متابعات تحليلية

في مواجهة المد الإيراني: تركيا والخليج نحو تجاوز الخلاف وتعزيز التفاهم

كرم سعيد 728 9-7-2015
طباعة
09/07/2015 ساعدت الأحداث التي شهدتها المنطقة والمرتبطة بتطورات "الربيع العربي" في توسيع الرتق بين تركيا والحكومات الخليجية التي ناهضت التغيير الثوري، ودعت إلى الإصلاح التدريجي، بينما كانت أنقرة من بين العواصم التي دعمت دعاوى التغيير في المنطقة لتعزيز طموحاتها الإقليمية. وفي الوقت الذي ساند فيه قطاع معتبر من دول الخليج القاهرة بعد إزاحة جماعة الإخوان عن السلطة في 3 يوليو 2013، ظلت أنقرة الصوت الأعلى في رفض مسلك المؤسسة العسكرية، إذ يصر أردوغان ومعه حكومة العدالة والتنمية على وصف ما حدث ضد الرئيس المعزول محمد مرسي بـ "الانقلاب" على الشرعية الدستورية والالتفاف على الديمقراطية الإجرائية التي رسختها انتخابات مصر الرئاسية في العام 2012. ملامح التقارب ساعدت تطورات شتى على فتح الباب أمام تهدئة التوتر بين أنقرة والعواصم الخليجية، فثمة مصالح سياسية واقتصادية بين الطرفين ناهيك عن هواجس استراتيجية أمنية مشتركة تتلاقى معظم خيوطها على العتبة الإيرانية.

لذلك عاد إلى الواجهة الحديث عن ضرورات التعاون السياسي والاقتصادي في ظل صعود الحوثيين في اليمن، وتبدل السياسات السعودية في عهد الملك سلمان الذي بات يركز بشكل أكبر على التهديدات المتنامية للدولة السعودية فضلا عن تراجع العلاقة السياسية بين أنقرة وطهران على خلفية الأزمة السورية.

والأرجح أن ثمة عوامل ساعدت على طي المسافة بين أنقرة والخليج كشفت عنها الزيارات المتبادلة، وكان آخرها زيارة الرئيس التركي أردوغان للرياض في 28 فبراير الماضي وزيارته للكويت نهاية أبريل الماضي، وتعهد فيهما بتنشيط العلاقات الاقتصادية وبالحفاظ الصارم على مصالح الخليج الأمنية.

وآتى التعامل مع هذين الهدفين أكلهما، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع المملكة السعودية التي تتبنى خطاً متوازناً ومتشدداً في آن معاً بشأن تكامل السياسات الإقليمية وانعكاساتها على مصالح الدول الخليجية.

كما أن تراجع المخاوف الخليجية نسبياً، وبخاصة الرياض، من مخاطر جماعة "الإخوان المسلمين"، ساهم في تقريب مواقف الطرفين.

وكان بارزاً،هنا، مشاركة علي محي الدين القرداغي أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين القريب من جماعة "الإخوان" في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الخاص بالتصدي للإرهاب، والذي عُقد في فبراير الماضي في مكة المكرمة، الأمر الذي حمل بين جوانحه احتمالات تغير في السياسة السعودية تجاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المصنف إماراتيا كمنظمة إرهابية. في المقابل يتصاعد القلق من تمدد النفوذ الشيعي الإيراني في المنطقة، وتهديده المباشر لأمن الخليج، حيث وصل نفوذ إيران الذروة في العراق ولبنان واليمن وسوريا ناهيك عن دور من وراء ستار في تأجيج الاحتقانات الطائفية في البحرين.

لذا تودّ الرياض التي تقود القاطرة الخليجية إقامة تحالف أو علاقة أكثر تقاربا مع الدول الإسلامية السنيّة باعتبارها حصنا ضد أذرع إيران الممتدة في المنطقة. على الضفة الأخرى من النهر تسعى تركيا لعلاقات وثيقة مع القيادة الجديدة في المملكة العربية السعودية، وربما كان من العوامل المساعدة هنا تهميش الخلافات التي طال أمدُها حول ورقة "الإخوان المسلمين" التي تعتبرها الرياض "جماعة إرهابية"، ومواءمة الجهود الرامية إلى حل الأزمات الإقليمية بما في ذلك الحرب في سوريا. ويرتبط العامل الثالث بالتأييد التركي لعاصفة الحزم التي تقودها المملكة السعودية ضد ميلشيات الحوثي في اليمن، حيث أعلن الرئيس التركي رجب أردوغان عن استعداده تقديم الدعم السياسي واللوجستي إذ لزم الأمر، وتحدث رئيس البرلمان التركي لأول مرة عن "التمدد الشيعي"، بينما اعتبر أردوغان إيران تهديدا للأمن والسلم في المنطقة وإزعاجا لتركيا والسعودية ودول الخليج، ودعاها صراحة هي والمنظمات الإرهابية إلى سحب قواتها من اليمن وسوريا والعراق. صحيح أن تركيا اكتفت بموقف لفظي داعم لعملية "عاصفة الحزم" حتى لا تقطع العلاقة نهائيا مع طهران، وأن كانت تقف معها على طرف نقيض فيما يخص التفاعلات والطموحات الإقليمية إلا أن المملكة السعودية كانت حريصة على تلميع واستثمار الموقف التركي باعتباره جزء من العملية ولو ضمنياً أو من وراء ستار. وراء ذلك فثمة تقارب تركي خليجي بشأن تطورات الأزمة في سوريا، فعلى خلاف الموقف المتحفظ لبعض القوى الإقليمية والدولية ( واشنطن- موسكو- القاهرة) على أي عمل عسكري يمكن أن يفضي إلى انهيار نظام الأسد، ويعتقد بضرورة التوصل إلى حل سياسي ينهى المأساة السورية عبر استكمال جولات التفاوض بين المعارضة والنظام، ترى أنقرة كالرياض والدوحة ضرورة إسقاط الأسد، وإعادة بناء نظام سياسي ديمقراطي قادر على استيعاب الطوائف والتشكيلات السياسية السورية. وساهم التنسيق التركي الخليجي إزاء دعم فصائل المعارضة السورية وتقديم الدعم اللوجستى والسياسي لها في تمكينها من تحرير قطاع معتبر من الأراضي السورية. ويعود العامل الخامس إلى ارتفاع مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري بين أنقرة والخليج، فثمة العديد من الفرص الاستثمارية الواعدة بينهما، ودلل على ذلك مضاعفة حجم التجارة البينية بين دول الخليج وتركيا، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري ليصل إلى نحو 25 مليار دولار عام 2013، منها 15 مليار دولار للصادرات التركية وما يقرب من 10 مليار دولار للجانب الخليجي. وساهم قرب العلاقات في المجال السياسي في توسيع العلاقات التجارية، إذ شهدت العلاقات التجارية تطوراً واضحاً وفاعلاً، وهو الأمر الذي دفع الطرفين إلى تدشين "منتدى الأعمال والاستثمار الخليجي التركي"، والذي يعقد بشكل دوري منذ اجتماع أعضائه لأول مرة في مدينة اسطنبول في فبراير 2012 . أهمية التقارب لذلك يبدو هذا التقارب مهماً للطرفين، وكلاهما قد يجنى الفوائد من تزايد التبادل التجاري والفرص الاستثمارية، فتركيا تصارع تباطؤ النمو تحت ضغط ارتفاع معدلات التضخم التي وصلت إلى 7,61% ناهيك عن هبوط قيمة الليرة في مقابل الدولار، كما ترغب أنقرة في وصول أفضل وأيسر إلى الأسواق الخليجية لتعويض انخفاض الطلب محليا وفي أسواق التصدير الأخرى مثل مصر وليبيا وتونس، وأيضا تنشيط قطاع المقاولات التركي عبر تنفيذ شركاتها للاستثمارات الخليجية في بناء محطات طاقة وغيرها من مشاريع البنية التحتية.

وفي وسع الخليج استخدام الخبرات والاستثمارات التي تضخها الشركات التركية في تطوير قطاعات التعليم والصحة والتدريب، وأيضا الاستفادة من القدرات الدفاعية التركية، خصوصا وأن أنقرة أصبحت تضم اثنتين من أكبر 100 شركة للصناعات الدفاعية في العالم، وهما شركتا "أسيلسان" و"توساش". ويأتي هذا التقارب في العلاقة في الوقت الذي تواجه فيه الدول الخليجية تحديات إقليمية أفرزتها السيولة السياسية التي تعانيها دول الربيع العربي بالتزامن مع جهود إيرانية لتفتيت المنطقة بما يكرس هيمنتها العسكرية والسياسية. كما يأتي هذا الود مع رغبة تركية في توسيع نفوذها السياسي والعسكري، وإعادة رصيدها الاقتصادي والسياسي الذي تآكل تحت وطأة الأزمة السورية وإقصاء جماعة الإخوان عن السلطة في القاهرة وتونس وتراجع زخمها في ليبيا والأردن، وأيضا حالة المراوحة والشك مع الغرب، والتي عمق من جرحها انعدام فرص اللحاق بالقطار الأوروبي، والاتفاق النووي الوشيك بين إيران ودول "5+1"، بما يعني تهميش الدور التركي لمصلحة طهران في ملفات المنطقة. على صعيد متصل تمثل العلاقة مع تركيا من وجهة نظر خليجية زاوية في استراتيجية نزع فتيل التوترات الإقليمية والجيو- سياسية من جهة، وركيزة أساسية لبناء تكتل سني قوى في مواجهة المد الفارسي. ملامح التقارب ظهرت جلياً في التنسيق إزاء القضايا والنزاعات الإقليمية، ويسعى الطرفان جدياً إلى تأسيس محور إقليمي قادر على كبح جماح طهران من جهة، وتعظيم النفوذ السني من جهة أخرى.

لذلك تسعى الرياض جاهدة إلى تهدئة التوتر الحادث في العلاقة سواء بين الدوحة والقاهرة، وأيضا تجسير الفجوة بين أنقرة والقاهرة، خصوصا أن الثانية عادت خطوة للخلف بشأن الأزمة السورية، حيث أكد وزير خارجيتها في تصريحات له مطلع يونيو 2015 خلال استقباله وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، بأن القاهرة ستقف إلى جانب المعارضة السورية. بين تركيا والخليج: موقع القاهرة على الرغم من أن التقارب الخليجي التركي الراهن ربما تكون له انعكاساته المباشرة والآنية على وضعية العلاقات المصرية الخليجية إلا أنها لا تعنى التدهور أو حتى الوصول إلى مرحلة التأزم، حتى بعد امتعاض القاهرة من تعيين يوسف العلى وزيراً للتجارة والصناعة في الكويت، وهو المعروف بدفاعه عن جماعة الإخوان.

فالعلاقة بين مصر وقطاع واسع من دول الخليج، وبخاصة السعودية والكويت والإمارات وسلطنة عمان علاقة عضوية لا فكاك منها، فمن جهتها تعتمد القاهرة على الدعم المالي الخليجي للخروج من أزمتها الاقتصادية التي تقض مضاجعها، بينما يظل الخليج في حاجة ماسة إلى مصر باعتبارها عمق استراتيجي وجغرافي في مواجهة الاحتقانات الإقليمية ومخاطر النفوذ الإيراني.

المتغيرات الإقليمية قد تعزز إذا مسار التقارب التركي - الخليجي لمواجهة المخاطر الإقليمية التي تطال المنطقة، وبخاصة التهديد الإيراني، وهو الأمر الذي يدفع الطرفان إلى التجاوز أو الصمت عن نقاط الخلاف وفى مقدمتها الملف المصري فضلا عن آليات التعامل مع القضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي يعتمد أردوغان الهجوم اللفظي العنيف إزاء إسرائيل، يميل الخليج إلى التهدئة ورد الفعل الهادئ. تركيا والخليج قطعا إذا شوطاً معتبراً على صعيد التقارب ونجحا نسبيا في الالتفاف على النقاط الخلافية، وبدا ذلك في التنسيق إزاء الصراع في سوريا، وكذلك محاولات خليجية من وراء ستار لتحريك المياه الراكدة في بحر العلاقة التركية المصرية.
طباعة