متابعات تحليلية - العالم

تحديات الحوار السياسي الليبي

طباعة
14/05/2015 انتهت الأسبوع الماضي جولة جديدة من الحوار السياسي بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، وهى حلقة جديدة في سلسلة حوارات يحاول مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا برناردينو ليون التوصل من خلالها لحل سياسي للأزمة.

وجرت هذه الجولة في مدينة الصخيرات في المغرب بعد محاولات سابقة لعقد حوار وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين في كل من غدامس وجنيف.

وكالعادة خرج ليون من الحوار بتفاؤل غير مفهوم وابتسامة غير مبررة لكي يُصرح أن مسودة الاتفاق السياسي بين الأطراف المتنازعة في ليبيا على وشك الانتهاء، وصرح بأن الاتفاقية شهدت إجماع على أكثر من 80% من بنودها ولكن الأطراف المشاركة ستعود لليبيا للتشاور مع الجهات التي يمثلونها ثم يعودون لطاولة الحوار مرة أخرى.

وبعد مرور أقل من 24 ساعة على تصريحات ليون بشأن جولة الحوار في الصخيرات كان المؤتمر الوطني في طرابلس يعلن رفضه التام لمسودة الحوار التي تجاهلت حُكم المحكمة العُليا في طرابلس بحل مجلس النواب في طبرق، وبعد ساعات أقل أعلن مجلس النواب في طبرق عدم قناعته بالمسودة وبنودها التي تنقص من شرعيته، بل أكثر من ذلك، طالب المؤتمر الوطني في طرابلس بتغيير الأسباني برناردينو ليون نظراً لانحيازه لمجلس النواب في طبرق وغياب الموضوعية عن الأداء السياسي والدبلوماسي للمبعوث الأممي، كما هدد مجلس النواب في طبرق بتعليق مشاركته في الحوار السياسي ككل في حال استمرت ميليشيات فجر ليبيا في تصفية مؤيدي شرعية مجلس النواب القاطنين في طرابلس.

والجدير بالذكر أنه خلال فترة الحوار في الصخيرات، كما كان الحال في جولات الحوار التي عُقدت من قبل في غدامس وجنيف، لم يتوقف السجال العسكري بين الطرفين الرئيسيين في الحوار للحظة واحدة داخل ليبيا.

وبالرغم من كل ذلك، وقف ليون أمام مجلس الأمن الأسبوع الماضي مُعرباً عن تفاؤله بالحوار بالرغم من الصعوبات التي يواجهها، ولعل هذا الأداء من برناردينو ليون ليس بغريب عن أداء منظمة الأمم المتحدة في كل أزمات الشرق الأوسط السياسية.

وما يبدو غائباً عن إدراك الأمم المتحدة ومبعوثها هو أن الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ العام الماضي يتعامل إلى الآن مع أحد أعراض المشكلة وليس مع جذورها.

فمنذ الجولة الأولى للحوار السياسي الليبي في مدينة غدامس في ديسمبر 2014 والتركيز مُنصب بشكل كامل على تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع في الشرق والغرب، والعمل على التوصل لحكومة موحدة ومكونة من الطرفين.

وجاء بعد ذلك حوار جنيف في يناير 2015 والذي رفض المؤتمر الوطني أن يحضر فعالياته ، ثم غدامس في 2 فبراير 2015، ثم جولة حوار الرباط في مارس، وأخيراً حوار الصخيرات في أبريل، وبالرغم من الخطوة التي اتخذها برناردينو ليون بعد الجولة الأولى من الحوار وقراره بتوسيع دائرة المشاركين في الحوار، وضمه لشخصيات سياسية مستقلة وبعض قيادات التشكيلات العسكرية، وقيادات دينية وقبلية واجتماعية، ظل المحور الأكثر أهمية هو التوصل لحكومة توافقية بين طبرق وطرابلس.

وبمعنى آخر، الأمم المتحدة ترى أن الأزمة الحقيقية في ليبيا هي أزمة تعدد السيادة ووجود أكثر من شرعية في البلاد، وأن الحل يكمن في خلق توافق سياسي بين الكيانان المتصارعان في الشرق والغرب، ولكن ما يبدو غائباً عن الأمم المتحدة، أن الواقع السياسي الحالي في ليبيا لن يسمح لهذه الحكومة التوافقية بممارسة سيادة حقيقية على أرض الواقع في حال تشكيلها بعد كل هذا الجهد المُضني في الحوار السياسي. فالمُعطيات على أرض الواقع تقول أن حكومتي عبد الله الثني في طبرق وعمر الحاسي في طرابلس لم تكن إحداهما قادرة يوماً ما على السيطرة بشكل كامل على الأوضاع الأمنية والسياسية داخل الرقعة الجغرافية التي تتحكم فيها، كما أن الحكومتان لا يوجد لديهما قدرة على التخلص من الميليشيات والتشكيلات المسلحة التي تملأ ليبيا وتُعد المشكلة الرئيسية المُسببة للأزمة الحالية، بل على النقيض من ذلك، فالحكومتان مستمرتان على نهج الحكومات التي سبقتهم من خلال الحفاظ على هيكل غير رسمي من التواصل والتعامل والتنازلات بين الحكومة كمؤسسة شرعية وبين التشكيلات المُسلحة كأمر واقع لا يمكن تفاديه.

والمُعطيات تدل أيضاً على عدم قدرة الحكومتان على السيطرة الكاملة على الأذرع العسكرية التي تمثلهم، فيظل هناك الكثير من التباين والتناقض بين التصريحات الحكومية والسياسية وبين الأداء العسكري الميداني، فلا حكومة الثني قادرة على السيطرة الكاملة على الجيش الوطني الليبي، ولا حكومة الحاسي قادرة على كبح جماح ميليشيات فجر ليبيا.

وفي نفس الوقت، يظهر يوماً بعد يوم حجم الخلاف والانشقاق المتزايد داخل كل كيان من الكيانان الرئيسيان في الشرق والغرب، كما لم تُبد أي من الحكومتين القدرة على مواجهة تحديات أمنية جسيمة كصعود النفوذ العسكري لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو إعادة إنتاج تشكيلات مُسلحة من قبل أنصار معمر القذافي.

ويدل كل ما سبق على فشل الحكومتان في إدارة شئونهم الداخلية على الأصعدة الأمنية والعسكرية والسياسية، فضلاً عن الفشل الأكبر على الأصعدة الاقتصادية والخدمية والاجتماعية، وهو ما يجعل فرص التوصل لاتفاق سياسي مبني على تقديم تنازلات من الطرفين أمراً في غاية الصعوبة، بغض النظر عن مدى فاعلية هذا الاتفاق بعد ذلك على أرض الواقع في حال التوصل إليه بمعجزة ما.

ولعل أكبر دليل على ذلك هو تجمد الحوار السياسي عند نقاط محددة منذ بدايته وحتى الآن وهى تتلخص في اشتراط كل طرف عدم الاعتراف بالشرعية التشريعية والرقابية للطرف الآخر، فالمؤتمر الوطني في طرابلس لازال مصراً على الاعتراف بحكم المحكمة العُليا بحل برلمان طبرق وبطلانه، وبرلمان طبرق مازال مُصراً على أن تبدأ التسوية السياسية بالاعتراف بشرعيته السياسية والنظر لحكم المحكمة العُليا بطرابلس على أنه حكم صدر تحت تهديد سلاح ميليشيات فجر ليبيا للهيئة القضائية للمحكمة.

وبالرغم من وجود مشكلات أخرى في الحوار مثل تسمية رئيس الحكومة، وعدد الأعضاء الذين سيتم تعيينهم في الحكومة من قبل كل طرف، تظل أزمة عدم اعتراف كل طرف بأي شرعية للطرف الآخر هي العائق الجذري لأي تسوية سياسية مستقبلية في ليبيا.

وفي خضم هذا الموقف المُعقد، نلحظ تحولاً واضحاً في مواقف القوى الإقليمية ودول الجوار من الحوار السياسي الليبي، وخاصة الفاعلان الرئيسيان في المشهد الليبي، مصر والجزائر.

فبالرغم من التصريحات الدبلوماسية التي تصدر عن وزارتي الخارجية في البلدين، إلا أن هناك انسحاباً تدريجياً من الجانب المصري كفاعل رئيسي في الحوار، ويقابل هذا الانسحاب تقارب مصري-خليجي نحو فكرة القوة العربية المشتركة، وبالرغم من خطورة الفكرة وعواقبها الوخيمة في حال التدخل عسكرياً في ليبيا، إلا أنه يبدو أن مصر حسمت موقفها من الصراع الدائر في ليبيا وقررت التعامل مع الوضع الليبي من منظور أمني أكثر منه سياسي.

وفي ذات الوقت، أعربت الجزائر عن عدم مشاركتها في هذه القوة المشتركة، بالرغم من أن الجيش الجزائري ثاني أقوى جيش عربي بعد الجيش المصري، كما نلحظ نوعاً من اختفاء النشاط الجزائري في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء في ليبيا، وهو الدور الذي كان واضحاً وصريحاً خلال عام 2014.

ويبدو أن الجزائر بدأت تنظر للوضع في ليبيا برؤية تتعلق بمسألة أمن الحدود أكثر من تعلقها بمسألة التسوية السياسية.

وفي النهاية، فمما لا شك فيه أن الواقع السياسي في ليبيا يختلف كثيراً عن ما نشهده على طاولات حوار الأمم المتحدة، وإذا كانت هناك نية صادقة لدى الأمم المتحدة للتوصل لتسوية سياسية في ليبيا فمن الضروري أن تبدأ في التركيز على جذور المشكلة المتمثلة في السيطرة على التشكيلات المسلحة، وإعادة إحياء الاقتصاد الليبي، والعمل على خلق مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على استيعاب شباب الميليشيات والتشكيلات المسلحة المتعددة واستخدامهم لصناعة نخبة أمنية جديدة داخل ليبيا.

ولكن المؤكد أنه في حال استمرت الأمم المتحدة ومبعوثها برناردينو ليون في البحث عن التوافق السياسي بين طبرق وطرابلس دون توفير البيئة السياسية والأمنية اللازمة لنجاح هذا التوافق عملياً، فسيظل الحوار السياسي الليبي في هذه الحالة أشبة بطقس بروتوكولي، وسوف يزداد السجال العسكري عنفاً وتتعدد أطرافه أكثر، وسيكون على الشعب الليبي دفع ثمن أخطاء كثيرة كان من الممكن تجنبها.

طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية