متابعات تحليلية - مصر

إعادة النظر في التعامل مع الأولتراس

طباعة
27/09/2015 لم تكن ثورة 25 يناير نقطة بداية لحركات الأولتراس في مصر، إذ كانت تلك الحركات متواجدة داخل المجتمع المصري بشكل رسمي ومُعلن منذ عام 2007.

وتعود جذور روابط الأولتراس إلى كونها روابط غير رسمية لمشجعي كرة القدم قبل عام 2007، وخاصة الحركتان الرئيسيتان في هذا السياق، وهما حركة أولتراس أهلاوي وأولتراس وايت نايتس، وهي حركات رئيسية بحكم الشعبية الجارفة لناديا الأهلي والزمالك في مصر، وأيضاً بحكم عدد الأعضاء في كل حركة، وحجم الانتشار والفاعلية والقدرة على التأثير.

ولكن مما لا شك فيه أن ثورة 25 يناير كانت بمثابة إعادة تقديم لحركات الأولتراس للمجتمع المصري، وإعادة صياغة دور هذه الحركات داخل المجال العام المصري نتيجة لانخراط أعضاء هذه الحركات في الشأن العام بصورة ملحوظة مقارنة بمرحلة ما قبل 2011، واستخدام هؤلاء الأعضاء لشريحة أكبر من المساحة العامة خارج نطاق مدرجات ملاعب كرة القدم.

وقد أدى هذا التحول في علاقة حركات الأولتراس مع المجال العام إلى ذهاب البعض من الباحثين والمتخصصين لوضع حركات الأولتراس في إطار سياسي، والتعامل مع هذه الحركات كحركات سياسية ذات توجه محدد وانتماء سياسي مُشترك، وهي الرؤية التي يشوبها الكثير من القصور وتطغى عليها عدة مغالطات.

فهذه الرؤية تقوم في الأساس علي الربط بين العمل الجمعي لحركات الأولتراس ككيان اجتماعي، وبين التصرف الفردي لأعضاء هذه الحركات كأفراد، ومن ثم يتجه التحليل المبني علي هذه الرؤية لاعتماد التوجهات الفردية للأعضاء، سواء كانت سياسية أو مذهبية أو أيدولوجية، كتوجهات جمعية للحركات، وكان نتاج هذا الربط هو وضع حركات الأولتراس في سياق سياسي لا يتفق والطبيعة الهيكلية أو الانتماءات الحقيقية لهذه الحركات.

فالبحث المتأني والمُفصل في التوجهات السياسية أو الفكرية أو المذهبية لأعضاء الأولتراس يوضح أن الأعضاء لا يربط بينهم انتماء مشترك سوى للكيان الذي قامت الحركة من أجل دعمه والتفاني في تشجيعه، وانتماء لمجموعة من القيم الحاكمة للعمل الجمعي في أي مجال، كالحرية، والترابط، والمساواة.

وعلي صعيد التوجهات السياسية، يوجد بين أعضاء حركات الأولتراس تنوع واضح في الانتماء السياسي بين إسلامي وليبرالي ويساري بمختلف درجات ومرجعيات هذه الانتماءات، كما يوجد بين أعضاء حركات الأولتراس شريحة كبيرة غير مهتمة بالسياسة في المقام الأول.

وبالرغم من الاحتفاء بحركات الأولتراس من قبل الإعلام والمجتمع في عام 2011 كأحد الحركات الشبابية الفاعلة والتنظيمات الاجتماعية المهمة، تبدل الوضع كثيرا في الفترة الأخيرة، وخاصة في مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013، والتي كانت بمثابة بداية لتقويض العمل الجمعي والكيانات السياسية والاجتماعية المستقلة من خلال عدد من التشريعات والأحكام القضائية التي حظرت نشاط عدد من الحركات الاجتماعية وجرمت التظاهر السلمي ووضعت قيوداً علي العمل الجمعي غير المؤسسي، هذا بخلاف الهجوم المنظم من الإعلام على كل الكيانات التي تتخذ من العمل الجمعي أو التحرك الجماهيري منهجاً لها بغض النظر عن التوجه الفكري أو السياسي لهذه الكيانات.

وفي هذا السياق صدر حكم محكمة جنوب القاهرة الابتدائية بتاريخ 16 مايو 2015 "بحظر جميع روابط الأولتراس على مستوى جمهورية مصر العربية، وحظر جميع أنشطتها وأنشطة أية روابط تنتمي إليها أو تنبثق من تلك الروابط".

وبالرغم من قيام مرتضي منصور، رئيس نادي الزمالك ومُقدم الدعوة، بطلب اعتبار روابط الأولتراس "روابط إرهابية"، إلا أن نص الحكم الصادر في الاستئناف رقم 147 لسنة 2015 من المحكمة لم يرد به ما يصف جماعات الأولتراس بكونها "روابط إرهابية".

وبالإضافة للتشريعات وأحكام القضاء، ساهمت أحداث العنف التي تعرضت لها كل من حركة أولتراس أهلاوي في ستاد بورسعيد في فبراير 2012، وحركة أولتراس وايت نايتس في ستاد الدفاع الجوي في فبراير 2015، في شيوع صورة سلبية عن حركات الأولتراس لدى قطاع عريض من المجتمع المصري.

وبالرغم من كون أعضاء الأولتراس كانوا ضحايا للعنف المفرط الذي اتسمت به أحداث استاد بورسعيد واستاد الدفاع الجوي، وليسوا سبباً له، بدليل سقوط أكثر من تسعين شهيداً من الأولتراس في كلتا الواقعتين، إلا أن هذه الأحداث ساهمت في صناعة صورة سلبية عن حركات الأولتراس قائمة على اعتبار هذه الحركات فوضوية ولديها ميل طبيعي للعنف، وهو ما يرى البعض أنه يتناقض تمام التناقض مع التناول الموضوعي لوقائع تلك الأحداث.

وعلى الرغم من محاولات أطراف عدة حظر حركات الأولتراس ومحو تواجدها داخل المجال العام، وفي ظل شيوع صورة سلبية عن هذه الحركات لدى عدد غير قليل من المواطنين، إلا أن هذه الحركات ظلت متواجدة، وتظل قادرة على البقاء برغم ما تتعرض له من ضغوط، وتظل تملك قدرة علي الحشد والتنظيم ودرجة عالية من الترابط البُنيوي غير الموجود لدى عدد كبير من الحركات الاجتماعية الناشطة في المجال العام في مصر، بل وتظل قادرة على إحداث تغيير من خلال العمل الجمعي السلمي، ولعل ما حدث من حشد جماهيري لحركة أولتراس أهلاوي وأدى في النهاية لصدور قرار من رئيس الوزراء بنقل مباراة الأهلي والزمالك من ملعب الجونة إلى ملعب برج العرب بالإسكندرية بعد رفض الجهات الأمنية إقامة المباراة هناك خير دليل على ذلك.

ومن ثم بات من الضروري أن نطرح التساؤلات حول مدى جدوى الاستراتيجية المُتبعة في التعامل مع هذه الحركات من قبل الجهات الرسمية، كما أنه من المهم أن نُعيد التفكير في الإطار السياسي الذي تم وضع حركات الأولتراس بداخله في مرحلة ما بعد 25 يناير.

ونحن هنا لسنا بصدد الدفع بأن حركات الأولتراس ليس لها تواجد في الشأن العام، أو أنها حركات منغلقة علي نفسها غير عابئة بما يحدث حولها، فهي في النهاية كيانات منظمة لا يمكن فصلها عن النسيج المكون للمجال العام في مصر، وهي كسائر الحركات الاجتماعية تتأثر بهيكل الفرصة السياسية السائد داخل المجتمع.

ولكن ما نحاول التأكيد عليه هو أن انخراط حركات الأولتراس في الشأن العام لا يقوم على أرضية سياسية تحكمها أجندة محددة، فالأولتراس حركات اجتماعية تتفاعل مع المناخ السياسي في أوقات معينة وعلي خلفية قضايا محددة، ولكنها ليست حركات سياسية من الممكن النظر إليها كأحد الفاعلين في المشهد السياسي.

ولعل خير دليل علي هذه الرؤية طبيعة القضايا التي تتفاعل معها حركات الأولتراس في سياق سياسي، فنجد أن القضايا التي تتحرك حركات الأولتراس من أجلها تحرك جمعي هي قضايا تتعلق بالحق في استخدام المساحة العامة، ورفض العنف المنظم والقمع الأمني، والتصدي لانتهاك الحريات الفردية والكرامة الإنسانية.

وبالرغم من سهولة وضع هذه القضايا في قالب سياسي، إلا أنها قضايا إنسانية في الأساس تتداخل مع مجالات متعددة.

كما أنه من غير الممكن فصل هذه القضايا عن تاريخ تعامل الجهات الأمنية مع حركات الأولتراس منذ نشأتها، وهو التعامل الذي اتسم بالكثير من العنف والإهانة، خاصة في ظل تعاقب أنظمة سياسية رافضة لمنهج الاستخدام الجمعي للمساحة العامة، وصغر سن الغالبية العُظمى من أعضاء حركات الأولتراس، وعدم وجود نُخب مهنية واجتماعية كافية بين أعضاء هذه الحركات.

وفي النهاية يظل التساؤل مطروح حول مدى جدوى حظر هذه الحركات، وتجريم أنشطتها، والتعامل معها في سياق سياسي لا يتسق مع ماهية هذه الحركات وتوجهاتها الحقيقية.

فبالرغم من وجود الكثير من الأصوات التي تطالب باعتبار حركات الأولتراس "روابط إرهابية" وتحاول محو تواجدها من المجال العام، إلا أن حجم الانتماء والقدرة على الحشد والتنظيم داخل هذه الحركات يدل على أنها قوى اجتماعية من غير المفترض إهدارها أو قمعها وفقاً لرؤى غير دقيقة وغير منضبطة.

كما أن البحث عن إطار تنظيمي وقانوني يسمح بتواجد حركات الأولتراس بصورة شرعية ليس بمعضلة، وتنظيم تواجدهم السلمي في المساحة العامة سواء داخل مدرجات ملاعب كرة القدم أو خارجها لا يحتاج للكثير من التنظير.

فالأولتراس في النهاية حركات اجتماعية يحتاج التعامل معها لتفهم دقيق لطبيعتها، ووضع اُطر ومعايير إنسانية وموضوعية لتنظيم تواجدها بعيداً عن الحظر غير المبرر والتجريم غير الموضوعي والتعميم الذي لن يُفضي في النهاية سوى لقمع الحريات وتقويض التنظيم الاجتماعي المستقل الذي من الممكن أن يكون أحد الموارد الاجتماعية الهامة.
طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية