متابعات تحليلية

مصر وتركيا: حدود تغيير قواعد اللعبة !

كرم سعيد * 990 23-6-2015
طباعة

 أسدل الستار على الانتخابات التشريعية الأخطر والأهم في تاريخ تركيا الحديث بتراجع حزب العدالة والتنمية مقابل صعود القوى المدنية، وفي الصدارة منها حزب الشعوب الديمقراطي الذي نجح في تجاوز حاجز العتبة الانتخابية ودخول البرلمان في سابقة ربما تعيد صياغة المشهد السياسي التركي كله.

ويتوقع أن يشهد الداخل التركي تحولات دراماتيكية بعد فشل حزب العدالة والتنمية في الحفاظ على الأكثرية البرلمانية التي كان يملكها وهي 312 مقعداً في انتخابات 2011، وهو ما يعنى كسر حلم أردوغان بإجراء تعديل دستوري يستطيع من خلاله تغيير نظام البلاد من برلماني إلى رئاسي.

في المقابل يشكل صعود التيارات العلمانية، وفي الصدارة منها حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي الذي تخطي عتبة 10? من الأصوات، ووصوله لأول مرة إلى البرلمان منعطفاً قوياً في توجهات سياسة أنقرة الخارجية حيال الشرق الأوسط، وبخاصة العلاقة مع القاهرة التي دخلت مرحلة الشحن منذ إقصاء جماعة الإخوان عن السلطة في 3 يوليو 2013، الأمر الذي مثل متغيراً إقليمياً صعباً ترك تداعياته السلبية على الاستراتيجية التركية في المنطقة، ولاسيما وأن القاهرة ظلت طوال زمن الإخوان البوابة الرسمية للنفاذ التركي إلى العمق الأفريقي والحضور في الملفات العربية الحساسة والحيوية.

توتر العلاقات المصرية التركية بعد عزل مرسي ومن قبلها تدهور العلاقة مع سوريا أدى إلى سقوط نظرية "تصفير المشاكل" التي كان يروج لها زعيم حزب العدالة والتنمية الحالي ومنظره السياسي أحمد داود أوغلو.

لذلك ظلت المسألة المصرية أحد أبرز الأوراق الانتخابية التي عزف عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم في محاولة إحداث اختراق في صفوف الناخبين وتوسيع قاعدته وسط الإسلاميين المتعاطفين مع جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر.

وإذا كان أردوغان قد نجح في استثمار كل الأوراق الانتخابية الضاغطة على المعارضة، فقد أبدى براعة في العزف على وتر المسألة المصرية، وبخاصة بعد قرار إحالة القضاء المصري أوراق أكثر من 100 متهم من بينهم الرئيس المعزول محمد مرسي وعدد من قادة الجماعة إلى المفتي لاستطلاع رأيه في إعدامهم لإدانتهم في قضية اقتحام السجون إبان ثورة 25 يناير 2011.

القاهرة وأنقرة: من زمن الإخوان إلى 30 يونيو كان منحنى العلاقة بين أنقرة والقاهرة قد وصل إلى الذروة بعد وصول محمد مرسي إلى سدة السلطة في يونيو 2012، وكان الدور التركي عاملا مؤثرا في اتجاهات وتوجهات قصر الاتحادية بفضل سياسة المعونات والإقراض دون فوائد أو بفوائد مخفضة، وقدرت المساعدات التركية للقاهرة آنذاك بـ 2 مليار دولار، كما استعانت مصر بقطاع معتبر من الشركات التركية في كافة المجالات.

في المقابل كانت القاهرة محطة رئيسية لأردوغان، واستقبلة مرسي بحفاوة بالغة، وكان من اللافت قيام أردوغان وعلى غرار الرئيس الأميركي أوباما، بإلقاء خطاب في جامعة القاهرة في نوفمبر 2012، وسط قيادات جماعة الإخوان وأنصارها، حيث كان أبرز ما قاله في هذا الخطاب: "انتظر كتابة الدستور المصري حتى نحتذي به في تركيا".

ووصل حجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر في عام الجماعة إلى 4.2 مليار دولار، غير أنه كان هناك خللا كبيرا في الميزان التجاري لصالح تركيا ( 3.9 مليار دولار صادرات تركيا لمصر مقابل 300 مليون دولار وارداتها من مصر).

حضور أردوغان في قلب المشهد المصري أعطى دفعة قوية للجماعة، باعتبار بلاده من الاقتصادات العالمية المهمة، خصوصا أن أنقرة كانت من ضمن دول قليلة دعمت خطوات الجماعة للإمساك بمفاصل الدولة، دون أن تنتبه للانقسامات المجتمعية والسياسية التي كرستها سلوكيات الجماعة، لاسيما بعد إصدار الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر 2012، وإقالة النائب العام عبد المجيد محمود وتعيين آخر دون استشارة مجلس القضاء الأعلى، وفي تجاوز صريح للأعراف والتقاليد القضائية.

غير أن التطورات بعد 30 يونيو، وسقوط النظام السياسي في مصر كان لها تأثيراتها السلبية على الاستراتيجية التركية في المنطقة.

إذ يصر الرئيس التركي على وصف ما حدث في 30 يونيو بـ "الانقلاب العسكري" ضد سلطة شرعية، ناهيك عن تبنيه حملة إعلامية وسياسية ضخمة, وأيضا اتصالات رسمية مع حكومات دول أوروبية وإسلامية لتعبئة موقف دولي مضاد للتغيير السياسي في مصر, كما انتقد بشدة الحكم بإحالة أوراق مرسي إلى المفتي معتبراً أن مصر "تعود إلى العهد القديم".

الملف المصري والانتخابات التركية رغم أن الملف المصري ظل منذ يونيو 2013 حاضراً في ذهن العدالة والتنمية إلا أنه كان أحد العناوين البارزة في الحملات الانتخابية التشريعية الراهنة.

فقد دخل أردوغان الحملة الانتخابية لمصلحة "العدالة والتنمية"، متسلحاً بأحكام الإعدام ضد جماعة الإخوان، وموجهاً في خطاباته الجماهيرية سهام نقده للحكم والقضاء في مصر، ومتهماً الأحزاب العلمانية التي تخوض الاستحقاق الانتخابي بمساندة "الانقلاب" في القاهرة، كما شبه نفسه بمحمد مرسي متمنياً "الشهادة في سبيل الحق" ولافتاً إلى أنه "دخل عالم السياسة حاملاً كفنه على كتفه".

وكانت الرئاسة التركية قد أكدت في بيان لها أن تركيا "تخطط لإطلاق المبادرات اللازمة لتحريك الآليات ذات الصلة بالأمر على المستوى الدولي وفي مقدمها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان".

وانتقد إبراهيم قالين المتحدث باسم الرئاسة التركية ما اسماه "صمت الدول الغربية على فاجعة الديمقراطية، ومجزرة الحقوق في مصر"، وأضاف "بعد هذا الصمت لا ضمانة لأي نظام يأتي إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، وبعد هذا لا معنى ولا قيمة للأصوات الانتخابية التي يدلي بها المواطنون، فأحكام الإعدام الصادرة هي كما قال الرئيس أردوغان أحكام إعدام بحق الشعب المصري، ومن هنا ندعو السلطات المصرية لإلغاء هذه الأحكام على الفور".

في المقابل أبرزت الفضائيات المصرية التي تبث من أنقرة والمحسوبة على جماعة الإخوان التوجهات التركية إزاء المسألة المصرية، ولعب بعض النشطاء حتى من غير المحسوبين فكريا أو سياسيا على العدالة والتنمية دوراً في حشد وتعبئة الجالية المصرية في تركيا للمشاركة بكثافة في المهرجانات الانتخابية للحزب الحاكم.

ويدرك النشطاء والإخوان المقيمون في تركيا أن أي اختلال في المعادلة الانتخابية المقبلة ستنعكس عليهم في شكل مباشر، وسيبدأ التضييق عليهم، وربما احتمالات بترحيلهم، إذ طالبت المعارضة التركية أكثر من مرة بأهمية تهدئة العلاقة مع "القاهرة الجديدة" باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن غض الطرف عنها.

صحيح أن الجالية المصرية ليس لها صوت انتخابي، لكنها شكلت ركيزة هامة في عملية الحشد لمرشحي الحزب الحاكم وتسهيل فوزهم في بعض الأحيان.

ناهيك عن أن مشاركة النشطاء والساسة المصريين المقيمين في تركيا في عملية الدعاية الانتخابية للعدالة والتنمية يظل فرصة مناسبة لرد الجميل لنخب الحكم التي استقبلتهم دون قيد أو شرط بعد ما حدث في 30 يونيو ورحيل الجماعة قسراً عن السلطة تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية.

انعكاسات تراجع العدالة والتنمية أسفرت الانتخابات البرلمانية التركية التي أجريت في 7 يونيو الجاري عن تراجع العدالة والتنمية ليحصد 257 مقعداً مقابل نحو 290 مقعداً لمصلحة القوى العلمانية التي تقف على طرف نقيض مع توجهات الحزب الحاكم فيما يخص القضايا الخارجية.

وعلى الرغم من أن القوى العلمانية باتت رقماً صعباً في المعادلة السياسية التركية إلا أن حدود التغيير في السياسة الخارجية التركية يظل مرهوناً بنوع وشكل الحكومة التي سيتم تأليفها، هل ستكون حكومة أقلية؟ هل ستكون حكومة ائتلافية؟ وإذا ما انتهى الأمر بتشكيل حكومة ائتلافية، فما هي الأحزاب التي ستشارك فيها؟ لكن في كل الأحوال ربما يكون لنتائج العملية الانتخابية تأثير بدرجة معينة على وضع السياسة الخارجية باستثناء القضايا الحساسة وفي الصدارة منها الملف المصري والسوري.

حدود التغير في العلاقة مع القاهرة إذا كان حضور المسألة المصرية في المشهد الانتخابي التركي ظل أحد رهانات عملية التعبئة والحشد لمصلحة الحزب الحاكم، فثمة مؤشرات تدفع باتجاه إعادة قواعد اللعبة مع القاهرة منها نتائج الاقتراع، حيث تعرض العدالة والتنمية لنكسة بخسارته الأغلبية التي احتفظ بها منذ 13 سنة ما يقوض آمال الرئيس رجب طيب أردوغان بتعزيز حكمه المطلق، وإمساكه بمفاصل ملف سياسات أنقرة الخارجية.

وثانيهما صعود حزب الشعوب الديمقراطي الذي نجح في تجاوز عتبة الـ 10 في المئة اللازمة لدخول البرلمان للمرة الأولى بقائمة انتخابية، بنيله نحو 13 في المئة.

ولا يحمل الشعوب الديمقراطي توجهات معادية للدولة المصرية، بل وعد زعيم الحزب ديمرطاش بتعزيز العلاقة مع القاهرة شأنه في ذلك شأن باقي القوى المعارضة، وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية الذي ألقى زعيمة دوللت بهتشيلى باللوم على نخب الحكم في توتير العلاقة مع القاهرة، وقال في تصريحات له عشية الانتخابات التشريعية "إن أردوغان أضاف إلى تركيا أعباء جديدة بسبب محبته الكبيرة لمرسى ورفعه إشارة رابعة في كل مكان وسعيه للتدخل في شئون مصر الداخلية".

وراء ذلك تتعالى أصوات غير قليلة داخل حزب العدالة والتنمية الذي فقد رصيدا وافرا من التعاطف الشعبي كشفته مناخات التصويت في الانتخابات الأخيرة، بشأن ضرورة تطوير السياسة الخارجية التركية حيال دول الإقليم، وبخاصة القاهرة وسوريا وليبيا ناهيك عن امتعاض المؤسسة العسكرية من السلوك السياسي للحكم لجهة تصعيد التوتر مع القاهرة من جهة، ومن جهة ثانية التعاطي السلبي مع الأزمة السورية، وكذلك توجهات الحزب الحاكم إزاء تسوية المسألة الكردية.

لكن رغم كل ما سبق من مؤشرات من المرجح أن تظل حدود التغيير في العلاقات المصرية التركية عند حدها الأدنى، لاسيما وأن رئيس الجمهورية التركية ما زال يصر على وصف ما شهدته القاهرة في 30 يونيو بالانقلاب ومعه في ذلك بالطبع حزب العدالة والتنمية سيظلان جزء أساسيا من عملية صياغة ومتابعة السياسة الخارجية للبلاد، وبالتالي لن يكون هناك تغيير جذري في السياسة الخارجية خاصة في المواضيع الكبرى، ومنها العلاقة مع القاهرة ناهيك عن أن بناء استراتيجية جديدة مع القاهرة تحتاج عادة إلى وقت ومراجعة دقيقة وتقديم بديل للمواقف المتخذة.

في المقابل يرجح البعض أن جهاز المخابرات التركية هو المسئول الأول عن ملف العلاقة مع القاهرة، فيشيرون إلى أن الجهاز هو وحده المسئول عن إدارة الملف المصري إلى جانب التنسيق مع قيادات جماعة الإخوان المقيمة في تركيا.

ولكن يتوقع البعض أيضا أن تخف حدة بعض المواقف، وحدوث نوع من التهدئة حال تشكيل حكومة ائتلافية أو على الأقل تخفيف حدة التصريحات الرسمية الخشنة التي دأب أردوغان وحكومة العدالة والتنمية على إطلاقها تجاه القاهرة منذ عزل الرئيس مرسي.

ويبقى السيناريو البديل حتى في حالة تشكيل الحكومة الائتلافية هو استمرار السياسة العدائية تجاه نظام السيسي في ظل هيمنة أردوغان على المشهد السياسي وتجاهله مواقف وقرارات الحكومة، مما يزيد الموقف تعقيدا سواء داخليا أو على صعيد العلاقلات مع القاهرة.

طباعة
كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي- مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام