دراسات

التعليم والبناء الديمقراطي في مصر: المعضلة وخبرات الحل !

كرم سعيد * 1575 2-1-2014
طباعة

 يعد التعليم مفتاح التحضر والتقدم لأي مجتمع، لذلك فإن ثمة علاقة وثيقة بين التعليم والديمقراطية، إذ لا يمكن الحديث عن تعليم حقيقي يساهم في بناء إنسان منتج ومشارك في غياب الحريات العامة والخاصة والمساواة وتكافؤ الفرص والإيمان بالاختلاف وشرعية التعدد.

كما لا يمكن الحديث عن الديمقراطية في غياب تعليم حقيقي بناء وهادف يتسم بالجودة ويساعد على الإبداع والابتكار والبحث والاستكشاف والتنقيب العلمي والمعرفي.

التعليم في مصر: خطوة للأمام .

خطوتين للخلف أدخل محمد على النظام التعليمي الحديث على النمط الأوروبي، فأنشأ المدارس العليا (1816) والمدارس التجهيزية (1825)، فضلا عن اهتمامه بالتعليم التخصصي فأسس مدارس للطب والهندسة وغيرها.

وجاء دستور عام 1923 الذي نص على أن التعليم الأولى إلزامي للمصريين، وتأكد ذلك مرة أخرى في دستور عام 1971 في الباب الأول منه الذي نص على مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحت عنوان المقومات الأساسية للمجتمع، عارضا في الفصل الأول من هذا الباب للمقومات الاجتماعية، وأكد في المادة الثامنة عشرة على أن "التعليم حق تكفله الدولة، وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية ...

كما نص في المادة العشرون على أن التعليم في مؤسسات الدولة التعليمية مجاني في مراحله المختلفة.

غير أن قطاع التعليم في مصر تعرض لانتكاسة على امتداد عدة عقود، فوصلت نسبة الأمية إلى 26.1% بإجمالي 16.5 مليون نسمة، وذلك وفقاً لإحصاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2011، وفي تقرير التنمية البشرية لعام 2005 الصادر من الأمم المتحدة ذكر أن مصر ضمن البلدان التسعة التي يوجد فيها أعلى معدلات الأمية حيث احتلت المرتبة 119، كما كشف تقرير أصدرته منظمة اليونسكو في 31 مايو 2009 أن مصر تحتل المرتبة الأولى عربيا في هجرة العقول المتميزة نتيجة لتسمم المناخ التعليمي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والانفلات السياسي.( 1) وفي أعقاب ثورة 25 يناير وموجتها الثانية في 30 يونيو 2013 ثار مجدداً الجدل حول إصلاح المنظومة التعليمية في مصر بعيداً عن الانحيازات الإيديولوجية، خصوصا أن وزارة التربية والتعليم أدخلت طوال الأعوام الثلاثة الماضية تغيرات جوهرية على المناهج الدراسية بما يتوافق وتوجهات نخب الحكم.

في هذا السياق العام يبقى مهماً إصلاح التعليم بعيداً عن النعرات الأيديولوجية والأفكار الحزبية الزاعقة، لا سيما وأن التعليم هو أحد الأدوات الرئيسية في بناء الحياة الديمقراطية.

إشكاليات التعليم الديمقراطي في مصر ثمة مشكلات عدة تقف حجر عثرة أمام دور المؤسسات التعليمية في بناء الديمقراطية في مصر، أولها أن المناهج الدراسية ما زالت تؤدي دورًا سلبيًا في تعزيز ثقافة الديمقراطية، ويمكن الإشارة هنا إلى ما تتضمنه الكتب الدراسية من قيم سلبية ترسخ مفاهيم الطاعة والانضباط والجمود ورفض الآخر.

وثانيهما أدلجة المناهج التعليمية وتقليديتها، إذ تدخل الاعتبارات السياسية في بناء المناهج التعليمية بصورة فاضحة وكارثية، ففي العام 1979 بعد توقيع اتفاقية السلام بدأ تغيير مناهج القراءة والتاريخ، بوضع كلمة "النزاع العربي الإسرائيلي" بدلا من "الصراع العربي الإسرائيلي".

وفي عهد مبارك شهدت مناهج التاريخ تزييف منقطع النظير، فنسب للرئيس وحده نصر أكتوبر 73 وكذلك جهود تحرير سيناء في ثمانينات القرن الماضي.

وتكرر النهج ذاته مجدداً في عهد الرئيس المعزول مرسى، إذ سارعت وزارة التربية والتعليم بتنقيح مناهج التاريخ.

وثالثهما اعتماد التعليم المصري على الحفظ والتلقين أو ما اسماه باولو فراري "التعليم البنكي" الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات التي تحتويها المقررات «سابقة التجهيز» في أدمغة المتعلمين الذين يقتصر دورهم على التلقي السلبي لتلك الإيداعات.

وراء ذلك تقف هشاشة البناء الدستوري المتعلق بالتعليم، إذ يلاحظ أن النصوص المتعلقة بالتعليم في الدساتير المصرية وضعت بطريقة إنشائية منفصلة عن الواقع، فكانت أقرب إلى نص ورقى أكثر منه نصا حركيا يلتئم بالواقع، وذلك خلافاً لمواد التعليم التي وضعت بالتفصيل في الدستور البرازيلي التي تم الانتهاء منه في العام 1988، وبطريقة تعبر عن الرؤية العامة للتعليم التي ارتضاها البرازيليون.

فيضم باب التعليم الذى هو أحد أبواب الفصل الثالث في الدستور البرازيلي عشر مواد تناولت حق التعليم بالتفصيل(2) ، أولها المادة 205 وتنص على"تشجع وتعزز الدولة التعليم، وهو حق للجميع وواجب على الدولة والأسرة، مع تعاون المجتمع، بهدف تحقيق النماء الكامل للشخص، وإعداده لممارسة مواطنته وتأهيله للعمل.

أما المادة 206 فقد حددت مجموعة من المبادئ التي يتم على أساسها توفير التعليم وهى: تكافؤ شروط الحصول عليه والبقاء في الدراسة وحرية التعلم والتدريس والبحث والتعبير عن الفكر والفن والمعرفة، وتعددية أفكار التدريس ومفاهيمه وتعايش مؤسسات التدريس العامة والخاصة معا، ومجانية التعليم العام في المدارس الرسمية، وتقدير قيمة المشتغلين بالمهن التعليمية، وضمان خطط مهنية لمعلمي المدارس العامة، وفقا للقانون ، وضمان حد أدنى لرواتبهم والتحاقهم بتلك المهنة بواسطة امتحانات قبول عامة حصرية تتكون من اختبارات، وتقديم المؤهلات الأكاديمية أو المهنية، مع وجود نظام قانوني واحد يتم تأمينه لجميع المؤسسات يصونه الإتحاد.

في سياق متصل أكدت المادة 207 على أن يكون للجامعات استقلال تعليمي وعلمي وإداري ومالي.

أما باقي المواد فأكدت جميعها على ضرورة تعاون الولايات والبلديات وكل مؤسسات الدولة لكفالة توفير تعليم أساسي موحد، وعلى أن تخصص هذه الاتحادات سنوياً، ما لا يقل عن 18%، من الإيرادات الضريبية، بينما تخصص الولايات والمناطق الاتحادية والبلديات 25% على الأقل بما في ذلك تلك الناجمة عن التحويلات، لمواصلة التعليم وتطويره.

ويلاحظ أن مواد التعليم في الدستور البرازيلي جاءت طويلة بعض الشيء وذلك لضمان ألا تأتى القوانين لاحقا متناقضة مع المبادئ الدستورية، وعلى أن تكون هذه النصوص الدستورية إطارا مرشدا لأي قوانين تكميلية.

كما أفردت بعض الدساتير التقدمية نصوصا خاصة بالمعلمين، فنص قانون التعليم البولندي الصادر بتاريخ 7 سبتمبر 1998، على أن المدارس هي مؤسسات عامة تنشئها الدولة وتديرها وتمولها إضافة إلى التزام الدولة بتحسين رواتب المعلمين، وبمواكبة المناهج التعليمية لروح العصر، وتوافقها مع هياكل الاقتصاد الحر (اقتصاد السوق)، وبتزويد المدارس بالتقنيات الحديثة.(3) في المقابل جاءت نظرة جميع الدساتير المصرية وتعديلاتها للتعليم مقتضبة، وتركت الباب واسعاً أمام القوانين لتنظيم العملية التعليمية، وهو الأمر الذي ترتب عليه تباين النظم التعليمية، فلدينا تعليم حكومي وأخر أجنبي ولدينا تعليم عام وأخر استثماري.

وتسبب هذا الخليط من النظم التعليمية في مصر في انقسام المجتمع على نفسه.

على صعيد ذي شأن تجاهلت الدساتير المصرية على عكس نظيرتها في البرازيل وبولندا مضمون المناهج ودور مجالس الآباء، ناهيك عن إغفال الإشارة للمعلمين، وهم عمد العملية التعليمية برمتها، فلم تتطرق أية مادة سواء في دستور 1971 الملغى أو دستور 2012 لتدريب وإعداد المعلمين، أو حتى مشروع دستور 2013.

وترتبط الإشكالية الخامسة يعد التمويل الحكومى هو المصدر الرئيسى لتمويل مختلف الأنشطة الخاصة بالتعليم فى مصر، سواء تعلق الأمر بالتعليم الجامعى أو غير الجامعى، وقد شهد التمويل الحكومى للتعليم نمواً مطرداً خلال الفترة الماضية.

ولكن على الرغم من الزيادة الملحوظة فى الإنفاق الحكومى على التعليم، فإن هذه الزيادات تظل قاصرة عن مواجهة متطلبات التعليم، حيث كان الإنفاق الحكومى لا يتجاوز 4.6 مليار جنيه في العام 90/91 ثم ارتفع فى العام 2001/2002 ليصل إلى 6.48 مليار جنيه بينما زاد إلى 38 مليار و 397 مليون جنيه عام 2008/2009 إلى أن وصل 52 مليار جنيه فى العام 2011/2012.

إلا أن هذه الزيادة لم تكن كافية لمواجهة متطلبات إصلاح التعليم وظلت عاجزة عن إحداث أى إصلاح حقيقى، ومن ثم تدهورت كفاءة التعليم.

إذن بالرغم من زيادة جملة الإنفاق الحكومى على قطاع التعليم، إلا أنه مازال يعانى من كثير من نقاط الضعف، فلم تتحقق جودة التعليم لأنه لا يوجد تخصيص جيد لهذه الموارد.

فعلى سبيل المثال، تذهب معظم موازنة التعليم العالى لتغطية الأجور والنفقات الجارية، وخاصة الشرائح العليا فى الجهاز الإدارى، فى صورة مكافآت وبدلات واجتماعات ونحوها.(4) وعلى الرغم من حدوث تطور كمي فى عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى، فإن ذلك مردود بالأساس للزيادة الملحوظة فى أعداد السكان، كما أنها تبدو نسبة متواضعة ولا تليق بالمجتمع المصرى الذى يعانى ما يزيد على ربع أفراده من عدم معرفة القراءة والكتابة، فعلى سبيل المثال كان عدد المقيدين فى العام 50/51 بالمدارس 539727 ألف طالب موزعين على 1605 مدرسة، ووصل هذا العدد فى العام 70/71 إلى 4 مليون و 999 ألف طالب.

وخلال العام 90/91 ومع تنامى معدلات الزيادة السكانية ارتفع عدد الملتحقين بالمدارس إلى 11.837.264 طالب بينما وصل هذا العدد فى العام 2006/2007 إلى 15.424.478 طالب ألف.(5) وعلى صعيد التعليم الجامعى وصل إجمالى المقيدين فى العام 54/1955 إلى 54467 ألف طالب بنسبة 2.4% من الشريحة العمرية (18-23) سنة، وارتفع هذا الرقم فى الفترة من 57/1976 إلى 477417 بنسبة 14.2% من الشريحة العمرية الواقعة بين سن (18-23) سنة.

وفى العام 95/96 وصل عدد الملتحقين بالتعليم العالى إلى 1233005 طالب بمعدل 21.3% من الشريحة العمرية (18-23 سنة)، وفى العام 2005/2006 كان عدد المقيدين بالتعليم الجامعى 2.045.445 مليون طالب بنسبة 28.1% من الشريحة العمرية (18-23 سنة).(6) وعلى الرغم من النمو المطرد فى عدد الملتحقين بالتعليم العالى، فإن هذه الزيادة تبقى عند حدها الأدنى إذا ما قورنت بإجمالى عدد السكان الذى يقترب من الـ 90 مليون نسمة.

على الضفة الأخرى من النهر تبقى مخصصات التعليم في مصر هامشية إذا ما قورنت بغيرها في دول التحول الديمقراطي في أفريقيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، فعلى سبيل وصل حجم إنفاق البرازيل على التعليم فى الأعوام 2008 و2009 و2010 إلى 5.4% و 6.0% و 5.8% على التوالى من الناتج المحلى الإجمالى.

وفى بولندا وصلت نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلى الإجمالى إلى 5.1 و5.1 و5.2 في المائة فى الأعوام 2008 و2009 و2010 على التوالى.

فى المقابل كانت نسبة الإنفاق على التعليم فى مصر من الناتج المحلى الإجمالى أقل بكثير إذا ما قورنت بالبرازيل وبولندا فى نفس الفترة السابقة، حيث كانت 3.8% و 3.8% و 5.3% على التوالى، ولكنها عادت للانخفاض فى العام 2011 لتصل إلى 3.7% من الناتج المحلى الإجمالى.(7) أما الإشكالية السادسة فترتبط بضعف مستوى المؤسسات التعليمية في مصر، فقد كشف التصنيف العالمي للجامعات 2013 الذي أصدرته مؤسسة "ويبومتريكس" وهي إحدى المؤسسات التي تقوم بقياس جودة الخدمات التعليمية والبحثية لأكثر من 20 ألف جامعة حول العالم عن حصول جامعة القاهرة على المركز العاشر بين الجامعات الأفريقية، وجاءت جامعة المنصورة في الترتيب الخامس عشر أفريقيا.

في المقابل احتلت المراكز الأولى للتصنيف الأفريقي جامعات من دول جنوب أفريقيا وأوغندا ونيجيريا وتنزانيا وكينيا ناهيك عن إسرائيل التي قطعت شوطاً كبيراً في تطوير التعليم إذا ما قورنت بمصر والعالم العربي.

والواقع أن تقرير مؤسسة "ويبومتريكس" الذي أشار إلى ضعف مستوى المؤسسات التعليمية في مصر ليس هو الأول من نوعه، فقد سبقته سلسلة طويلة من التقارير الدولية، ففي العام 2009 أظهر التقرير السنوي لمناخ الاستثمار أنه رغم الزيادة الكبيرة في عدد المؤسسات التعليمية في مصر والبلدان العربية إلا أن فعالية نظام التعليم لازالت محدودة .

تبقى الإشكالية السابعة، وهي أن المحاولات المصرية لإصلاح العملية التعليمية هامشية وغير مقننة، إذ اقتصرت معظم جهودها على المشروعات والبحوث والتوصيات في إطار اعتبار التعليم نظاما أكاديميا فنيا يتطلب تغييرات محدودة في مؤسساته وإداراته ومناهجه، لذلك ظلت التوصيات مجردة ومنفصلة عن أحوال سياقها المجتمعي الراهن والمستقبلي، وعن العالم الخارجي والمجتمع والحياة الإنسانية.

أزمة التعليم المصري وانعكاساتها على البناء الديمقراطي إن أهمية التعليم مسألة لم تعد اليوم محل جدل في أي منطقة من العالم، فالتجارب الدولية سواء التاريخية أو المعاصرة أثبتت أن التقدم الديمقراطي الحقيقي يبدأ بإصلاح التعليم.

فكل الدول التي أحرزت شوطاً كبيراً على طريق الديمقراطية، أولت أهمية كبرى للتعليم من خلال دعم وتطوير المناهج الدراسية والإعداد الجيد للمعلمين بعيداً عن الطرق البنكية التي تعتمد الحفظ والتلقين.

فعندما هَزم نابليون بونابرت الألمان في بداية القرن التاسع عشر، سادت مشاعر اليأس بين الألمان، فوجه الفيلسوف الألماني (فيخته) خطابا إلى الأمة الألمانية، شرح فيه أن الهزيمة كانت تربوية قبل أن تكون عسكرية، وأن الخلاص يكمن في استبدال النظام التعليمي الألماني بتربية جديدة، تنبذ التدريب الميكانيكي للذاكرة وأساليب الحفظ والتلقين.

وطالب "فيخته" النظام التربوي الألماني بتبني ثلاثة أهداف عليا جديدة هي: خلق نوع مختلف من البشر، ورفع المواطن الألماني إلى مرتبة الإنسان الكامل، والتوقف عن دفع الطالب إلى التفكير في عجزه عن التفكير.(8) وتؤمن المجتمعات المتقدمة أن دعم مؤسساتها وبرامجها التعليمية خطوة رئيسة للحفاظ على تفوقها، فعلى سبيل المثال استطاعت فنلندا أن تصل بإجمالي ناتجها المحلى إلى ما يساوى إجمالي الناتج المحلى لعدة دول نامية مجتمعة.

لذلك نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948 على الكثير من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كمبادئ عامة، ومنها الحق في التعليم على أن يكون بالمجان في مراحله الأولى.

كما نص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته الثالثة عشر على تأكيد الحق في التعليم والثقافة، ونص في المادة الرابعة عشرة على مجانية التعليم في مراحله الأولى.

والقراءة الدقيقة والرصد الأمين للواقع التعليمي في مصر يكشف عن أن برامج التعليم المطبقة تؤدى دورا معاكسا حيال قيم الديمقراطية، حيث تسود قيم التسلط وسيطرة المناخ السلطوي سواء في المناهج أو الهياكل التنظيمية والبشرية للمؤسسات التعليمية.

لذلك بات التعليم المصري موضع نقد لاذع من قبل الأوساط التربوية والسياسية والاقتصادية، لاسيما وإنه يعتمد على التلقين والقولبة لشخصية المتعلم بينما يتخلف عن مواكبة المتغيرات والاحتياجات المجتمعية في عصر العولمة وثوراته في مجالات المعرفة والاتصالات.

وعلى الرغم من أن نظم التعليم في مصر شهدت في نصف القرن الأخير نموا كميا، إلا أن كل الشواهد تؤكد أن هناك تراجعا كبيرا في مستوى الوعي السياسي والانتماء والمواطنة والإيمان بالديمقراطية.

والواقع أن أسباب جوهرية تحول دون بناء دور حيوي للتعليم في دفع عجلات المسار الديمقراطي منها الطابع السلطوي للمؤسسات التعليمية فضلا عن طابعها التجاري حيث تتحول عملية التربية بحسب دراسة ليزيد عيسى السوطي بعنوان "السلطوية في التربية العربية" من رسالة سامية إلى سلعة تجارية، وهي عملية تؤدى إلى تشيئ التربية بعد تشيئ الإنسان نفسه، حيث إنه يحول التربية إلى بضاعة استهلاكية تباع وتشترى وتخضع لقانون العرض والطلب، ويستطيع البعض الحصول عليها بينما يعجز البعض الآخر عن ذلك.(9) وراء ذلك تقف البيروقراطية وغياب روح الابتكار عاملا مهما وراء تراجع دور التعليم في ترسيخ الديمقراطية التي تعتمد أساساً على التحرر والانفتاح بعيداً عن الجمود والتقليد والأفكار المعلبة.

لذلك يبقى التعليم الجيد والديمقراطية وجهان لعملة واحدة، والعلاقة بينهما جدلية يتأثر فيها كل طرف بالآخر.

ولا يمكن للمؤسسة التعليمية الإسهام بفاعلية في ترسيخ منظومة القيم الأخلاقية والعلمية والتفكير الواعي، بمعزل عن بيئة تربوية ديمقراطية.

ولذلك تعتمد الكثير من الدول على ربط مؤسسات التعليم ومناهجها بواقع الحياة المدنية وما فيها من ممارسات عامة عن طريق إثراء التجربة المباشرة للطلاب من خلال بعض الأنشطة التي تدرب الطلاب على خوض التجربة الديمقراطية منذ الصغر.

ففي كندا، مثلاً، يتم التعاون بين المدارس الكندية الابتدائية والبلديات بتأسيس نموذج (مجالس محلية) للأطفال تحاكى بتشكيلها وتنظيمها والياتها وإدارتها ومهماتها المجالس البلدية الرسمية.

من هنا يتاح للطلاب تعلم العملية الديمقراطية ومبادئها وكيف تتم منذ الصغر وممارستها ميدانيا بحيث يكونون معدين لها عندما يكبرون لاستكمال ذات الطقوس الانتخابية.

إصلاح التعليم وبناء الديمقراطية: نماذج ملهمة في هذا السياق يبقى مهما إصلاح التعليم المصري، لاسيما وأن التعليم الجيد كان بوابة رئيسة في دعم وترسيخ التجارب الديمقراطية التي شهدتها العديد من المجتمعات في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، فقد التزمت هذه التجارب نظم التعليم الحديثة، حيث استعانت بعضها ببرامج دولية تتبناها بعض الدول الديمقراطية بغية تحسين التعليم من أجل الديمقراطية.

والأرجح أن التعليم لعب دوراً لا تخطئه عين في دعم تجارب التحول الديمقراطي عالميا، فعلى سبيل المثال ساهم التطور الحادث في برامج التعليم البرازيلية في الإسراع من إيقاع عملية التطور الديمقراطي التي شهدتها البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولم تقتصر جهود تطوير التعليم على مؤسسات الدولة الرسمية وحدها، وإنما لعب القطاع الخاص والمجتمع المدني دوراً محوريا في الدفع قدما بالعملية التعليمية.

على صعيد ذي شأن كان للتعليم المدني في ألمانيا دوراً مهماً في تكريس تجربتها الديمقراطية، فالمؤسسات التعليمية في ألمانيا كانت أحد عوامل تنمية الشعور بالانتماء والولاء للوطن.

فتم تأسيس معهد بون، وهو يعد المركز الرئيسي للتثقيف السياسي للمدرسين، ويعمل به عدد كبير من الخبراء المهتمين بالتثقيف السياسي للشباب من عمر 14-18 سنة.

في المقابل لعب التعليم دومًا دورًا مهمًا في تاريخ بولندا، فبعد استعادة بولندا لاستقلالها عام 1918، استطاعت ـ بفضل التعليم توحيد الأمة البولندية من جديد، ووضع وزير التعليم آنذاك يدجيفيتش Jedrzejowicz نظامًا تعليميًا أسهم في دعم التحول الديمقراطي.

هناك أيضا أنموذج منغوليا التي بدأت عملية التحول الديمقراطي في تسعينيات القرن الماضي، فقد نجحت في إدخال الديمقراطية الى القطاع التعليمي من حيث المضمون والسياسات والمؤسسات التعليمية.

ولعبت المؤسسات التعليمية دوراً تاريخيا في الدفع قدما بالعملية الديمقراطية.

إذ تحرص مراحل التعليم الأولى في منغوليا على تعليم الديمقراطية في إطار موضوع "تعليم المبادئ الأخلاقية"، وفي المرحلة الثانوية يتم التركيز على دراسة حقوق المواطنين والحرية وأسسها التي يحددها دستور منغوليا، بموجب منهج تعليمي خاص.

وثمة مداخل مهمة لإصلاح المنظومة التعليمية، أولها تطوير مفاهيم العملية التعليمية وعناصرها في مصر (المناهج-المدرس-الطالب-الإدارة المدرسية) بما يتوافق والمعايير الديمقراطية، وثانيهما تحفيز التعليم الابتكاري القائم على الحوار والتفكير بدلا من التعليم التقليدي الذي يعتمد على التلقين والحفظ.

ويرتبط المدخل الثالث بتطوير المنظومة البشرية سواء المدرس أو الطالب أو الإدارة العليا.

على جانب آخر ينبغي أن تتم عملية الإصلاح في إطار مجموعة من الثوابت التي تشكل سقف عملية التغيير والتطوير، ومنها اعتبار التعليم حقاً إنسانياً أساسياً يجب ضمانه بالقدر الكافي وبالمستوى اللائق لكل أبناء الوطن، وأن تتحمل الدولة المسئولية الأولى عن توفير وتطوير الكيانات التعليمية دون أن يعنى ذلك الإنفراد بها، وعلى أن تقدم المؤسسات التعليمية تعليما يليق بالعصر وينمى قيم التسامح وقبول الآخر والمشاركة المجتمعية.

أيضا يبقى مهما استلهام تجارب التحول الديمقراطي التي شهدتها دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، والدور المهم الذي لعبه التعليم في دعم وترسيخ العملية الديمقراطية في هذه الدول، خصوصا وأن برامج إصلاح التعليم التي جرت في هذه المجتمعات أسفرت عن حدوث تقدم واسع في ترسيخ تعليم حقوق الإنسان والديمقراطية.

طباعة
كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي- مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام