دراسات

تقييم سياسي لعام من حكم الرئيس السيسي

طباعة

 مقدمة

أكمل الرئيس عبد الفتاح السيسي العام الأول في منصبه في الثامن من يونيو 2015، وكما كان متوقعاً، امتلأت وسائل الإعلام المرئي، والمسموع، والمقروء بالحديث عن الإنجازات التي تحققت في هذا العام في مُختلف المجالات.

وبالرغم من كون عام واحد فترة قصيرة نسبياً لتحقيق إنجازات ضخمة، خاصة في ظل الأوضاع السلبية السائدة في مصر في السنوات الأخيرة على أصعدة متعددة، جاءت الغالبية العظمى من التقييمات المنشورة بصورة يشوبها الكثير من المبالغة في شرح وتفصيل انجازات هذا العام الأول، ونحن لا نحكم هنا على ما نُشر من منظور التوجهات السياسية أو المنطلقات الفكرية التي قد تختلف أو تتفق مع توجهات النظام السياسي بقيادة رئيس الجمهورية، ولكننا نرتكن إلى المنطق البسيط الذي يقضي بعدم تمكن أي نظام سياسي أياً كانت توجهاته من إصلاح ما بمصر من أزمات هيكلية، وكوارث اجتماعية واقتصادية وسياسية في فترة وجيزة لا تتعدى الإثنى عشر شهراً.

ولكن الإعلام انطلق يُهلل لانجازات لازالت قيد العمل ولم تنته بعد، وأسهب في تحليل السياسات الخارجية للرئيس دون أن يتم الربط بين هذه التطورات الإيجابية المزعومة وبين أية تغيرات حقيقية على أرض الواقع.

كما اتسم التقييم الإعلامي بضيق الأفق حيث أنه لم يتطرق لعدد لا بأس به من السلبيات التي شابت العام الأول من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأطلق على هذه السلبيات مصطلح "تحديات" لا دخل للرئيس بوجودها، وعاد بنا هذا الطرح إلى المنظومة التي كانت متداولة في السنوات الأخيرة لحكم حسني مبارك والتي كانت تتلخص في كون الرئيس غير مسئول عن الكوارث والأزمات التي تعصف بالبلاد، فهو يعمل ولكن من حوله لا يعملون.

ولعل الملاحق والملفات التي غابت عنها الحيادية والموضوعية سواء صدرت عن مؤسسات قومية تمتلكها الدولة أو أخرى خاصة بمناسبة مرور عام على حكم الرئيس ، وباستثناء عدد قليل جداً من الصحف المستقلة تناولت فيها وجهات نظر مختلفة عن التأييد المطلق، كانت التغطية والتقييم للعام الأول من حكم الرئيس أقرب إلى الضجة الإعلامية أو البروباجاندا منها إلى العمل الصحفي الذي يتسم بالمهنية والموضوعية.

وانطلاقاً من مبدأ السعي وراء إيجاد معايير موضوعية للتقييم السياسي للعام الأول من حكم عبد الفتاح السيسي، تتناول هذه الدراسة أربعة ملفات تحاول من خلالهم تقييم الأداء السياسي لرئيس الجمهورية، وهذه الملفات هي خارطة الطريق، والتشريع، والحقوق والحريات، ومكافحة الإرهاب.

ويجيء اختيار هذه الملفات كمعايير للتقييم السياسي انطلاقاً من أهميتها للسياق الانتقالي الذي تمر به مصر منذ سقوط حكم مبارك بعد ثورة 25 يناير وإسقاط حكم محمد مرسي بعد أحداث 30 يونيو، فخارطة الطريق كانت هي الأرضية الرئيسية التي قامت عليها شرعية النظام في مرحلة ما بعد 30 يونيو.

والتشريع يُعد أحد أهم أدوات إدراك بنود هذه الخارطة وإرساء قواعد واضحة لعملية التحول الديمقراطي التي أكد نظام ما بعد 30\6 التزامه بها أكثر من مرة، كما أن ملف الحقوق والحريات هو من الملفات الرئيسية التي حركت الجماهير للخروج للتظاهر ضد حكم حسني مبارك ومن بعده محمد مرسي، ومن ثم فالإنجاز في هذا الملف يُعد أحد أهم أبعاد التقييم السياسي لنظام يحكم في مرحلة انتقالية تتبع ثورات أو انتفاضات شعبية.

وفي النهاية، تظل مكافحة خطر الإرهاب أحد المهام التي تعهد النظام السياسي بالقيام بها منذ أن طالب عبد الفتاح السيسي الشعب المصري بتفويضه للعناية بهذه القضية التي تمس أمن المواطنين وأمانهم قبل أن تمس الاقتصاد القومي وخطط التنمية وأمن الوطن.

ومن ثم، فتقييم أداء رئيس الجمهورية والمنظومة التي تعمل معه في هذه الملفات يُعد محاوله للتوصل لمجموعة من المعايير الموضوعية التي من الممكن البناء عليها للتوصل لتقييم سياسي على أرضية محايدة بعيدا عن الانتماءات الضيقة أو التوجهات السياسية أو المصالح الشخصية.

أولاً: خارطة الطريق أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2013 عن خارطة طريق للمرحلة الانتقالية للبلاد، وكان يشغل في ذلك الوقت منصب وزير الدفاع والقائد العامً للقوات المسلحة المصرية.

وكانت هذه الخارطة بمثابة عقد بين السلطة الانتقالية التي تولت حكم البلاد بعد إسقاط نظام محمد مرسي وبين الشعب المصري الذي كان داعماً في ذلك الوقت وبأغلبية ساحقة عبرت عنها أعداد غفيرة خرجت للتظاهر في سياق أحداث 30\6 لإنهاء حكم الاخوان المسلمون.

ونحن هنا لسنا بصدد عرض نص هذه الخارطة أو تحليل محتواها، ولكننا ننتوي التعرض لما تحقق من بنود هذه الخارطة وما لم يتحقق، والسبب في ذلك هو كون هذه الخارطة بمثابة الأرضية الشرعية التي وقفت عليها دولة ما بعد 30\6، وكما جاء في نص الخارطة التي تم الإعلان عنها أنها "خارطة مستقبل تتضمن خطوات أولية تحقق بناء مجتمع مصري قوى ومتماسك لا يقصى أحدًا من أبنائه وتياراته وينهى حالة الصراع والانقسام" ، وهو للأسف الوصف الذي لم يتحقق منه الكثير.

وقد كان ضمن البنود المتعددة التي تضمنتها خارطة طريق المرحلة الانتقالية بنداً يقضي بمناشدة المحكمة الدستورية العليا لسرعة إقرار مشروع قانون انتخابات مجلس النواب والبدء في إجراءات الإعداد للانتخابات البرلمانية، وهو ما حدث بالفعل عندما صدر القانون رقم 46 لسنة 2014 بشأن انتخابات مجلس النواب، ولكن بالرغم من الوضوح التام لما جاء في نص خارطة الطريق بالبدء في إجراءات الإعداد للانتخابات البرلمانية، ولكن القانون الصادر تغاضى عن شق إجرائي هام وهو عملية تقسيم الدوائر الانتخابية، ومن غير المعروف إلى الآن لماذا تم إفراد عملية تقسيم الدوائر بقانون خاص لها بدلاً من إلحاق المواد المنظمة لهذه العملية بقانون انتخاب مجلس النواب ، وهو ما كان سيتفق مع نص الخارطة الذي ناشد المحكمة الدستورية بسرعة الإعداد للانتخابات البرلمانية.

وتظل إلى الآن أزمة قانون تقسيم الدوائر الانتخابية أحد العوائق أمام وجود مجلس تشريعي ورقابي وفقاً لما نص عليه دستور 2014 وتماشياً مع أي رؤية موضوعية للعملية الديمقراطية في أي مكان في العالم، وهو ما فتح الباب أمام مقترحات تقضي بالبدء في صناعة برلمان مُخلق من خلال بعض التشريعات والإجراءات السياسية في المقام الأول كدعم الدولة لقائمة موحدة بين الأحزاب السياسية أو ما يتم الترويج له مؤخراً من ضرورة إصدار قانون جديد لتحصين البرلمان المنتخب من الحل.

وجاء أيضاً في خارطة الطريق بنداً ينص على وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العُليا للوطن، وهو أيضاً ما لم يحدث إلى الآن.

وما حدث في هذا الشأن أن مجلس الوزراء في مارس 2014 قام باعتماد مشروع ميثاق مقدم من وزارة الإعلام، وقرر طرحه للحوار المجتمعي تمهيداً لإقراره وتفعيله ، ولكن منذ ذلك التاريخ لم ير هذا الميثاق النور حتى تاريخ كتابة هذه السطور .

ولكن مشروع الميثاق الذي قام مجلس الوزراء باعتماده منذ أكثر من عام شابه الكثير من السلبيات، لعل أهمها أن هذا الميثاق صادر عن الدولة التي قامت بكتابته وصياغته دون الرجوع للجماعة الإعلامية أو استشارة منظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا حرية الإعلام والصحافة وحقوق الإعلاميين والمواطنين على السواء.

كما أن مشروع الميثاق لم يرتكن على دراسة مسبقة لجوانب الخلل في قطاع الإعلام ومن ثم الشروع في معالجة هذه الجوانب من خلال بنود الميثاق، وتعارضت الكثير من بنود الميثاق مع بعضها البعض، خاصة فيما يتعلق بالتعبيرات الفضفاضة وغير الواضحة بخصوص القيود الموضوعة على العمل الإعلامي ثم التأكيد بعد ذلك على حرية الإعلام والصحافة من خلال الرأي والتعبير أو عدم وجود قيود على الممارسة.

وبالتالي، تظل صناعة الإعلام في مصر تفتقد للكثير من الضوابط المهنية والأخلاقية، ويظل العاملين بمجال الإعلام عُرضة لقوانين وتشريعات لا تضع حرية الصحافة وحق المواطن في المعرفة في أولوياتها.

وكان ثالث البنود التي لم تتحقق من خارطة طريق المرحلة الانتقالية هو البند الخاص بالشباب، فقد نصت الخارطة في أحد بنودها على اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة ليكون شريكاً في القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة.

ومما لا شك فيه أن مثل هذا التوجه يعد مطلوب وبشدة في دولة كمصر يشكل الشباب ثُلث سكانها، ويعاني من مشكلات جمة تبدأ من الفقر والبطالة وتنتهي بالتهميش المجتمعي والبحث عن فرص الهجرة، ولكن واقع الأمر أنه إلى الآن لم تظهر أية توجهات أو سياسات واضحة لمؤسسات الدولة المصرية تتم فيها مراعاة ما جاء في هذا البند من تأكيد على العمل على دمج وتمكين الشباب.

بل على النقيض من ذلك، تعرض الشباب المصري، خاصة تلك الفئة المعنية والمهتمة بالمشاركة السياسية، للعديد من العوائق التي جعلت من دخوله أو تواجده في المجال العام أمراً في غاية الصعوبة، وانتهى العديد من الشباب المصري في السجون والمعتقلات، أو اتخذ قراراً بالعزوف عن المشاركة السياسية في ظل غلق المجال العام من قبل الدولة، أو حتى التوجه للتطرف والعنف في بعض الأحيان، ولعل الانخفاض المستمر في نسب مشاركة الشباب في الاستحقاقات السياسية كالإستفتاء على دستور 2014 أو الانتخابات الرئاسية خير دليل على ذلك .

ثانياً: التشريع والحقوق والحريات أعطى الدستور المصري الصادر عام 2014 الحق لرئيس الجمهورية في إصدار القوانين، والجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في ظل غياب مجلس النواب، وجاء هذا في المادة 156 من الدستور التي نصت على أنه "إذا حدث في غير دور انعقاد مجلس النواب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، يدعو رئيس الجمهورية المجلس لانعقاد طارئ لعرض الأمر عليه.

وإذا كان مجلس النواب غير قائم يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، إذا طرأ ما يستوجب ذلك، علي أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوما من انعقاد المجلس الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، دون حاجة إلي إصدار قرار بذلك، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، أو تسوية ما ترتب عليها من آثار" .

وبالطبع لا يمكن لدولة أن تمضي دون سلطة تشريعية، وفي ظل غياب سلطة التشريع الشرعية مُمثلة في مجلس نواب منتخب، يجب أن تكون هناك جهة أخرى تتولى هذه المسئولية الجسيمة، وتختلف تلك الجهة من نظام سياسي لآخر في الدساتير العالمية، ولكن في السياق المصري، تقبع هذه السلطة في يد رئيس الجمهورية.

وقد نصت المادة الدستورية على حق رئيس الجمهورية في إصدار قرارات بقوانين "إذا طرأ ما يستوجب ذلك"، وهي أيضاً عبارة فضفاضة لا تضع الحد الأدنى من الضوابط الحاكمة لهذه المهمة الحساسة التي من المفترض أن تخضع لمعايير واضحة ومحددة.

وفي سياق العام المنصرم من حكم الرئيس، طرأ ما يستوجب إصدار قرارات بقوانين فاق عددها الثلاثمائة قانون، وهو ما يُمثل تحديا حقيقيا لمجلس النواب الذي من المفترض أن يتم انتخابه، حيث أنه من المفترض، ووفقاً لذات المادة الدستورية، أن يقوم مجلس النواب بمراجعة هذه القوانين والموافقة عليها خلال خمسة عشر يوماً، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل هذا العدد من القوانين التي قام الرئيس بإصدارها خلال عامه الأول.

ولكن المشكلة ليست في عدد القوانين الصادرة عن الرئيس، فأغلبها في الحقيقة قوانين تنظيمية أكثر منها تشريعات حقيقية، ولكن المشكلة تقبع في حزمة من التشريعات التي صدرت عن الرئيس وكان أثرها هو الحد من القدرة على الدخول للمجال العام، ووضع العديد من القيود والضوابط غير الموضوعية على العمل العام وعلى منظمات المجتمع المدني، واستخدام تعبيرات ذات تفسيرات متعددة في بنود هذه التشريعات دون وضع تعريفات واضحة أو معايير محددة .

وكان من ضمن هذه القوانين هو ما صدر بشأن تعديل قانون تنظيم الجامعات في 24 يونيو 2014، والذي أتاح للرئيس مرة أخرى إقالة رؤساء الجامعات وعمداء الكليات وتعيين آخرين بعد أن كان تم تعديل القانون لانتخاب القيادات الأكاديمية والتعليمية، وهو ما يُعد رجوعاً للوراء وتدخلاً سافراً من السلطة التنفيذية في استقلالية الجامعات.

وكان الهدف من وراء هذا التعديل، وفقاً لما أعلنته الدولة، هو التخلص من بعض القيادات الجامعية المحسوبة على جماعة الإخوان، ولكن الواقع يقول أن القيادات التي تم تعيينها بموجب هذا التعديل من قبل رئيس الجمهورية، عملت على تقويض حرية الرأي داخل الجامعات، بل وأصدرت تعليماتها بمنع التجمع والتظاهر السلمي والعمل السياسي، وهو ما يكفله الدستور كحق لكل مواطن .

كما تضم قائمة التشريعات المقوضة للحريات وللعمل العام القرار الجمهوري بتغليظ عقوبة التمويل الأجنبي الصادر في سبتمبر 2014، وهو القانون الذي كان سبباً في غلق عدد من الجمعيات الأهلية وانسحاب عدد آخر من منظمات المجتمع المدني التي تعمل في مصر، ومثل سائر القوانين الصادرة الخاصة بالعمل العام، لم يتضمن القانون تعريفات واضحة للأفعال التي يجرمها، واستخدم مرة أخرى تعبيرات فضفاضة مثل "القيام بعمل ضار بمصلحة قومية" و "الإخلال بالسلم العام"، وهو ما يفتح الباب للكثير من التأويل وللحد من مساحة الحرية المتروكة لمنظمات المجتمع المدني لتمويل أنشطة مشروعة على أرضيات تحكمها التوجهات السياسية والمصالح الضيقة.

هذا بالطبع بخلاف قوانين أخرى مثل تعديل قانون الأزهر والذي أعطى الحق لرئيس جامعة الأزهر لفصل أي طالب يسيء "لهيبة الأزهر" دون تحديد لماهية الإساءة أو للمقصود بهيبة الأزهر، وقانون الكيانات الإرهابية الذي يُتيح للجهات الأمنية العديد من السلطات لتوصيف أية جماعة على أنها كياناً إرهابياً دون أي تفصيل أو توضيح لمعايير هذا التوصيف، وهذا بالطبع بخلاف "قانون التظاهر" والذي صدر في فترة ولاية عدلي منصور، والذي تم بموجبه الزج بعدد غير قليل من الشباب بتهمة التظاهر بدون تصريح.

كما أن ظواهر كالاختفاء القسري والاعتقال التعسفي عادت للظهور مرة أخرى، خاصة في الفترة الأخيرة التي شهدت الإعلان عن الدعوة لعدد من الاعتصامات من قبل حركة 6 أبريل، ونقابة الصحفيين، ونقابة المحامين.

وفي المجمل، يُشير الأداء التشريعي للدولة خلال العام الأول من حكم الرئيس أن الهدف هو إصدار تشريعات تحد من مساحة الحريات المتاحة للعمل العام، ولاستخدام المساحة العامة، ولحرية الرأي والتعبير والتجمع والتظاهر السلمي، وهي حقوق كفلها كلها الدستور الصادر في 2014، وتصدر هذه التشريعات تحت مظلة مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي.

ومما لا شك فيه أن مصر تواجه خطراً داهماً من جماعات إرهابية تعمل على أرضها، ولكن استخدام التشريع كأداة استباقية للحد من الحريات لا يُعد درباً من دروب المواجهة الفاعلة لنمط الإرهاب الذي تواجهه مصر في المرحلة الراهنة، وهو ما يقودنا للملف الأخير في هذا التقييم وهو ملف مكافحة الإرهاب.

ثالثاً: مكافحة الإرهاب طالب الرئيس السيسي في يوليو 2013 الجماهير المصرية بالخروج للشوارع والميادين لتفويضه لمكافحة خطر الإرهاب، وقد خرج بالفعل عدد ضخم من الجماهير يوم 26 يوليو 2013 في استجابة لطلب وزير الدفاع آنذاك بتفويضه شعبياً ومعه الجيش والشرطة لمكافحة الإرهاب.

وخلال هذه الفترة التي تقترب من عامان، تواجدت القوات المسلحة المصرية في سيناء بكثافة بغرض مكافحة خطر الإرهاب وتجفيف منابعه، وقد صاحب التواجد العسكري والأمني مجموعة من التشريعات والقرارات التي صدرت لهذا الغرض.

ولكن الملاحظ أن العمليات الإرهابية لم تنته أو تخفت حدتها، بل على النقيض من ذلك، زادت كثافتها وتنوعت أنماطها وتعددت أهدافها، واتسعت الرقعة الجغرافية للعمليات الإرهابية لتشمل كل محافظات مصر شمالاً وجنوباً وغرباً، هذا بالطبع بخلاف سيناء في الشرق.

وبالرغم من صعوبة الإسهاب في تقييم سياسات مكافحة الإرهاب في العامين الماضيين في ظل غياب القدر الكافي من المعلومات وعدم الإعلان عن استراتيجية مُفصلة تقوم عليها رؤية واضحة لمكافحة الإرهاب، يظل هناك نوعاً من الربط من غير الممكن تجاهله بين المئات من الجهاديين الذين يتم الإعلان عن قتلهم أو القبض عليهم بشكل دوري من قبل القوات المسلحة، وبين عدم النجاح في الحد من كثافة العمليات الإرهابية وغياب القدرة على احتوائها.

وبالتالي، فلابد من الاعتراف أن الأداء الأمني لأجهزة الدولة في ملف مكافحة الإرهاب يشوبه الكثير من القصور، ولعل أهم أوجه هذا القصور هو الإصرار على التعامل مع القضية من منظور أمني بحت يتم معالجته عسكرياً وأمنياً دون التطرق لأبعاد أخرى باتت محورية في مكافحة الأنماط المتطورة من الإرهاب التي شاعت في العالم في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر.

فلا جدال أن الشق الأمني والعسكري أحد أهم أبعاد مكافحة الإرهاب، ولكنه بالتأكيد ليس البُعد الوحيد، ولكن هناك أبعادا أخرى سياسية، واقتصادية، وثقافية، وتنموية من غير الممكن فصلها عن الرؤية الأمنية والعسكرية لمواجهة خطر الإرهاب.

وفي هذا السياق، يأتي ما أعلن عنه الرئيس من تخصيص عشرة مليارات جنيه مصري لتنمية سيناء كخطوة إيجابية بالتأكيد ، ولكن لن تنجح هذه الخطوة دون ربط بين الأموال المخصصة وبين أولويات التنمية في سيناء، وبين رؤية الدولة للتنمية والاقتصادية ومدى اقترانها بالتنمية البشرية وحقوق المواطنة التي لازالت غائبة عن بدو سيناء.

كما أن فاعلية هذه الخطوة في سياق مكافحة الإرهاب ستظل قيداً لربطها بسائر الأبعاد المتعلقة بالقضية في سياق رؤية جامعة لمكافحة الإرهاب.

الخلاصة كما ذكرنا في بداية هذه الدراسة، تحتاج مصر في المرحلة الراهنة للموضوعية في التقييم أكثر من حاجتها للتعبير عن الدعم أو التأييد.

وكما ذكرنا أيضاً، فالوقت لازال مبكراً للحكم على غنجازات قيد التنفيذ لا يدري أحد مستقبلها أو حجم الفائدة الناتجة عنها، وأيضاً أن إصلاح ما بمصر من أزمات لن يتم خلال عام واحد.

ولكن إذا كان الوقت لا يسمح بالكثير من الإنجازات، فهو بالتأكيد يسمح بوضع رؤية شامله لما تحتاجه مصر من تغييرات، ويسمح بتلافي أخطاء تحدث في مجالات عدة ويظل الشعب المصري هو المتضرر الأول منها، ويسمح أيضاً بعلاج العديد من السلبيات التي وقعت خلال العام الأول من حكم الرئيس.

كما أنه من الواضح أن الوقت لا يسمح بالعودة إلى الوراء، أو بالسكوت عما لا يجب السكوت عليه، أو بإعادة إنتاج أخطاء وأنماط عانت مصر من آثارها السلبية لسنوات طويلة، فقد أثبتت التجربة أنه من غير الممكن بناء مستقبل إيجابي على سلبيات الماضي والحاضر.

طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية