متابعات تحليلية

مؤتمرا الرياض وجنيف وفرص إنهاء الأزمة اليمنية

د. معتز سلامة 621 26-5-2015
طباعة
26/05/2015 بغياب الحوثيين وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح عن المشاركة في مؤتمر "إنقاذ اليمن" في الرياض في 17 - 18 مايو 2015، تشكلت قيود على قدرة هذا المؤتمر على تقديم حل أو تسوية للأزمة اليمنية، حيث انحصر دور المؤتمر في كونه تجمعا لأنصار الخيار الخليجي أو السعودي، ومن ثم كان أشبه بحوار داخل البيت، وخرج كإطار للتباحث في تطبيق نص قرار مجلس الأمن رقم 2216، ولم يسع إلى تغيير نوعية التعامل مع الأطراف المدانة في هذا القرار نزولا على تحولات الواقع الداخلي في اليمن.

وعلى الرغم من أن هذا النهج هو النهج الرسمي المقر من مجلس الأمن الدولي، إلا أنه لا يأخذ المتغيرات على الأرض، والتي تجعل للأطراف الغائبة ثقلا فعليا، فهناك العديد من القرارات الصادرة من مجلس الأمن، وتحت الفصل السابع من الميثاق، ولم تنفذ.

فقوة الفصل السابع لا تنبع من قوته الردعية فقط، أو من كونه الفصل الذي يعالج قضايا السلم والأمن الدوليين، وإنما من شرعنته لسلوك الأطراف "القادرة" على تسوية أزماتهم بالتدخل العسكري بشكل فردي أو من خلال تحالفات. وفي ظل عدم رغبة أي من القوى الكبرى في تطبيق هذا القرار أو ذاك يصبح الفصل السابع مثل غيره من فصول الميثاق، وتضاف قراراته إلى مئات القرارات الدولية التي لم تطبق، ليس لأنها غير مشروعة، ولكن لأن الأطراف المناط بها تطبيق القرار غير قادرة على تطبيقه، أو لأن القوى القادرة على التطبيق ليس لها مصالح في تطبيقه أو ببساطة غير راغبة في ذلك.

ويضيف ذلك إلى خبرتنا بالأمم المتحدة، حيث ظل العالم العربي على مدى العقود يتحدث عن ازدواجية المعايير وعدم صدور القرارات ضد إسرائيل ضمن الفصل السابع، بينما يقف الفصل السابع الآن عاجزا في اليمن، ولا يقدم أي ميزة على غيره من فصول الميثاق.

أجندات متعارضة: وعلى الأرجح سوف تبقى هذه المشكلة الخاصة بالأزمة اليمنية قائمة لفترة، في ظل التعارض بين الأطراف الداخلية المنزوعة الشرعية لكنها تمتلك القوة على الأرض، وبين الأطراف الإقليمية وتلك الداخلية المقيمة في الخارج، المشروعة والشرعية، ولكنها لا تحوز القوة القادرة على الحسم.

وفي ظل هذه الحالة من الامتناع المتبادل لأطراف الصراع عن حضور بعضهم المؤتمرات الخاصة بالبعض الآخر، يمكن للحرب أن تمتد لفترة أطول، فإذا كان الحوثيون لم يحضروا مؤتمر الرياض، فإنه بالقطع لن تقدم دول تحالف عاصفة الحزم بهمة ونشاط على مؤتمر جنيف المرجأ عقده والذي دعت إليه الأمم المتحدة، والذي من المقرر أن يحضره الحوثيون وأنصار الرئيس السابق، وهو المؤتمر الذي أعلنت الحكومة اليمنية الشرعية المقيمة في الرياض تعليق حضورها له على شرط تراجع الحوثيين عن توغلاتهم على الأرض وتطبيقهم بعض بنود القرار الأممي، وطالبت بتأجيله، وهو ما حدث فعليا. وهكذا، تبقى أطراف الصراع في اليمن بأجندتين وجدولين متعارضين، جدول مؤتمر الرياض وجدول مؤتمر جنيف المؤجل، وبينما الأول يدعمه قرار مجلس الأمن 2216، فإن الثاني تدعمه المنظمة التي أصدرت هذا القرار ومبعوثها الخاص الجديد إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ، الذي انتقد كثير من المشاركين في الرياض من اليمنيين كلمته التي ألقاها في المؤتمر، والتي رأوا أنها "ساوت بين المقتول والقاتل" داعين إياه إلى أن تقتصر مهمته على تنفيذ القرار الدولي. التعامل بمستويين: مع ذلك، فمن المرجح أن يسهم المؤتمران (الرياض وجنيف) على الأقل في تحديد وحصر الأهداف، وتسليط الضوء على جوانب اهتمام ومواقف كل طرف.

وبالنظر إلى اعتزام انعقاد مؤتمر جنيف تحت مظلة الأمم المتحدة، فإنه يوفر ساحة أو منتدى دوليا ذا ثقل معنوي يوازي الثقل المعنوي والسياسي للساحة والمنتدى التي وفرها القرار الدولي 2216 لدول تحالف عاصفة الحزم، وهو أمر قد لا تستطيع دول الخليج أو الحكومة الشرعية اليمنية الامتناع عن التفاعل مع مخرجاته وتجاهلها. ويبدو أن هناك الآن مستويين للتعامل مع الأزمة اليمنية داخل أروقة الأمم المتحدة، وهما مستوى مجلس الأمن الذي أصدر القرار، وكان حاسما في انحيازه إلى تحالف عاصفة الحزم وتبنى الرؤية الخليجية، والمستوى الخاص بالمنظمة الدولية ككل وأمينها العام وممثلها في اليمن، وهو المستوى الذي يتجه إلى التخفيف من مضمون القرار أو على الأقل عدم التمسك الحرفي به.

وهنا يمكن أن يحدث التعارض بين الرئيس عبد ربه منصور هادي من ناحية، وكل من نائبه د.

خالد بحاح رئيس الوزراء ودول تحالف عاصفة الحزم -التي قد تشارك في مؤتمر جنيف- من ناحية أخرى، لذلك سارع الرئيس هادي إلى إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة بأن التطورات الحالية في اليمن لا تساعد على مشاركة حكومته في هذا المؤتمر وطالب بتأجيله، لأنه يدرك تماما أن إقصاءه عن منصبه من المرجح أن يكون الصفقة والثمن الذي قد يتعين عليه دفعه في مؤتمر جنيف.

وبالتأكيد فإنه إذا عقد مؤتمر جنيف فإن من شأنه توفير مظلة للتعامل مع التطورات على الأرض بشكل جديد ومختلف، ويتفاعل مع الأطراف الغائبة عن مؤتمر الرياض، بما يعنيه من إعادة بسط الشرعية عليهم التي نزعها منهم قرار مجلس الأمن، وهو أمر من المرجح أن يقلق الجانب الخليجي والحكومة الشرعية.

لكن من المهم لدول الخليج والحكومة اليمنية حضور هذا المؤتمر والتأكيد على أنه مظلة لتطبيق القرار الدولي مع إفساح فرصة للحوثيين وأنصار صالح لطرح مبادرتهم ومعرفة حدود مواقفهم، أو على الأقل فضح سلوكياتهم على الصعيد الدولي.

ويمكن لدول العاصفة أن تتنازل عن مواقف هامشية في القرار الدولي، وتقدمها إلى الحوثيين وأنصار صالح على أنها تنازلات كبيرة، في مقابل تنازلات حوثية على الأرض تحتاج إليها دول التحالف فعليا.

عناصر القوة: ويبقى أنه بيد دول مجلس التعاون الخليجي عنصري قوة من المرجح أن يغريا أنصار صالح والحوثيين على التجاوب مع التسوية السلمية في النهاية في ظل ظروف معينة: أولهما الإمساك بورقة القرار الدولي، فمهما كان من سيطرة الحوثيين وقوات علي صالح على الأرض يبقى سلوكهم غير شرعي في نظر المجتمع الدولي، كما أن القرار الإقليمي أخضعهم لمجموعة من العقوبات، وأنهى المستقبل السياسي لبعضهم، وجرّم أعمال البعض الآخر، ويعني ذلك أنهم في نظر القرار الدولي قوى غير شرعية، ومن المرجح تاليا إذا واصلوا العصيان أن يتعرضوا لملاحقات دولية في تنقلاتهم وممتلكاتهم، وسوف يظل لدول مجلس التعاون وقوات تحالف العاصفة إمكانية الطلب إلى مجلس الأمن وقتما تشاء تخفيف هذه العقوبات أو رفعها عن الأطراف المتضررة، وهو ما سيشكل مطلبا مهما لكل من الرئيس اليمني السابق والحوثيين.

وثانيهما الوعد بضم اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي، وهو الذي من المرجح ألا يتحقق قبل أن يتأكد الجانب الخليجي من أن اليمن لم يعد مسرحا للنفوذ الإيراني أو خاضعا لسلطة الحوثيين، وأن التمثيل السياسي للقوى اليمنية وللمناطق والأقاليم هو بحسب حجم وجودها الاجتماعي والسياسي، وليس بحسب قوتها العددية أو مقدار استيلائها على مؤسسات الدولة، وهو ما يشكل أهم ورقة تمتلكها دول الخليج.

ولا ينبغي تقديم وعد الانضمام إلى مجلس التعاون كمكافأة لتنازلات الحوثيين والقوى الخارجة عن الشرعية، وإنما باعتباره خطوة تقدم عليها دول المجلس بالإرادة المنفردة، لرؤيتها لمصلحة اليمن مستقبلا والعلاقة الاستراتيجية والتاريخية مع الشعب اليمني، وإغلاق باب اليمن كمجال للنفوذ الإيراني، وهو ما يجعل اليمنيين ممتنين لدول الخليج، وليس لإيران أو لعلي عبدالله صالح أو الحوثيين.

ذلك ما يقدم المبادرة الخليجية بشكل يضمن تحقيقها استيعابا سلميا لليمن في مجلس التعاون الخليجي، وليس استيعابا ينطوي على قوى تستبطن روح الانتقام والتعايش التكتيكي تحقيقا لهدف استراتيجي تسعى إليه، وهو ما يحول دون ابتزازها لدول المجلس في قضايا تالية.

طباعة