متابعات تحليلية - العالم

مؤتمر فيينا بشأن سوريا: بداية لحل الأزمة وتفاهم دولي وإقليمي أم ليس بعد؟

طباعة
07/11/2015 شهدت العاصمة النمساوية فيينا أواخر أكتوبر الماضي حراكا دبلوماسيا دوليا بشأن سبل تسوية الصراع المسلح في سوريا الذي دخل عامه الخامس.

وقد تمثل هذا الحراك في عقد مباحثات غير مسبوقة ضمت 16 دولة إلى جانب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وبرغم أن الاجتماع لم يحقق اختراقا بشأن حالة الصراع السوري كما كان متوقعا، إلا أنه يعد خطوة أولى قد تتبعه خطوات دبلوماسية مماثلة تبحث في نقطة الخلاف الرئيسية بين أطراف الصراع، وهي تحديد مصير الرئيس بشار الأسد في المرحلة القادمة.

ويأتي ذلك بعد أن اتفق المجتمعون على العودة إلى طاولة المفاوضات - فيينا 2- بعد أسبوعين.

ويطرح ذلك تساؤلات عدة بشأن جدوى انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت؟ وكيف نقرأ البيان الختامي للمؤتمر في سياق الجهود الدولية: المؤتمرات السابقة كجنيف 1 و2؟ وما هو الجديد الذي طرحته الدول المشاركة فيه؟ ولماذا يعتبر هذا المؤتمر مؤتمرا مهما، بالرغم من عدم إحرازه أهدافا جديدة تختلف عن سابقيه؟ أولا- جدوى التوقيت ودلالاته الإقليمية والدولية : عقد مؤتمر فأن هذا ظل تطور نوعى شهدته معادلة الصراع السورية بالتدخل العسكري الروسي لمساندة النظام ، وترجع خطورة الخطوة الروسية إلى كونها نقلت إدارة الصراع من المستوى الإقليمي إلى المستوى الدولي، ما يعنى تبدل الدور الروسي من كونه أحد الرعاة الدوليين لنظام الأسد إلى كونه أصبح جزءا من منظومة الصراع السوري.

وبدون الدخول في تفاصيل الأهداف الروسية من تلك الخطوة يمكن القول أن روسيا، التي رأت أن نهاية نظام الأسد يعنى فقدانها لمصالحها العسكرية والاقتصادية في سوريا ومن ثم في منطقة شرق المتوسط بأكملها، قررت تغيير ميزان القوى لصالح النظام بما يمكنها من خلق وضع جديد يدفع الدول المعنية بالصراع السوري إلى حلحلة مواقفها نحو الحل السياسي الممكن للأزمة.

وترى روسيا أن هذا الحل يجب أن يبدأ بتكتل الجهود من أجل محاربة الإرهاب أولا، ثم إجراء حوار سوري داخلي ثانيا، ثم التباحث حول مصير الأسد في مرحلة لاحقة.

أيضا من التغيرات التي تزامنت مع ذلك الحراك الدبلوماسي بشأن الأزمة السورية إقدام الولايات المتحدة على خطوة بالغة الأهمية بالنسبة لمسار الصراع السوري والمتمثلة في سعي واشنطن إلى نشر مجموعة من القوات الخاصة داخل الأراضي السورية بهدف تقديم المشورة العسكرية للمعارضة المسلحة المعتدلة، وقد سبق ذلك وقفها لبرامج تدريب بعض عناصر المعارضة بذريعة انضمام بعضها لفصائل المعارضة المتشددة وتسليم أسلحتها لداعش.

واقتصرت جهود الولايات المتحدة على تسليح "وحدات الحماية الشعبية" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وهي وحدات قامت بانتهاكات جسيمة في المناطق العربية التي خضعت لسيطرتها، ناهيك عن موقفها المناهض لتركيا أحد حلفاء المعارضة السورية. وحدثت تلك الانخراطات الروسية والأمريكية في الملف السوري بالتزامن مع إحراز المعسكر المنافس لإيران إقليميا -السعودية ودول الخليج- تقدما ملحوظا في اليمن ما قد يلقى بظلاله الإقليمية على معادلة الحل السوري المأمول.

هذه التطورات شكلت البيئة المناسبة التي دفعت نحو إمكانية الجلوس مجددا إلى طاولة المفاوضات بشأن سوريا في مؤتمر فيينا، وربما إلى وضع أساسيات للحل قد تكون مغايرة إلى حد ما عن مرجعيات مماثلة سابقة، أو كما أطلق عليها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري "مسارا جديدا لعملية سياسية جديدة". كما يرى البعض أن عقد المؤتمر جاء تجسيدا لمساعي المبعوث الأممي دي ميستورا بشأن الملف السوري والهادفة إلى تشكيل لجنة اتصال دولية إقليمية تبحث في وضع أسس التوافق حول سبل حل الأزمة، ما يعني إمكانية التوصل لآلية جديدة نابعة من مفاوضات فيينا تأخذ في الحسبان التطورات الجديدة ببعديها الإقليمي والدولي، والتوازنات الناتجة عن تلك التطورات، مع ملاحظة أن النظام السوري حتى هذه اللحظات لم يستطع إجراء تغيير جذري في ميزان الصراع الميداني لصالحه على الرغم من المساندة الجوية الروسية، ولم تتعد انجازاته تحت المساندة الروسية حد استعادة بعض المواقع والتي لا تمثل قيمة استراتيجية في الصراع.

ولا يزال ميزان القوى البري الفعلي يميل لصالح المعارضة، وبالرغم من ذلك فإن ثمة توازنات جديدة طرأت على خريطة التفاعل الإقليمية والدولية للأزمة السورية "قد" تعدل من وضع النظام والقوى المساندة له في الصراع؛ وذلك كنتيجة منطقية للنقلة النوعية الروسية الجديدة، بينما تصبح شروط المعسكر المقابل الداعم للمعارضة والمتعلقة برفض وجود بشار الأسد جملة وتفصيلا في المشهد السياسي السوري محل جدال، خاصة في ظل الموقف الأمريكي الغامض الموافق ضمنيا على الخطوات التي تتخذها روسيا في سوريا من ناحية، والمتردد بشأن بقاء الأسد من عدمه في السلطة كشريك في محاربة الإرهاب من ناحية ثانية.

ثانيا- بيان المؤتمر..

قراءات جديدة تتجاوز المرجعيات القديمة: أنهي المجتمعون في فيينا مؤتمرهم ببيان ختامي اعترفت فيه الدول المشاركة بأن ثمة "خلافات جوهرية" بينهم بشأن صيغة الحل المأمولة للأزمة، وأنهم بصدد العمل على تضييق هوة تلك الخلافات خلال الأسابيع والشهور القادمة، وقد أشتمل البيان على تسعة بنود تم التوصل لتفاهم مشترك بشأنها يمكن تلخيصها فيما يلى: ضمان وحدة سوريا وسلامة أراضيها وهويتها العلمانية، دراسة ترتيبات وقف إطلاق النار بين القوى المتصارعة وكيفية تنفيذه عبر هدنة شاملة، والإبقاء على مؤسسات الدولة السورية قائمة، تشكيل حكومة غير طائفية ويعقب تشكيل الحكومة وضع دستور جديد وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، حماية حقوق السوريين بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني، ضمان تقديم المساعدات الإنسانية لمناطق الصراع السورية وتعزيز الدعم للنازحين داخليا وللدول المستضيفة للاجئين السوريين، تسريع الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، واعتبار أن سوريا الدولة هي التي تقود العملية السياسية وأن الشعب السوري هو من يحدد مستقبلها.

البنود السابقة تعكس بعض التطور الإيجابي خاصة تلك المتعلقة بإمكانية إقرار هدنة لوقف القتال، والتأكيد على تشكيل هيئة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة (جنيف-1 و2) الجديد فيها هو النص على أن تكون غير طائفية، ووضع دستور جديد وإجراء انتخابات جديدة، كما أن البند الأول الذي يشير إلى اتفاق المجتمعين على وحدة سوريا ووحدة أراضيها يعني تراجع الطرح الداعي إلى تقسيم سوريا كأحد حلول إنهاء الصراع، وإفشال مخططات طهران بالحفاظ على ما أسمته سوريا المفيدة؛ وهي المنطقة الممتدة من الساحل حتى وسط سوريا والتي لاتزال خاضعة لسيطرة النظام، وهي المناطق نفسها التي تتركز فيها الحاضنة الشعبية والطائفية له، وتتركز فيها كذلك المصالح الاقتصادية والعسكرية لروسيا.

أضف إلى ذلك أن النص على علمانية الدولة السورية يشير إلى التخوف مما سيكون عليه مستقبل سوريا السياسي بعد التسوية الممكنة، لاسيما في ظل العدد الهائل والضخم من الجماعات الدينية المتشددة المسلحة، أو حتى تلك المعتدلة والتي لها مرجعية دينية.

ويعني ما سبق أن تلك الفصائل ستكون أمام خيارين: الأول، استمرار القتال دون الالتفات للموقف الدولي الذي يصنفها في خانة الإرهاب، والثاني، تغيير توجهاتها بما يتماشى وحالة التوافق الدولي والإقليمي الجديدة، وكلا الخيارين يحملان ألغاما مستقبلية بالنسبة لمستقبل تلك التنظيمات. أيضا يشير النص الخاص بالحفاظ على مؤسسات الدولة السورية قائمة إلى انتفاء فكرة اسقاط النظام السوري برمته، وهذا البند يحمل العديد من الاختلافات في وجهات النظر؛ حيث يرى النظام أن المؤسسات التي يجب الحفاظ عليها هي المؤسستين الأمنية والعسكرية، بينما ترى المعارضة أن المقصود بالحفاظ على مؤسسات الدولة هي كل المؤسسات عدا الأمنية والعسكرية، والتي ترى أنهما في حاجة إلى إعادة هيكلة، ناهيك عن مسئوليتهما تجاه المجازر التي ارتكبت بحق السوريين على مدى سنوات الصراع الخمس.

النقطة الجديدة أيضا هي النص على محاربة الإرهاب وبالتحديد داعش والقاعدة وجبهة النصرة ليس هذا فقط، بل والاتجاه إلى إضافة باقي الفصائل المتشددة إلى قائمة العقوبات الأممية في هذا الشأن، هذا البند سيفتح الباب أمام جدل واسع مستقبلا حول معايير تحديد الفصائل الإرهابية والفصائل المعتدلة. كما كان الخلاف واضحا وبقوة بين القوى المؤيدة للنظام والمعارضة له حول مضمون البند الخاص ببدء عملية سياسية تستهدف التوصل لتشكيل حكومة وهو بند قديم تضمنته نصوص مؤتمر جنيف-1 من قبل ولم يقدم بيان فيينا جديدا بشأنه، بل على العكس كان مؤتمر جنيف ينص على مصطلح "هيئة حكم انتقالية" يجب بدء مرحلة الانتقال السياسي بتشكيلها ثم يتم نقل الصلاحيات التنفيذية لها، أما بيان فيينا فيقدم طرحا مختلفا بشأن هذه النقطة حيث ينص على بدء عملية سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة.

ويعنى ذلك أن هذا النص الفضفاض سيظل محل تفسيرات مختلفة من الطرفين؛ فإيران وروسيا سيتمسكان بنص فيينا باعتباره يدعو لحكومة وحدة وطنية –أي يحتمل أن تتضمن النظام– بينما ستصر السعودية وتركيا وقطر على التمسك بنص جنيف القاضي بتشكيل "هيئة انتقالية " بما يعنيه الانتقال من النظام القائم إلى نظام جديد انتقالي لا يكون بشار الأسد جزءا منه.

ويعني أيضا أن البدء سيكون بوضع دستور جديد يحدد شكل النظام السياسي للدولة السورية ونظام الحكم والحكومة التي ستشكل وفقا لنوعية نظام الحكم التي سيقرها الدستور.

وهنا يمكن القول أن المجتمعين بدئوا يشكلون ملامح النظام السياسي السوري الجديد الذي غالبا سيكون شبيها بنموذج الحكم اللبناني والعراقي القائمين على نظام المحاصصة الطائفية وهو طرح يدفع نحوه المبعوث الأممي دي ميستورا بقوة معلقا بقوله أن تقاسم السلطة عبر المحاصصة هو النموذج الأنسب حاليا لحالة الصراع السياسي في سوريا.

ثالثا- مواقف متباينة: اتفقت الدول المشاركة في ختام المؤتمر على إبقاء نقاط الاختلاف الرئيسية معلقة كما هي، وفي مقدمتها معضلة تحديد مصير الأسد.

فقد أصرت كل من روسيا وإيران على التمسك ببقاء الأسد تحت ذريعة أن الشعب السوري هو الذي يجب أن يقرر مصيره، بينما رفضت السعودية وحلفائها الخليجيين وتركيا أن يكون لبشار أي دور في مستقبل سوريا، مطالبين بأن يكون هناك جدولا زمنيا يحدد المدة التي يجب أن ينتهي خلالها دور الأسد في العملية السياسية.

بينما كان موقف الولايات المتحدة قد بلورت موقفها في تصريح وزير خارجيتها جون كيري أن السوريين يستحقون بديلا ثالثا بعيدا عن بشار الأسد وتنظيم الدولة.

في هذا السياق يمكن تحليل المواقف المتباينة لأطراف فيينا: فبالنسبة لإيران وروسيا يمكن القول أن الحضور الإيراني لفعاليات المؤتمر للمرة الأولى والجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة مع السعودية قد مثل تطورا مهما ونقلة نوعية في موقف كلا المعسكرين الإقليميين المتنافسين؛ كما يعني أيضا ان أجندة الخلافات الأمريكية الروسية بشأن سوريا قد تقلصت إلى حد كبير، كما اعتبرت موافقة إيران على بيان فيينا تغييرا طفيفا في موقف إيران من مرجعيات سابقة كجنيف-1 الذي رفضت المصادقة عليه باعتباره يتضمن "نقاطا إشكالية"، ومن ثم أصبحت المرجعية الجديدة لمسارات التفاوض تبدأ من مؤتمر فيينا وما سيليه من مؤتمرات، وهو المؤتمر الذي شهد بيانه الختامي توافقا عليه من قبل السعودية وإيران وهو أمر لم يتوافر في المؤتمرات السابقة.

أصرت روسيا المنخرطة عسكريا في سوريا على حضور إيران لمفاوضات فيينا وتلاقى ذلك مع رغبة أمريكية أوروبية مشتركة، ويرجع الإصرار الروسي على إشراك ايران في المؤتمر لا لتقوية جبهة التحالف المؤيدة للنظام في مواجهة الجبهة المناوئة المساندة للمعارضة فقط، ولكن أيضا ضمانا للمحافظة على نوع من التعاون بين الطرفين يجعل من إيران ما بعد الاتفاق النووي إحدى أوراق السياسية الخارجية الروسية في منطقة الشرق الأوسط، مخافة من أن تتجه طهران لترقية مستوى التعاون مع الجانب الأمريكي الغربي على حسابها.

كما رغبت موسكو ايضا بحضورها إلى جانب ممثلي العراق ومصر ولبنان إلى توصيل رسالة للولايات المتحدة مؤداها أن هناك من دول المنطقة من يتشارك مع روسيا وإيران في وجهة نظر مخالفة لوجهات النظر التي يتبناها الحلف السعودي التركي القطري، وهي وجهة النظر الداعية إلى الإبقاء على الأسد ونظامه مبررة ذلك بغياب البديل والتخوف من انهيار الدولة ومؤسساتها. في هذا السياق وضعت حكومة طهران نصب أعينها عند حضور المؤتمر التكلفة المادية والبشرية الكبيرة التي تتزايد بمرور الوقت نتيجة لانخراطها بقوة في الملف السوري ما قد يضعها أمام تساؤلات سياسية داخلية صعبة.

من هنا سوقت إيران داخليا حضورها لمؤتمر فيينا وتوقيعها على بيانه الختامي بأنها حالة انتصار جديدة لها في الملف السوري، وأنها بصدد منع واشنطن وحلفائها من الحصول على أية صفقات سياسية واقتصادية داخل سوريا ما لم تحقق تلك الصفقات مصالح إيران في سوريا والمنطقة ككل.

ربما يكون الجانبين الإيراني والروسي قد استطاعا إحداث اختراق سياسي في اجتماع فيينا عبر إعطاء أولوية لقضية وضع دستور جديد ثم إجراء انتخابات يليها تشكيل حكومة جديدة على موضوع رحيل بشار الأسد ونظامه، أضف إلى ذلك أن دخول العامل الإيراني على معادلات الصفقة الأمريكية الروسية في سوريا -وربما المنطقة كلها- قد يؤدي إلى تحريك المياه الراكدة للأزمة باعتبارها خطوة "قد" تقدم تصورا لتسوية شاملة لها. أما على الجهة المقابلة فلم تغير السعودية موقفها الداعي إلى خروج الأسد من المشهد السياسي السوري، وتبلور هذا الموقف بصورة أكثر وضوحا في تصريحات وزير خارجيتها أحمد الجبير على هامش اجتماعات المؤتمر بأن "على روسيا وإيران الاتفاق على موعد وسبل مغادرة الرئيس بشار الأسد للبلاد والاتفاق على سحب كل القوات الأجنبية من سورية"، كما أوضح أن فرصة الأسبوعين الممنوحة لأطراف الأزمة قبل عقد فيينا -2 ستظهر مدى رغبة وقدرة روسيا وإيران الداعمين لنظام الأسد في بلورة حل سلمي للأزمة.

وقد أوضحت الدبلوماسية السعودية أن نقاط الخلاف الجوهرية التي لازالت عالقة تتمحور في نقطتين: الأولى، تتعلق بموعد ووسيلة رحيل بشار الأسد، أما الثانية فتتعلق بكيفية انسحاب القوات الأجنبية الموجودة على أرض الصراع السوري لاسيما التواجد العسكري الإيراني.

ترى السعودية كذلك أن المؤتمر على الرغم من كونه لم يحدث اختراقا كبيرا على المستوى السياسي إلا أنه قد حقق بعض النقاط المهمة، حيث أقر الجميع بمبدأ رحيل بشار الأسد ولكن تكمن المعضلة في توقيت رحيله خلال فترة زمنية قصيرة، وفي الكيفية والآلية التي يتم بها والتي تريدها الرياض ضمن حل الفترة الانتقالية، أضف إلى ذلك تهديدها باستمرار العمل على خلع الأسد عسكريا في حالة استمرار التخاذل الدولي عن إقصائه من المشهد السياسي السوري، وقد عبر الجبير عن ذلك بقوله "آن للأسد أن يرحل سلميا أو عسكريا".

في هذا السياق استمرت السعودية بالتعاون مع تركيا في تقديم الدعم للمعارضة عبر إرسال المزيد من التعزيزات سواء في المقاتلين أو الأسلحة النوعية والمعدات العسكرية، وهو ما يفسر عدم إحراز الضربات الجوية الروسية أي تغيير في موازين القوى العسكرية لصالح النظام، كما يفسر حالة الجدال والسجال التي شهدتها أروقة المؤتمر بين الجبير ونظيره الروسي لافروف عندما أكد الأول أن بلاده ستستمر في دعم المعارضة عسكريا طالما استمرت الضربات العسكرية الروسية، وستقوم بتزويد المعارضة بصواريخ أرض جو كانت غير مسموح لها بالحصول عليها مسبقا.

في الوقت نفسه ترى الرياض أنه ربما يكون للدور الروسي في سوريا فائدة على خلفية حلحلة الموقف الأمريكي المتردد بشأن منح المعارضة السورية تعزيزات عسكرية متطورة عبر التمويل المالي السعودي القطري وهو ما تم بالفعل، كما أعلنت واشنطن إرسال قوة من القوات الخاصة لمساعدة الأكراد على مواجهة داعش؛ والأمران يعتبران نقلة نوعية في الموقف الأمريكي بالنسبة للأزمة.

وبالنسبة للولايات المتحدة؛ انطلق الموقف الأمريكي فيما يتعلق ببدء مفاوضات جديدة بشأن سوريا من تكتيكات محددة؛ فهي تدرك أن دخول النظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين المفاوضات بدون شروط مسبقة وفي ظل الانخراط الروسي الجديد في سوريا يعني صعوبة اقناع الأسد وداعميه بالرحيل السريع والحالي.

ومن ثم فإن البدء التدريجي في العمل على اقناع حلفاء الأسد بالتخلي عنه يعتبر أفضل السبل في المرحلة الحالية، لذلك أبدت واشنطن موافقة ضمنية على طلب المحور السعودي التركي القطري بالبحث ليس في مصير الأسد -باعتباره محسوما- ولكن البحث في المدة الزمنية التي سيبقى فيها في الحكم بداية من تاريخ بدء مفاوضات فيينا، وهي التي تحددها واشنطن والسعودية بمدة تتراوح من ستة أشهر إلى سنة على أقصى تقدير.

كما يرى بعض المحللين أن دعوة واشنطن لإيران لحضور المؤتمر هي خطوة تكتيكية هدفها دراسة حجم التباين في وجهات نظر المعسكر الداعم لسوريا وبالتحديد حجم التناقض بين ايران وروسيا حول الطرف الأكثر تأثيرا في مجريات المفاوضات والأكثر تحكما في ورقة النظام الروسي، على اعتبار أن التنسيق الروسي الإيراني بشأن الأسد لا يعني تطابق المصالح بينهما دائما، وعلى خلفية أن تبعات الاتفاق النووي الإيراني يفرض على طهران تحركات إقليمية محسوبة بدقة يجب أن لا تتصادم فيها مباشرة مع القوى الغربية والولايات المتحدة، وهو ما لا يتماشى مع المصالح الروسية دائما.

تكتيكات واشنطن لا تعني أنها باتت تمتلك استراتيجية كاملة وواضحة تجاه الأوضاع السورية فلا زالت تقبع تلك التكتيكات في خانة رد الفعل على التدخل الروسي في الأزمة، والمتوقع وفقا لذلك أن تشهد المراحل الزمنية التي تلي اجتماع فيينا محاولات حثيثة دبلوماسية وعسكرية أمريكية قد تبلور استراتيجية واضحة لها في سوريا، وربما تؤدى إلى حسم الخلاف الإقليمي والدولي حول سوريا.

وختاما، فإن أفضل ما خرج به مؤتمر فيينا هو إدراك الدول المشاركة فيه أن الأوان قد آن للإسراع بخطى الجهود الدبلوماسية لوضع نهاية للصراع في سوريا والبدء وفقا لبنود فيينا في ترتيبات وقف اطلاق النار، وأن اجتماع فيينا بحضور هذا العدد من الدول، وخاصة بحضور إيران لأول مرة وجلوسها على طاولة مفاوضات واحدة مع السعودية يعد اختراقا وتطورا للموقف الإقليمي بين الطرفين.

وربما يجعل ذلك من المؤتمر بداية مسار لعملية سياسية جديدة، ووضع مرجعية تتجاوز المرجعيات السابقة كجنيف 1 و2 للتوصل لتوافقات بين الدول المعنية بالأزمة حول "الأطر" العامة للحل، وكل ذلك سيظل رهينة لتوافق حسابات الطرفين الأمريكي والروسي ومصالحهما عند البدء في تدشين التسوية النهائية.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية