متابعات تحليلية

سحب السفراء من الدوحة: لماذا ؟

د. محمد عز العرب 667 10-3-2014
طباعة
10/03/2014 من المنتظر أن تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات من جانب وقطر من جانب أخر-بعد قرار العواصم الثلاث بسحب السفراء من الدوحة-خلال المرحلة المقبلة، المزيد من الخلاف المعلن، بعد فترة سادها التوتر المكتوم، وربما يصل إلى حد القطيعة، وفقا لأسوأ سيناريو.

ويرجع ذلك لاعتبارات تتعلق بقضايا خلافية في ملفات رئيسية، تخص مجلس التعاون الخليجي وأخرى تتعلق بالإقليم ككل.

وتتمثل أهم تلك الخلافات في عدم التوافق على مدركات التهديدات الأمنية الداخلية والتباينات الخليجية القطرية إزاء الملفات الإقليمية الخاصة بدول الثورات العربية، وتحديدا المرحلة الانتقالية في مصر ودعم أطراف مختلفة في الحرب الأهلية السورية وعرقلة المبادرة الخليجية في اليمن.

علاوة على التحولات في مسارات التحالفات الإقليمية وتحديدا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. بيئة القرار اتخذت العواصم الخليجية الثلاث قرارها بسحب سفراءها لدى الدوحة في 5 مارس الجاري بسبب عدم التزام الدوحة بمقررات مسبقة تم التوافق عليها في 23 نوفمبر الماضي، بحضور العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد وأمير قطر تميم بن حمد.

وكذا اجتماع 17 فبراير 2014 بحضور نفس القادة الخليجيين، واجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في 4 مارس الجاري.

ووفقا للبيان المشترك الصادر عن الدول الثلاث، فإنها "اضطرت للبدء في اتخاذ ما تراه مناسبا لحماية أمنها واستقرارها"، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع ذلك الاتفاق دون اتخاذ قطر الإجراءات العملية نحو تنفيذ بنوده.

ويعد هذا القرار الأول من نوعه منذ نشأة المجلس في مايو 1981، ولم تلجأ الدول الثلاث لهيئة تسوية المنازعات التي شكلها المجلس الأعلى للتعاون الخليجي في كل حالة حسب طبيعة الخلاف السياسي المثار.

ولاسيما بعد أن تمادت الدوحة في سياساتها حتى بدت وكأنها تشير إلى عدم قدرة الدول الخليجية على التحول من التهديد اللفظي إلى الإجراء العملي.

وهنا، أضاف البيان "نأمل في أن تسارع دولة قطر إلى اتخاذ الخطوات الفورية للاستجابة لما سبق الاتفاق عليه، ولحماية مسيرة دول المجلس من أي تصدع".

وقد جاء هذا القرار بعد استنفاذ قطر كل الفرص والمهل التي اتاحتها العواصم الخليجية للدوحة وتبديد جهود الوساطة التي قامت بها الكويت، على مدار الشهور الماضية، لوقف التدخلات القطرية في الشئون الداخلية الخليجية والحد من دعم الدوحة لجماعة الإخوان في دول الثورات وبصفة خاصة التخفيف من الهجوم القطري على مصر بعد انهيار نظام حكم الإخوان، واستمرارها في سياستها التدخلية في شئون البلاد، بأشكال مختلفة مثل تحريض قناة الجزيرة ضد قوات الجيش والشرطة، وفتاوي الشيخ يوسف القرضاوي لمحاولة عرقلة مسار المرحلة الانتقالية، وإيواء الإخوان والإسلاميين الهاربين.

وفي هذا السياق، يمكن فهم عدم سحب الكويت سفيرها من الدوحة انطلاقا من سعي أميرها الشيخ صباح الأحمد –الذي أجرى عملية جراحية مؤخرا في الولايات المتحدة-إلى التوسط من أجل حدوث تقارب بين الدول الخليجية الثلاث وقطر من ناحية وتقارب بين مصر وقطر من جهة أخرى قبل انعقاد مؤتمر القمة العربية في بلاده في 25 و26 مارس القادم.

علاوة على أن الكويت تميل لفتح خطوط الاتصال مع كل الدول، وخاصة بعد محنة الغزو العراقي لها، بما يجعلها تفضيل خيار "صفر مشكلات" فضلا عن أسباب أخرى خاصة بتوازنات القوى الداخلية في الكويت، حتى لا يتم استفزاز جماعة الإخوان المسلمين وذراعها حركة "حدس" التي يمكنها إثارة قلاقل داخلية. أسباب التوتر هناك مجموعة من العوامل دفعت دول الخليج الثلاث، وفقا لأوزان نسبية مختلفة، إلى سحب سفراءها من الدوحة، في هذا التوقيت الزمني، ويمكن الإشارة إلى هذه العوامل على النحو التالي: (*) التدخلات القطرية في الشئون الداخلية الخليجية: إن واحدة من النقاط الخلافية الجوهرية بين الدول الخليجية الثلاث وقطر يعود إلى عدم التزام الدوحة ببنود الاتفاقية الأمنية المشتركة بين دول مجلس التعاون والتي تنص على أن " أمن واستقرار دول المجلس يعد مسئولية جماعية يقع عبؤها على هذه الدول، والالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشئون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد، سواء عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم دعم الإعلام المعادي".

وهنا، تسعى العواصم الخليجية الثلاث للضغط على قطر لتنفيذ تلك الاتفاقية، وإلا أصبحت واحدة من مصادر التهديد الأساسية لأمن الدول الخليجية. وفي هذا السياق، فإن هناك إشارات خليجية بشأن تورط الدوحة، بأشكال مباشرة وغير مباشرة في عدد من الحوادث الأمنية التي شهدتها دول الخليج، في الأسابيع القليلة الماضية.

ويعد من أبرز هذه الحوادث التوترات الأمنية التي شهدتها المملكة العربية السعودية وتحديدا بلدة العوامية في محافظة القطيف منذ 20 فبراير الماضي، ونتج عنها وفاة رقباء شرطة.

وهنا، لا يمكن استبعاد دور لحزب الله الذي بدأ يتمتع بعلاقات جيدة مع القيادة القطرية، فضلا عن علاقتها الوثيقة بشيعة شرق السعودية.

فضلا عن وجود شبهات تدريب لعناصر إرهابية في جنوب لبنان، والتي قتلت بعض قوات "أمواج الخليج" المعنية بحفظ النظام (إماراتي وبحرينيين) وحماية المنشآت الحيوية في 3 مارس الجاري.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي يقتل فيها عنصر من شرطة دولة خليجية في البحرين منذ اندلاع الاحتجاجات في فبراير 2011، والتي سلطت الضوء على العلاقة بين بعض جماعات داخل قطر داعمة لرموز جمعية الوفاق البحرينية المعارضة.

علاوة على ذلك، حكمت دائرة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا، في 3 مارس الجاري، بحبس المتهم القطري محمود الجيدة سبع سنوات، على خلفية دعمه تنظيم سري غير مشروع وهو جمعية "الإصلاح" الذراع السياسية والاجتماعية لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اتضح جليا في مرحلة ما بعد قيام الثورات العربية.

(*) السياسات القطرية الداعمة لجماعة الإخوان المسلمين المصرية: مرت العلاقات القطرية المصرية بمأزق حقيقي على المستوي الرسمي بعد سقوط نظام الإخوان وعلى المستوى الشعبي أثناء حكم الإخوان، حيث تولد تأكيدا لدى شرائح مختلفة من الرأي العام والنخبة في مصر بأن المشروع القطري هو مشروع إخواني بالأساس، تدعمها قوى إقليمية مثل تركيا وقوى دولية متمثلة في الولايات المتحدة، غير أنه من الواضح أن استمرار دعمها لحكم الإخوان ليس في مصر وحدها وإنما في عديد الدول العربية إلى المزيد من تباعدها عن التيارات السياسية والقوى المجتمعية الأخرى، وهو ما عبر عنه أمير قطر تميم بن حمد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية سبتمبر الماضي "إن ثورات الربيع العربي تواجه صعوبات، تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وهناك محاولات من النظم القديمة لإعادتها". ومن ثم، فإن استمرار التدخل القطري في الشأن المصري يمثل إخلالا بما تم التوافق عليه في قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في الكويت في ديسمبر الماضي بالتهدئة القطرية مع مصر، بل حديث الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي مع بعض الصحفيين والإعلاميين المصريين، منذ ثلاث أشهر، بتغيير سياسة قطر تجاه مصر خلال ستة أشهر، غير أنه لا توجد مؤشرات واضحة بشأن تصحيح المسار.

لذا، كشفت المرحلة الماضية استمرار الفجوة في المواقف والتوجهات بين قطر من ناحية وغالبية دول الخليج من ناحية أخرى، وهو ناتج عن عدم حدوث تغير في السياسة الخارجية القطرية في عهد الأمير تميم مقارنة بحقبة الأمير الوالد حمد إزاء عدد من الملفات وفي القلب منها التعامل مع جماعات الإخوان في الإقليم. وتشير التفاعلات الإقليمية الجارية إلى استمرار انتقاد الدوحة لسياسات الحكم المصري إزاء جماعة الإخوان، بعد إدراجها كجماعة إرهابية، في 25 ديسمبر الماضي، حيث أعربت وزارة الخارجية القطرية في بيان لها، في 5 يناير الجاري، عن "القلق من تزايد أعداد ضحايا قمع المظاهرات، وسقوط عدد كبير من القتلى في كافة أرجاء مصر"، وذكرت "أن قرار تحويل حركات سياسية شعبية إلى منظمات إرهابية وتحويل التظاهر إلى عمل إرهابي، لم يجد نفعا في وقف المظاهرات السلمية"، وأضافت "إن قرار مصر إعلان الإخوان المسلمين جماعة إرهابية يمثل مقدمة لسياسة إطلاق النار على المتظاهرين بهدف القتل، وأن ما جرى ويجري في مصر يقدم الدليل تلو الدليل على أن طريق المواجهة والخيار الأمني والتجييش لا تؤدي إلى الاستقرار".

وأوضحت "أن الحل الوحيد هو الحوار بين المكونات السياسية للمجتمع والدولة في مصر من دون إقصاء أو اجتثاث".

وهنا، تشير بعض التحليلات إلى عدم حدوث تغير في السياسة الخارجية القطرية تجاه الإخوان في مصر إلى ضغوط متزايدة يقوم بها عدد من المستشارين السياسيين والإعلاميين في دوائر الحكومة القطرية، في ظل حسابات ثنائية مع أنقرة بعد الاقتناع بأنها خسرت القاهرة.

غير أن هناك تحليلات أخرى تشير إلى أن هناك صراعات سلطة داخل قطر بين أجنحة تميم ورجال حمد ورئيس وزرائه السابق، أو دور ما يطلق عليه "مؤسسات الدولة العميقة" التي تعوق قطر بقيادتها الجديدة عن تسوية الخلافات مع مصر.

غير أن هناك تحليلات ثالثة تشير إلى أن ما يساعد على هذا التوجه القطري أيضا أنه لا يوجد رؤية مشتركة خليجية للتعامل مع الإخوان، بل لكل دولة مصالحها الخاصة، لاسيما في ظل هيمنة الإخوان على قلب الدولة القطرية ومفاصل الدولة الكويتية.

لذلك، فإن الحكومة الكويتية تتخذ مواقف يغلب عليها المهادنة مع الإخوان، رغم مطالبتهم بحكومة برلمانية وبرئيس وزراء شعبي.

في حين أن هناك تحليلات رابعة تفسر ذلك انطلاقا من سمة التناقض التي تميز السياسة القطرية باعتبارها "لغز"، لاسيما بعدما أكد د.

خالد بن محمد العطية خلال كلمته التي ألقاها أمام المعهد الملكي للشئون الدولية في 5 ديسمبر الماضي "إن بلاده تتعامل مع مصر منذ ثورة 25 يناير، من منطلق التعامل مع حكومات وليس حزبا أو فصيلا بعينه"، وهو ما يناقض السياسة العملية للدوحة تجاه القاهرة.

ومن ثم، لم يكن غريبا أن يؤكد البيان الصادر عن مجلس الوزراء القطري بشأن الرد على القرار الخليجي الأخير "أن قرار الدول الخليجية الثلاث سببه خلافات حول شئون خارج دول مجلس التعاون"، في إشارة بشكل رئيسي إلى استمرار دعم الإخوان المسلمين في مصر وإيواء الهاربين منهم بالدوحة. (*) التباينات القطرية الخليجية بشأن الأزمة السورية: تمثل الأزمة السورية واحدة من نقاط التباين الخليجي القطري إذ إن السعودية والإمارات تدعمان القوى السلفية فيما تدعم قطر الإخوان المسلمين على المستوى التسليحي والمالي، على نحو يخلق مواجهات بين حلفاء دول الخليج بدلا من مواجهات نظام بشار الأسد، وهو ما ساهم – ضمن عوامل أخرى-في إطالة أمد بقاء نظام بشار الأسد. (*) التعارضات القطرية الخليجية بخصوص المرحلة الانتقالية اليمنية: يمثل الدعم القطري لجماعة الحوثيين وانتصارهم على آل الأحمر في اليمن، وسيطرتهم على أجزاء واسعة من اليمن، إخلالا بجوهر المبادرة الخليجية لدعم اليمن، التي طرحت فترة انتقالية محددة يتم فيها تسوية القضايا الداخلية في نوفمبر 2011، وتم تقديم ملف للوسيط الكويتي على أدلة واضحة لهذا الدعم، وهو ما يؤدي في التحليل الأخير إلى تعثر هذه المبادرة، وهو ما يمثل تهديدا ليس للأمن الداخلي اليمني فقط، بل أيضا للأمن القومي السعودي. (*) التحولات القطرية في التحالفات الإقليمية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية: تمثل التحالفات الإقليمية المتغيرة واحدة من الأوراق الضاغطة على العلاقات الخليجية البينية، لاسيما أن هناك تسريبات بشأن تبلور علاقات قطرية إيرانية متميزة، بعد فترة من الخلافات بشأن الأزمة السورية، تستعيد الزخم الذي سبق أن ظل قائما في مرحلة ما قبل الثورات العربية، حيث كان هناك تقارب ملحوظ للسياسة الخارجية للدوحة من إيران وسوريا، فيما عرف حينذاك بمحور "الممانعة"، الذي كان يواجه ما اصطلح على تسميته بمحور "الاعتدال" الذي يضم مصر والسعودية والأردن.

وهنا، يمكن تصور محاور جديدة تتشكل بين قطر وسلطنة عمان وإيران في مواجهة محور السعودية والإمارات والبحرين، لاسيما مع استدعاء الدور العماني في التوسط بين إيران والولايات المتحدة على خلفية البرنامج النووي لطهران، على مدى ما يقرب من عام (2013) فضلا عن موقف السلطنة المناهض للدخول في ترتيبات "الاتحاد الخليجي".

كما تجدر الإشارة إلى أن القرار الخليجي بسحب السفراء من الدوحة جاء بعد يوم واحد من توجيه سلطنة عمان، دعوة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني لزيارة السلطنة، وهو ما يشير إلى أن ثمة تحالفات يتم الترتيب لها من الأن. تأثيرات متوقعة إن المسار المحتمل هو التصعيد وليس التهدئة بين المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات من جانب وقطر من جانب أخرى، نظرا لعدم تصحيح مسار السياسة القطرية.

وبالتالي، فإن ثمة تأثيرات مكملة أو ممتدة لقرار سحب العواصم الخليجية الثلاث سفراءها من الدوحة، على النحو التالي: تأثيرات على إمارة قطر، قد يستمر مسار التصعيد عبر تجميد اتفاقات التعاون الاقتصادي والتجاري بين بعض الدول الخليجية وقطر أو إيقاف الرحلات الجوية معها وصولا إلى تجميد عضويتها في مجلس التعاون أو حتى إعلان الدوحة انسحابها من هذا التنظيم الإقليمي الفرعي. تأثيرات على حلفاء قطر، بحيث يتم إصدار قرارات من شأنها التضييق على حلفاء قطر سواء كانوا دولا أو جماعات، كالقرار الذي اتخذته المملكة العربية السعودية باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيم إرهابي مثل تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية المعروف بـ "داعش" وجبهة النصرة والحوثيين وحزب الله. تأثيرات على أعداء قطر، فقد بدأت تطرح بعض الأفكار التي من شأنها ضم بعض الدول الحليفة للعواصم الخليجية الثلاث مثل مصر، والتي يشوب علاقتها بالدوحة عداء صريح، بانضمامها لعضوية مجلس التعاون الخليجي، لأن الأخير أصبح يواجه تناقضات داخلية ستؤثر حتما على تماسكه التنظيمي.
طباعة