دراسات

السلوك التصويتي للمصريين: نحو إنهاء القطيعة مع النظريات السياسية 1-2

أكرم ألفى 8-10-2015
طباعة

 تبدو دراسات السلوك التصويتي للمصريين في حالة خصام مع النظرية السياسية، حيث تكاد تخلو أغلب الكتابات المتخصصة حول الانتخابات من أي جدل مع فرضيات نظريات السلوك التصويتي المختلفة.

هذه القطيعة قادت إلى تحول الدراسات الانتخابية إلى دراسات وصفية حول البيئة السياسية والقانونية وتحليل لبرامج الأحزاب والتغطية الإعلامية دون الخوض في محاولات لتفسير السلوك التصويتي.

وفتحت ثورة 25 يناير "باب مغارة" السلوك التصويتي للمصريين عبر ذهاب الناخبين إلى صناديق الانتخاب ست مرات متتالية خلال الفترة من مارس 2011 إلى ديسمبر 2012، وهي الانتخابات والاستفتاءات التي منحت الباحثين "كنزاً" من المعلومات عن السلوك التصويتي للمرة الأولى.

وهو ما طرح إمكانية للجدل وطرح فرضيات واختبارها بشأن المحددات الرئيسية للتصويت.

وجاءت هيمنة المدرسة الوصفية وعدم محاولة طرح فرضيات للسلوك التصويتي واختبارها بسبب عدة عوامل أبرزها: - هيمنة النظم السلطوية قبل ثورة 25 يناير 2011 مما جعل من العملية الانتخابية مجرد "تحصيل حاصل" لمعرفة النتيجة مسبقاً بفوز الحزب الوطني الحاكم، وبالتالي فإن اتجاهات التصويت خرجت عن اهتمامات الباحثين، إلى جانب تزوير الانتخابات في عهد مبارك مما جعل من دراسة السلوك التصويتي بمثابة دراسة للتزييف.

- أدت هيمنة السلطة التنفيذية على التفاعلات السياسية والمحاولات المستمرة لتحجيم المعارضة ورفض مبدأ تداول السلطة إلى سيطرة دراسة النظم على اهتمامات المجموعة البحثية السياسية في مصر، وتركزت الدراسات الخاصة بالانتخابات على تفسير طبيعة النظام والجدل مع نظريات النظم السياسية.

- ما سبق جعل دراسة التفاعلات الاجتماعية والتوجهات السياسية للمصريين تخرج عن حيز كونه ناخب، حيث اعتبر أن الذهاب إلى صناديق الانتخابات ليس تعبيراً عن السلوك السياسي واقتصرت دراسات السلوك السياسي على التفاعلات الأخرى بخلاف التصويت وخاصة الاحتجاجات والانضمام لمجموعات وهيئات دينية.

- عدم استقرار النظم الانتخابية: فقد تذبذبت النظم الانتخابية بين الأخذ بنظام القائمة والنظام الفردي أكثر من مرة وتدخل المحكمة الدستورية العليا أكثر من مرة لتعديل النظام الانتخابي بالحكم بعدم دستورية النظام الانتخابي القائم مما أضفى صعوبة بالغة على دراسة التوجهات من ناحية ومن ناحية أخرى قاد إلى زيادة مساحة ونفوذ المدرسة القانونية في دراسة الانتخابات.

- صعوبة الحصول على البيانات: فقد كان الحصول على معلومات انتخابية بما فيها البيانات العامة من النتائج في كافة اللجان العامة وطبيعة الهيئة الناخبة وتقسيمها من حيث العمر والدين والطبقة بمثابة درب من المستحيلات مما ساهم في جعل دراسة السلوك التصويتي بمثابة محاولة لضرب الودع لا دراسة قائمة على تحليل للبيانات والتوجهات.

- القيود على استطلاعات الرأي: فقد فرضت السلطات الأمنية قيوداً هائلة على إجراء استطلاعات الرأي فقد اشترطت الحصول على موافقات أمنية غاية في الصعوبة ولا تمنح سوى لمجموعات قريبة من النظام أو هيئات رسمية مما أفقد المجموعات البحثية القدرة على مناقشة نتائج استطلاعات رأي مختلفة وتحليل بياناتها مما يفقد دراسات السلوك التصويتي أحد أهم أدواتها للتحليل واختبار الفرضيات.

ووسط هيمنة المدرسة التقليدية والإنتاج الخاص بالنظم السياسية والقانونية على تحليل الانتخابات في مصر خلال فترة حكم مبارك (1981- 2011) جاءت انتخابات مجلس الشعب في 2005 وصعود تيار الإسلام السياسي ممثلاً في جماعة "الإخوان" وحصولها على 88 مقعداً في البرلمان ليقذف بحجر في المياه الراكدة مما دفع العديد من الباحثين لفتح الباب أمام دراسات السلوك التصويتي ولعل دراسة الانتخابات والزبائنية السياسية في مصر والمشاركة السياسية في الانتخابات النيابية 2005 ، وهما الدراستان اللتان سعيتا لتفسير السلوك التصويتي وفقا لمحددات اجتماعية.

واعتبرت دراسة الانتخابات والزبائنية السياسية العلاقة بين الناخب والمرشح وفقاً لفرضية الزبائنية ((Clientelism التي تفترض قيام المرشح بعملية شراء الأصوات أو نسج علاقة زبائنية ممتدة.

وركزت الدراسة في اختبار فرضياتها على الريف والعلاقات التي تم نسجها بين القيادات التقليدية وجمهور الناخبين لتنتهي بأن العلاقات بين الراعي ((patron وزبائنه (clients) من الجمهور السياسي هي العلاقة المهيمنة على التصويت في الانتخابات المصرية في ظل نظام سلطوي يحول دون تداول السلطة.

في المقابل، اختبر د.

سامر سليمان دور معاملات الدخل والتعليم ومستوى التنمية البشرية في السلوك التصويتي للمصريين وانتهى إلى أن الأكثر مشاركة في الانتخابات هم الأقل دخلاً وتعليماً وقاطني المحافظات الأقل في مؤشر التنمية البشرية.

واعتبر سليمان أن ارتفاع التصويت بين الأكثر فقراً في الانتخابات هو تعبير عن هيمنة العلاقات الزبائنية في مصر في ظل نظام استبدادي حيث أن المتعلمين والشرائح العليا من الطبقة الوسطى لا ترى أي فائدة من التصويت في انتخابات ليس لها أي مدلول سياسي أو اجتماعي.

وبالتوازي، اهتمت المجموعة البحثية في مركز دراسات الأهرام في كتبها حول الانتخابات منذ 2000 على الدراسات الميدانية للخروج من مأزق صعوبة دراسات اتجاهات التصويت، وكانت هذه الدراسات الميدانية بمثابة محاولات جادة لرصد توجهات الجمهور وتفاعل الناخبين مع حملات الدعاية وبرامج الأحزاب، كما طورت المجموعة البحثية في الأهرام عدداً من استطلاعات الرأي التي اعتمدت على أسئلة خاصة بتوجهات الناخب.

إن هذا المجهود البحثي لم ينجح في نهاية الأمر في فرض عنوان "السلوك التصويتي" واختبار فرضيات السلوك السياسي حيث فرضت العوامل الموضوعية (الأسئلة الرئيسية للجدل السياسي) والذاتية (عدم وجود مجموعات بحثية للسلوك السياسي) استمرار هيمنة المنظور الذي يتناول الانتخابات عبر دراسة البيئة السياسية والقانونية والقوى الحزبية وتأثير الإعلام ورصد نتائج الانتخابات عبر تصنيفات الجداول الخاصة بالتصويت والفرز والأحزاب والمرشحين الفائزين.

وجاءت ثورة 25 يناير وما تلاها من عمليات تصويتية متتالية خاصة بالاستفتاء على الدساتير وانتخاب البرلمان الجديد والانتخابات الرئاسية لتفتح فصل جديد من الدراسات الانتخابية حيث طرحت رؤى لاتجاهات التصويت في الانتخابات منها دراسة مي السيد وشيماء الحنفي بشأن الصراع بين القوى المدنية والإسلامية على الناخبين والتي طرحت فرضية خاصة بأن الناخب الحاصل على مستويات تعليم أعلى يتجه بنسبة أكبر للتصويت للقوى المدنية حتى لو كان مستوى دخله أقل أو ينتمي للطبقات الفقيرة .

وسعى الباحث في دراسته لـ"كيف يصوت المصريون؟" إلى اختبار أسئلة وفرضيات مدرسة الديموجرافية السياسية (Political Demography) على السلوك التصويتي للمصريين عبر طرح فرضيات تقسيم الناخبين من حيث المكان (ريف وحضر – وجه قبلي ووجه بحري) ومستوى التعليم والدين (التصويت الطائفي) والطبقة، وافترضت الدراسة أن السلوك التصويتي للمصريين يمكن التعامل معه على مستويين الكلي (الماكرو) والجزئي (الميكرو)، حيث تختلف عوامل تحديد السلوك التصويتي بحسب المكان والطبقة والتعليم بالأساس .

وفي هذه الدراسة، يسعى الباحث إلى الاشتباك مع المدارس الرئيسية للسلوك التصويتي في محاولة لتقديم اسهاماتها النظرية والاستفادة منها في دراسة السلوك الانتخابي للمصريين، حيث قدمت هذه المدارس العديد من الفرضيات التي لم يتم اختبارها في الواقع المصري لعوامل متعددة مما جعل هناك ما يشبه القطيعة بين دراسات اتجاهات التصويت في مصر والنظرية السياسية.

? مدرسة كولومبيا: لازارسفيلد ودور قادة الرأي قبل عام 1944 كانت دراسات الانتخابات تنحصر في عملية تحليل توجهات الحزب أو الرئيس المنتصر ودراسة الخطاب السياسي للأحزاب المتنافسة، وقادت الصدفة إلى ظهور أولى نظريات السلوك التصويتي على يد الباحث الأمريكي بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld) أحد تلامذة مدرستي علم الاجتماع وعلم النفس الألمانيتين في فترة ما بين الحربين العالميتين.

فقد كان لازارسفيلد يدرس بالأساس تأثير وسائل الإعلام على قرارات المستهلكين في الأسواق الأمريكية في بداية الأربعينيات مستخدماً الأدوات الامبريقية لدراسة الفعل الإنساني وتفضيلات الأفراد وصولاً للتوقع بالسلوك المستقبلي.

وطرح لازارسفيلد في بداية دراسته لتأثيرات وسائل الإعلام أسئلة تحت تأثير دراسات سيجموند فرويد حول الدوافع الواعية وغير الواعية وإمكانية الوصول لهذه الدوافع من خلال طرح سؤال "لماذا؟".

فقد افترض لازارسفيلد أن لكل فعل إنساني سبباً يتحدد وفقاً للظروف الشخصية وللظروف المحيطة وهي العوامل التي تدفع الشخص للسير في اتجاهات محددة وبالتالي فإن لكل فعل "ما قبله".

وفي هذا السياق قام لازارسفيلد بتطوير أدوات امبريقية وأسئلة استطلاعية لدراسة مدى تأثير الإعلام على الأفراد وبالأخص المستهلكين وطور من خلال دراساته الرئيسية مفهوم تدفق المعلومات عبر مرحلتين(Flow of Communication Two –Step) ، حيث رأي لازارسفيلد أن المستهلك أو الشخص لا يتأثر بالإعلام مباشرة، بل أن هناك قادة رأي (opinion leader) يلعبون دوراً رئيسياً في تشكيل وعي الشخص من خلال نقل المعلومات التي يرونها إليه مناسبة ويمنعون وصول معلومات بعينها إليه، أو يقومون بإقناعه بآرائهم الشخصية حول السلعة وهؤلاء قادرين على السيطرة على الأغلبية من أعضاء المجموعة التي يقودونها من الاتباعopinion) (followers .

?? وفي سياق دراسته لتأثيرات الإعلام على قرارات المستهلكين واجه لازارسفيلد مشكلة تمويلية دفعته للبحث عن تمويل للبحث فلم يجد سوى فرصة لتمويل بحث بشأن انتخابات 1940 بين المرشح الديموقراطي فرانكلين روزفلت ومنافسه الجمهوري وينيدل ويلكي، وقام لازارسفيلد المتخصص في علم الاجتماع الإحصائي بإجراء دراسة ميدانية على 600 شخص خلال الحملة الانتخابية والتي شهدت هجوماً عنيفاً من الإعلام الأمريكي على المرشح الديمقراطي بسبب مرضه بل ومناشدة عدد من الصحف الكبرى الناخبين بعدم انتخاب روزفلت لفترة جديدة بسبب اقتراب البلاد من الدخول في الحرب العالمية الثانية وضرورة وجود قائد قادر على اتخاذ القرار بدخول أو عدم دخول الحرب.

وعبر إجراء لازارسفيلد الدراسة من خلال سبع مقابلات للعينة الصغيرة التي اختارها وجد أن الأغلبية تتجه للتصويت لصالح روزفلت على عكس رسالة الإعلام الأمريكي وهي النتيجة التي كانت بمثابة مفاجأة للجميع وأظهرت الانتخابات بالفعل اكتساح روزفلت وفوزه بفترة رئاسية ثانية.

هذه النتائج جعلت لازارسفيلد وعدد من الباحثين في جامعة "كولومبيا" الأمريكية ينخرطون في محاولة تفسيرية للسلوك التصويتي للناخب الأمريكي ظهرت في الكتاب الشهير "اختيار الشعب" (The People Choice-1944)، وهو الكتاب الذي كان بمثابة أول دراسة امبريقية للسلوك التصويتي.

وفي هذا الكتاب طرح لازارسفيلد افتراضات ما عرف فيما بعد بـ"مدرسة كولومبيا" لدراسة السلوك التصويتي.

وركزت افتراضات مدرسة كولومبيا على أن الشخص لا يقوم باتخاذ قراراه التصويتي بشكل منفرد بل من خلال مجموعة (group) ينتمي لها سواء كانت هذه المجموعة زملاء في مكان العمل أو زملاء دراسة أو مجموعة دينية، فالناخب يتأثر بمجموعته وأقرانه المشابهين له في الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والدينية والقريبين منه في المكان (الحيز الجغرافي).

وضمن المجموعة التي ينتمي لها الشخص يكون هناك قادة رأي يعتبرهم أفراد المجموعة الأكثر دراية بقضية بعينها، وفي الانتخابات يمثل الأشخاص الأكثر خبرة سياسية قادة رأي يحددون اتجاهات تصويت المجموعة.

وهؤلاء الأفراد من قادة الرأي يمثلون الوسيط بين الشخص والإعلام بحيث إن تأثيرات الإعلام المباشرة على الأفراد تكون ضعيفة للغاية حيث يتم مناقشتها ضمن المجموعة ويفرض قادة الرأي عبر الإقناع أو النفوذ وجهة نظرهم وما يعتبرونه أفضل خيار سياسي وانتخابي لمجموعتهم.

وهنا يشير لازارسفيلد إلى أن الناخب يصوت بوعي ليس فقط بحسب مجموعته، بل أيضاً من أجل صالح مجموعته.

إن لازارسفيلد اعتبر أن المجموعة أو الجماعة الصغيرة العامل الرئيسي المحدد للتوجهات التصويتية للناخبين (الأفراد) وهنا صنف هذه المجموعات فاعتبر أن هناك مجموعات عمرية ومجموعات دينية (الكنيسة) وشركاء وتجمعات المكان، وبالتالي فإن قرار الناخب ليس قراراً فردياً بل أن الأسرة والمجموعات التي ينتمي لها الناخب هي التي تحدد قراره التصويتي وبالتالي فالقرار ليس لحظياً بل هو قرار مسبق.

ورداً على انتقادات لمدرسة كولومبيا بشأن جمود منظوره للسلوك التصويتي بسبب هيمنة المجموعة على الاتجاه الانتخابي للفرد، فقد أقر لازارسفيلد بإمكانية حدوث تغيير في التوجه التصويتي للشخص ولكن خلال عملية اجتماعية ممتدة ومنها تغيير الشخص لمكان إقامته والانضمام لمجموعات جديدة.

وطور لازارسفيلد ومعه زميله الياهو كاتس افتراضاتهما بشأن السلوك التصويتي في كتابه الثاني "التصويت" (Voting-1950)، حيث استخلص من دراسته لانتخابات 1948 أن هناك تأثير متبادل بين الفرد ومجموعته في عملية تحديد السلوك التصويتي حيث أن الفرد يتأثر بتوجهات مجموعته ولكن في ذات الوقت تفرض القضايا العامة نفسها على المجموعات والأفراد وتحسم المواقف ومن بينها التوجه التصويتي.

إن مدرسة كولومبيا اليوم ليس لها اسهامات في السلوك التصويتي بالولايات المتحدة، ولكن تأثيراتها مازالت باقية في كافة مدارس السلوك التصويتي وخاصة بشأن تأثيرات الإعلام ودور المجموعات في توجيه آراء الناخب.

وتطبيقاً على مصر، فإن دور قادة الرأي مازال مهيمنا في المناطق الأكثر فقراً والمعزولة والمهمشة، حيث يمثل قادة الرأي في المجموعات التي تقطن الأطراف محدداً للسلوك التصويتي للناخبين في هذه المناطق، فعلى سبيل المثال تشير نتائج الانتخابات في مصر إلى أن السلفيين يهيمنون على المناطق الطرفية مثل مطروح الوادي الجديد وشمال سيناء وهي الهيمنة التي ترجع إلى النفوذ الكبير لشيوخ السلفية في هذه المناطق كقادة رأي أكثر منها انتشاراً للدعوة السلفية أو ارتفاع عدد اتباعها.

بالتوازي، فإننا نجد أن عدد من الدوائر مازال قادة رأي "المقهى" يلعبون دوراً رئيساً في تحديد السلوك التصويتي للناخبين بالمنطقة، وكذلك يلعب هذا الدور رجال الدين في محافظات الصعيد إلى جانب دور العائلة كمحدد للسلوك التصويتي في العديد من المناطق في محافظات مصر.

إن دراسة للسلوك التصويتي في مصر يجب أن تلتفت لقادة الرأي ودورهم في تحديد مواقف المجموعات السياسية وتوجهاتها التصويتية إلى جانب أن فكرة المجموعات الصغيرة تمثل معامل شديد الأهمية لإدراك أوضح لعملية التأثير والعوامل المؤثرة على سلوك شخص سياسيا، فلا يمكن إنكار الدور السياسي لمجموعات مشجعي كرة القدم "الألتراس" والتي تحولت من مجموعة لتشجيع فريق كرة إلى مجموعة لها تأثيراتها الواضحة على التوجهات السياسية لأعضائها، وربما يفسر منظور لازارسفيلد بشأن "قادة الرأي" كيف يمكن لقادة مجموعات الألتراس أو "الكابوهات" توجيه الشباب سياسياً.

في النهاية قادت دراسات مدرسة كولومبيا وهيمنة تحليل عينات البحث لمعرفة العوامل الرئيسة في تحديد السلوك التصويتي للناخبين الأمريكيين إلى صعود مدرسة جديدة خلال أربعينيات القرن الماضي وهي مدرسة "متشجن" التي دشنت "الحزبية" كمعامل محدد لتصويت الناخبين.

? مدرسة "متشجن": كامبل ومعامل الحزبية طرح أنجوس كامبل في كتابه الشهير "الناخب الأمريكي" (The American Voter- 1960) فرضية رئيسية هي أن الانتماء الحزبي هو الذي يحدد السلوك التصويتي للناخب، مدشناً ما يعرف بمدرسة متشجن لدراسات السلوك التصويتي.

وكان الاسهام الأول لهذه المدرسة هو "الناخب يقرر" (The Voter decides)والذي ضم دراسات استطلاعية حول اتجاهات التصويت في انتخابات 1948 الرئاسية الأمريكية والتي فاز فيها المرشح الديمقراطي هاري ترومان على الرغم من أن كافة الاستطلاعات في وسائل الإعلام الأمريكية رجحت وبقوة فوز منافسه الجمهوري توماس ديوي بينما كانت دراسة كامبل هي الوحيدة التي توقعت فوز المرشح الديمقراطي.

فقد شدد فريق "متشجن" بقيادة كامبل على أن الانتماء الحزبي يمثل عاملا رئيسيا في تحديد توجهات التصويت للناخبين، واعتبرت هذه المدرسة أن العوامل التي حددها لازارسفيلد ومدرسة كولومبيا من دور للأسرة والجماعات التي ينتمي لها الشخص سواء الدين أو الطبقة أو الأثنية أو الحيز تحدد بشكل أساسي انتماءه الحزبي، وأن الأخير هو الذي يلعب الدور المحدد للاختيار بين البدائل المطروحة في الانتخابات.

وبحسب كامبل فإن أي شخص يعتبر نفسه ضمن فريق سياسي بعينه (حزب) وأن عملية تغيير ولاءه الحزبي تأخذ وقتاً طويلاً، وبالتالي فإن السؤال الرئيسي لدراسة سلوك الناخبين في الولايات المتحدة: هل تعتبر نفسك جمهوريا أم ديمقراطياً؟ وساهم دور مدرسة متشجن وهيمنتها على دراسات السلوك الانتخابي في أمريكا هو الذي فرض دراسات التقسيم الثنائي للولايات بين ولايات زرقاء وولايات حمراء كانطلاقة رئيسية لدراسة توقعات التصويت في كافة الانتخابات منذ الخمسينيات إلى الآن.

ومثلها مثل مدرسة كولومبيا تأثر فريق متشجن بمدرسة علم النفس الاجتماعي الألماني وكذلك كان انخراطها في دراسات السلوك التصويتي بالصدفة، حيث كان كامبل ومعه ميلر Warren Miller وستوك Donald Stokes يقومون باستطلاع للرأي في عام 1948 حول القضايا العامة بالولايات المتحدة تضمنت سؤالاً ضمن عشرات الأسئلة حول اتجاهات التصويت في انتخابات الرئاسة.

وأظهر استطلاع متشجن تفوق ترومان على منافسه الجمهوري توماس ديوي فيما توقعت استطلاعات الصحف الأمريكية تحقيق المرشح الجمهوري انتصاراً سهلاً على ترومان الذي تولى منصبه صدفة بعد وفاة روزفلت.

ومع نجاح توقعات فريق كامبل أسست جامعة متشجن وحدة خاصة لاستطلاعات الرأي تحت اشرافه هي مركز الدراسات المسحية (SRC) وهو المركز الذي ساهم في تكوين أول عينة ضخمة على المستوى الوطني بدلاً من العينات السابقة التي كانت تقوم على ولايات محددة فقط إلى جانب فتح الباب أمام المقابلات المفتوحة في الاستطلاعات بدلاً من حصر الاستطلاع في الأسئلة المحددة سلفاً بالإضافة إلى تطوير آلية "السيمنار" الأسبوعي بين الباحثين المشاركين في الاستطلاع لمراجعة النتائج ومناقشتها.

وانتهت دراسات كامبل وفريقه الذي ضم بالأساس وارين ميلر ودانييل كاتس إلى طرح فرضية رئيسية هي أن الانتماء الحزبي (partisanship) هو العامل الرئيسي المحدد لاتجاهات التصويت، فأغلبية الأمريكيين كانوا في 1948 ينتمون للحزب الديمقراطي على قاعدة تأييد سياسية "النيو ديل" (new deal) الاقتصادية ودور الحزب في قيادة البلاد في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي لم يلتفتوا إلى قوة المرشح وكفاءته بل صوتواً على قاعدة الولاء الحزبي لصالح ترومان.

وتبنى كامبل نفس محددات مدرسة كولومبيا للتصويت الخاص بأن العوامل الاجتماعية والمجموعات التي ينتمي لها الشخص لها دور رئيسي في تحديد ولائه الحزبي.

فمدرسة متشجن لم تهمل العوامل السببية مثل القضايا المثارة والحملات الانتخابية والوضع الاقتصادي والاجتماعي للناخب وتأثير الأسرة والأصدقاء ولكنه اعتبر أن هذه العوامل إلى جانب الإعلام تلعب دوراً ثانوياً في تحديد الاتجاهات التصويتية حيث يظل الانتماء الحزبي هو المحدد الرئيسي لسلوك الناخب.

ولعل المثال الأوضح للانتماء الحزبي وتأثيره على التوجهات التصويتية في مصر هي العائلات الوفدية، حيث ارتبطت عدد من العائلات الكبرى في الوجه البحري بحزب الوفد منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي (عائلة أباظة – البدراوي...) وهذه العائلات بعد تسعة عقود مازالت تنتخب مرشح حزب الوفد في الانتخابات، بل رأينا أن هذه العائلات كانت الداعم الرئيسي للمرشح الرئاسي عمرو موسى في الجولة الأولى بالانتخابات الرئاسية بعدد من المحافظات وخاصة الشرقية والغربية.

فالانتماء الحزبي هنا كان هو المحدد للتوجه التصويتي لهذه العائلات الكبيرة بغض النظر عن فرص المرشح في الفوز أو برنامجه السياسي.

ولكن في ظل عدم وجود ممارسة ديمقراطية ممتدة في مصر وغياب النسق التنافسي والحزبية خلال ما يقرب من نصف قرن وضعف الحياة الحزبية منذ ثمانينيات القرن الماضي، يصبح معامل الحزبية أداة غير واقعية لدراسة التوجهات التصويتية للناخبين في مصر.

وبالتوازي، فإن تطبيق افتراض هيمنة الحزبية على السلوك التصويتي واجه الفشل في الدول الأوروبية، حيث إن دراسات السلوك التصويتي في بلدان غرب أوروبا خلال السبعينيات والثمانينيات لم تظهر صلة مباشرة بين الحزبية والاتجاهات التصويتية للناخبين.

فاختلاف النظام الحزبي في أوروبا القائم على التعددية الحزبية وليس الحزبين الكبيرين إلى جانب ظاهرة التفكك الحزبي دفع الدارسين الذين يتبنون فرضية "الحزبية" في أوروبا إلى اعتبار أن الانتماء الأيديولوجي هو المحرك للسلوك الانتخابي وليس الانتماء الحزبي، حيث أن الناخب يمكن تعريفه أيديولوجياً أكثر منه حزبياً.

فالناخب الأوروبي يتبنى رؤى أيديولوجية واجتماعية يجعل مجموعة الناخبين تنقسم إلى يمنيين ويساريين ومدى قوة ارتباط الناخب بالأيديولوجية تحدد اختياراته في التصويت لصالح الحزب الأقرب له أيديولوجياً واجتماعياً.

وربما ساهم تبسيط أفكار مدرسة "متشجن" لتتناسب مع الواقع الأمريكي السياسي القائم على الحزبين الكبيرين والمنافسة بين مرشحين رئيسين في الانتخابات الرئاسية دفع البعض لاعتبار اسهاماتها ليس لها جدوى خارج السياق الأمريكي.

ولكن قراءة أكثر عمقاً لكتاب الناخب الأمريكي والدراسات الجديدة لتلاميذ كامبل توضح أن هذه المدرسة ساهمت بشكل واضح في فهم التحولات السياسية ووضع أدوات واضحة لدراسة ظاهرة تغيير السلوك التصويتي في إطار علم الاجتماع السياسي.

فقد طرحت وطورت مدرسة "متشجن" عدة افتراضات رئيسية: 1) أن مدى قوة ارتباط الناخب وتعريفه لنفسه بحزب محدد يحدد إمكانية تغيير سلوكه التصويتي، حيث أن الشخص الذي يعرف نفسه بأنه ديمقراطي ملتزم بقوة يختلف عن آخر يعرف ارتباطه بالحزب الديمقراطي بالضعيف.

فقوة الارتباط الحزبي هي إحدى أهم أدوات دراسة السلوك الانتخابي وإلا تحولت إلى دراسة استاتيكية لا تعترف بالتغيرات.

فالناخبون ذوي الارتباط الضعيف بحزب يكونون عرضة أكثر من غيرهم لتغير مواقفهم وسلوكهم التصويتي بحسب القضايا الانتخابية المثارة وشخصية المرشح، وهؤلاء بالإضافة إلى الناخبين الذين لا يعرفون أنفسهم حزبيا يمثلون كتلة هامة من الناخبين تحدد نتائجها النهائية في حال المنافسة المحتدمة بين حزبين أو مرشحين وهي كتلة "الأصوات العائمة" (Floating vote – swing vote) وهي المفهوم الذي أصبح رائجاً في كافة الدراسات الانتخابية.

وساهمت ليندا كيلان (Linda Killan) أحد المنتمين لمدرسة متشجن في تطوير وشرح مفهوم الاصوات العائمة أو الكتلة المتأرجحة في كتابها (The Swing Vote) وهو الكتاب الذي دفع مجموعة كبيرة من الباحثين لا عادة الاعتبار للمجموعات غير محددة الهوية الحزبية أو الأيديولوجية أو ما يعرف بالمستقلين.

وربما يزيد حجم الكتلة العائمة أو المتأرجحة في الدول ذات الخبرة الضعيفة في الحزبية مثل مصر مما يجعلها من أهم المجموعات التي يجب أخذها في الاعتبار عند دراسة التوجهات التصويتية.

2) إن تغيير ولاء الشخص الحزبي أو الأيديولوجي يأخذ وقتاً طويلاً ولكنه ممكناً مع انتقال الناخب من مجموعة عمرية إلى أخرى بمعنى تقدمه في العمر أو تغيير مكان إقامته أو وضعه الطبقي أو عمله، فالانتماء الحزبي ليس ثابتاً بل متغيراً بتغير الظروف، فعلى سبيل المثال تنطبق الجملة الشهيرة "من لم يكن يسارياً وهو صغير فهو بلا قلب، ومن لم يكن محافظاً وهو كبير فليس له عقل" على أثر التحولات العمرية على التوجهات الحزبية والسياسية وبالتالي التصويتية، حيث يلاحظ في كافة الدول أن كبار السن يميلون أكثر للتصويت لصالح الأحزاب المحافظة واليمينية مقابل ميل الشباب للأحزاب اليسارية.

وربما شهدنا في مصر هذا التوجه خلال الانتخابات التي تلت الثورة حيث مالت كتلة كبار السن للتصويت لصالح المرشحين المنتمين لمؤسسات الدولة على حساب من عرفوا بمرشحي الثورة في الانتخابات الرئاسية.

وكذلك فإن تغيير مكان الإقامة يؤثر بشكل واضح على السلوك التصويتي، حيث انتقال شخص محافظ إلى حيز يهيمن عليه التيار الليبرالي يؤثر على توجهاته التصويتية بحثاً عن التكيف مع المكان الجديد.

وهنا وضعت مدرسة "متشجن" يدها على معامل شديد الأهمية في الدراسات الانتخابية وهو أن التغير في التوجهات السياسية للشخص بانتقاله من فئة عمرية إلى أخرى أو من حيز جغرافي إلى حيز جديد يرتبط كذلك بمدى قوة الارتباط بالحزب أو الأيديولوجية.

فالأشخاص شديدو الارتباط بحزب أو أيديولوجية من الصعب تغيير مواقفهم بانتقالهم عمرياً أو طبقياً.

إن مركزية مدرسة "متشجن" في دراسات السلوك التصويتي قامت على استمرارية هذا التيار وبالتالي تطور اسهاماته عبر أكثر من نصف قرن على نقيض مدرسة كولومبيا التي اندثرت سريعاً بوفاة لازارسفيلد وكذلك لهيمنة توجهات المدرسة في كافة الاستطلاعات للسلوك الانتخابي في الولايات المتحدة وعدد كبير من دول أوروبا ولعل أغلب الاستطلاعات التي تجرى في مصر (رغم ندرتها) تقوم على نفس أسئلة فريق كامبل.

وساهم تحول هذه المدرسة إلى "التيار العام" لدراسة السلوك الانتخابي إلى تطوير عدد من النظريات "الثانوية" مثل مدرسة الادراكية السيكولوجية التي اعتبرت بروز القضايا السياسة في الانتخابات الأمريكية خلال الستينيات والسبعينيات مع صعود حركة الحقوق المدنية انعكس في اهتمام الناخب بهذه القضايا على حساب الحزبية.

واعتبرت هذه المدرسة أن جمهور الناخبين قادر على خلق إدراك شامل للعالم السياسي خاص به بعيداً عن الأحزاب وبغض النظر عن علاقة هذا الجمهور بالسياسية أو مدى اهتمامه بها، فكل ناخب لديه التصور الخاص به والذي يعتبره متكاملاً للشأن السياسي يحدد وفقه سلوكه التصويتي لصالح الأقرب لهذا الإدراك.

وكان افراط هذه المدرسة في دراسة المتغيرات المؤثرة على تشكيل الإدراك العام للناخب سبباً في تراجعها حيث لم تنجح في نحت افتراضات خاصة بها يمكن دراستها امبريقياً.

? مدرسة "الاختيار الرشيد": البحث عن الناخب العقلاني انطلق منظور "الاختيار العقلاني" (The Rational Choice) من نظرية المنفعة الاقتصادية، فقد افترض انتوني دوانز (Anthony Downs) أن الناخب شخص رشيد وعقلاني يقوم بالاختيار بين بدائل على أساس الفائدة والمنفعة، فقد اعتبر داونز أن الناخب يشبه المستهلك الذي يختار السلعة (التصويت) في السوق (الانتخابات) بافتراض أنها تحقق له فائدة في المستقبل وتعظم من مكاسبه.

وطرح دوانز في كتابه الأشهر نظرية اقتصادية للديمقراطية (An Economic Theory of Democracy -1957) عدة افتراضات طورها فيما بعد ميلتون فريدمانMilton) (Friedman يمكن تلخيصها في ثلاث فرضيات رئيسية هي: 1) كافة القرارات التي يتخذها الناخب أو الحزب السياسي أو النظام السياسي هي اختيارات عقلانية تقوم على حساب المكسب والخسارة (المصلحة) في سياق السعي إلى تعظيم المكاسب.

2) أن النظم الديمقراطية التي تشهد حالة من التنافسية السياسية تمنح الناخب وصانعي القرار القدرة على فهم تداعيات أية قرارات يتخذها الناخب أو الحزب السياسي وتأثيراتها المستقبلية.

3) تمنح الانتخابات الحرة الناخب القدرة على الاختيار بين أكثر من قرار بإرادة حرة ودون تدخل مما يجعله يحسب الفائدة بشكل شخصي.

هكذا فإن فرضيات مدرسة "الاختيار الرشيد" ترفض بشكل واضح اعتبار الدوافع الخاصة بتأثيرات المجموعة التي ينتمي لها الناخب (مدرسة كولومبيا) أو الانتماء الحزبي (مدرسة متشجن) هي الدوافع الرئيسية المفسرة للسلوك التصويتي للناخبين، بل وضعت إطاراً مغايراً يجعل المنفعة الفردية هي الدافع الرئيسي لقرار الناخب، الذي يتحرك وفقاً لمصلحته وليس على قاعدة الأفكار والمبادئ والتاريخ.

وفي سياق مناقشته لأطروحة "الاختيار الرشيد"، طور دوانز في دراسات تالية لكتابة "نظرية اقتصادية للديمقراطية" عدة مفاهيم وفرضيات كان أهمها فرضية أن الناخب يميل لاختيار البرنامج الحزبي أو السياسي الذي يمكن تنفيذه على أرض الواقع إلى جانب ميل الناخب إلى أن يكون صوته مؤثراً في النتيجة النهائية.

ومن هذه الفرضية نحت داونز مصطلح "الصوت الاستراتيجي".

فمفهوم "الصوت الاستراتيجي" هو أن الناخب الذي يجد أن الحزب أو الشخص الذي يتوافق مع مصالحه لا يمكنه تحقيق الفوز في الانتخابات سيتجه للتصويت إلى أقرب الأحزاب أو المرشحين لهذا البرنامج.

فعلى سبيل المثال إذا كان هناك ثلاثة أحزاب متنافسة (أ) و(ب) و(ج) وكان (أ) يعبر عن اليمين المحافظ و(ب) يعبر عن الوسط و (ج) يعبر عن اليسار، وكان الناخب يرى الفائدة في برنامج المحافظين ولكن فرص فوز (أ) ضئيلة جدا فإنه سيتجه للتصويت لصالح (ب) لمنع (ج) من الوصول للسلطة.

فالصوت الاستراتيجي يقوم على تطوير لفرضية المنفعة، حيث إن الناخب سيتجه للتصويت لصالح الوسط للحصول على جزء من المنفعة بدلاً من أن يذهب صوته هدراً ويمنح اليسار -الذي لا يمثل له أي منفعة-فرصة الفوز بالانتخابات.

وانتشر نسبياً مفهوم "الصوت الاستراتيجي" في مصر خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2012 التي تنافس فيه مرشح الإخوان محمد مرسي وأحمد شفيق السياسي المقرب من نظام مبارك، حيث افترض البعض أن تصويت المصريين لصالح مرسي هو تعبير عن "التصويت الاستراتيجي" لمنع وصول شفيق إلى سدة السلطة بعد الثورة.

ولكن هذا التحليل ينقصه في الواقع الفهم العميق لمدرسة متشجن وفرضيتها، حيث إن "الصوت الاستراتيجي" يحتم وجود ثلاثة مرشحين على الأقل، وبالتالي فإن انتقال أصوات عدد من مؤيدي المرشح حمدين صباحي إلى مرسي في الجولة الثانية هي ببساطة عملية "انتقال أصوات" وليس "تصويتاً استراتيجيا".

فعملية انتقال الأصوات عملية كلاسيكية في التصويتات خلال الجولات النهائية بالانتخابات، ففي فرنسا –على سبيل المثال– تشهد غالبية الانتخابات الرئاسية عمليات لانتقال الأصوات من اليمين واليسار لصالح المرشح الأقرب أيديولوجيا وهو ما يطلق عليه "عملية انتقال الأصوات".

فيمكن أن يكون ما ينطبق عليه "تصويت استراتيجي" في الانتخابات المصرية هو انتقال أصوات عدد كبير من المسيحيين وجمهور فلول الحزب الوطني السابق والمؤيدين للاستقرار والمؤسسة العسكرية من التصويت لصالح عمرو موسى إلى التصويت لصالح أحمد شفيق في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بسبب بروز مؤشرات قبل بدء التصويت في هذه الجولة حول تراجع فرص موسى في الفوز وتحقيق نتيجة تسمح له بدخول الجولة الثانية من الانتخابات مما جعل كتلة من الأصوات تتحرك من موسى لصالح شفيق سعياً نحو تحقيق مكسب استراتيجي بإيجاد مكان لمرشح يؤيد مؤسسات الدولة ويعارض "الإخوان" في الجولة الثانية من الانتخابات.

طباعة