متابعات تحليلية - الخليج

تقييم حذر: الإشكاليات المتعلقة بالتدخل البري في اليمن

طباعة

 رغم إعلان السعودية عن انتهاء مرحلة "عاصفة الحزم" في 21 أبريل 2015، إلا أن العمليات العسكرية لاتزال مستمرة، ولكن بالاعتماد على مقاومي اللجان الشعبية، وذلك في إطار مرحلة جديدة تحمل اسم "استعادة الأمل".

وتهدف هذه العملية بصورة رئيسية وفق تصريحات المتحدث باسم عاصفة الحزم العميد أحمد عسيري ووفق بيان السفارة السعودية في واشنطن، إلى محاربة الإرهاب ومنع الحوثيين من السيطرة على أو استخدام الأسلحة التي نجحوا في الحصول عليها من الجيش اليمني.

ويلاحظ أن الإطار الزمني لعملية "استعادة الأمل" لم يتم الإعلان عنه، فضلا عن أن أهداف هذه العملية لم تضع نهاية للعمليات العسكرية كما دعا لذلك قرار مجلس الأمن الدولي 2216، حيث تظل العمليات قائمة ولكن بالاعتماد على لجان المقاومة الشعبية التي تدخل في مواجهة مباشرة مع المليشيات التي تتبع الحوثيين.

كما أن التعامل مع محاربة الإرهاب في اليمن كهدف لهذه المرحلة، لا يعني التخلي عن احتمال القيام بعمليات عسكرية برية "نوعية" في اليمن، خاصة في حال تعرض الحدود السعودية لتهديد ما، حيث أكد العميد عسيري في إعلانه عن مرحلة "استعادة الأمل" أنها تحوي "عمليات دبلوماسية وسياسية وعسكرية".

واستمرار طرح التدخل البري مرتبط بكونه أولا خيار "رادع" للجانب الإيراني، وثانيا باعتباره مطلوبا لتغيير ميزان القوى على الأرض على نحو يضطر الحوثيين للقبول بالحوار في حال انعقاده والالتزام بما سينتهي إليه.

وفي هذا السياق، يكتسب خبر مشاركة قوات الحرس الوطني السعودي في العمليات العسكرية في اليمن والذي نقلته قناة العربية في 21 أبريل 2015 أهمية، فضلا عما تناقلته العديد من وكالات الأنباء الغربية من تزايد تواجد قوات الحرس الوطني على الحدود السعودية-اليمنية.

ويمكن القول، أن ميزان القوى على الأرض في اليمن، كان دافعا رئيسيا للسعودية للإعلان عن "استعادة الأمل"، حيث إن متابعة عملية "عاصفة الحزم" منذ الإعلان عنها وحتى إعلان انتهائها، سواء في شقها المتعلق بالضربات الجوية التي تستهدف وفق المتحدث باسم عاصفة الحزم أماكن تمركز الحوثيين ومخازن السلاح الخاصة بهم، أو في شقها المتعلق بتقديم الدعم العسكري لمقاومي اللجان الشعبية، كشفت عن أن قدرتها على تحقيق الهدف المعلن لها والمتمثل في "الدفاع عن الحكومة الشرعية" محدودة.

ويستدعي هذا الوضع تقييما مستمرا ليس من قبل السعودية فقط، وإنما أيضا من قبل مصر وغيرها من الدول المؤيدة للتدخل بصورة عامة في اليمن.

وإذا كانت العمليات الجوية نجحت في فرض حصار جوي على الحوثيين، إلا أنها لم تتمكن من حصر سيطرتهم على الأرض، حيث يبدو أن لجان المقاومة غير قادرة على إنهاء سيطرتهم على مناطق معينة.

وفي هذا السياق، تشير الخريطة التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في 10 أبريل 2015، إلى أن هذه العمليات لم تنجح في وقف تمدد الحوثيين الذين نجحوا في السيطرة على الأجزاء الشرقية من اليمن بعد بدء عمليات التحالف، وهو ما يعني أن هذه الجماعة ليست لديها القدرة فقط على السيطرة على مناطق جديدة، وإنما أيضا على الاحتفاظ بالسيطرة عليها لفترة من الزمن.

وقد نجح الحوثيون في السيطرة على صنعاء منذ 21 سبتمبر 2014، وعملوا على اعادة ترتيب الأوضاع في اليمن على هذا الأساس حتى أصدروا الإعلان الدستوري في 6 فبراير 2015، ونظرا لكونهم الطرف الأقوى، فإنهم لم يقبلوا المشاركة في دعوة مجلس التعاون الخليجي للحوار في الرياض في 12 مارس 2015، في مقابل تفضيلهم الحوار الوطني الذي يرعاه مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر، وبالتالي، أي هزيمة قد تلحقها عاصفة الحزم بالحوثيين، سيترتب عليها تراجعهم عن رفض الحوار، ولكن بعد الاعتراف بالمعطيات على الأرض.

- مخاطر التدخل البري: تكشف خبرات مواجهة الجماعات المتمردة insurgents، عن أن الاعتماد على الضربات الجوية لا يكون كاف لدحر هذه الجماعات، وعادة ما يكون الهدف الخاص بهذه العمليات هو حصر نطاق سيطرتها على الأرض، من خلال ثلاثة خطوات، الأولى هي إخراجهم من المناطق التي يسيطرون عليها، والثانية منعهم من العودة إليها، والثالثة هي إقامة نظام محلي يمكن سكان هذه المناطق من مقاومة عودة سيطرة المنشقين عليها.

كما تكشف هذه الخبرات عن أن هذه الجماعات المتمردة عادة ما تلجأ إلى الاختباء في الأحياء كثيفة السكان حتى ترفع تكلفة الضربات الجوية، مما يترتب عليه ارتفاع عدد الضحايا المدنيين في حال عدم انتقاء الأهداف بدقة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم ما تحدث عنه العميد أحمد عسيري في 5 أبريل 2015، من قيام الحوثيين بالاختباء في الأحياء السكنية، وإنشائهم مراكز للقيادة خاصة بهم في هذه الأحياء.

وتظل العمليات التي يتم تنفيذها في اليمن، معتمدة بصورة كبيرة على حجم المعلومات التي توفرها الإدارة الأمريكية باعتبارها ذات الخبرة الأكبر في اليمن، وتشير عدة تقارير إلى أن هذه المعلومات لم تتعد مسألة التحقق verificationمن الأهداف التي يحددها الجانب السعودي، وما حدث مؤخرا نتيجة عدم التقدم في تحقيق الهدف من العملية، هو اتجاه الجانب الأمريكي لتشارك قدر أكبر من المعلومات.

واستمرار حديث العديد من وسائل الإعلام في الخليج عن الحاجة للتدخل البري في اليمن رغم الإعلان عن عملية "استعادة الأمل"، من أجل دحر الحوثيين، يطرح اشكاليات خاصة بمدى استعداد القوات التابعة للدول المشاركة في هذا التحالف لخوض عمليات برية، حتى وإن كانت تحت اسم "محاربة الإرهاب"، خاصة وأن العديد من التقديرات تشير إلى أن الرهان الخليجي في هذه المسألة كان على باكستان، والتي فضلت الوقوف على الحياد، بل واتجهت لطرح نفسها كوسيط بين الحوثيين والرئيس عبدربه منصور هادي.

وهناك اتجاه آخر، يطرح امكانية أن تشارك مصر بقوات برية للتدخل في اليمن، في حال طلب منها ذلك، ورغم أهمية تصريح الرئيس عبدالفتاح السيسي في 18 أبريل 2015 بأن مشاركة مصر في عاصفة الحزم تقتصر على المشاركة البحرية والجوية، إلا أن هناك اشكاليات يثيرها التفكير في التدخل البري في اليمن، سواء من قبل مصر أو غيرها.

تتمثل الإشكالية الأولى في أن التدخل البري لا يخدم التوجه المصري الذي عبر عنه الرئيس السيسي في 17 أبريل 2015، من حرص على "الحل السياسي" في اليمن، وهو ما يعني ضرورة أن تقبل الأطراف المتصارعة في اليمن الجلوس على طاولة الحوار مرة أخرى، والتوصل لتسوية سياسية ما تعكس التطورات على الأرض.

خاصة في ظل إدراك مصر أن هناك اختلاف في الحسابات الخليجية في اليمن عن تلك التي في ليبيا، رغم تشابه الوضع في الحالتين، وهو ما كان سببا في أن لم يحظ التدخل المصري في ليبيا في فبراير 2015 من خلال العمليات الجوية، بناء على طلب حكومة عبدالله الثني، أو تحركها في مجلس الأمن الدولي للتدخل في ليبيا ولرفع الحظر عن بيع الأسلحة للحكومة الليبية، بتأييد من جانب دول خليجية، والتي فضلت أن يتم تسوية الصراع في ليبيا سياسيا.

وتنصرف الإشكالية الثانية، إلى أن التدخل البري لا يترتب عليه بالضرورة كما تكشف خبرات مماثلة، مثل التدخل البري ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان تحقيق انتصار كامل، ففي هذه الحالة تصبح معايير الانتصار نسبية، ولا يمكن لأي طرف ادعاء الانتصار الكامل، كما أن المواجهات تكون طويلة المدى ويحكمها خبرة قتال الشوارع، مع قابليته للتطور وفق نوع التسليح المتاح للأطراف الأخرى، وهو ما يمثل عبء كبير على أي دولة تقرر التدخل البري في اليمن، وهي مدركة أن الانتصار هناك سيكون بعدم تمكين الحوثيين من إعلان الانتصار الكامل، واضطرارهم للقبول بالحوار في إطار المبادرة الخليجية.

وتتعلق الإشكالية الثالثة، بأن اختزال الوضع في اليمن على أنه صراع بين الحوثيين، ونظام عبدربه منصور هادي، ومحاولة تعريفه وفق خطوط طائفية، يتغافل عن دوائر أخرى من الصراع يعاني منها اليمن، على نحو يجعله اشبه بعش الدبابير، فهناك القاعدة والخلايا التي أعلنت ولائها لتنظيم داعش، وأنشأت إمارات اسلامية في مناطق محددة، وهناك القوى الجنوبية التي تطالب بانفصال الجنوب، وبين هذا وذاك، جماعة الأخوان المسلمين والقبائل التي تدعمها، والتي تبحث عن نصيب من السلطة بعد سيطرة الحوثيين.

وتنصرف الإشكالية الرابعة، إلى أن أي تدخل بري يصاحبه دوما تكلفة انسانية، قد تأخذ شكل تزايد عدد النازحين للدول المجاورة، أو تحولها لمنطقة تخطيط لعمليات تنفذ في داخل اليمن، أو ضد الدول المشاركة في التدخل البري، لاسيما في حالة الدول التي توجد بها تجمعات يمينة كبيرة تدين بولائها للحوثيين أو متعاطفة معهم.

رغم أهمية التدخل في اليمن في تغيير ميزان القوى، على نحو قد يمهد للتوصل لاتفاق بين الحوثيين الذين أصبحوا قوة مهمة على الأرض ونظام هادي، إلا أن الانزلاق نحو التدخل البري في اليمن، سواء في إطار "دحر الحوثيين" أو "محاربة الإرهاب" يحوي من المخاطر أكثر مما يحمل من المكاسب، وهو ما يتطلب التقييم الحذر لما تحقق في إطار هذه العمليات حتى الآن.

طباعة
د. إيمان رجب

خبير في الأمن الإقليمي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية