دراسات

بعد أزمة السفراء.. السيناريوهات الكبرى للتحول السياسي في قطر

طباعة

 بعد اتفاق وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، خلال اجتماعهم بالرياض في 17 إبريل 2014، على آلية تنفيذ وثيقة الرياض، وهو ما يعني بدء المصالحة مع قطر: كيف تمضي العلاقات بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي؟ وهل تمكنت قطر من اجتذاب الدول الثلاث بعيدا عن مصر، أم تمكنت الدول الثلاث من اجتذاب قطر بعيدا عن الإخوان وشبكات الإسلام السياسي؟ وإذا تحققت المصالحة وعاد السفراء، ما السيناريوهات الكبرى للتحول السياسي في قطر بعد الأزمة؟ هل تعود قطر إلى وضعيتها السابقة، قبل تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم، كإمارة مسالمة، أم تعاود سياساتها قبل الأزمة؟ هل تصبح قوة استقرار إقليمي، أم تستمر في الإثارة وزعزعة الاستقرار؟ فمهما طالت الأزمة الراهنة، فإنها سوف تنتهي إلى المصالحة وعودة السفراء، لأنه يصعب استمرار الانقسام بين دول مجلس التعاون، ولأنه لاعتبارات تتعلق بالشرعية السياسية يصعب على نظام الحكم الجديد في قطر الاستمرار في هذا النهج.

وبالنظر إلى قدرات قطر الإزعاجية للكيان الخليجي في حال تأكد فرض العزلة عليها كقرار نهائي، وبالنظر إلى أن هذا المصالحة تدرأ أي إمكانات لتقويض البيت الخليجي من الداخل، ولحاجة قطر وباقي دول المجلس لعدم تكريس محور سعودي إماراتي بحريني جديد داخله، يمكن إعادة توظيفه في أزمات لاحقة.

لكل ذلك فإن المصالحة مع قطر هي الخيار الأكثر ترجيحا.

لقد كان هناك إلحاح قطري على المصالحة، وقد سلكت الدوحة كل مسلك من أجل عودة السفراء بسرعة، سواء من خلال الوساطة الكويتية، أو من خلال المحاولة غير الموفقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، أو من خلال ملكي الأردن والمغرب، أو أثناء اللقاء الأخير للشيخ تميم بوزير الخارجية الأمريكي في الجزائر.

وليس معروفا سبب الإلحاح القطري على الاستعادة السريعة للعلاقات، إذا كانت الدوحة هي ذاتها التي لم تتورع عن سلوك مسلك المعاند حتى قبل أيام من قرار سحب السفراء، إلا إذا كان بضغط الحاجة النفسية لإنهاء الأزمة بعد الشعور بالعزلة والحاجة السياسية لتقويض القرار الخليجي وإظهاره بمظهر المتردد إزاء الإمارة القطرية.

فبالنسبة للدوحة فإن الأثر الإعلامي والداخلي لقرار عودة السفراء هو أهم لديها من أي شيء آخر، وهم أهم من استمرارهم أو سحبهم تاليا.

فلقد سعت الدوحة لإجهاض التكتل الخليجي الناشئ ضدها، واستقطاب من تستطيع استقطابه من الدول الثلاث لإظهارها بمظهر المنقسمة التي لم تستطع أن تواجه قطر، أو تفت في عضد أميرها الشاب، وهو ما انتبهت إليه الدول الثلاث.

وتعرف دول الخليج أنه بمجرد اتخاذها قرارا بعودة السفراء، وإذا لم يسبقه تعهدات وخطوات تنفيذية جادة مع آلية مراقبة للسلوك القطري، فإنه ليس هناك من ضمانة بألا تعود قطر إلى ذات السلوك مرة ثانية، ولذلك كان اتفاق الرياض حذرا، ولم يتضمن قرارا بعودة السفراء، والأرجح أن يكون ذلك لترتيب آلية تنفيذ اتفاق الرياض، الذي يتضمن تعهدات قطرية بالتراجع في ملفات الإخوان، والحوثيين، وإيواء الشخصيات المعارضة بالخليج.

أولا: جوهرية الخلاف: لم يقتصر الخلاف القطري الخليجي الراهن على مظاهره المعلنة الخاصة بالشيخ القرضاوي أو قناة الجزيرة، أو بعض قادة الإخوان الذين تؤويهم الدوحة، أو بأنشطة أفرع المراكز البحثية الأجنبية في قطر، أو بالموقف من مصر، وإنما امتد إلى جوهر النظامين العربي والخليجي؛ واللذين شهدا صراعا بين مشروعين أو منظومتين أساسيتين؛ المنظومة "التقليدية الرسمية" التي تمثلها السعودية والإمارات والبحرين و"المنظومة الانقلابية غير الرسمية" التي تمثلها قطر، وبينما تتمسك السعودية بالإسلام التقليدي والسلفي المعتدل، فإن قطر تدعم الطبعات الأكثر تطرفا من الإسلام الحركي، وبينما فضلت السعودية والإمارات التعامل ضمن منظومة النظام العربي الرسمي الممثل في الدول الوطنية، فقد تعاملت قطر مع شبكات وتحالفات غير رسمية معادية للدولة الوطنية، لحساب جماعات فرعية أدنى منها.

فلقد استثمرت قطر طويلا في منظومات وشبكات إسلاموية مختلفة، وكانت تراهن على تأسيس نظام عربي جديد، يتكون من نسخ وطبعات مستنسخة لأنظمة إخوانية في دول الثورات، واستمرت في تحالفاتها مع شبكات ما دون الدولة، دون أن تأبه باعتراضات الدول الخليجية، ومن المرجح أنها كانت تهدف تاليا إلى استخدام هذه الشبكات والأنطمة كقواعد أساسية في طموحها بتغيير النظام العربي، وربما تاليا ضد أوضاع في الخليج.

لكن التشريعات والقرارات السعودية والمصرية الأخيرة والحاسمة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وجماعات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان، مع بدايات تسرب هذه التشريعات والخطوات ومباركتها من دول عربية وأجنبية أخرى، وضعت مستقبل العلاقات الخليجية مع قطر في خضم قضية أكبر، تتعلق بمستقبل النظام العربي.

فبالنسبة لقطر يعني التخلي عن الإخوان وقوى الإسلام السياسي التخلي عن حليف واستثمار يمثل أهم رأسمال أسسه نظام الشيخ حمد بن خليفة، وتكفله بالرعاية على مدى السنوات من 1995 وحتى 2013، ومن الصعب على الدوحة أن ترى ذلك يتهدم، خصوصا وأن هذا الرأسمال أصبح له شبكات مصالح وامتدادات إقليمية ودولية وفي دوائر الحكم، وأصبح مشروعا قائما بذاته في الداخل والخارج.

والتخلي عن كل ذلك يعني احتمال تعرض قطر لردود أفعال من الأذرع الانتقامية والعنفية لعناصر هذه التحالفات والشبكات، أو على الأقل حملات تشوية ناعمة وفضح الصفقات، وعمليات ابتزازية للحكومة والدولة.

ففي ظل سنوات من التعامل القطري مع جماعات وشبكات الإسلام السياسي، من المؤكد أن هذه الشبكات لديها قدرات اختراق داخلية وإمكانات للوصول بأهدافها إلى مرماها في الإمارة الصغيرة، وقد يمتلك الطرفان أدلة تدينان بعضهما بعضا يمكن استدعاؤها في أوقات محددة، وهذا يعني أن خروج قطر من إسار هذه الشبكة الإسلاموية المكدسة بالصفقات المشبوهة سوف يأخذ وقتا.

وأضافت قرارات السعودية الأخيرة، بإدراج الإخوان وجماعات داعش والنصرة وحزب الله والقاعدة ضمن قائمة الجماعات الإرهابية، وما سبقها من أمر ملكي بمعاقبة كل من يشارك في "أعمال قتالية" خارج المملكة، أعباء على الدوحة والمشروع القطري في الإقليم.

فهذه القرارات تضع المملكة في مرمى نيران الإسلام السياسي لسنوات مقبلة، وتفرض على السعودية تغيير العقائد الأمنية، وإدخال تغييرات على المنظومات الفكرية والسياسية والدينية، وفي ظل هذه الحالة فإن أي اضطراب أمني تتعرض له المملكة مستقبلا –وهو أمر وارد وعليه شواهد عديدة- سوف يجعلها في مواجهة مع قطر وأنصارها من الشبكات الإسلاموية، إذا لم تتراجع قطر عن طريقها.

ومن شأن ذلك أن يجعل المشروعين القطري والسعودي متواجهين ومتصادمين تماما، على نحو ستكون له تبعات على الأرض، ومن المتوقع أن تسعى كل دولة إلى تأكيد وجهة نظرها والدفاع عنها دوليا وإقليميا وداخليا من خلال قرارات وتشريعات جديدة تتعلق بأنشطة هذه الجماعات والأعمال الخيرية وانتقال رؤوس الأموال وزيارات الشخصيات.

وغير ذلك.

وهكذا، أتت الأزمة في ظل بوادر تشكل فلسفة وعقيدة جديدة للنظام العربي تتمثل في مواجهة الإرهاب الذي أصبح أكثر التصاقا بالجماعات الإسلامية، والقوى الداعمة له، وارتباط الدوحة بذلك يجعلها في خندق واحد مع قوى الإرهاب.

في ضوء ذلك، حمل قرار سحب السفراء مخاوف على قطر، كان أبرزها تهديدها بالانحصار والعزلة عن محيطها الخليجي، على الأقل مع ثلاث دول هامة ورئيسية، وحمل مؤشرات على تشكل علاقات خليجية من نوع خاص مع مصر، وما يشبه محورا إقليميا مواجها لمحور قطر تركيا إيران، وكان مضي الدوحة في سياساتها المعاندة معناه تكثيف وتعميق هذا المحور، بما له من تأثير على علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة.

ويأتي الإلحاح القطري على المصالحة وعودة السفراء بوازع من هذا بالأساس، وبوازع أمريكي يهدف لإجهاض أي فرصة لتشكل تكتل سياسي وأمني واقتصادي عربي جديد في مواجهة المشروع القطري.

وكان تعميق التفكير الاستراتيجي الخليجي مع القاهرة أحد الردود الرئيسية على السياسة الأمريكية التي سعت منذ سنوات إلى تعزيز وضعية الدول الصغيرة، وتجاهل الكبيرة في أقاليمها، وهدد التقارب المصري الخليجي بعزل قطر وزويها مع محور غير عربي يبعدها عن مجال تحركها ونفوذها الرئيسي.

وإلى حد كبير، لعبت المؤشرات الأخيرة في الإقليم في غير مصلحة قطر، وفي مصلحة السعودية، وبدأ السباق القطري - السعودي على مركز الثقل في الإقليم يتجه نحو الرياض وليس الدوحة، وبرزت الرياض تلقف كل ما صنعته قطر على مدى السنوات من تأسيس لنفوذ ومكانة إقليمية مستقلة.

فلقد استعادت المملكة مصر من قطر بعد سقوط حكم الإخوان، ودفعت بقرار ثلاثي بسحب السفراء على نحو أربك حسابات الدوحة وهددها بالعزلة، وبرزت بعض مؤشرات على عملية من إعادة التقييم الاستراتيجي السعودي للتحولات الإقليمية، وفي العمق منها الأوضاع في سورية، على نحو قرّب موقف الرياض من القاهرة في هذا الملف؛ فعلى مدى ثلاثة أعوام تبنت المملكة الإطاحة بنظام بشار ودعمت المعارضة، في توافق كامل مع موقف قطر، ولكن مع بروز صعوبات ذلك، تتضح بوادر اقتراب المملكة من تبني صيغة الحل السياسي، على الرغم من أن الخطاب السعودي الرسمي المعلن لا زال يتمسك بموقفه فيما يتعلق بالوضع في سورية.

إن قرارات السعودية الخاصة بقائمة الإرهاب وتجريم القتال في الخارج، فضلا عن تغيير الأمير بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات، وتولي ملف سورية شخصيات أغلبها لم يكن مؤيدا لخط الأمير في دعم قوى المعارضة، هي كلها دلائل على بداية مسار سعودي جديد.

لقد اتجه الاختيار السعودي لبناء نظام عربي جديد، تتأسس عقيدته الرئيسية على الحرب ضد الإرهاب، والجديد فيه اقتراب تعريفه للإرهاب على نحو يجعله مرادفا لجماعات الإسلام السياسي الحركي المتحالفة مع قطر، وهو ما يضرب في الصميم المشروع القطري للمنطقة وشبكات وتحالفات الدوحة الإقليمية مع الفاعلين دون الدولة؛ فالتوجه السعودي الإماراتي المصري يدرج تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي في قلب عقيدة النظام العربي الناشئ.

تأكد ذلك مع القرارات الأخيرة لكل من مصر والسعودية ضد جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية، والتي تتجه لأن تكتسب صبغة إقليمية ودولية، مع تبني إجراءات ضد الإخوان في كل من المملكة المتحدة وكندا، ومع اعتبار الولايات المتحدة "بيت المقدس" جماعة إرهابية.

ومن المرجح أن يزداد هذا الاتجاه خلال المعركة مع الإرهاب، على نحو ما تأكد في الاجتماع الأخير لمجلس وزراء الداخلية العرب، الذي شجب الخطاب الطائفي الذي يغذي الإرهاب ويثير الفتنة والتباغض، وأدان الأعمال الإرهابية التي تتعرض لها الدول العربية، وأكد عزمه على مواصلة مكافحة الإرهاب وحشد كل الجهود والإمكانيات لاستئصاله، وحث الدول على تعزيز التعاون بينها في مجال ملاحقة الإرهابيين وتسليمهم للدول الطالبة.

وعلى الرغم من عدم تعريف الإرهاب في هذا البيان، على نحو يشير صراحة إلى جماعات محددة، إلا أنه من المرجح أن يؤدي التطبيق العملي لذلك إلى زوي قطر مع جماعات العنف.

وفي الفترة المقبلة يتوقع أن تتعرض المنطقة لموجات عنف شديدة، والاحتمال الأبرز أن تتجه قوى الجهاد أو الإرهاب وجماعاته العائدة من سوريا إلى مصر والسعودية.

وهو أمر من المرجح أن يخلق مشكلات كبيرة لقطر، لو استمرت في طريقها.

ثانيا: بعد المصالحة.  سيناريوهات التحول السياسي في قطر: على الرغم من الحل القريب للأزمة، سوف تترك أزمة سحب السفراء بصماتها على النظامين العربي والخليجي؛ وبالتأكيد سوف تعقب الأزمة سلسلة من المجاملات القطرية، تتمثل في زيارات أميرية للدول الثلاث، وتصريحات ومقترحات لاسترضائها، وقد يكون من بين ذلك اندفاع قطري جريئ للمضي قدما في تأييد مقترح ومشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز للاتحاد الخليجي.

ولكن من ناحيتها فإن كل من السعودية والإمارات والبحرين سوف تظل لفترة لديها شكوك وتحفظات على قطر، وستظل تتابع التحولات حتى تتأكد تماما من أن قطر اختلفت.

والمؤكد أن منظومة السلوك والعمل القطرية التي عملت في ظل الأمير حمد بن خليفة، لن تعود صالحة للعمل بنفس الكفاءة، بعدما تلقت ضربات شديدة، وما يشبه الهزيمة والانتكاسة المعنوية.

فلقد حملت هذه المنظومة قطر من دولة صغيرة في الخليج إلى دولة نشطة مبادرة وشبه قائدة، ونموذج يشار إليه بالبنان، ولكنها انتهت بعد أن خرجت عن القضبان، بما يشبه "تجريسة" خليجية وعربية، لا يمكن أن تعود بعدها الدوحة إلى ما كانت عليه، بل إنها تهددها بالعودة إلى دولة ليس لها من علاقات دافئة سوى مع دول فاشلة أو قوى ظلامية.

لذلك من المرجح أن يقدم الأمير الجديد على بناء شبك منظومتة الخاصة، التي تمكنه من الحكم مثل والده لخمسة عشر سنة أخرى أو أكثر، وهذه لن تتحقق إلا عبر مسح الذاكرة الخليجية بشأن الإمارة المشاغبة، وملئها بذاكرة عن قطر جديدة أو "قطر ثالثة".

في ضوء ذلك، من المرجح أن تتجه السياسة القطرية للبحث عن مخارج استراتيجية عبر تقديم أوراق اعتماد جديدة في الإقليم، إذا رغبت في حل أزمتها الخليجية والعربية، حيث ستظل قلقة بشأن إمكانية أن يؤدي سلوك ما إلى رد فعل خليجي غير ودي ضدها يكرر أزمة السفراء.

وفي ظل هذه التغييرات فإن هناك ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التحول السياسي في قطر، ينطوي كل منها على صورتين، وبعضها يمكنه أن يكرر ذات المشاكل مع الجوار الخليجي، ولكن بعضها أيضا يمكنه أن يخرج الدوحة من الحلقة الضيقة التي وجدت نفسها فيها: السيناريو الأول: الإمارة التقليدية أو المشاغبة: ويعني هذا السيناريو التغيير مع الإبقاء على الشكل والجوهر، وقد يتخذ ذلك أحد شكلين، أولهما نموذج قطر التقليدية التي كانت قائمة قبل الشيخ حمد بن خليفة، وفي ظل الأمير الجد، الشيخ خليفة بن حمد، وهي الإمارة الصغيرة التي تعمل في ظل المنظومة الخليجية وتحترم موازين القوى وحجمها ودورها.

وثانيهما قطر المشاغبة الذي يعني تطوير بدائل من داخل ذات السيناريو القائم، ومعالجة نقاط الخلل التي أدت إلى الأزمة الأخيرة، بما يعني العودة خطوة للوراء، مع إعادة نسج علاقات وشبكات التفاعل داخل منظومة السياسات نفسها، ووفق ذات الأطر والمؤسسات والأجهزة التي استثمرت قطر فيها على مدى العقدين الماضيين.

ويؤيد ذلك ما أعلن عنه مؤخرا من تحضير قطر لإطلاق قناة تلفزيونية جديدة باسم "العربي الجديد" وإصدار صحيفة يومية وإنشاء موقع إلكتروني بتمويل سنوي قدره 70 مليون دولار.

وهذا السيناريو يفترض إقدام قطر على تنفيذ المطالب والشروط الخليجية والسعودية لعودة السفراء بهدف تكتيكي، مع عودتها إلى سياساتها السابقة على إطلاق العنان للشيخ القرضاوي، والدعم الصريح للإخوان، واستمرار العداء لما تسميه بالانقلاب في مصر.

وهذا يعني بقاء قناة الجزيرة على نفس خطها الراهن، الإزعاجي والإثاري، ولكن عند مستوى ما دون التوتير الكلي للعلاقات الخليجية، بهدف كسر التحالف الذي تراكم ضدها، واستئناف السياسات نفسها بوسائل أخرى، بعد فترة لالتقاط الأنفاس.

وهذا السيناريو من المرجح أن يكون مرحليا، يستهدف منع تطور وتشكل تحالف خليجي ثلاثي ضد قطر، واللعب على إمكانية سلخ أحد أطراف هذا التحالف أو اثنين منه، مع عزل الطرف الثالث، ومنع إمكان بناء علاقات تحالف أو علاقة خاصة مع مصر.

وفي السياق الإقليمي يعني هذا السيناريو استمرار المنظور القطري في إدارة السياسة الخارجية والوضع الداخلي والإقليمي والعلاقات الدولية، واستمرار شبكات الاعتياش على الأزمات، وربما انتهاز الفرصة حينما تحين مجددا لإعادة طرح ذات السياسات في أوقات أكثر ملاءمة، وهذا يعني استمرار ارتكان سياسات قطر على علاقات وشبكات تحالف مع القوى والفاعلين من غير الدول وخصوصا جماعة الإخوان.

وبدلا من إيواء عناصر الجماعة في الداخل فإنها توجد لهم ملاجئ آمنة ومريحة في إعادة تكوين الذات في الخارج، لاستعادة تشكيل ذاتهم مرحليا، وعلى المستوى الإقليمي أيضا توثيق الدوحة علاقاتها مع تركيا، ومع الدول المستبعدة على خلفيتها الإخوانية كالسودان وتونس، واستمرار إدارة العلاقات مع الجوار على شفا الهاوية، والاستمرار في السياسات الاستعلائية.

وفي ظل هذا الطرح أيضا تسعى قطر إلى توثيق شبكة تحالفاتها مع فلول وفصائل العائدين من سوريا، والإمساك بأوراق ضغط على دول محددة.

وفي الداخل يعني ذلك عدم التطور السياسي الداخلي، وإظهار قطر ذاتها على أنها الدولة التي تعرضت لقمع من دول الجوار عقابا لها على دورها القيادي.

وفي هذا السياق، يمكن وضع الأخبار التي تتردد عن دور قطر في دعم ما يسمى بجيش مصر الحر في ليبيا، وعلاقة رئيس الاستخبارات القطرية بعناصر هذا الجيش.

وهذا السيناريو يعني استمرار لعب قطر في أحضان مشروع إقليمي مغاير للمشروع العربي الجديد لهذه المنطقة الذي تتشكل نواته من كل من السعودية والإمارات ومصر.

السيناريو الثاني: الإمارة المصلحية أو الإسلاموية الجديدة: وهذا السيناريو أيضا قد يتخذ صورتين: الأولى، اتجاه قطر إلى التوظيف المصلحي لشبكة علاقاتها بقوى الإسلام السياسي التي سيزداد دورها خلال الفترة المقبلة.

فالنظرة العميقة للتحولات الإقليمية على الصعيد الأمني والإرهابي والجهادي، تشير إلى أن قوى الإسلام السياسي تقف الآن في مفترق طرق ووسط مسارح متعددة، لاقت في بعضها الهزيمة والفشل، ولكنها إزاء المسرح الأخير الذي يلوح أمامها في السعودية ومصر، وفي مرحلة جديدة نوعية، حيث تشتبك مع النظام الإقليمي العربي، ولديها ما يشبه حالة من المظلومية الكربلائية التي تدعوها للشهادة التاريخية الثأرية ضد أوطانها، وهذه الحالة الثأرية سوف تمتد خصوصا بعد تشوه صورة هذه الجماعات وافتضاح أطماعها المادية والدنيوية، وبعد خروجها من أستار وعباءة الدين إلى أرجاس السياسية، وانتشائها بالدعم الدولي لها، هذه النماذج من حالات القتال والجهاد المقدس العابر للحدود هي ظواهر سيشهدها الإقليم لفترة مقبلة.

وتمكن علاقات قطر مع هذه القوى والشبكات من أن تلعب دورا مهما خلال الفترة المقبلة، التي تتجه فيها المنطقة للعيش على صفيح ساخن، حيث يمكن لقطر استغلال وتوظيف علاقاتها معهم في الدخول في صفقات وتوافقات وطنية وعبر وطنية، تمكنها من لعب أدوار داخلية في الصراعات عند الضرورة من خلال إمساكها بلجام بعض هذه الجماعات، واستمرار استثمارها في هذه الأصول النافقة، وتقديم نفسها على أنها الدولة القابضة والمسيطرة على شبكة تفاعلات ما دون الدولة في العالم العربي.

أما الصورة الثانية أو الوجه الآخر لهذا السيناريو، فهو أن تتجه قطر للاستثمار في خيار إصلاحي جديد وعصري لطبعات الإسلام السياسي الجهادية والإخوانية الحالية؛ وتقديم نموذج جديد لشبكة علاقاتها مع الإسلام السياسي والإخوان المسلمين، وهذه الصورة من التحول القطري لا تمثل تعديلا للمسار على نحو مرحلي، وإنما تصويب استراتيجي للمسار والسياسات، وإعادة تقديم ذات الأطراف التي وثقت علاقاتها معهم، عبر طبعة جديدة، وتوظيف طبعات ونسخ جديدة من الإسلام السياسي، على نحو يقي قطر من خسارة علاقاتها واستثماراتها على مدى العقدين الماضيين في الشبكات الإسلاموية.

فمن خلال علاقاتها مع هذا التيار والثقة التي بنتها مع جماعاته وشبكاته على مدى السنين، يمكنها أن تستغل ذلك في تشجيعهم ودفعهم إلى تبني أطروحات جديدة، والدخول في مرحلة مراجعات وإعادة إنتاج وتأهيل الذات للتعايش مع نسخ وطبعات مدنية وعصرية من الإسلام السياسي منزوعة الميول نحو التطرف والفكر التكفيري، مع الانفتاح على سلسلة من المبادرات في السياسة والدين وحوارات الأديان والمذاهب، خصوصا بين الإسلام السياسي السني والشيعة.

وذلك بديلا عن البناء في الشبكات الانتقامية الهدامة، وهو خيار يمكّن السياسة القطرية من البقاء لفترة كدولة مبادرة ونشطة.

وهذا السيناريو يعني إعادة تأهيل فلول وتيارات الإسلام السياسي، وشبكات المصالح والمؤسسات الخيرية والنفعية التي اعتاشت على الحالة القطرية طيلة السنين الماضية، مع إعادة تأهيل الخطاب الديني المعتدل لإنتاج طبعة عصرية ومدنية.

ومن خلال ذلك تضمن قطر لذاتها اتقاء شرور هذا التيار وتحالفاته، كما يمكن أن يكون خيارا قطريا عالميا يهدف إلى إعادة تقديم صورة جديدة من الإسلام للعالم.

السيناريو الأخير: قطر الثالثة.

الإمارة الديمقراطية: ويعني هذا السيناريو انفصال تام لقطر عن عهدها السابق المتحالف مع قوى الإسلام السياسي، بكل طبعاته الراديكالية، وتحويل الدفة والمسار بالكامل نحو تبني نموذج قطر الجديدة، التي تتبنى الخط الليبرالي والديمقراطي والملكية الدستورية.

إن عمل هذا التحول الكلي في السياسة القطرية هو أمر يصعب تصوره بالقياس إلى العراقيل التي تقف أمامه، حيث سوف تمثل المرحلة الماضية بكل تحالفاتها مع شبكات الإسلام السياسي والخطاب الراديكالي عبئا على إمكان تحقيق هذه النقلة القطرية، والأهم هو في كيفية تحويل المزاج العام المجتمعي بالداخل ليستوعب هذا التغيير، مع بدء عمليات تهجير كلية للاجئي الفكر ومعتاشي المشاغبة الذين استوطنوا قطر إلى بلدانهم أو بلدان أخرى.

وعلى جانب آخر فإن هذا التحول محفوف بالمخاطر، فهو يجعل علاقات قطر مع شبكات الإسلام السياسي تتحول من التحالف إلى خانة العداء، خصوصا مع كراهية هذه الشبكات لقيم الليبرالية والديمقراطية، كما أنه ينهي التحالفات الخاصة لقطر مع القوى الراديكالية والإسلامية، دون ضمان إمكانية الحفاظ على تحالفاتها التقليدية في الخليج والعالم العربي.

إن التفكير في هذا السيناريو يتأسس على رؤية خاصة بالأمير الشاب الذي جرى تقديمه منذ البداية على أنه أمير إصلاحي، وكان قد سبق التبشير بذلك والحديث عنه منذ مجيئه، كما أنه يتسق مع المزاج العام للإمارة، ورغبتها في الإقدام على الجديد المفاجئ خليجيا وعربيا، وهو يتواءم أيضا مع رغبتها في إكساب ذاتها طابعا عالميا مع الاستعدادات لكأس العالم 2022، وربما تكون هذه إحدى النصائح والخيارات التي قدمت إلى الأمير الشاب لمعالجة انتكاسات الحكم في المرحلة السابقة.

فلقد ظلت قطر على عهد الشيخ حمد مثل بيت من زجاج، كانت عرضة للنقد من كل جانب، وكان النقد الأساسي ينبني على التساؤلات التي بلغت حد التهكم والسخرية بشأن العجز عن إيجاد حل لـ"اللغز القطري"، الذي يعلي الخطاب الحقوقي والديمقراطي في ظل إمارة ليس بها برلمان منتخب، ولم تقدم قناة الجزيرة بكل قوتها وكتائبها ردودا مقنعة على الانتقادات بشأن قصورها في تغطية الوضع الداخلي على مدى السنوات.

وقد يمثل هذا السيناريو نموذجا انتقاميا عصريا من الدائرة الخليجية، ويسعى إلى تقديم قطر ديمقراطية بهدف القيادة بالنموذج، والضغط على الدول الخليجية المجاورة، وزعزعة وتوتير منظومات الحكم القائمة، وهدفه في هذه الحالة سيكون نسخة كربونية من الهدف الذي سعت إليه الجزيرة عند إنشائها، ويعمل على تصدير التناقض وصناعة الاضطراب في الإطار الخليجي من خلال الحفز بالديمقراطية، فتأخذ خطوات الشكل الزاعق المستعلي على الخليج، الهادف لبث رسالة عدم استقرار وتأليب اجتماعي وسياسي في الجوار، مع التواصل مع شبكات حقوقية ومنظمات عبر وطنية.

وفي جانب منه يهدف إلى تقويض بوادر التوافق والاتئلاف الخليجي الناشئ مع القوى الليبرالية والناصرية والقومية الجديدة في مصر والعالم العربي.

فإلى أي السيناريوهات السابقة تتجه قطر؟ المؤكد أنه ليس هناك سيناريو واحد من الثلاثة السابقة يمكنه أن يتطابق كليا مع ما سيكون عليه الواقع الفعلي للتحول القطري مستقبلا.

والمؤكد أن قطر الآن، وفي ظل أزمة سحب السفراء، لديها رغبة مطلقة في المصالحة مع الدول الثلاث، ولكن تتوارى خلف الكواليس كل الدوافع والنزعات للتمرد والانقلاب، وذلك لن ينتهي مطلقا في سياسات قطر إلا حين تقرر تغليب الاستراتيجية على التكتيك والانتهازية، والتخلص من شبكات وجماعات المصالح المرتزقة بالداخل التي تدفعها دوما لتأزيم علاقاتها مع الجوار، والعودة للحياة كدولة طبيعية مسؤولة مثل بقية شقيقاتها في الخليج.

طباعة
د. معتز سلامة

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية ومدير برنامج الخليج العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية