دراسات

حدود تسلل "القاعدة" للمجال "الفلسطيني – الإسرائيلي"

محمد جمعة 1060 5-2-2014
طباعة

 في مناخات حروب الطوائف والمذاهب والقبائل في العالم العربي، عاد شبح "القاعدة" ليطل برأسه، وبقوة أكبر مما تخيّل الكثيرون.

بل إن العام 2013 يستحق أن يطلق عليه "عام عودة القاعدة وصعودها" في المنطقة العربية.

ولما لا وقد شهد اتساعا غير مسبوق في نفوذ" داعش" و"النصرة" وغيرها من المجموعات الجهادية في سوريا؟! وهو عام عودة "القاعدة" إلى بيئتها الحاضنة في الأنبار وغيرها من المحافظات العراقية السنيّة.

وهو أيضا عام التمدد الخطير لنفوذ الجماعات السلفية والجهادية في لبنان.

أما في غزة، فقد تماهت الجماعات "الجهادية" مع نظيراتها في صحراء سيناء وباتت تشكل مصدراً لصداع مقيم للسلطة في مصر.

ولأول مرة – خلال شهور قليلة – يُكشف النقاب عن عدة خلايا تابعة للقاعدة في الضفة الغربية.

بل إنه ومنذ نجاح الأجهزة الأمنية الإسرائيلية يوم 26 نوفمبر الماضى فى تصفية ثلاثة أشخاص قيل إنهم من عناصر "السلفية الجهادية" فى بلدة "يطا" جنوبى مدينة الخليل فى الضفة الغربية، ووسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل بين الفينة والأخرى تصريحات لمسئولين أمنيين إسرائيليين رفيعى المستوى، وكذلك تقديرات استراتيجية لأجهزة معلومات، ومراكز أبحاث مختلفة، كلها تتحدث عن اختراق جديد حققته القاعدة، للمجال الفلسطينى – الإسرائيلي.

خاصة وأن العناصر الثلاثة الذين قتلوا على يد القوات الخاصة فى إسرائيل، يمثلون (وفقا لتقديرات بعض جهات الأمن الإسرائيلية) أول خلية للقاعدة تخترق الضفة الغربية عن طريق سيناء.

(1) اكتشاف أول شبكة سيناوية للقاعدة في الضفة الغربية تعمل ضد إسرائيل، استدعى فيما يبدو إجراء تحقيق إسرائيلي عاجل لاستقصاء كيف وصلت هذه الطليعة إلى الضفة الغربية، هل عن طريق قطاع غزة أو عبر طريق جديد من سيناء عبر الأردن.

نتائج تلك التحقيقات ليست جازمة، لكنها رجحت وصول تلك الخلية إلى الأردن عبر سيناء، ومنها تم الوصول إلى الضفة الغربية.

حيث أشارت تلك التحقيقات إلى أن المهربين، ومنذ استكمال إسرائيل لجدارها الأمنى على طول الحدود مع سيناء، أصبحوا يستخدمون بوابة بديلة إلى إسرائيل، من خلال استخدام قوارب تهريب تابعة لبعض البدو يعبرون بها خليج العقبة ليلا، ليتسللوا إلى الجنوب الأردني، حيث يقبعون هناك يوما أو يومين ثم يعبرون إلى إسرائيل عند نقطة ما في صحراء " وادي عربة" الأردنية بين مدينة إيلات وبلدة يوتفاتا الاسرائيليتن.

لكن أهم ما يلفت الانتباه فى نتائج تلك التحقيقات الشكوك المتزايدة لدى أجهزة الاستخبارات في إسرائيل أن هناك الآن عناصر تتبع القاعدة في سيناء، الأردن، سوريا ولبنان تعمل معا يدا بيد لزرع المزيد من الخلايا في الضفة الغربية لمهاجمة إسرائيل.

وأن الاضطراب فى الشرق الأوسط أفضى إلى وجود خلايا للقاعدة تنتشر على امتداد الحدود الإسرائيلية عند نقاط مختلفة في سيناء، قطاع غزة، سوريا ولبنان.

(2) حيث تنسجم هذه الشكوك ومعطيات كثيرة تعج بها ساحة الشرق الأوسط المضطربة، والتي تجعل من السهل الاستنتاج بأن مد تنظيم القاعدة المتصاعد، سواء لجهة النشاط المتزايد فى العراق وسوريا وسيناء، ومؤخرا لبنان ( أربعة تفجيرات استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت خلال أشهر قليلة، فيما يشبه الرد على مشاركة حزب الله فى القتال إلى جانب نظام الأسد – كذلك اعتقال ماجد الماجد قائد كتائب عبد الله عزام فى بيروت)، أو لجهة صعود ظاهرة السلفيين الجهاديين من قطاع غزة والضفة، وبين عرب 48، الذين يقاتلون في سوريا ضد نظام الأسد، يؤشر بداية على سعي فعلي نحو بلاد الشام أو ما عُرف تاريخيا بدول الطوق، بغية تحقيق اختراقات تنظيمية واسعة كمقدمة للعمل على الساحة الفلسطينية.

وتأسيسا على ما سبق، تسعى هذه السطور إلى تحديد مناطق ومساحات "التماس" الفكري والسياسي بين "القاعدة" والساحة الفلسطينية، والوقوف على حدود اختراق "القاعدة" لتلك الساحة، وما يمكن أن يحدثه ذلك من تداعيات على سيرورة الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي.

أولا: الساحة الفلسطينية فى عقل "القاعدة" بما أن "القاعدة" تنظيم سلفي من حيث الأساس، فالتفكير خارج الإطار السلفى للكشف عن نوايا القاعدة ربما يكون مضيعة للوقت.

وهذا يعنى أن الحديث عن فلسطين، أيا كانت الظروف السياسية والأمنية، هو بالضرورة حديث ذو طابع سلفي بمعنى أن تحرك التنظيم مرتبط بشكل أو بآخر برؤية التنظيم وقراءته للنصوص الدينية التي تحكم حركة التنظيم، والوضع على الأرض أو ما تسميه "القاعدة" بـــ" فقه الواقع".

ومن ثم فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا يدور حول: ماذا يقدم المنطق السلفى بالنسبة لفلسطين؟ ثم هل يمكن للقاعدة أن تفكر فى فلسطين بغير قراءتها الخاصة لذلك المنطق السلفي؟ في الواقع يصعب على القاعدة التفكير فى فلسطين خارج إطار تلك الرؤية للمنطق السلفي، لا سيما في ظل وجود عشرات الآيات القرآنية التى تحدثت عن فلسطين والأرض المباركة، كقوله سبحانه وتعالى فى سورة الإسراء: "سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" ( الإسراء: 1).

وقوله فى قصة إبراهيم: "وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين.

ونجيناه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها للعالمين" (الأنبياء: 70، 71).

أى نجى الله إبراهيم ولوطا إلى أرض الشام.

كذلك لو تتبعنا الأحاديث النبوية عن الأرض المباركة لوجدنا عشرات الأحاديث تختص بمنطقتين حظيتا ببركة الله بما لم تحظ به أية مناطق أخرى بخلاف مكة والمدينة.

هاتان المنطقتان هما الشام (بما فيها بيت المقدس) واليمن.

كذلك عدة أحاديث تناولت فضائل بيت المقدس.

مثل تلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، لا يمكن إلا أن نجدها معروضة وموثقة ومسندة ومشروحة ومعلق عليها فى أية محاولة للتيار الجهادي ولــ "القاعدة" لتشريع قتال "اليهود والصليبيين"، سواء كانت بحثا أو مقالا أو خطبة أو توجيه أو رسالة صوتية أو مرئية.

وعادة توظف "القاعدة" هذا المحتوى الديني للوصول إلى فلسطين.

إذ من الأفكار المركزية التى تبرر لــ "القاعدة" تواجدها وتبنيها للمواجهة، مع ما تعتبره قوى الظلم والكفر العالميين، هو دفاعها عن الشريعة والإسلام قبل دفاعها عن المسلمين، ولهذا فـــــ "الجهاد" بالنسبة لها هو عبادة وفريضة متعينة لنصرة الدين، ورد العدو عن ديار الإسلام والمسلمين، إلخ وفى هذا السياق بالضبط تجئ أحاديث فضائل الشام، كمنطلق للحشد والرباط و"الجهاد"، باعتبار الشام موطن البركة والأمن ونصرة الدين، مثلما هى أيضا موطن " الطائفة المنصورة".

ولأننا فى خضم المحتوى الدينى فيمكننا أن نلاحظ ما يذكره مفكرو " القاعدة" ومناصروها، فيما يتعلق بقراءتهم الخاصة للنصوص التى تحدثت عن فضائل فلسطين وبلاد الشام، من ذلك على سبيل المثال: 1- أن الأحاديث باركت فى اليمن والشام، ولكنها فيما يخص القتال والنصرة وخيرة بنى البشر ركزت على الشام وبيت المقدس دون غيرها.

2-- أن الأحاديث اختصت الشام برحمة الله وكفالته، وفى رواية اخرى بحماية الملائكة لها.

والأهم أنها تثبت أن منطقة الشام تحوز على سنة التدافع الإنساني، بمعنى أن التغيير المحتمل ينطلق منها قبل غيرها.

هاتان النقطتان تعنيان أن الشام واقعة لا محالة فى صلب عقل القاعدة كمنطلق قادم للعمل.

(3) وأن استهداف فلسطين تنظيميا أو فكريا من قبل القاعدة" سيمثل مقدمة تمهد لبدء الاشتباك مع إسرائيل.

وهذه مسألة وعرة بالنسبة لــــ "القاعدة"، ولكن لا مفر منها لسببين على الأقل: 1- إذا أخذنا بعين الاعتبار أن سلفية "القاعدة" تحتم عليها الاسترشاد بالنص القرآنى.

2- ولأن فلسطين واقعة فى قلب الصراع، باعتبارها منطقة "الأكناف" أى المناطق التى تقع حول المسجد الأقصى.

إذ أن الخط الواصل بين الحرم المكى والمسجد الأقصى هو خط الإسراء والمعراج بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا انطلق الخط من القدس باتجاه مكة فإن المنطقة الواقعة داخل الدائرة هى منطقة "الكنف أو الأكناف"، وهي ذات المنطقة التى يعتقد أنها المستهدفة من قبل "القاعدة" بحسب المحتوى الديني، وبالمصطلحات السياسية والاستراتيجية قلب منطقة الشرق الأوسط.

ولعل ما سبق يفسر المقولة الشهيرة لأبى مصعب الزرقاوي: "نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس".

ومن قبل ذلك القسم الفريد لأسامة بن لادن الذي تم بثه فى شريط مرئى (7/10/2001) إثر هجمات سبتمبر "أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد لن تحلم أمريكا ولا من يعيش فى أمريكا بالأمن قبل أن نعيشه واقعا فى فلسطين وقبل أن تخرج جميع الجيوش الكافرة من أرض محمد صلى الله عليه وسلم".

(4) ثانيا: حدود اختراق "القاعدة" للمجال الفلسطينى – الاسرائيلى تشير المعطيات الإسرائيلية إلى أنه ومنذ العام 2000، كان هناك عددا من المحاولات لتهريب عناصر من القاعدة إلى إسرائيل، غزة، والضفة الغربية لجمع معلومات استخباراتية تمكن من بناء بنية تحتية تابعة لـ "القاعدة".

وقعت المحاولات الأبرز عام 2000، عندما اعتُقِلَ سامر هنداوي (من الضفة الغربية) ونبيل عوكل (من غزة).

وعام 2001، عندما أُرسِلَ "ريتشارد كولفين ريد" إلى إسرائيل (وهو سيريلانكي يحمل جواز سفر بريطاني، اعتنق الإسلام في السجن بعدما أدين فى عمليات سطو مسلح.

وله سجل حافل في عمليات تجسس وتفجيرات) وجمع معلومات استخباراتية حول أهداف إسرائيلية لصالح خالد الشيخ محمد، العقل المدبر لتفجيرات 11 سبتمبر.

تغيرت مهمة "ريد" بعد ذلك إلى تفجير طائرة تابعة للخطوط الأمريكية فوق الولايات المتحدة مستخدما متفجرات خبأها في حذائه.

عام 2004، اشترك بريطانيان من أصول باكستانية ولهما صلات بنشطاء من أنصار الجهاد العالمي في لندن في هجمة انتحارية في إسرائيل بالتنسيق مع خلايا تابعة لحركة حماس.

(5) ومع خروج إسرائيل من غزة فى سبتمبر 2005، وغداة تسلم السلطة الفلسطينية للمعابر على قطاع غزة، حدث نوع من الفوضى تسبب بتداخل سكاني يقدر بالآلاف، على جانبي المعابر الحدودية بين مصر وغزة، وقيل بعدها بأن عناصر من "القاعدة" تسربت إلى القطاع قادمة من سيناء.

ثم بعد تفجيرات وقعت فى بعض الأماكن السياحية فى منتجع "دهب" المصري، أعلن مسئولون مصريون أن أحد المنفذين أو أكثر، تلقى تدريبات فى غزة دون أن يحدد هويته أو الجهة التى تلقى عندها التدريب وحظي بحمايتها.

وإذا وضعنا تلك المعطيات نصب أعيننا واتجهنا إلى الجانب الآخر من المعادلة، حيث الطرف الفلسطيني فسنجد أن أكثر تلك التصريحات إثارة جاءت على لسان الرئيس الفلسطينى محمود عباس، عندما أدلى بمعلومات لصحيفة الحياة اللندنية في يوم الخميس (2/3/2006) تشير إلى وجود القاعدة فى فلسطين.

صحيح أن بعض المحسوبين على حركة حماس انتقدوا آنذاك تلك التصريحات، واعتبروها نوعا من الكيد السياسي، حيث أراد أبو مازن بتلك التصريحات (بحسب زعمهم) التشويش على فوز حماس بالانتخابات التشريعية، من خلال محاولة الربط بين تنظيم القاعدة، وبين الحكومة التى كانت حماس تتهيأ للإعلان عن تشكيلتها.

لكن واقع الحال أن تلك التصريحات كانت تستند إلى معلومات وردت فى تقرير تلقاه الرئيس الفلسطينى من أحد أكبر ضباطه الأمنيين تكشف عن وجود فعلى لخلية من القاعدة ترتبط بخلية فى استراليا، ولا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليدين.

هذه المعلومات هى التى دفعت "أبو مازن" إلى التحذير من وصول "القاعدة" إلى فلسطين، معتبرا أن مثل هذا الأمر إن حدث فسوف يؤدى إلى "تخريب المنطقة" !!(6) وبغض النظر عما إذا كانت مثل تلك التصريحات تنطوى على مبالغات فى تقدير المخاطر، من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، أو تنطوى على حقيقة يُخشى من نتائجها، فإن اللافت في الأمر ما حدث بعد شهرين تقريبا من تلك التصريحات.

إذ صدر على نحو مفاجئ بيان (في مايو 2006) بتأسيس مجموعة "جيش القدس الإسلامي" في فلسطين –أو فرع القاعدة في فلسطين– وذلك بعد أيام فقط من الظهور المفاجئ لأبي مصعب الزرقاوى زعيم تنظيم القاعدة آنذاك فى بلاد الرافدين، فى شريط متلفز للمرة الأولى.

حيث ذكر البيان أن تشكيل "جيش القدس الإسلامي" جاء تلبية لكلام كل من أسامة بن لادن، وأيمن الظواهرى، وزعيم تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين أبى مصعب الزرقاوي.

واكتفت المجموعة التى أصدرت البيان بالقول: "إننا سنعرض على شاشات التلفاز صورا لمجموعاتنا المقاتلة حتى يعرف أعداؤنا أننا لا نتهاون، وأننا جديون بأفعالنا".

(7) ومن ثم لم يأت البيان إلا للإعلان عن تشكيل “جيش القدس"، وليس للإعلان عن قيامه بعملية، بما يوحى بأن الأمر آنذاك لم يكن أكثر من مجرد بيان.

بعد ذلك أكدت تطورات الأحداث أن "القاعدة" متواجدة بالفعل فى الساحة الفلسطينية، وأن درجة هذا التواجد متفاوتة فى غزة، عنها فى كل من الضفة الغربية، وداخل الخط الأخضر.

أ-القاعدة فى غزة: سمحت حرية العمل النسبية في قطاع غزة منذ فك الارتباط الإسرائيلى عن القطاع فى سبتمبر 2005، لجماعات في غزة مرتبطة بأفكار السلفية الجهادية بأن تنتظم بشكل فعال، البعض منهم كانوا أعضاء سابقين في حماس أو جماعات قريبة منها.

هناك توتر بين حماس وهذه الجماعات، الأمر الذي قاد إلى مواجهات عنيفة في حالات تحدت فيها هذه الجماعات هيمنتها مباشرة.

إلا أن حماس لم تصل إلى المرحلة التي تقرر فيها استخدام قوة ممنهجة ومستمرة لتقويض هذه الجماعات.

ولهذا تشير معطيات الواقع الحالى فى قطاع غزة إلى وجود عدة جماعات سلفية جهادية تنسب نفسها إلى "التيار الجهادي العالمي"، مثل: "جيش الإسلام"، "جيش الأمة" و"فتح الإسلام" و"جند أنصار الله“ و"سيوف الحق “ و"التوحيد والجهاد" وغيرها.

لكن ضعف هذه الجماعات، وبقائها حبيسة لأطر وأدوات عمل تنظيمية أو اجتماعية تقليدية، وانكشافها الأمني الواسع النطاق، مكن المعنيين من مراقبتها بل وضربها إذا كانت هناك من ضرورة لذلك، وخاصة من قبل حركة حماس التى هاجمت معقل "جيش الإسلام" فى حي "الصبرة" شمالي غزة، في (25/7/2008)، وقتلت أحد عشرا من أعضائه وقياداته.

وكذلك "جند أنصار الله" فى أحد مساجد رفح جنوبا، في (14/8/2009)، حيث قتلت "حماس" منهم 24 شخصا، من بينهم القيادات الرئيسية للجماعة بمن فيهم الشيخ عبد اللطيف موسي، وأبو عبد الله المهاجر.

وهما الجماعتان اللتان تعرضتا لمذبحتين فى أقل من سنة واحدة.

ومع ذلك، لم تكن هذه التشكيلات، حتى هذه اللحظة، قادرة على أن تشكل بديلا للقوى الكبرى في غزة أو منافسا لها، بحيث تكون قادرة على حماية نفسها من الاستئصال، إلا أن الإعلان عن "مجلس شورى المجاهدين أكناف بيت المقدس" خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، والذى يعد بمثابة المظلة التنظيمية للسلفية الجهادية فى غزة، قد يشكل نمطا من الاستجابات، من قبل تلك التشكيلات، ينذر بمخاض لمواليد جدد قد تأتلف فى يوم ما، أو تتبلور فى صيغة تنظيمية قادرة على خوض الصراع، بعقل جديد وأدوات مغايرة، خاصة بعد التجارب الفاشلة التى خاضتها ودفعت فيها ثمنا باهظا.

وفى هذا السياق يتعين لفت الانتباه إلى أن عدد المتطوعين الفلسطينيين من قطاع غزة ممن التحقوا بصفوف المقاتلين ضد نظام الأسد فى سوريا، بات في صعود ابتداء من العام الماضي (مثل ظاهرة المتطوعين الأجانب بشكل عام).

وكانت التنظيمات السلفية في قطاع غزة قد أعربت عن تأييدها العلني للقتال في سوريا ضد نظام الأسد.

ففي العاشر من يناير 2013، أصدر منتدى الجهاد حديثا مسجلا لأبو عبد الله الغازي ( التنفيذي البارز في جيش الأمة) أشار فيه إلى أن الشرق الأوسط يجب أن يصبح "سوقا مفتوح" للجهاد.

قبلها بأيام قليلة، أرسل فيديو نيابة عن جيش الأمة إلى المقاتلين في سوريا، احتوى الفيديو على تعليمات مفصلة حول كيفية صناعة صاروخ 107 مم يدويا، واشتمل على تفصيلات بشأن المواد والكميات اللازمة للإنتاج.

(8) وفي السابع عشر من فبراير 2013، ذكر أبو الغنى الأنصاري (تنفيذي سابق في إحدى التنظيمات السلفية الجهادية في قطاع غزة) إن ما بين 20 إلى 30 من الشباب غادروا قطاع غزة إلى سوريا للمشاركة في القتال إلى جوار تنظيمات سلفية جهادية، مثل جبهة النصرة، وأنهم في الأساس من شباب التنظيمات السلفية، ممن تعرضوا للاضطهاد من جانب قوات أمن حماس.

(9) لكن شبكة البي بي سي العربية، أشارت فى تقرير لها يوم (26/11/2013)، استنادا إلى مصادر في قطاع غزة، أن العدد يزيد على 70 متطوعا.

وبغض النظر عن العدد الحقيقي لهؤلاء المقاتلين، فالثابت هنا أمران: أولهما أن عددا من هؤلاء قٌتلوا أثناء المعارك هناك فى سوريا، وهذا ما أكده مركز ابن تيمية التابع لمجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، ومنتديات جهادية أخرى، عمدت إلى توثيق الفلسطينيين من قطاع غزة الذين قُتِلوا أثناء القتال في سوريا.

من ذلك على سبيل المثال، الملصق الذي نشره مركز ابن تيمية في الثامن والعشرين من سبتمبر 2013، ذكر فيه أنه بين 28 يوليو 2012 و17 سبتمبر 2013، قُتِل (5) فلسطنييين في أثناء قتالهم في سوريا.

(10) وثانيهما وهو الأهم، أنه من المتوقع أن يكتسب هؤلاء المتطوعون السلفيون الجهاديون من قطاع غزة بخبرة عسكرية، تدريب أيديولوجي، وروابط مع جماعات تنتمي إلى القاعدة والجهاد العالمي.

وعند عودتهم إلى قطاع غزة، سيصبحون مصدرا لخطر كبير ضد إسرائيل، ومصر، وربما سلطة حماس في غزة أيضا.

ب-القاعدة في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر: إلى جوار المتطوعين من قطاع غزة، يوجد (بحسب تقديرات لمركز مير آميت الإسرائيلي للمعلومات الاستخباراتية في 11 ديسمبر 2013) ما بين 10 إلى 15 شاب من عرب إسرائيل، يقاتلون فى سوريا ضمن صفوف جبهة النصرة، إلى جوار العشرات من اللاجئين الفلسطينيين من لبنان وسوريا، وعدد قليل من الفلسطينيين من الضفة الغربية.

(11) هذه الأرقام تعتبر مؤشرا على أنها ليست ظاهرة واسعة الانتشار بين عرب إسرائيل والفلسطينيين بشكل عام، حتى الآن على الأقل.

ومع ذلك، وكما ذكرنا من قبل، فإنه وفور عودة هؤلاء المتطوعين إلى بلادهم، فإنهم سيمثلون مصدرا محتملا للإرهاب والتخريب.

وفى السياق ذاته، تفيد معطيات لــــــــ" معهد الامن القومي INSS" الإسرائيلي باعتقال العديد من الخلايا التابعة لـــ "القاعدة " خلال الأعوام الأخيرة.

أُبلِغَ عن الحالة الأولى عام 2010 باعتقال عبد اللطيف البراق (مواطن كويتي من أصول فلسطينية تعيش عائلته في قلقيلية).

تلقى البراق، الذي يحمل درجة الماجستير في البيولوجي من جامعة باكستانية، تدريبا في معسكرات القاعدة في أفغانستان أواخر التسعينيات وانضم إلى التنظيم بواسطة أيمن الظواهري، الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة.

كانت نيته أن يتم تجنيد فلسطينيين آخرين بواسطته ويوجه خبراته باتجاه مشروع محدد في علم الأحياء المجهرية.

البراق كان كذلك منخرطا في نشاط تابع لـــ "القاعدة" خطط له أبو مصعب الزرقاوي في الأردن في أعقاب هجمات 11 سبتمبر.

اعتُقِلَ في أفغانستان، وتم ترحيله إلى الأردن، وبعد إطلاق سراحه وأثناء محاولته دخول إسرائيل، اعتقلته سلطات الأمن الإسرائيلية ولا يزال رهن الاعتقال الإداري.

يسعى أن يتم الإفراج عنه بواسطة السلطة الفلسطينية، بينما تسعى إسرائيل إلى إرساله إلى دولة ثالثة لأنها تخشى أن يحاول تجنيد نشطاء للقاعدة أو نشر معارفه حول الإرهاب البيولوجي.

(12) وفى وقت لاحق، وتحديدا في يونيو من ذات العام، اعتُقِلَ (7) أشخاص من مدينة "الناصرة" داخل الخط الأخضر، أعمارهم تتراوح بين الحادية والعشرين والخامسة والعشرين.

تلقى أعضاء الخلية أفكار السلفية الجهادية من الإنترنت، وتعلموا منها أيضا كيفية استخدام السلاح وصناعة المتفجرات، ولكي يثبتوا قدراتهم وجدارتهم في الانضمام إلى "القاعدة العالمية"، قتل أعضاء الخلية الثلاث سائق تاكسي "يدعى يافيم وينستين" في نوفمبر 2009.

بعد القتل، قرر أعضاء الخلية المضي إلى مرحلة عملية من الانضمام إلى قواعد الجهادية العالمية والسفر إلى الصومال للتدريب مع الشباب.

اعتقلتهم السلطات الكينية عند معبر حدودي وأرسلوا إلى إسرائيل.

(13) وفي سبتمبر من العام التالي (6/11/ 2011) أُلقي القبض على خلية سلفية جهادية أخرى.

تشكلت الخلية من خمسة من الشباب من بلدة دبورية (قرية عربية تقع في منطقة الجليل الشرقي) بعضهم لا يزال طالبا، كانوا يخططون لمهاجمة جنود وعناصر شرطة والاستيلاء على سلاحهم لتنفيذ عمليات في قسم شرطة الدبورية وفي مكاتب تابعة للحكومة الإسرائيلية.

(14) أما بشأن خلية مدينة الخليل التى أشرنا إليها فى صدارة هذا التحليل، فتقديرات الاستخبارات الاسرائيلية "أمان"، إنها أول خلية سيناوية لـــــــ" القاعدة" تخترق الضفة، وهذه التقديرات تستند فيما يبدو لمعطيات كثيرة، منها أن تنظيم "مجلس شورى المجاهدين أكناف بيت المقدس" الذي يعد مظلة للسلفية الجهادية في غزة، ويعمل فى سيناء أيضا، أعلن بعد إغتيال الشبان الثلاثة عن بدء نشاطه العسكرى فى الضفة الغربية، موضحا فى بيان نشره "أن الخلية التى تم القضاء عليها ما هى إلا غيض من فيض" وطالب سكان الضفة الغربية بالانضمام إلى المعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن أسماهم بـ "العملاء من السلطة الفلسطينية".

(15) التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية فى إسرائيل، خلصت إلى ما يلي: أن الخلية السيناوية استقرت في منطقة الخليل من الضفة الغربية منذ شهر أكتوبر 2013، كخلية أولى رائدة لشبكة رئيسية، مهمتها بناء بنية تحتية لاحتواء تنظيما سيناويا يتبع القاعدة ويحارب الجيش المصري.

الخطوة الأولى لــــــــ "الثلاثي" تمثلت في تجنيد عملاء لشن عمليات كبيرة ضد إسرائيل وضد السلطة الفلسطينية في رام الله أيضا.

اشتملت هذه الخطط على هجمة منسقة تشنها بالتزامن الخلية الجديدة على وسط إسرائيل وأعداء للقاعدة من قطاع غزة وسيناء.

أما في رام الله، فكان المخطط نسف مكاتب للسلطة الفلسطينية والاعتداء على مسئولي أمن فلسطينيين.

العناصر الثلاثة جلبوا معهم حقائب من الأموال لشراء سلاح، متفجرات، مركبات ومعدات لاسلكية.

واستأجروا مباني في قرى فلسطينية في منطقة الخليل لتستخدم كمراكز للقيادة ومكامن آمنة.

قبل أن يقتلوا، اعتقلت قوات إسرائيلية عددا من المتعاطفين الفلسطينيين المحليين الذين كانوا بانتظار عبور "ثلاثى القاعدة" من إسرائيل إلى تلال الخليل عند الحد الجنوبي للضفة الغربية، حيث اصطحبوهم لحظة وصولهم في سيارات إلى مكان آمن.

(16) فى جنازات تشييع "ثلاثى القاعدة"، وهم: محمد نيروخ (29 عاما)، ومحمود النجار (23 عاما)، وموسي مخامرة (22 عاما) فى مدينة الخليل وبلدة "يطا" المجاورة، خفقت رايات القاعدة السوداء، كما تم لف جثامين النجار ومخامرة بــــــــ "علم القاعدة"، فى حين لف علم حركة حماس جثمان نيروخ.

وبذلك يصبح الأمر مؤكدا لدى الرأى العام الفلسطينى فى الضفة، بوجود شبان ينتمون إلى السلفية الجهادية، بعد أن ظل الأمر موضع نقاش ساخن فى الشارع هناك، حول حقيقة وجود السلفية الجهادية على الأرض من عدمه.

ثم جاءت تصريحات مسئولين أمنيين فى السلطة الفلسطينية، أشارت خلالها إلى أن حصيلة الحملة الأمنية التى شنتها السلطة الفلسطينية على عناصر ومجموعات السلفية الجهادية فى مدن الضفة، خلال ديسمبر2013، بلغت حصيلتها 22 معتقلا.

وهكذا حسم الأمر لصالح وجود فعلى لــــــ "القاعدة"، وإن ظلت قدراتها الفعلية وامتلاكها للسلاح وعدد المنتمين إليها غير معلومة بدقة.

(17) ج- مساحات التماس الفكرى والسياسي بين "القاعدة" والساحة الفلسطينية: كل هذه المعطيات، مع العمليات المتقطعة لــــــ "القاعدة" والتى فشلت إلى حد كبير أثناء مرحلة التخطيط، تؤكد استطلاع "القاعدة" للساحة الفلسطينية، بل وتؤشر على أنه يوجد بين الفلسطينيين فى الضفة وغزة وكذلك فى داخل الخط الأخضر، العديد من الذين يستعدون للانخراط فى نشاط عنيف باسم أفكار السلفية الجهادية.

بالطبع لا توجد معلومات يقينية حول حجم هؤلاء، ومستوى التجهيزات، ودرجه الجاهزية لمباشرة الأعمال، لكن ثمة حقائق، وكذلك مؤشرات يمكن الاسترشاد بها، من ذلك: 1- أن الساحة الفلسطينية تعج بثقافة "جهادية" عريقة، وفى ذات الوقت هى مثقلة بالهزائم والضغوط، فضلا عن أنها تمتلئ بالخبرات والكفاءات فى التصنيع العسكرى للأسلحة والمتفجرات.

وهذا بالضبط ما تحتاجه "القاعدة" ويسهل عملها، ناهيك عن توفر خبراء فى الانترنت والرصد والمتابعة والترجمة، يمكن ملاحظتهم فى "المنتديات الجهادية" وهم يبعثون برسائل تعاطف للقاعدة.

باختصار مثل هذه البيئة كافية إلى حد كبير لإحداث تماس مع "القاعدة" أو تماهي مع أفكارها وطرق عملها.

2- أن الساحة الفلسطينية، بجميع فصائلها وأجنحتها العسكرية، تتعرض منذ العام 2006 وتحديدا بعد مشاركة حماس فى انتخابات السلطة الفلسطينية، إلى هجمات فكرية شرسة من رموز "السلفية الجهادية" كافة، عبر المزيد من الخطابات التي تصدرها المنتديات الاعلامية التابعة لها، بالإضافة إلى الكثير من الكتابات المناصرة لــ "التيار الجهادي العالمي" وصل بعضها إلى حد إدانة القيادة السياسية لحركة حماس، واتهامها بـــــ "إضاعة الدين" و"خسارة الدنيا" كما عبر عن ذلك الشيخ أسامة بن لادن فى خطابه "السبيل لإحباط المؤمرات".

(18) وكان الدكتور أيمن الظواهرى قد انتقد "حماس" عقب مشاركتها فى انتخابات السلطة الفلسطينية فى يناير 2006، ثم عاد وتناولها مرة أخرى فى مارس 2007 عقب توقيعها "اتفاق مكة" مع حركة فتح.

لكن فى المرة الثانية خرجت لغة "الظواهرى" عن نقد مواقف "حماس، وعن إبراز خلافاته معها ( كما حدث فى المرة الأولى)، إلى "نعيها" للأمة فى لغة درامية وملحمية فى آن واحد.

وربما جاء خطاب الظواهرى بتلك اللهجة الجديدة، لضرورات تتعلق بمحاولات تنظيم القاعدة النفاذ إلى ساحة "العمل الجهادي" فى فلسطين، وقد سعى من خلال الخطاب إلى تشكيل أرضية سياسية لمثل هذا النشاط المفترض.

(19) والملفت فى هذا السياق أن رموز "القاعدة" انتقلوا بعد ذلك من الهجوم والإدانة لحركة حماس، إلى التوجيه والتخطيط والإعداد، هذا ما نلاحظه فى خطاب صريح لأمير "دولة العراق الاسلامية" أبى عمر البغدادى، بعنوان: "الدين النصيحة"، يحرض فيه الجناح العسكرى لحركة حماس "كتائب عز الدين القسام" على الانفصال عن الحركة.

(20) 3- أن حالة السيولة التى شهدتها وتشهدها المنطقة العربية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، خلقت مساحات مناسبة للعمل – بعضها حديث– في الشرق الأوسط لعناصر السلفية الجهادية.

من بين المساحات الأكثر ملائمة والقريبة من إسرائيل سيناء، سوريا ولبنان، حيث احتشد تنفيذيون أجانب من "الجهاد العالمي" خلال العامين الماضيين.

وهناك ما يعزز من احتمالات أن تدفع هذه العناصر باتجاه تصعيد العمل فى المجال "الفلسطيني الإسرائيلي" عبر أنصارهم وشركائهم في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر أيضا.

وقد تعززت هذه الاحتمالات مع توقع الكثير من المحللين بأن فشل المحادثات السياسية الجارية بين إسرائيل والفلسطينيين قد يفضي إلى تجدد العنف.

فى الوقت نفسه، يبدو أن استجابات التنظيمات الفلسطينية التي تعارض السلطة الفلسطينية، ومن بينها حماس والجهاد الإسلامي، على استئناف المفاوضات، تتمثل في ضبط النفس النسبي، ربما بسبب أنها لا تعتقد أن هذه المفاوضات تمثل فرصة.

لكن فى الحاصل الأخير فإن ضبط النفس هذا الذي تمارسه حماس وتنظيمات أخرى إزاء إسرائيل، أفضى إلى ازدياد تسلل أعضاء محبطون من هذه الجماعات إلى تنظيمات سلفية جهادية، تتبنى عنفا غير محدود.

ثالثا: تداعيات اختراق "القاعدة" للمجال الفلسطيني الاسرائيلى" تأسيسا على ما سبق، ثمة تساؤلات تتربع على قمة المشروعية دون مزاحمة: ما الذى يمكن أن تفعله "القاعدة" بإسرائيل ولم تفعله الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية على امتداد عقود؟ بدءا بفتح، والجبهة الشعبية، ثم حماس، والجهاد الاسلامى، ولجان المقاومة الشعبية --إلخ.

ثم بأى شكل يمكن لـ "القاعدة" أن تتواجد فى المجال "الفلسطيني الإسرائيلي"، بحيث يحقق هذا التواجد فارقا نوعيا فى الصراع مع إسرائيل؟ وكيف لــــ "القاعدة" أن تتواجد فى منطقة تشهد ازدحاما فى البنادق قاربت حتى على الفتك بنفسها؟ والجواب هو أن تلجأ "القاعدة" إلى ما هو غير مألوف أو متوقع، بحيث يؤدى تدخلها إلى حدوث فارق نوعى فى المواجهة مع إسرائيل.

هكذا يمكن أن يتقبلها قطاع لا بأس به من المجتمع الفلسطينى المتعطش للخلاص بنفس القدر الذى يتعطش فيه للثأر.

وآنذاك ستٌرغم الفصائل المسلحة على تقبلها(أى القاعدة) دون حساسية كبيرة، مثلما أٌرغمت فتح والجبهتين الشعبية والديموقراطية وغيرهم، على تقبل "حماس" و"الجهاد الاسلامى" فيما بعد.

فإذا كانت الفصائل الفلسطينية بمختلف مشاربها قد استعملت أسلوب الهجمات الخاطفة على المعسكرات والجنود والمستوطنات، ومن ثم الحجارة والعمليات الانتحارية، والعبوات الناسفة والقاذفات المضادة للدروع، والصواريخ، مخلفة فى أفضل الأحوال خسائر بشرية لا تتعدى بضعة أفراد، وعدة أضعافهم من الجرحى.

فلا يعتقدن أحد أن "القاعدة" ستدخل إلى الساحة الفلسطينية كى تلقى الحجارة على جنود الاحتلال.

فنحن لن نستقبل تنظيما استعراضيا، بقدر ما هو تنظيم يعتقد بأنه يمارس عبادة يتقرب بها إلى الله، ولا نستبعد فى مثل هذه الحالة أن يلجأ إلى التمايز باستخدام وسائل قتالية ذات تدمير عالي أو، على الأقل، الحرص على إيقاع خسائر بشرية جسيمة، قد تفقد إسرائيل صوابها فعلا، كما حدث مع الولايات المتحدة فى هجمات الحادى عشر من سبتمبر.

وهنا بالضبط مكمن الخطر، حيث لا أحد يمكنه أن يتكهن بتداعيات ذلك على أمن واستقرار المنطقة.

ولكن متى؟ سؤال يستحق التوقف عنده.

بطبيعة الحال ليس لدينا سوى مؤشرات تتوافر من معطيات البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمجال "الفلسطيني– الإسرائيلي" والتى تشير إلى ما يلي: 1- ثمة نشاط متزايد للقاعدة فى سيناء، وهناك ما يقارب 20% من مساحة 61 ألف كيلو متر مربع هى مساحة سيناء، تعد بدرجة أو أخرى مواقع لبنى تحتية لهذه المنظمات، وسيحتاج النشاط المسلح للجيش المصرى للكثير من الجهد والوقت، قبل الوصول بسقف التحديات الأمنية هناك إلى المستوى الذى يمكن التعايش معه.

2- لدينا نشاط متزايد للقاعدة فى العراق، دون أية ملامح عن نهاية وشيكة له، فى ظل حكومة طائفية، وسيل من الجماعات الجهادية.

3- أثناء الحرب العراقية، سعت القاعدة في العراق إلى تأسيس موقع متقدم لها في مدينة إربد الأردنية.

كذلك أسست القاعدة في العراق جناحا سوريا(جبهة النصرة) سعت هى الأخرى إلى اختراق الأردن.

صحيح أن التقديرات الآن تشير إلى نجاح الأجهزة الأمنية الأردنية فى تجاوز ذلك، لكن هذا لا ينفى أن ثمة مخاوف جراء تكاثر هذه الجماعات في الشرق الأوسط اليوم، الأمر الذى يحد من قدرة الدول على السيطرة بشكل كامل على نشاط تلك المجموعات.

4- لدينا أيضا نشاط ملحوظ للقاعدة فى الساحة اللبنانية، وثمة معلومات حول وجود خلايا فى منطقة النبطية، على مقربة من إصبع الجليل شمالى إسرائيل.

5- جميع العلامات تشير إلى أن الاضطراب في العالم العربي سيستمر خلال عام 2014 على الأقل.

الوضع الاقتصادي المتدهور – والذي زاده العنف سوءا– الأرجح أن يدفع المزيد من حديثي السن إلى أحضان "التنظيمات الجهادية" والتي ستزيد من وتيرة مواجهاتها مع إسرائيل على هامش نشاطها الرئيسي.

كل ذلك يخلق شعورا بتحرك ما، يجرى على قدم وساق فى المنطقة.

وفى سياق كهذا من الأفضل أن نفهم تصريح الرئيس الفلسطينى محمود عباس (الذى سبقت الاشارة إليه) باعتباره – على الأقل – صيحة تحذير ينبغى الالتفات إليها.

وأن نفهم مغزى ما ذكره المحلل الإسرائيلى "عاموس هاريل" فى صحيفة "هاآرتس" فى(27 ديسمبر 2013) فى سياق تحليله لتقديرات الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية بشأن التطورات فى الإقليم، حيث قال: "عندما سُئِل عنصرا استخباراتيا إسرائيليا عما أقض مضجعه العام الماضي، كانت الإجابة مفاجئة، إذ قال التنظيمات الجهادية المنتشرة على حدودنا كلها".

(21) عاموس أشار إلى أن الاستخبارات الاسرائيلية تعتبر انتشار تلك الجماعات فى الاقليم هو التطور الأبرز الذى ستكون له تداعياته على الوضع الاستراتيجى لإسرائيل خلال عقد قادم.

طباعة