عروض

الشخصية المصرية فى عالم متغير - عرض العدد رقم 51 من فصلية "أحوال مصرية"

حازم عمر * 2253 2-2-2014
طباعة

جاء العدد 51 لمجلة أحوال مصرية متناولاً بالرصد والتحليل التطورات التى طرأت على الشخصية المصرية، فالملاحظ أنه خلال الأعوام الثلاثة الماضية حملت الشخصية المصرية بين جنباتها الكثير من التناقضات التى عكستها سلوك الجماهير سواء من خلال التعبير عن غضبه وإسقاطه لنظامين حكم أو عبر تعايشه مع الحالة الثورية التى تشهدها البلاد.

وأشار الدكتور أيمن عبد الوهاب رئيس التحرير فى افتتاحية المجلة أن حركة الجماهير فى 25 يناير و30 يونيه فرضت التساؤل حول حقيقية الشخصية المصرية بكل ما تحمله من إيحابيات وسلبيات، مشيراً إلى أن صحوة الجماهير والتفاف الشعب المصرى حول أهداف ثورية ومطالب إصلاحية تطرح التساؤل حول إمكانية التجاوز عن التناقضات المجتمعية والمصالح الذاتية والطموحات السياسية بالقدر الذى يمكن أن يشكل وسيلة جديدة لتنقية وبناء الشخصية المصرية ومنظومة القيم المجتمعية مما أصابها من تشوهات؟.

الشخصية المصرية وأنماط تحليها

تضمنت المجلة دراستين، الأولى بعنوان "نظريات الشخصية وأنماط تحليها: رؤية اجتماعية"، حيث قدمت هذه الدراسة تحليلاً نقدياً لأهم النظريات المفسرة للشخصية وأنماط تحليلها، وأشارت إلى كيفية الاستثمار فى الشخصية ودور المؤسسات الاجتماعية فى بناء الشخصية الإيجابية.

أما الدراسة الثانية بعنوان "الشخصية الصعيدية فى مذكرات يحى حقى الأدبية" وحاولت هذه الدراسة الاقتراب من الثقافة الراسخة فى مجتمعات صعيد مصر، موضحة قوة واستمرارية النظام الاجتماعي- الثقافي في الصعيد، والإهمال المتواصل في خطط التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهو ما يفسر استمرار أمراضه المتأصله مثل الثأر والتشدد الديني والفتن الطائفية، تلك الأحداث التي لا تزال تطل علينا من آن لآخر حتى اليوم.

العولمة والشخصية المصرية

فى هذا المحور يطرح الباحث رؤيته حول الشخصية المصرية، ويشير إلى عدم وجود ما يطلق عليه "الشخصية المصرية" نتيجة التغيرات والتحولات التى طرأت عليها، إضافة أنها نسبية وليست مطلقة، كما أنه لا يوجد ضبط للمقاييس التي يمكن أن تتعامل مع ملامح الشخصية المصرية، ولا يمكن التعميم (وإغفال الثقافات الفرعية للمجموعات السكانية) وإطلاق أحكام عامة يرددها جيل بعد آخر باعتبارها موروث ثابت جامد لا يتغير.

وفى الجزء الثاني من هذا المحور يشير الباحث على انعكاسات العولمة على الشخصية المصرية ويطرح إعادة نظر فى هذه الشخصية، فبالنظر إلى المتغير الخاص بتكنولوجيا الاتصال بدا الأقوى والأكثر سرعة في علاقته بملامح الشخصية المصرية، وأصبح آلية قوية متسارعة في تأثيرها، تبرز ما هو سلبي في ملامح الشخصية المصرية، لتعزيزها قيمة الفردية لدى الشباب والتقليل من قيمة الانتماء للأسرة، وتكون المحصلة النهائية تراجع دور الأسرة وتزايد الصدام بين الأجيال وامتداده إلى المجتمع ككل.

الشخصية المصرية فى عالم متغير

ناقش ملف العدد موضوعات مهمة تسعى إلى تحليل الشخصية المصرية والعوامل التى أدت إلى تغير فى البنية الهرمية لها، فالبنظر إلى المجتمع المصرى نجد أنه تكون تاريخياً من قبائل استقرات على ضفاف النيل استمر لفترة طويلة من الزمن عملت على أن يتخذ المجتمع نمطا ثابتاً ومتجانساً إلى حد كبير.

وقد ساعد ذلك وجود الدولة المركزية والتجانس العمرانى والبشرى والارتباط بالأرض والعائلة.

ونتيجة هذه الملامح التي حكمت البنية الاجتماعية في المجتمع المصري، وعدم ظهور دراسات تصف ملامح الشخصية المصرية، فنجد بعض الأوصاف التي ذكرها بعض المستشرقين التى توصف المصريون بأنهم متدينون يتمسكون بالتراث، ويقدسون الأولياء والموتى، وخاملون، ذوو ملامح جامدة، يتسمون بالكسل والتحمل والصبر واحترام كبار السن، والقدرية واللامبالاة، وعدم القدرة على تحمل المسئولية والاعتقاد فى الخرافات.

ولكن هناك اتجاهات أخرى ترى أن هذه السمات ليست مطلقة وإنما هى سمات نسبية تختلف باختلاف الوضع الطبقى، كما ترى أن هناك تفسخ فى الشخصية المصرية حيث تتعدد الهويات ولكنها تعجز عن خلق نسيجاً كلياً.

وتتضمن الملف الآليات التى تدعم تكامل وكلية الشخصية المصرية، فإذا تأملنا واقع الشخصية المصرية فإننا سوف نجد أن العناصر المشاركة فى بنيتها تتميز بالتنوع، هذا التنوع أنتج شخصية أكثر عمقاً وأكثر امتلاكاً بقدرة تكيفية عالية، لذلك نجد أن مدخلات بناء الشخصية المصرية تميزت بالتنوع إلى حد كبير تمثلت فى تنوع الجغرافيا، وتعدد الدين والثقافة وطبقات التاريخ الحضارى الأمر الذى أدى إلى تنوع المخرجات فأصبحت الشخصية المصرية قادرة على تقديم مواقف وسلوكيات متنوعة، وهذا يشير إلى أن بنية الشخصية المصرية تمتلك أعماقاً ذات طبقات متنوعة تؤكد على توازن المدخلات والمخرجات فى بنيتها.

ورصد ملف العدد ملامح الشخصية المصرية فى الفكر المصرى المعاصر، حيث قدم المفكرون المصريون ملامح للشخصية المصرية تكشف عن قدر كبير من التناقض والتباين حيث يتضح من تحليلاتهم أنها ليست بالشخصية البسيطة التى تتسم بملامح واضحة ومحددة ومتسقة وإنما هى شخصية مركبة حيث أن كل سمة إيجابية أو سلبية فى إطارها قابلة لأن تتحول إلى النقيض لذا يتعذر تحديد المفاتيح الأساسية للشخصية المصرية.

كما أن آراء المفكرين المصريين بشأن الشخصية المصرية تميزت بالتضارب والذاتية، والتأثر بالأحداث الكبرى، وتغليب الأبعاد الاستاتيكية وغياب المقارنة.

وأشار الملف إلى طبيعة الشخصية المصرية فى الفكر القبطى، فاستعرض الشخصية القبطية الممزوجة بيومها ووطنها الحريصة على صلواتها فى دورة حياتها فى ثلاثية مياه النهر والزرع والحصاد.

وحين نطل على المواقف الصعبة التى تعرض لها الأقباط على مدى التاريخ فكان خيارهم هو الانزواء وربما التقوقع لكنهم لم يذهبوا إلى خيار الانفصال عن الوطن فكان انتماؤهم لمصر انتماء الأهرام والنيل.

وتناول الملف سمات الشخصية المصرية فى المناهج الدراسية من خلال تحليل كتاب التربية الوطنية للصف الأول الثانوى وكيفية تناوله للشخصية المصرية وقيم المواطنة.

كما رصد الملف علاقة الشخصية المصرية بالشباب باعتبارهم المدخل الحقيقى لتغيير الأنماط السلبية التى أصابت الشخصية المصرية خلال السنوات الماضية.

وتناول تأثير شبكات التواصل الاجتماعى على شخصية الشباب وتكوينه وتعديل الكثير من توجهاته وأولوياته وسلوكياته.

وفيما يتعلق بأثر الأنظمة والأنماط الاقتصادية على الشخصية المصرية، فنجد أن التحولات الاقتصادية التى مرت بها مصر منذ تولى السادات إلى حكم الإخوان كان لها دور كبير فى تغيير بنية المجتمع المصرى الأمر الذى ساهم فى إحداث تحولات فى الشخصية المصرية.

شخصية مصر الاقتصادية

أجرت المجلة حواراً مع وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور جودة عبد الخالق ملخصاً شخصية مصر الاقتصادية منذ ثورة 1919، مروراً بثورة يوليو 1952، وأخيراً ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013.

موضحاً أن النظام الاقتصادى قبل 1952 كان ليبرالياً سياسياً واقتصادياً.

مشيراً إلى أن شخصية مصر الاقتصادية فى عهد عبد الناصر كانت تتسم برأسمالية الدولة، أما فى عهد السادات فالبرغم من الانفتاح الاقتصادى كانت رأسمالية الدولة متحكمة، وكان جوهر شخصية رجال الأعمال اشبه بالتاجر، أما فى عهد مبارك فكانت الرأسمالية الجديدة هى رأسمالية المحاسيب ورجال الأعمال لم يكن لديهم مشروع وطنى للنهوض بالاقتصاد وكانوا يحصلون على الأموال من البنوك بالأمر المباشر وليس على أساس جدارة واستحقاق.

أما فى عهد الإخوان فتعرض الاقتصاد المصرى لصدمة كبيرة بسبب سياسة البركة التى اعتمد عليها الإخوان، ويحذر من الاعتماد على المعونات الخارجية بعد 30 يونيو مشيراً إلى أن القطاعات التى تحتاجها مصر هما الزراعة والصناعة باعتبارهما الساقان اللذان يتحرك عليهما الاقتصاد.

الثورات فى فكر المصريين

رصدت المجلة فى الجزء الأول من هذا المحور واقع الثورات فى فكر المصريين بداية من الثورة الفرنسية إلى ثورة 25 يناير، فهناك اتجاه يرى أن الشعب المصرى يضيف دروساً جديدة في علم تاريخ الثورات، فالثورة بالنسبة لهم ليس لها بداية أو نهاية، ولم تنتهى بإجراء انتخابات رئاسية وظهور أول رئيس مدني منتخب فالثورة مازالت في قلوب وعقول الناس وكأن هناك استمرارية تاريخية بين الثورات المصرية.

وتناول الجزء الثانى تصورات المصريين عن العدالة الانتقالية، فهناك من يخلط بين مفهومى العدالة الانتقالية والعدالة، وهناك من يتصور أن العدالة الانتقالية تعنى تبنى القيم والمفاهيم المرتبطة بحقوق الإنسان والحكم الديمقراطى، وبالرغم من حب المصريين للعدالة إلا أنهم يمليوا إلى الصفح والغفران خاصة كبار السن.

الشخصية المصرية فى الفكاهات الساخرة والسينما

اتصف المصريون عبر تاريخهم بالفكاهة والميل إلى المرح، وبما أن الفكاهة تتخذ وسائط عدة منها: الكتابات، المسرحيات، الأفلام السينمائية، الرسوم الهزلية أوالكاريكاتورية والمونولوجات الفكاهية فقد استخدموا هذه الوسائط للسخرية من حكامهم وللتحرر مما تفرزه الدكتاتورية من مشاعر مرضية كالخوف والذل والنفاق وبتعدد تلك الوسائط تعددت الشخصيات المعبرة عن المصري وهمومه.

وتناول الجزء التانى المصريين كما تقدمهم أفلامهم السينمائية، موضحاً أن السينما المصرية تعد صدى لأيدلوجيات الطبقات الممولة لها التي تدفع تذاكر الدخول لصالات العرض وبالتالى يجب إرضاءهم وتقديم القيم السائدة بينهم كقيم عليا مع استثناءات بسيطة، فقد اعتادت السينما المصرية على أن تكون سلعة الطبقة المتوسطة لكن بعد ضمور وتراجع دورها احتل أخرين لمكانتها.

قراءات فى الشخصية المصرية

تعددت الجهود والآراء الفكرية التى تسعى إلى محاولة فهم وتحليل الشخصية المصرية بما لديها من مخزون حضارى عريق، وبالتالى فإن البحث فى جوهر الشخصية القومية المصرية له أهمية من أجل استقراء السمات الأساسية لها وملامح التغيير التى طرأت عليها، لذا عرضت المجلة دراسات حول الشخصية المصرية، الأولى دراسة الدكتور سيد عويس بعنوان "هتاف الصامتين وظاهرة إرسال رسائل إلى ضريح الإمام الشافعي"، والثانية الدكتور أحمد زايد (وآخرون)، بعنوان "المصري المعاصر: مقاربة نظرية وإمبيريقية لبعض أبعاد الشخصية القومية المصرية" الصادرتان عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

كما عرضت المجلة كتاب "تشريح الشخصية المصرية" للدكتور أحمد عكاشة الصادر عن دار الشروق المصرية، وكتاب "المخزون الحضارى للشخصية المصرية فى مواجهة التحديات المعاصرة: رؤية تربوية" الصادر عن دار الفكر العربى.

طباعة