمن مضاعفا بامتداد داعش إليها.

خاصة أن داعش قد استهدفت منذ اليوم الأول أغلب الناشطين والقياديين في الحراك المدني والضباط المنشقين الذين كونوا حاميات عسكرية لهذه المنطقة.

ومن ثم فإن تعمد إفراغ هذه المناطق من قيادييها سواء المدنيين أو العسكريين قد تركها لقمة سائغة بيد داعش.

ولا يُرجح أن يتوغل فيها الأكراد لتحريرها، ومن غير الممكن عبور كتائب المعارضة المعتدلة اليها قدوما من حلب وإدلب أو حتى درعا لتطهيرها من داعش.

ومن هنا تبقى هذه المناطق معضلة حقيقية في ظل عدم حسم القضية السورية ككل، وبالتالي فغياب المقاربة السياسية الشاملة يعطل نجاح الجهود العسكرية للتحالف الدولي.

وهو ما ينطبق أيضا على العراق، حيث فشل التحالف في إقناع الحكومة العراقية باتخاذ سياسات أكثر اتزانا واقناعا للسُنة كي ينخرطوا بكفاءة في قتال داعش في مناطقهم التي سقطت منذ صيف 2014 الموصل والرمادي مرورا بصلاح الدين وصولا الي نينوي، كلها مناطق سُنية بالأساس عانت من تهميش حكومي مقصود وحُرمت من المشاركة بفاعلية عبر أبنائها لقتال داعش لحساب الجيش العراقي والحشد الشعبي ذي التكوين الشيعي والذي لا يكون عادة محل ثقة الأهالي في هذه المناطق، نتيجة لميراث من التمييز والقمع بحقهم.

ومن ثم يأتي تأخر تحرير هذه المناطق كنتيجة طبيعية لغياب أو تغييب الأطراف القادرة على هذا الأمر من قبل شركاء التحالف الدولي.

ورغم ذلك فلا يمكن القول أن التحالف قد فشل بشكل تام، لأن استهداف القيادات بشكل دوري مما يفقد التنظيم توازنه ويربك سلسلة القيادة والتحكم فيه يعزز من ضعفه.

وكذلك كان لاستهداف قوافل مقاتليه، إلى جانب ترصد المقاتلين القادمين إليه عبر تركيا التقليل من فرص التجنيد لديه.

ولكن على الجانب الآخر تأتي تفجيرات باريس لتطرح فرضيات تأقلم التنظيم مع عمليات التحالف، ومن ثم بحثه عن وسائل أخرى لتنفيذ هجمات خارج أراضيه تكون موجعة.

ومن هنا يمكن قراءة تعدد الهجمات التي نفذها التنظيم خارج سوريا والعراق باعتبارها نجاحا نسبيا لعمليات التحالف داخل سوريا والعراق مما جعل التنظيم يضرب بذراعه الخارجية وليس عبر عناصره على الأرض.

ومن هنا يأتي البحث عن استراتيجيات جديدة من جانب التحالف الدولي لهزيمة التنظيم داخل أراضيه وخارجها، وهو أمر غاية في التعقيد ويتطلب تنسيق جهود أكثر من طرف.

فمن جهة حل القضية السورية يعتبر أحد أهم محاور إضعاف داعش والقضاء عليه مستقبلا، فبناء دولة قوية في سوريا من شأنه أن يضع حدا لسيطرة داعش على مساحات شاسعة من سوريا ويعزز من فرص تحريرها عبر جيش وطني جامع ينبع من اتفاق الحل النهائي.

ولكن تحقيق ذلك لا يمكن أن يمر من بوابة إبقاء الأسد في موقعه، فالأسد غذى صعود داعش والأسد كان السبب الأساسي وراء تطرف أطراف كثيرة من الصراع السوري ولجوئها للعنف ثم لجوئها لداعش أو جبهة النصرة.

ومن ثم فوقف التجنيد المتصاعد لحساب داعش لابد أن يكون عبر وقف جرائم الأسد بحق شعبه ومن ثم إجراء مصالحة موسعة بين كافة أطياف الشعب السوري وفي القلب منهم العلويين وما تبقي من هياكل الدولة السورية.

أما على الصعيد العراقي فبناء قوات حكومية متعددة الطوائف من شأنها أن تحقق معضلتيّ الكفاءة والشرعية عند التقدم لتحرير المناطق السُنية التي تحتلها داعش.

وربما طرح خيارات استقدام قوات برية للتحالف تعد غاية في السذاجة والسطحية، فإذا جاءت هذه القوات كيف ستنسق جهودها وكيف ستتحرك على الأرض وإلى متى ستبقى وما العمل بعد أن تغادر؟ ومن ثم فالأجدر هو طرح حلول عملية لبناء قدرات الأطراف الوطنية على الأرض في سوريا والعراق وتنسيق جهودها بدلا من استقدام دعم خارجي لفترة لا يلبث أن يغادر وتتجدد المشكلة من جديد.

طباعة
رابحة سيف علام

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية