دراسات

لجنة الحقيقة: بين التجارب الدولية والخصوصية المصرية

امل مختار * 1091 1-11-2013
طباعة

تشكلت اخيرا فى مصر بعد احداث الموجة الثورية فى 30/يونيو/2013 وزارة باسم العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ولكن حتى هذه اللحظة لم يتضح بعد ما هى المهام الموكلة لتلك الوزارة، كما انه ليست هناك خطة رسمية واضحة او معلنة لمسار العدالة الانتقالية فى البلاد.

فى نفس الوقت وفى خضم النقاشات الاعلامية والصحفية عن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية تتناثر العديد من المقولات المغلوطة والافكار الخاطئة حول تلك القضايا.

وتهدف هذه الورقة لتصحيح بعض هذه الاخطاء، الى جانب التعرض بشكل تفصيلى لاحد موضوعات العدالة الانتقالية وهو تشكيل لجنة الحقيقة، من خلال التعرف على بعض الخبرات السابقة بالإضافة الى خصوصية الحالة المصرية، حيث ان النماذج لا يمكن ان تتكرر والاستنساخ غير وارد وغير منطقى بين المجتمعات والظروف المختلفة، ولهذا كانت كل لجنة للحقيقة تمتلك طابعها الخاص.

ومن المهم جدا ان تكون هناك رؤية واضحة لانشاء اللجنة المصرية.

وتسعى الدراسة لتقديم تصور مبدأى للجنة الحقيقة المصرية والرؤية التى يجب ان تحكم تشكيل وعمل وهدف اللجنة، والتى يُقترح ان تتشكل تحت اسم (لجنة الحقيقة والاصلاح).

تصحيح المفاهيم الخاطئة تنتشر بصورة كبيرة بعض الافكار المغلوطة حول مفهوم العدالة الانتقالية، ولعل اكثر هذه الافكار انتشارا وذيوعا هى ان العدالة الانتقالية مصطلح يرادف بشكل كامل مفهوم المصالحة الوطنية وكثيرا ما يتم شرح المفهوم عمليا بحالة جنوب افريقيا ولجنة الحقيقة والمصالحة الشهيرة والتى انشأها مانديلا فى 1994 بعد وصوله الى منصب الرئاسة فى بلاده وانتهاء فترة الابارتيد.

والاكثر من ذلك انه كثيرا ايضا ما يتم الاشارة الى استخدام الية العفو العام فى هذا النموذج ومن ثم الترويج لفكرة العفو كحل سحرى للصراع السياسى الدائر فى مصر سواء بعد ثورة يناير/2011 او بعد موجتها التصحيحية فى يونيو/ 2013.

وهو الامر الذى يتسبب فى قدر كبير من تشويه فكرة العدالة الانتقالية بل اثارة الكثير من الغضب فى مواجهة تطبيقها.

وهنا يجب ان تكون وقفة لايضاح ان كل ما سبق فيه قدر كبير من الاخطاء الشائعة: اولا: ان العدالة الانتقالية فى تعريفها البسيط هى تحقيق العدالة فى الفترات الانتقالية بين نظامين سياسيين، وهو ما يعنى انها فى النهاية تعنى تحقيق العدالة وهى ليست قوانين ثابتة او عالمية يتم استيرادها لتطبيقها على مجتمع ما، وانما هى تحقيق العدالة الطبيعية والحفاظ على حقوق الضحايا وفقا لقوانين الدولة ذاتها.

والخبرة الدولية فى هذا المجال تدور حول اليات تحقيق تلك العدالة فى الظروف الاستثنائية خلال الفترات الانتقالية وبعد سقوط الانظمة وفترة بناء انظمة جديدة.

ثانيا: على ارض الواقع اختلفت كل دولة فى طريقة تحقيق العدالة فى فتراتها الانتقالية وفقا لعدة عوامل منها رؤية النظام الجديد، قوة النظام السابق، حجم الانتهاكات ونوعيتها..الخ.

وهو ما يعنى ان فكرة وجود نموذج واحد او ثابت للعدالة الانتقالية امر غير صحيح على الاطلاق.

ثالثا: ان العدالة الانتقالية لا تتطابق مع المصالحة الوطنية، ولكن المصالحة هى احد اليات او طرق او مكونات العدالة الانتقالية.

وفى بعض الخبرات الدولية كانت رؤية النظام الجديد هو تحقيق العدالة الانتقالية من خلال اداة المصالحة الوطنية، وبالطبع النموذج الاكثر شهرة على الاطلاق هو نموذج جنوب افريقيا وهو الامر الذى يُفسر انتشار الفكرة الخاطئة حول المساواة بين العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

بينما هناك دول اخرى تبنت اليات اخرى، الارجنتين على سبيل المثال تبنت منذ بداية النظام المدنى بعد سقوط النظام العسكرى السلطوى فى 1983 فكرة تحقيق العدالة الانتقالية عن طريق الية المحاكمات وليس عن طريق المصالحة مع المذنبين من رجال النظام القديم.

وعلى الرغم من تأخر المحاكمات وتعرج المسار الا انه فى نهاية المطاف وصل الى المحاكمات العادية وصدرت العديد من الاحكام .

رابعا: خطأ شائع ذائع الصيت ايضا، هو ان المصالحة الوطنية تعنى بالضرورة العفو العام وافلات المذنبين من العقاب.

وهو بالفعل امر غير صحيح على الاطلاق، فنموذج جنوب افريقيا الذى يعتبره البعض رمز العفو العام، تقول الارقام انه من بين 7116 طلب عفو، لم تمنح اللجنة عفوها إلا لـ 1312 أى رفضت أكثر من 80 % من الطلبات .

كما ان ذلك العفو لم يكن ابدا عفوا عاما ولكنه كان عفو خاص ومشروط.

وقد كانت هذه الشروط هى: الاعتراف بالذنب، وان يكون المذنب قد ارتكب الذنب بناءً على اوامر من قيادته العليا فى ظروف لم يكن له القدرة على رفضها، وان يقوم طالب العفو بتقديم طلبه بنفسه واحيانا كثيرة كان يُشترط موافقة الضحية او ذويها.

وفى الحقيقة ان الفكرة المغلوطة تترتب على هذا النحو: ان العدالة الانتقالية تساوى تجربة جنوب افريقيا، ثم ان جنوب افريقيا اختارت طريق المصالحة الوطنية، ثم ان المصالحة الوطنية حدثت من خلال تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة تلك اللجنة التى منحت العفو العام لكافة المذنبين، وعلى هذا الاساس تكون العدالة الانتقالية وتشكيل لجنة الحقيقة هى وسيلة الجناة للإفلات من العقاب.

اذاً ان الاوان لفك ذلك الارتباط الذهنى السائد بين مفهومى المصالحة الوطنية والعفو العام.

وايضا تعريف مفاهيم لجنة الحقيقة والعدالة الانتقالية والمصالحة والعفو تعريفا صحيحا.

لجنة الحقيقة...

ماهى؟ وما الهدف من تشكيلها؟ وكيف تؤدى عملها؟ لجان الحقيقة هي هيئات مؤقتة، ويتم تشكيلها وتخويل السلطات لها من طرف الدولة، سواء من السلطة التنفيذية او التشريعية، وهي هيئات غير قضائية تتمتع بنوع من الاستقلال القانونى والمالى، ويتم تشكيلها غالبا في مرحلة من مراحل الانتقال السياسى، سواء من الحرب إلى السلم أو من الحكم الاستبدادى إلى الديمقراطية؛ وهى تركز على الماضى، وتحقق حول نماذج من الانتهاكات الخاصة المرتكبة خلال مدة من الزمن، وليس فقط حول حدث خاص بعينه، وتنهي فى معظم الأحيان عملها بتقديم تقرير نهائى يتضمن الاستنتاجات والتوصيات .

ومن المهم أن نفرق بين لجان الحقيقة والهيئات القضائية، حيث ان صلاحياتها اقل بكثير من سلطات المحاكم .

1.

فوائد انشاء لجنة الحقيقة: فى واقع الامر ان الحديث عن مكونات العدالة الانتقالية باعتبارها موضوعات منفصلة هو امر غير صحيح على الاطلاق، لانه مع التسليم بأن الكشف عن الحقيقة هو احد المكونات الى جانب مكون المحاكمات وجبر الضرر (التعويضات) والاصلاح المؤسسى والمصالحة فإن هذه المكونات تعد فى نفس الوقت من الفوائد المترتبة على تشكيل لجنة الحقيقة.

كما ان التعامل مع هذه المكونات لا يكون بشكل منفصل وانما متداخل الى حد بعيد، ويختلف من نموذج لاخر وفقا لرؤية الدولة وخيارها الوطنى وما تملكه من قدرات لادارة مسار عدالتها الانتقالية.

وعلى هذا الاساس يمكن تصور فوائد تشكيل لجنة الحقيقة الوطنية من زاويتين: اولا: حفظ الذاكرة الوطنية ثانيا: تحقيق مكونات العدالة الانتقالية بصورة سليمة اولا: حفظ الذاكرة الوطنية: ان الحق فى المعرفة حق معترف به فى القانون والمنظمات الدولية كما انه معترف به من المحاكم الوطنية فى العديد من دول العالم وهو حق الضحايا وذويهم فى معرفة حقيقة ما حدث لهم وتحديد هوية الجناة والاعلان عن الانتهاكات التى حدثت فى الماضى، ان هذا الحق ليس قاصرا فقط على الضحايا ولكنه حق للمجتمع ككل، بل انه واجب على الدولة ان تحفظ ذاكرة الامة وتوثق حقيقة الانتهاكات وتحدد هوية المرتكبين واسباب وقوع تلك الانتهاكات ومصير الضحايا والكشف عن الاضرار المترتبة عن تلك الانتهاكات سواء على الضحايا او على المجتمع بأكمله.

ولان لجان الحقيقة وفقا لتعريفها هى هيئات تعمل على نطاق واسع وليست مجرد لجنة لتقصى الحقائق فى قضية بعينها، فهى تحصل على كم كبير من الشهادات والادلة يجعلها بمثابة مخزن للذاكرة او ارشيف وطنى كبير.

ففى البيرو خلال سنتين جمعت لجنة الحقيقة والمصالحة 17 الف شهادة.

وفى جنوب افريقيا خلال مدة عملها التى وصلت الى 3 سنوات جمعت لجنة الحقيقة والمصالحة نحو 22 الف شهادة .

ومن المهم جدا لاى شعب وهو ينتقل من نظام الى اخر ان يكون هناك قدر من الثوابت والحقائق التى يقف عليها حتى يستطيع ان يخطو الى الامام.

وكتابة الحقيقة كما حدث فى العديد من التجارب الدولية تجعل المجتمع يبدأ فى بناء نظامه الجديد على اساس ان النظام السابق كان يستحق ان ينتهى.

ما حدث فى مصر بعد سقوط نظام مبارك انه لم تُكتب الحقيقة ومن ثم ساد المجتمع حالة من الشك والريبة والتخبط والتساؤلات حول منطقية الثورة من الاساس، وبقينا عالقين فى جدل حول هل كان من الضرورى انهاء هذا النظام؟ حتى وصل الامر الى التشكيك فى وجود خطة للتوريث من الاساس او التشكيك فى وجود فساد او ان الشعب كان يعانى من الفقر وتدنى الخدمات الصحية والتعليمية او ان الشرطة كانت تمارس انتهاكات انسانية او تزوير الانتخابات وغيرها.

كذلك الامر سيتكرر اذ انتهى نظام مرسى (الاخوان) وبدأ نظام جديد دون كتابة الحقيقة سنظل عالقين مرة اخرى فى جدل جديد هل كان هناك منطق من اسقاط رئيس منتخب؟ وسنقع فى نفس الخطأ السابق وهو انقسام المجتمع بين التهويل من جرائم النظام السابق وشيطنته وتخوينه وبين التهوين من اخطاءه واعتباره مظلوما تعرض لانقلاب غاشم! اذا من المهم جدا ان نقتفى اثر التجارب الدولية الاخرى فى توثيق الحقيقة حتى يكون لدينا كمجتمع ارض مشتركة ننطلق منها للمستقبل.

ثانيا: تحقيق مكونات العدالة الانتقالية بصورة سليمة هناك فارق كبير بين تحقيق مكونات العدالة الانتقالية بشكل عشوائى وبين تحقيق هذه المكونات وفقا لمبدأ البدء بالكشف عن الحقيقة اولا.

فعلى سبيل المثال اذا بدأ النظام الجديد بتنفيذ الية جبر الضرر وتعويض الضحايا قبل كتابة الحقيقة سنكون امام مشهد غير صادق وغير فعال تماما كما كان المشهد المصرى منذ اندلاع ثورة يناير وحتى اليوم.

لانه فى هذه الحالة سيتحول الى طريقة لإسكات الضحايا.

ويكمن الخطر هنا فى امرين، اولا: فى ضياع حقوق العديد من الضحايا عن طريق اسكات جزء منهم بالحصول على بعض التعويضات المالية او حتى المعنوية مثل اطلاق اسم الشهداء على محطة المترو التى كانت تحمل اسم الرئيس الاسبق مبارك او ادراج اسماء بعض من سقطوا قتلى فى احداث يناير وما بعدها ضمن قوائم المستحقين للتعويضات وهو ما يعنى ان الامر انتهى وانه لا مجال لفتح اى حديث اخر حول اسماء اخرى او ضحايا من نوع اخر، اذاً انتهت القضية عند هذا الحد.

ثانيا: فى عدم مصداقية هذه القوائم بمعنى ان السرعة فى اجراءات التعويضات قبل الكشف عن الحقيقة ربما تؤدى الى نتائج عكسية.

على سبيل المثال فإن عمل قوائم بأسماء الشهداء المستحقة اسرهم للتعويضات او المصابين المستحقين هم للتعويضات قبل الكشف عن حقيقة ما حدث ربما تمنح التعويض لبعض الافراد المعتدين على منشئات امنية او عامة وربما تكون الضحية الحقيقية هنا هو عنصر الامن او الموظف العام الذى كان يدافع عن مؤسسته الامنية او العامة.

ومن ثم فهناك خطر كبير فى اتخاذ اجراءات التعويضات قبل كشف الحقائق، حيث ان التعويضات الرسمية تعنى اعتراف رسمى من الدولة بأن هذا الشخص هو الضحية، وهو الامر الذى يجب ان يتم استنادا الى تحقيقات وبحث لكشف الحقائق اولا.

اما علاج المصابين ومساعدة الارامل كان من المفترض ان يكون فى اطار قوانين التكافل الاجتماعى وحق المواطن فى الرعاية الصحية وغيرها من برامج وزارات الصحة والشئون الاجتماعية الى حين ان يكتمل مسار لجنة الحقيقة ثم بعد ذلك يأتى الاعتراف الرسمى للدولة والاعتذار لهؤلاء الضحايا وذويهم ومحاسبة الجناة عن طريق محاكمتهم ثم تعويض الضحايا وجبر ضررهم معنويا ثم ماديا وبصورة علنية ورسمية.

هذه هى الطريقة السليمة الوحيدة للتعويض وجبر الضرر وغير ذلك مسارات ملتوية لن تُجبر ضررا ولن تُسكن ألما ولن تحفظ كرامة ولن تٌصلح مستقبلا وتضمن عدم تكرار التجاوز مرة اخرى.

مثال اخر اذا قام النظام الجديد بتفعيل الية اصلاح المؤسسات قبل الكشف عن الحقيقة وتحديد مواطن الفساد فى جسد كل مؤسسة على حدا وتحديد العناصر الفاسدة بهدف استئصالها او عزلها سنكون امام مشهد مدمر للدولة تماما مثل المشهد العراقى فى 2003.

ففى العراق ما حدث هو التطهير الكلى والعزل القوى وهو ما عرف بكلمة اجتثاث البعث كناية عن عمق عملية العزل وقوتها.

وقد كان النقاش هناك حول الخيار بين اتباع احد المنهجين اما منهج الاجتثاث وما صاحبه من حل لكافة الكيانات الهامة فى الدولة بما فيها الجيش والمخابرات والوزارات .

وبين منهج الابقاء الكامل على كافة المؤسسات كما هى.

بينما ما غاب عن المشهد عمدا او سهوا ان يكون هناك عدالة انتقالية تشتمل على لجنة للحقيقة غير محسوبة على حزب البعث (النظام السابق) او النظام الجديد برافديه العراقى والامريكى، ورؤية صادقة لاصلاح المؤسسات بدلا من حلها وترك المجتمع بلا مؤسسات تدير شئونه، ومحاكمة المذنبين فقط وليس تسريح مئات الالاف من اعمالهم دون سند قانونى او دليل واضح لادانتهم وتركهم بلا وظائف ومنهم العسكريون المسلحون وهو ما افضى الى الاعوام العشر السابقة من الفوضى والارهاب والعنف والفشل.

اذا فإنه من الضرورى النظر الى لجنة الحقيقة باعتبارها نقطة البداية والانطلاق لمسار عدالة انتقالية سليمة ومفيدة وفعالة تجبر ضرر الماضى وتضمن مستقبلا اكثر عدالة واقل فسادا وظلما.

2.

الرؤية الحاكمة لانشاء اللجنة (الهدف من تشكيل اللجنة) بشكل عام يكون واضحا فى الديباجة الاولى فى قرار تشكيل لجنة الحقيقة الهدف من إنشاءها ورؤية النظام الجديد من المسار الكلى للعدالة الانتقالية.

ولكن من الجدير بالذكر الاشارة الى انه ليست هناك نسخة واحدة لهذه الديباجة او حدود ثابتة لعمل كل لجان الحقيقة فى العالم.

ففى مقابلة مع بول سيزر، نائب رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية، قال: "انه اثناء عمل المركز في نحو 40 دولة على مدى السنوات العشر الماضية؛ قلما يكون الأمر متعلقاً بالنظريات؛ بل يرتبط في كثير من الأحيان بالأدوات المتاحة للدولة نفسها" .

ان من اهم اسباب شهرة لجنة الحقيقة والمصالحة الجنوب افريقية هى انها جاءت من رحم رؤية وطنية خالصة تدرك ما يحتاجه المجتمع داخل هذا الوطن الذى عانى لعقود من سياسات قاسية من الفصل العنصرى، ومن ثم لا يصح على الاطلاق استنساخ هذا النموذج فى الحالة المصرية.

ففى جنوب افريقيا كانت الرؤية هى ضرورة ايجاد مخرج عادل لتعايش الضحايا مع الجناة وكان المخرج هو الاعتراف العلنى امام اجهزة الاعلام فى بث حى ومباشر للشعب كله بهدف جبر ضرر الضحايا وتقديم الاعتذار الرسمى لهم على كل ما لحق بهم من اهانات وانتهاكات جسيمة وفى نفس الوقت السماح بحيز ولو ضيق لمنح العفو الخاص.

اما فى الارجنتين كانت رؤية النظام الجديد هو تجميع الادلة الممكنة لفتح باب المحاكمات ضد رجال النظام القديم وهم من رجال المؤسسة العسكرية وقد كانت الحقيقة المذكورة فى التقرير النهائى هى الوثائق والادلة الوحيدة لادانة هؤلاة المذنبون.

اما فى الحالة المصرية من الضرورى جدا ان تكون رؤية النظام الجديد من تشكيل لجنة الحقيقة متناسبة مع طبيعة الفترة الانتقالية، بمعنى ادق انها ليست فترة سلم بعد صراع عرقى او اهلى طويل كما انها ليست انتقال بعد سقوط نظاما قمعيا خلف وراءه عشرات الالاف من الضحايا، حتى ان ترديد مصطلح (الاختفاء القسرى) فى بعض المقترحات حول العدالة الانتقالية فى مصر فيه قدر كبير من الاستنساخ والنقل الغير مبرر فى الحالة المصرية.

صحيح ان هذا المصطلح هو باب رئيسى فى كافة الادبيات الخاصة بالعدالة الانتقالية لكن نقله وترديده فى الحالة المصرية لا معنى له.

ففى الارجنتين تم انشاء اللجنة بالكامل تحت اسم (اللجنة الوطنية لدراسة مشكلة الاختفاء القسرى) وذلك لان النظام العسكرى القديم كان يتبع منهج القبض على الشباب اليسارى واستجوابه داخل معتقلات سرية ثم قتله بصورة سرية ايضا ثم يتخلص من الجثث اما بالحرق او بالالقاء فى المحيط.

ولم تكن هناك اى معلومات طوال 6 سنوات حول مصير نحو 35 الف من ابناء التيار اليسارى حيث لم تعترف الحكومة انذاك بأنهم ماتوا ومن ثم عند سقوط النظام ومجئ نظام مدنى ديمقراطى شكل اللجنة للبحث عن حقيقة الاختفاء القسرى لهؤلاء الشباب ولتجميع ادلة لتوجيه الادانة لقيادات النظام القديم.

وبالنسبة للحالة المصرية لا يمكن التعامل مع بعض الحالات الفردية المختفية باعتبارها ظاهرة تحتاج الى انشاء لجنة حقيقة على اساسها.

كما ان تحقيق المصالحة الوطنية بمعنى المصالحة بين فريقين او عرقين او طائفتين كما فى حالات جنوب افريقيا وتيمور الشرقية وسيراليون امر ايضا لا ينطبق على الحالة المصرية، حيث ان حالة الصراع المجتمعى الذى ظهر فى مصر عقب ثورة يناير وازدادت حدته بعد وصول مرشح الاخوان المسلمين محمد مرسى الى الحكم وازداد اكثر بعد عزله ليس صراعا بين عرقين او طائفتين يمكن التمييز بينهم مثل السكان الاصليين والوافدين فى جواتيمالا او كندا او بين السود والبيض فى جنوب افريقيا او بين الهوتو والتوتسى فى رواندا.

ولكنه صراع فكرى وانتماءات حزبية لا يمكن التمييز فيها بين الطرفين.

ومن ثم تحتاج المصالحة المصرية لبعض الاجراءات التى تمهد الطريق امام التعايش السلمى مثل تنمية الثقافة السياسية وتحويل طاقة الصراع اللفظى والمادى الى منافسة حزبية كذلك تقنين عمل الاعلام حتى يكون سببا فى تخفيف حدة الاستقطاب.

وتحسين الاوضاع الاقتصادية لتقليل نسبة البطالة ومن ثم امتصاص حالة الغضب عند الشرائح العمرية الصغيرة.

ولا شك ان توثيق الحقيقة واعلانها سيكون له اثر هام على تهدئة الضحايا وذويهم وهو الامر الذى من شأنه بالطبع ان يمهد الطريق امام التعايش السلمى والمصالحة بمعناها الواسع والعام.

لكن الرؤية المصرية للمكون الرئيسى فى تشكيل لجنة الحقيقة ينبغى ان تكون هى تشكيل اللجنة بهدف تشريح مؤسسات الدولة والمجتمع المصرى ومعرفة الاسباب التى ادت الى حدوث تلك الانتهاكات والتجاوزات التى كانت سببا فى قيام الانتفاضات الشعبية المتتالية من 2011 وحتى 2013 بهدف اصلاح مؤسسات الدولة الامنية والادارية والسياسية وضمان عدم تكرار تلك الانتهاكات فى المستقبل.

اذا فالحالة المصرية تحتاج الى لجنة حقيقة تحت اسم (لجنة الحقيقة والاصلاح) قائمة على اساس رؤية واضحة لنظام جاء بعد سقوط نظامين بأن الهدف الاسمى هو اصلاح المستقبل وتمهيد الطريق امام بناء دولة القانون والعدالة والحكم الرشيد الذى لا يمكن ان تكون الا من خلال مؤسسات صالحة تتبع معايير الشفافية والنزاهة وتحترم حقوق الانسان.

وهذا الاصلاح لا يمكن له ان يكون فعالا الا اذا كشفنا حقيقة الفساد المالى والادارى والاخلاقى الذى ادى الى هذه العقود من الانتهاكات الحقوقية والاقتصادية الكبيرة.

3.

طريقة انشاء اللجنة عادة ما يتم انشاء اللجان اما بقرار من السلطة التنفيذية او من خلال البرلمان وكثيرا ما يكون هناك مادة فى الدساتير الجديدة بالتوصية بإنشاء تلك اللجنة.

وتعد كندا هى الاستثناء الوحيد التى انشأت لجنة الحقيقة فى 2009 نتيجة لعملية قضائية.

ونظرا لأهمية ان تنشأ لجنة الحقيقة المصرية لجنة قوية ذات تأييد شعبى واسع يمكنها من النجاح فى القيام بدورها، يكون من الافضل ان يأتى الدستور المصرى الجديد متضمنا بندا حول العدالة الانتقالية وموصيا بتشكيل اللجنة، لتكون بداية الطريق السليم والواضح والقوى لطى صفحة الماضى والانطلاق نحو المستقبل واصلاح مؤسساته.

كما انه تحتاج اللجنة الى خطوات تمهيدية قبل اصدار مرسوم تشكيلها سواء من الرئاسة او البرلمان، تكون هذه الخطوات عبارة عن حوار مجتمعى واسع حول طبيعتها ونطاق عملها، حتى تستمد قوتها وشرعيتها من الشارع قبل ان تتشكل من قبل الجهة الرسمية المخولة بتشكيلها وفقا للدستور الجديد.

4.

اختيار مفوضى (اعضاء) اللجنة هناك طرق كثيرة لاختيار أعضاء اللجنة.

وعلى سبيل المثال، قد يكونون مواطنين (مثال الأرجنتين) أو كلهم دوليين (مثال السلفادور) أو خليطا من الاثنين (كما في سيراليون) .

كما ان الخبرات الدولية تشير الى ان اختيار المفوضين اما يكون بناء على مؤهلاتهم وخبرتهم القانونية والحقوقية، او بناء على تقسيمات عرقية او طائفية لضمان تمثيل جميع الاطراف فى المجتمعات متعددة الاعراق، وهى قاعدة تتعلق بظروف خاصة.

اما فى الحالة المصرية لعل اهم القواعد التى يمكن الاستفادة منها هى، اولا: اهمية ان يكون هناك مشاركة مجتمعية لاختيار هؤلاء الاعضاء حتى مع التسليم انهم فى النهاية يتم تعينهم من قبل احد السلطات الثلاث فى الدولة، الا انه من الافضل جدا ان يسبق هذا التعيين ترشيحات من الجهات المختلفة فى الدولة.

وهو ما حدث فى اختيار مفوضى لجنة جنوب افريقيا، حيث كان الاختيار عن طريق مطالبة الحكومة للجهات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدنى والجهات المختلفة بتقديم مرشحين وقد كان اجمالى عدد المرشحين 300 تم تقليصهم الى 50 ثم 25 بطرق شفافة ومعروضة على الاعلام ثم قام الرئيس مانديلا باختيار 17 من بين ال 25.

ثانيا: اهمية الاختيار على اساس مؤهلات تتعلق بالقانون والحقوق بالإضافة الى التاريخ المشرف، ومثال على ذلك لجنة شيلى البالغ عددهم 8 اعضاء جميعهم اما محامين او اساتذة قانون فى الجامعة او وزراء عدل سابقين.

ثالثا: من المهم ايضا ان يكون هناك تمثيل للمرأة من بين المفوضين.

ففى لجنة سيراليون كانت تطلب بعض الضحايا ان تكون جلسات الاستماع سرية ونسائية فقط وغالبا كانت فى قضايا الانتهاكات الجنسية.

رابعا: تمثيل الشرائح العمرية المختلفة، ففى لجنة شيلى ايضا تدرجت الاعمار بين راؤول ريتيج رئيس اللجنة والتى تعرف الى اليوم باسمه، والذى كان محامى وسفير سابق يبلغ من العمر 90 عاما.

وبين اصغر الاعضاء خوسيه زالاكات وهو حقوقى تعرض للاعتقال والنفى ابان الحكم العسكرى وتعلم الكثير عن الحقوق والعدالة فى فترة نفيه وكان عمره وقت تشكيل اللجنة 44 عاما(تقرير شيلى)، وهو اليوم من اهم واشهر الخبراء فى مجال العدالة الانتقالية وتستعين به العديد من الدول فى انشاء لجان الحقيقة فيها بما فى ذلك جنوب افريقيا فى 1995.

ولعل القاعدة الذهبية التى يجب ان ينبنى عليها اختيار مفوضى لجنة الحقيقة المصرية هى عدم ارتباط اسم المفوض بمصالح مع اى من النظامين السابق او الاسبق او مع النظام الحالى، والا يكون منتميا الى اى فصيل او حزب سياسى، وذلك لضمان نزاهة وحيادية عمل اللجنة وايضا لضمان حصولها على ثقة ودعم المجتمع الذى وصل الى اقصى درجات الاستقطاب والتخوين المتبادل.

كما ان الخبرات الدولية تشير الى ان عدد المفوضين يتراوح بين 3 الى 17 لكن على اى حال هو امر غير ملزم، لكن فى الواقع ان العدد يجب ان يكون مناسبا لحجم عمل اللجنة، الذى هو من المتوقع ان يكون كبيرا ومتعددا فى الحالة المصرية بين انتهاكات مدنية واقتصادية وسياسية، وهو الامر الذى يحتاج اختيار مفوضين ذوى مؤهلات اخرى غير قانونية منها خبراء اقتصاد وربما رجال دين ايضا.

ومن ثم من المتوقع ان يكون عدد المفوضين كبيرا لكن منطقيا ايضا بحيث يسهل العمل الجماعى بين المفوضين، ومع التأكيد ان اللجنة فى تشكيلها تحتوى بالضرورة على طاقم عمل فنى وميدانى وادارى يعاون المفوضين فى عملهم وفى عملية البحث والتحقيق والتوثيق.

من المفيد ايضا ان يكون عدد المفوضين فرديا لتسهيل استخدام الية التصويت فى الموضوعات الخلافية.

من جانب اخر ومن متابعة عمل العديد من اللجان السابقة يتضح ضرورة التأكيد على التفرغ التام للمفوضين، بمعنى انه لا يصح ابدا ان يظل المفوض يقوم بمهام عمله الدائم بالإضافة الى مهام عمله الجديد المؤقت كمفوض فى اللجنة، وهذا امر مهم جدا التنويه عنه فى مصر والتى تشهد ظاهرة قيام شخص واحد بشغل اكثر من منصب وعمل فى ذات الوقت.

ان كتابة حقيقة عقود من تاريخ مصر الحديث وتحليل اسباب الانتهاكات واستخلاص توصيات باصلاح المستقبل عمل لا يصح ان يكون جزء من مهام المفوض ولكن يجب ان يكون كل عمله خلال الفترة الزمنية المحددة لعمل اللجنة.

5.

استقلالية اللجنة ان لجنة الحقيقة من تعريفها هى لجنة مستقلة، بمعنى انها على الرغم من انها تنشأ وفقا لقرار من رئيس الدولة او البرلمان او حتى اذا ما تم النص عليها فى الدستور الا انه يجب ان تقوم بعملها باستقلالية كاملة بعيدا عن اى توجيه حكومى او غير حكومى.

ويعد الاستقلال المالى هو اهم الضمانات لتحقيق هذا الاستقلال والحياد بالإضافة طبعا لحسن اختيار المفوضين.

وهو الامر الذى لا مجال لخلاف فيه وفقا لخصوصية اى حالة.

6.

حدود عمل اللجنة من المهم عند تشكيل اللجنة مراعاة وضوح حدودها الزمنية والتخصصية، بمعنى ان اللجان الناجحة هى تلك اللجان التى يكون واضحا فى ديباجتها حدود الفترة الزمنية التى ستختص اللجنة بالبحث فيها، وايضا مجالات الانتهاكات التى ستتعرض لها.

ففى لجنة البيرو قررت ان تستمع الى انتهاكات الحقوق السياسية والمدنية فقط فى حين ان لجنة سيراليون مثلا ضمت كذلك الحقوق الاقتصادية والثقافية.

ولجنة شيلى حددت ان مهامها تقتصر على قضايا القتل ولم تقبل قضايا التعذيب.

وبالنسبة للحالة المصرية ينبغى ان تقدم نموذجا جديدا يتفق مع واقع الحدث الذى تعيشه مصر، حيث ان معظم الخبرات السابقة كانت تختص بكشف حقيقة انتهاكات حقوق الانسان مثل القتل والتعذيب والفصل العنصرى والابادة الجماعية والقتل على الهوية والاختفاء القسرى.

اما فى مصر بالإضافة إلى الانتهاكات الإنسانية هناك انتهاكات مالية وسياسية، وعلى هذا الاساس من المهم جدا ايجاد تصنيف واضح وجلى لانواع الانتهاكات، وهو الامر الذى من شأنه تسهيل التفريق فى التعامل مع المتجاوزين وإمكانية العفو من عدمه وفقا لنوع الانتهاك.

7.

نشاط (طريقة عمل) اللجنة ان لجنة الحقيقة تقوم بعملها وتحقق الاهداف المرجوة منها من خلال مجموعة من الانشطة وتختلف ايضا لجان الحقيقة فى منهج عملها وفقا لرؤية اللجنة ومفوضيها وايضا وفقا للحقوق الممنوحة لها لاداء عملها.

فهناك لجان امتلكت الحق فى استدعاء الشهود واجراء معاينات وفتح ملفات هامة فى مؤسسات الدولة الحساسة ونبش القبور وتشريح الجثث، بينما ظلت لجان تقوم بعملها فى اطار حقوق ضيقة جدا من خلال تلقى اعترافات وشهادات من يريد تقديمها.

من جانب اخر تختلف اللجان فى عملها بين اسلوبى السرية والعلنية، فبينما قامت لجنة جنوب افريقيا بممارسة نشاطها امام كاميرات التليفزيون، قامت لجنة شيلى ومعظم اللجان الاخرى فى اداء مهام عملها فى غرف مغلقة.

كما ان هناك لجان تنتهج اسلوب العلنية فى الاستماع لشهادة الشهود مع الاحتفاظ ببعض السرية فى قضايا الانتهاكات الجنسية او اعترافات القصر.

وبالنسبة لمصر والموجة العربية كلها يكون من الافضل اتباع السرية، لانه ربما يتناسب مع بعض المعتقدات الدينية والاعراف العربية التى تبارك كثيرا فكرة الستر ومراعاة الحرمات ونظرة المجتمع السلبية للضحية فى احيان كثيرة فيما يخص الانتهاكات الحقوقية.

ومن ثم يكون من الافضل ان تكون الاعترافات والشهادات غير معلنة حتى يكون هناك قدر اكبر من الحرية والشجاعة فى السرد فى مجتمعات لم تتعود مواجهة مشكلاتها بصورة علنية بعد.

من جانب اخر فإن الاعترافات او البيانات حول الانتهاكات السياسية او الاقتصادية داخل مؤسسات الدولة من الممكن ان تكون مرتبطة بمعلومات حساسة من الافضل ان تبقى سرية للحفاظ على الامن القومى.

ولكن مع التأكيد على اهمية نشر التقرير النهائى ووصوله الى كافة المواطنين.

وايضا ان تقوم اللجنة بتنفيذ عملها من خلال اليات الاستماع الى اقوال الضحايا والشهود والجناة، وعمل قاعدة بيانات لحفظ هذه الاعترافات، بالإضافة الى عمل تحقيقات فى بعض القضايا عن طريق استخدام اليات مثل تشريح الجثث او معاينة بعض الاماكن او جمع ارقام وبيانات ومستندات حول الانتهاكات المالية، الى جانب نشاط اخر هام ايضا وهو عمل الابحاث الاحصائية والتحليلية حول ما يتم جمعه من بيانات ومعلومات واقوال وذلك لفهم السياق الكامل لهذه الانتهاكات المدنية والسياسية والاقتصادية.

8.

المنتج النهائى (التقرير) ان التقرير النهائى بصورة عامة يعتبر اهم خطوة فى انشطة اللجنة بشكل عام، حيث انه يعتبر النتيجة النهائية لعمل اللجنة على مدار الشهور او السنين.

كما انه يعتبر وثيقة لحفظ ذاكرة الامة فى مرحلة مهمة من تاريخها.

ففى جنوب افريقيا يعد التقرير بمثابة كتاب للتاريخ يحتوى على سرد لقصص بعض الضحايا وتوثيق لأسمائهم وحقيقة ما تعرضوا له ومعلومات عن انتهاكات الاجهزة الامنية والمؤسسات السياسية التى ادت الى استمرار سياسة الابارتيد (الفصل العنصرى) طوال تلك العقود الطويلة.

وقد تحولت اجزاء من هذا التقرير الى متاحف تعرض صور للضحايا وبعض متعلقاتهم، حتى ان متحف جنوب افريقيا للذاكرة الوطنية تم تصميمه بان يكون له بابين احدهم لدخول البيض والاخر للسود حتى يكون تجسيدا حيا امام كافة الزوار لجزء من قسوة حقيقة الفصل العنصرى فى البلاد قبل عملية الانتقال.

ويعد التقرير ايضا اهم وسائل حفظ الحقوق، حيث انه فى كثير من الحالات لم تستطع الانظمة الديمقراطية الجديدة من محاكمة المذنبين من قيادات النظام القديم فورا، لكن كان التقرير النهائى للجان الحقيقة فيها اهم وثيقة مكنت من فتح باب المحاكمات فى مراحل لاحقة، حدث ذلك الامر فى شيلى والارجنتين على سبيل المثال.

من جانب اخر يمثل التقرير النهائى ايضا وخاصة فى حالة نشره اول واهم خطوات التعويض المعنوى للضحايا ، حيث يحتوى التقرير على مقتطفات من اقوالهم.

ففى تقرير اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة فى شيلى والصادر فى فبراير/1991 جاء على لسان احد الضحايا: " لابد ان اتخلص من هذا الالم.

اتخلص من كل هذه الكراهية بداخلى.

لان الكراهية مثل المرض عندما تشعر بالكراهية بداخلك لا يمكن ان تعيش " .

ان التقرير النهائى كتاب من المفترض ان يشتمل على خلاصات هامة حول حقيقة ما حدث داخل المجتمع من انتهاكات، كما يعد ايضا مكنز لاهم المعلومات والتحليلات المبنية على تلك المعلومات التى من شأنها ان تقدم حلولا عملية وعلمية ومحايدة لاصلاح المؤسسات ومن ثم اصلاح المستقبل الى جانب وظيفته الاولية فى جبرر ضرر الضحايا ومداواة انتهاكات الماضى.

9.

صلاحيات اللجنة تتعدد صلاحيات لجان الحقيقة بين صلاحيات محدودة وواسعة.

فعلى سبيل المثال هناك لجان لا تمتلك سوى صلاحية انتاج التقرير النهائى فى حين انها لا تمتلك الحق فى نشره او توزيعه على الشعب.

فى حين تصل صلاحيات لجان اخرى الى حد فتح باب المحاكمات بناء على الوثائق التى جمعتها، كما ان لجنة مثل لجنة الحقيقة والمصالحة فى جنوب افريقيا امتلكت صلاحية منح العفو الخاص ولكن بشروط محددة مسبقا، وقد جاءت لجنة سيراليون بعدها لتقتبس هذه الصلاحية من سابقتها الجنوب افريقية.

وقد يكون من صلاحيات اللجنة ايضا كتابة توصيات لاصلاح المؤسسات وفقا لما توافر لديها من تحليل وابحاث حول الانتهاكات مثل لجنة البيرو على سبيل المثال .

اما اللجنة المصرية من الضرورى ان تمتلك صلاحيات واسعة مثل نشر التقرير النهائى وايصاله الى كافة شرائح المجتمع المصرى، كما من الضرورى جدا ان تقدم اللجنة توصيات عملية لاصلاح مؤسسات الدولة المختلفة مبنية على دراسات تحليلية ومتعمقة مستفيدة من المعلومات والاعترافات والشهادات التى تحصل عليها.

كما من المفيد ايضا ان تقدم اللجنة المصرية ملفات الى السلطة القضائية بهدف فتح باب المحاكمات فى التجاوزات المختلفة.

بالاضافة الى توصيات باليات محددة لتمهيد الطريق امام تحقيق المصالحة الوطنية والتعايش السلمى داخل المجتمع.

اما مسألة العفو فمن الافضل ان تترك للقضاء او لتشريعات جديدة من البرلمان المنتخب.

كما انه من المهم التأكيد على مراعاة الخصوصية فى استخدام صلاحيات اللجنة، فعلى سبيل المثال عندما حاولت لجنة الحقيقة فى دولة صغيرة مثل جزر سليمان من استخدام صلاحية تحقيق المصالحة الوطنية لم تكتفى بالاعتراف العلنى واعلان الندم وطلب العفو من الضحية كما هو الحال فى جنوب افريقيا، بل استحدثت وسائل ترتبط بالاعراف المحلية لهذا المجتمع الميلانيزى تضمنت هذه العملية مراسم مثل : تقديم الأطعمة ، والحيوانات ، والأموال العرفية ، وإعداد ولائم لقبيلة الشخص المتضرر وتبادل الهدايا .

والمثال على بساطة الياته يشير الى اهمية ابتكار طرق تتناسب مع طبيعة المجتمع وقيمه حتى يكون تنفيذ الصلاحيات ذو جدوى، فعلى سبيل المثال لن يكون مفيدا كتابة التقرير وتوزيعه فى نسخ مجانية على الشعب المصرى الذى تبلغ نسبة الامية فيه نحو 40% من السكان، لذلك من الضرورى ابتكار وسائل لتوزيع التقرير من خلال وسائل صوتية او مرئية الى جانب النسخة المكتوبة، الى غيره من الافكار التى تراعى طبيعة وخصوصية المجتمع المصرى.

الخاتمة ان تشكيل لجنة الحقيقة ليس مجرد قرار بهدف تجميل المرحلة الانتقالية ، انما تشكيلها يجب ان يأتى كجزء من عملية شاملة ورؤية كاملة لطبيعة مسار العدالة الانتقالية فى الدولة وهذه الرؤية يجب ان تأتى بالضرورة وفقا لخيار وطنى مبنى على اساس من فتح باب الحوار المجتمعى على مستوى النخبة والمتخصصين ومنظمات المجتمع المدنى والمواطنين بصورة عامة اما من خلال استطلاع الرأى او الاعلام او غيره من الطرق.

من جانب اخر من المهم ان تأتى لجنة الحقيقة المصرية فيها قدر من الابداع الخاص بها وبخصوصية حالة الانتقال المصرى، وتكون نموذجا استرشاديا لبقية الدول العربية التى تمر بمراحل انتقالية متعثرة، او ربما لدول عربية اخرى كخطوة اصلاحية استبقاية فيها.

طباعة
امل مختار

باحثة بوحدة العلاقات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية