متابعات تحليلية

إستراتيجية "كسب الوقت" الحسابات التركية والحرب الدولية على "داعش"

طباعة

تقوم الحسابات التركية من الحرب الدولية على "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروف بـ"داعش" على توازن دقيق بين مصالح قد لا تفضي إلى الانخراط في التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، من ناحية، ونمط العلاقات التركية الدولية والإقليمية الدافعة إلى المشاركة التركية في العمليات العسكرية، من ناحية أخرى.

لذلك فإن التصريحات التركية الخاصة بحدوث تحولات أو تغيرات في الموقف التركي بعد الإفراج عن الرهائن الأتراك لدى "داعش"، لا تشكل أكثر من محض تكتيك هدفه إخفاء حجم الأزمة التي تعانيها أنقرة، فالأهداف الضاغطة التي صاغت الخطوط العريضة لسياساتها الخارجية، حيال تطورات الأزمة السورية، تمثلت في إسقاط نظام بشار الأسد، ومنع تأسيس "كردستان الغربية".

ولكن يبدو أن الحملة الدولية التي تستهدف القضاء على "داعش"، باتت تجعل من الطرفين (النظام السوري والأكراد) "شبه شريكين" في محاربة التنظيم الذي دعمته أنقرة، وبات يخلق تحديات كبيرة بالنسبة لأمنها القومي، وهو ما يدفع بطرح مقاربات تركية خاصة بأن المشاركة في استهداف "داعش" لابد أن تترافق مع الإقرار بضرورة إنشاء "منطقة عازلة" تشمل "حظر جوي"، مع اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بضمان أمن تركيا وسلامة أراضيها.

أولا- طبيعة التغيرات في الموقف التركي: تبنت أنقرة موقفا مترددا من الانخراط في التحالف الدولي انطلاقا من الخوف على الرهائن الأتراك الذين احتجزهم تنظيم "داعش" من مقر القنصلية التركية بمحافظة الموصل في يونيو الماضي.

وبعد الإفراج عن نحو 49 رهينة من ضمنهم 46 مواطن تركي بالإضافة إلى ثلاث موظفين عراقيين، قال الرئيس، رجب طيب أردوغان، إن موقف بلاده قد تغير بعد الإفراج عن الرهائن الأتراك، معلنا استعداد تركيا لأي شكل من أشكال التعاون، بما في ذلك التعاون السياسي والعسكري، ضد التنظيم الذي لم تعتبره أنقرة إلا في أكتوبر الماضي، "تنظيما إرهابيا".

وعلى الرغم مما يوحي به تصريح أردوغان من تحولات طارئة على الموقف من الحملة الدولية لمحاربة "تنظيم الدولة"، غير أنه في واقع الأمر يأتي منسجما مع تطوريين أساسيين: أولهما، يرتبط بتطورات الموقف الدولي الضاغطة على المستويات الإعلامية والسياسية على تركيا من أجل الانضمام إلى الجهود العسكرية ضد "داعش"، خصوصا بعد قرار مجلس الأمن الدولي الصادر بمقتضى اقتراح أمريكي وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لتجريم ومنع مشاركة "الجهاديين الأجانب" في القتال بكل من سوريا والعراق.

وفي كلمته خلال جلسة مجلس الأمن قال الرئيس الأمريكي، في رسالة غير مباشرة لنظيره التركي، "إن الوعود على الورق لم تعد تضمن أمننا"، مطالبا باتخاذ موقفا حازما بمنع عبور "المقاتلين الأجانب" إلى مناطق النزاع أو تسهيل التمويل والدعم المالي المقدم للتنظيمات إرهابية.

وثانيهما، يرتبط بالرغبة التركية في "المقايضة" السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث تقوم الأولى بتقديم كافة أشكال الدعم المطلوبة عسكرية كانت أو لوجستية، مقابل دعم الثانية الخطط التركية الخاصة بإقامة "منطقة عازلة" على الحدود مع سوريا، بدعوى استيعاب اللاجئين السوريين داخل الأراضي السورية.

ورغم ما تواجهه الخطط التركية من تحديات أمنية وسياسية، خاصة و أن أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ سوري قد تخطو بالفعل حاجز الحدود التركية، غير أن أنقرة تُصر على رؤيتها، بل وتذهب حد التلميح بإمكانية أن تضطلع بهذه المهمة حال ما تم الاتفاق علي أهميتها دوليا، معتبرة أنه ما لم يتم تمرير ذلك عبر مجلس الأمن، بسبب "الفيتو الروسي"، فيمكن أن يساعد الناتو أنقرة في إقامة "المنطقة العازلة" بعمق 30 كيلو متر داخل الأراضي السورية.

الخطة التي يطرحها الرئيس التركي، جاءت بالتوازي مع إصدار أمر رئاسي لرئيس الأركان بتحديد نطاق القوات البرية التركية على الحدود مع سوريا تمهيدا لفرض "منطقة عازلة" داخل الحدود السورية، هذا بالإضافة إلى تقديم مذكرة للبرلمان لتمديد التفويض للقوات المسلحة للقيام بعمليات عسكرية عبر الحدود في سوريا، وعلى أن تشمل العراق أيضا، هذا بالتوازي مع قيام الجيش التركي بدفع نحو خمسين مدرعة إلى الحدود مع سوريا في مقابل منطقة "عين العرب" (كوباني)، التي شهدت خلال الأيام الأخيرة تصاعدا في وتيرة وحدة العمليات العسكرية بين تنظيم "داعش" والمسلحين الأكراد.

ثانيا- "الطموح" في مواجهة "المخاوف": الرغبة التركية في إقامة "منطقة عازلة" و"حظر طيران" في شمال سوريا تستهدف تحقيق هدفين أساسيين: أولا، اتخاذ أولى الخطوات الفعلية لإسقاط نظام الأسد، ذلك أن تركيا تدرك أنها قد تكون الخاسر الأكبر من مسار تطور الأحداث، وذلك بعدما غدا نظام الأسد "شبه شريك" أو "شريك محتمل" تصاعد دوره في العمليات العسكرية ضد "التنظيمات الجهادية" على الساحة السورية، والتي لم تستهدف "داعش" وحسب، وإنما امتدت أيضا إلى "جبهة النصرة"، المدعومة تركياً، بالإضافة إلى حركة "أحرار الشام" أهم مكونات "الجبهة الإسلامية"، وفي ظل ما تعانيه القوى العسكرية المعتدلة، كالجيش السوري الحر، من مشكلات هيكلية.

ثانيا، مواجهة عمليات الحشد والتعبئة التي تشهدها مناطق تمركز الأكراد عبر الإقليم، لدعم "قوات الحماية الشعبية الكردية" وحزب الاتحاد الكردي، القريب من حزب العمال الكردستاني، بعدما أفضى ذلك إلى تصاعد المطالب بتأسيس "جيش كردي موحد" يحقق أمن وسلامة المواطنين الأكراد في المنطقة، ويناط به مواجهة التنظيمات الإرهابية، التي تستهدف المناطق الكردية.

وقد تجلت مظاهر ذلك في الحركة الكثيفة عبر الحدود لمواطني تركيا من الأكراد، وذلك لدعم "وحدات حماية الشعب الكردي" في سوريا، وهو ما دفع الحكومة التركية إلى إغلاق المعبر الحدودي "كوكوك كيندسيلر" للحيلولة دون انخراط المزيد من مواطنيها في القتال المسلح،لا سيما أن هذه التحركات قد جاءت بعدما قام "البككة"، الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، بإعلان "التعبئة العامة" لقتال تنظيم "داعش" في سوريا.

هذا فيما اتهم دروسين كالكان، القيادي في حزب العمال الكردستاني، الحكومة التركية بالتواطؤ مع متشددي "داعش".

وقد جاءت هذه الأحداث على خلفية تصاعد "التوتر المكتوم" في علاقات تركيا مع إقليم شمال العراق، من جراء الموقف التركي المتخاذل عن تلبية حاجات الإقليم العسكرية، والتي أسرعت إيران في توفيرها، بالإضافة إلى العديد من الدول الغربية التي لم تتوان عن إرسال شحنات الأسلحة إلى قوات البشماركة الكردية لمواجهة "تنظيم الدولة"، وهو ما ضاعف من مخاوف تركيا الأمنية وصعدها، خاصة بعد قيام حزب العمال الكردستاني بلعب دورا حيويا ليس فقط للدفاع عن أكراد تركيا وسوريا، بل أيضا عن أكراد العراق، ليتحول إلى قوة مؤثرة ذات دور إقليمي، وهو ما تعتبره أنقرة قد يؤثر سلبا على عملية السلام الكردية-التركية، خاصة بعد إعلان حزب العمال الكردستاني عن وقف هذه العملية، كما أعلن رفض إقامة "منطقة عازلة" على الحدود التركية مع كل من سوريا والعراق.

ترتب على جملة ذلك أن تهددت الخطط التركية الخاصة باستغلال تنامي النزعة الاستقلالية لدى الإقليم الكردستاني، في ترسيخ علاقاتها معه وتثبيت روابطه الاقتصادية والتجارية مع تركيا، لإحياء "الطموح القديم - المتجدد" والخاص بإعادة "ولاية الموصل"، والتي فصلت عنها بمقتضى اتفاقية "منترو" عام 1926، بسبب ما يعتبره الأتراك تعنت بريطاني وقتذاك.

إن "الطموح التاريخي" هذا راود أغلب الزعماء الأتراك وعلى رأسهم تورغوت أوزال، الذي تمثل سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم بتركيا إعادة إنتاج لأفكاره وسياساته، حيث رفع في عام 1991، خريطة تركية تشير إلى أن منطقة شمال العراق كانت تابعة لتركيا، وهو الأمر الذي أكد عليه العديد من الساسة الأتراك ومن ضمنهم الرئيس التركي السابق عبد الله جول، والذي أشار إلى أن تركيا تخلت عن الموصل وكركوك لعراق موحد، وانقسام العراق من شأنه أن يدفع بالعمل على استعادة ما تعتبره تركيا حقوقاً تاريخية.

ثالثا- ثمن التخلي عن "داعش": كانت تركيا من أكثر دول الإقليم التي دعمت التنظيمات الراديكالية حيث فتحت الحدود المشتركة مع سوريا على مصراعيها أمام حركتها، وبينما اعتقدت أنها باتت تتحكم في مجريات التطورات على الأراضي السورية، فإن تنظيم "الدولة الإسلامية" تصاعدت قوته سريعا وأصبح قوة عسكرية "فوق السيطرة" التركية، خصوصا بعدما تحولت أغلب المدن الحدودية إلى مناطق تمركز وإقامة للعديد من عناصره، التي استخدمت هذه المدن للتجنيد واستقطاب المقاتلين، خصوصا الأتراك، حيث تشير بعض التقارير إلى أن نحو 10 في المائة من مقاتلين "الدولة الإسلامية" من مواطني تركيا.

وقد تلقي العديد من "المقاتلين الأتراك" المنخرطون في الصراع المسلح تدريبات سابقة في أفغانستان والشيشان والبوسنة، وهو ما بات يطرح عدد من الإشكاليات من نوعية "العائدين من سوريا والعراق"، والتي غدت تثير المزيد من الهواجس الأمنية لدى الجانب التركي، خصوصا أن محض المحاولة التركية إلى تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود المشتركة مع سوريا، كانت قد دفعت سابقا "تنظيم الدولة" إلى توجيه تهديدات إلى أنقرة ووصفها "ببلاد الكفر" مطالبا رئيسها بإعلان البيعة لزعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، على أن يعينه "حاكما على ولاية تركيا"، التي تحرك التنظيم خلال الفترة الماضية داخل العديد من حدودها بُحرية وسُهولة نسبية عبر معابر غير الرسمية.

وقد شكل ذلك أحد محددات الموقف التركي، الذي سعى إلى تفادي التعرض لعمليات انتقامية حال الانخراط في عمليات عسكرية علنية ضد "داعش"، سيما بعدما تقدم التنظيم بأسلحته الثقيلة والكثير من عناصره للسيطرة على مناطق شمال شرق سوريا على حساب الأكراد، وذلك في مدينة "عين العرب" (كوباني)، بما جعله يمثل تهديد محتمل للأراضي التركية.

رابعا- إمكانية إقامة "منطقة عازلة" : تستهدف تركيا استخدام العديد من المبررات لـ"كسب الوقت"، لترى مسار العمليات العسكرية في كل من سوريا والعراق، لتحدد بالنهاية نمط مشاركتها في أية عمليات عسكرية، وهى وإن وظفت سابقا قضية الرهائن المختطفين لدى "داعش"، فإنها تبغي توظيف قضية "المنطقة العازلة" لتنتظر وترى إمكانية الاستجابة الدولية لـ"شروط المشاركة" التركية في العمليات العسكرية".

وهذه الإستراتيجية تستهدف حماية تركيا والخروج من نطاق "المجال الحيوي" المستهدف من قبل "تنظيم الدولة" في أية عمليات انتقامية من المرجح أن يقوم بها خلال المرحلة المقبلة، كما أنها قد تضمن لتركيا أن المشاركة في أية عمليات عسكرية، وقد تفضي إلى ثمن ضخم تتكبده أمنياً واقتصادياً، لن يكون بلا مقابل مرضٍ.

ذلك أن تحقق الرغبة التركية بـ"إقامة المنطقة العازلة" سيجعل منها الفاعل الرئيس في شمال سوريا، بما يحبط من ناحية الطموحات الكردية الخاصة بـ"استنساخ" تجربة شمال العراق، ويفضى في الوقت عينه إلى حماية الأراضي التركية من التداعيات السلبية للصراعات المسلحة الدائرة هناك، فضلا عن ضمان عدم استقبال المزيد من اللاجئين السوريين على الأراضي التركية.

ومع ذلك، فثمة صعوبات من المحتمل أن تواجهها الخطط التركية، ارتباطا بالرفض السوري والإيراني والروسي لها، هذا إضافة إلى أنها قد تفضي إلى قيام قوى دولية عديدة بتسليح الأكراد السوريين، وهو ما ترفضه أنقرة.

كما أن مثل هذه الخطط سبق أن طرحتها تركيا في بداية الثورة السورية، ورفضتها الولايات المتحدة، خشية تفاقم الوضع الأمني، وهو أمر وإن كان قد يدفع تركيا بعيدا عن المشاركة الفعلية عبر وحداتها العسكرية ضد "داعش"، فإن تركيا لن تقدم على تهيئة مسرح العمليات لأكراد سوريا، أو تخليص النظام السوري من أبرز التنظيمات المتطرفة، من دون أن تضمن أن ذلك ليس إلا خطوة أولى لتحقيق مصالحها المعلنة، والتي تتمثل في إسقاط نظام الأسد، ومنع إقامة "كردستان الغربية"، باعتبارها "الصفقة" الكفيلة بإدخال أنقرة إلى الميدان العسكري، وأولى خطوات هذه "الصفقة الخطرة" تطبيق منطقة "حظر جوي" على الحدود المشتركة مع سوريا.

طباعة
محمد عبد القادر خليل

مدير برنامج تركيا والمشرق العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية