دراسات

ما بعد استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية

محمد جمعة 717 30-9-2013
طباعة

 بعد توقف دام لثلاث سنوات متواصلة تقريبا استؤنفت من جديد المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، في 30يوليو2013، بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

شارك فيها عن الجانب الفلسطينى كلا من: صائب عريقات، ومحمد اشتية عضوا اللجنة المركزية لحركة فتح .

وعن الجانب الإسرائيلي: الوزيرة تسيبي ليفني ومستشار نتنياهو إسحق مولخو.

وعن "الراعي" الأميركي: جون كيري وزير الخارجية، ومارتن إنديك المبعوث الأميركي والمفوض بمتابعة ملف المفاوضات، وفرانك لونستين، وجوناثان شورتز، من موظفي الإدارة الأميركية والخارجية.

والواقع أن استئناف هذه المفاوضات لم يكن من السهولة بمكان، بل سبقتها سلسلة طويلة معقدة من اللقاءات الفلسطينية - الأميركية، وخاصة بين الرئيس الفلسطينى أبو مازن ووزير الخارجية جون كيري، بدأت في رام الله يوم 7 إبريل 2013 وتواصلت حتى يوم 19يوليو2013، حين أعلن جون كيري من العاصمة الأردنية عمان موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، على استئناف المفاوضات.

حيث سجل خلال هذه الفترة الممتدة لثلاثة أشهر أحد عشر لقاء، إضافة إلى الاتصالات الهاتفية بين الرجلين، وكذلك بين أوباما وأبو مازن.

كما عقد وفد التفاوض الفلسطينى ثلاث لقاءات في واشنطن مع الوزير كيري ( 6/5، و17/5، و19/7 /2013) ولقاء عمل آخر مع الطاقم الأميركي المساعد له.

أولا : المفاوضات بين الأمس واليوم ولعل أول ما يلفت الإنتباه فى هذه الجولة التفاوضية الجديدة، بالمقارنة بما سبقها من جولات يتمثل فى ما يلى : 1- غياب الدور المصرى: إذ للمرة الأولى تُستأنف فيها المفاوضات دون أن يكون لمصر أى دور فى ذلك.

حيث أفضت معطيات ما بعد ثورة 25 يناير إلى صعود الأردن كفاعل تقليدي من "محور الاعتدال" لملء الفراغ الذي أحدثه انكفاء مصر نحو الداخل، وذلك من خلال رفع مستوى التنسيق مع السلطة الفلسطينية لضمان عدم قطع الطريق على خيار المفاوضات...

هذا ما شهدناه خلال استضافة عمان ما سٌمى بـ "المفاوضات الاستكشافية" فى يناير من العام 2012.

وقد تأكد اضطلاع عمان بدور مركزى على هذا الصعيد من خلال عودة الحديث من جديد عن الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية .

وفى ذات الوقت تكرس الغياب المصرى على صعيد عملية التسوية خلال فترة الصعود السياسى لجماعة الاخوان المسلمين ووصول محمد مرسى إلى سدة السلطة ، حيث ألقى الإخوان بعبء العلاقة مع إسرائيل على المؤسستين العسكرية والأمنية، فيما تمحورت جهود "مرسى" فقط فى إطار العلاقات المصرية - الحمساوية ، وكذلك العلاقات الاسرائيلية – الحمساوية (وليست الفلسطينية) .

وما أن دخلت مصر مرحلة انتقالية جديدة عقب الإطاحة بمرسى يوم الثالث من يوليو2013 ، إلا وكانت قاطرة المفاوضات قد وصلت قاب قوسين من محطة الإقلاع بالفعل، وقبل أن تتمكن مصر من أن تضع قدمها فيها .

2- التزام السرية: حيث توافق الطرفان الفلسطينى والاسرائيلى، ومعهما الراعى الأمريكى، على أن تبقى هذه المفاوضات سرّية، وبعيدة عن وسائل الإعلام، وحصر التصريحات بشأنها، بشخص وزير الخارجية الأميركي جون كيري.

ولهذا جرى التكتم وعدم الإفصاح عن كل ما دار فى كل اللقاءات التفاوضية التى عقدت حتى الآن ومنذ موافقة الطرفين على العودة من جديد للمفاوضات.

حيث بدأت المفاوضات (كما هو مخطط لها) في تناول مختلف القضايا، والتداول بشأنها، دون الإفصاح عما جرى في الغرف المغلقة.

وهذا يعني أن التفاوض يَحْمِل طرفيه على قول وقبول أشياء ليس من الحكمة السياسية بثها ونشرها فى الوقت الراهن على الأقل .

3- تحديد جدول زمنى: حيث تم الاتفاق على تحديد فترة تسعة شهور لإنجاز اتفاق نهائي، وهو ما ينبغى أن يوضع في سياق الخبرة الماضية والواقع المعقد.

إذ تظهر خبرة عشرين عاماً من التفاوض أن تحديد آفاق زمنية للانتهاء من المفاوضات لا يعني على الإطلاق أنها ستصل إلى غايتها في إطار هذه الآفاق...

والشاهد أن اتفاقية كامب ديفيد 1978 كانت قد حددت خمس سنوات أمداً للمرحلة الانتقالية يعقبها التوصل إلى اتفاق نهائي ولم يحدث شيء.

وكذلك فعلت اتفاقية أوسلو 1993 ولم يحدث أيضاً أي شيء.

وحدد جورج بوش الابن ثلاث سنوات لتنفيذ خريطة الطريق التى تنتهي بدولة فلسطينية، وكان المآل واحداً.

ثم حاول فى نهاية ولايته أن يجعلها تشهد ميلاد الدولة الفلسطينية ولم ينجح.

وهاهو باراك أوباما يدخل سباق الآماد الزمنية، وليس هناك من شيئ يشى بأن المآل هذه المرة سيكون مختلفا!! ثانيا: منطلقات ومحددات يرى البعض أن الحديث الصريح عن تناول جميع قضايا الحل النهائى (ثمة مزاعم بأنه لا قضية مستثناة، أو مُرحلة، ولا بدَّ للطرفين من أن يتوصلا، هذه المرة، إلى اتفاق على كل شيء، فلا مرحلية في الحلول، وإنما في تنفيذ وتطبيق الحلول التي لن تخرج إلى الوجود إلا بطابعها النهائي) بما في ذلك أكثرها حساسية كحق العودة والقدس، هو في حد ذاته شيء إيجابي.

وقد يكون هذا صحيحاً غير أن الأهم من بحث هذه القضايا هو ما سوف يتم التوصل إليه بشأنها، خاصة وأن المفاوضات استؤنفت على قاعدة تنازلات فلسطينية كثيرة عن شروط الذهاب للتفاوض، وتراجع إسرائيلي قليل، وتطمينات أميركية بلا رصيد.

فضلا عن أن الهوة بين موقفي الحد الأدنى الفلسطيني والإسرائيلي ما تزال واسعة وأكبر مما كانت في مفاوضات لامست النجاح بين عباس وأولمرت في عام 2008، كما كانت لامست النجاح في "مفاوضات طابا" 2001.

أ- محددات الموقف الفلسطينى: ما سبق تلك المفاوضات من تصريحات رسمية فلسطينية، جاءت عَبر بيانات اللجنة التنفيذية لـ منظمة التحرير الفلسطينية، وعبر تصريحات أدلى بها الرئيس محمود عباس، كانت كافية لاستجلاء جوهر الموقف الفلسطينى تجاه هذه المفاوضات.

وفي ضوء هذه البيانات والتصريحات يمكن تلخيص المحددات الفلسطينية التي تم الاتفاق عليها مع الجانب الأميركي، من أجل استئناف المفاوضات، كما يلي: 1 - الهدف من عملية السلام: تحقيق مبدأ الدولتين على حدود 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه.

2 - المفاوضات تشمل كافة قضايا الوضع النهائي وهي (القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون، الأمن، المياه، الأسرى، دون أي استثناءات وتُحل جميعها كحزمة واحدة).

3 - لا مكان للحلول الانتقالية والمرحلية.

4- السقف الزمني لانتهاء المفاوضات من 6 – 9 أشهر، من يوم عقدها الرسمي في 30يوليو 2013.

5- يُطلق سراح الأسرى ما قبل أوسلو على أربع دفعات، وعدم ربط الإفراج عنهم بتحقيق نتائج تفاوضية.

على النحو التالي: أ‌-- 13/8/2013: 26 أسيراً، تم إطلاق سراحهم فعلياً.

ب‌ - نهاية الشهر الثالث: 26 أسيراً.

ت‌ - بداية الشهر السادس: 26 أسيراً.

ث‌ - نهاية الشهر الثامن: 26 أسيراً.

6- الاستيطان: التمسك بالموقف على اعتبار جميع الأعمال الاستيطانية غير قانونية وغير شرعية ولاغية وباطلة.

7- الدور الأميركي: ستشارك أميركا بشكل رسمي وفاعل بالمفاوضات.

8- المفاوضات سوف تجري على مستويين أ‌ - الرئيس باراك أوباما – الرئيس محمود عباس – ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والوزير الأميركي جون كيري.

ب‌ - طواقم المفاوضين.

9 - ستجري المفاوضات بالتناوب الجغرافي بين مناطق(إسرائيل) ومناطق الاحتلال العام 67.

10 - المفاوضات ستجري بشكل سري، ولن يتم الحديث حول مضمون المفاوضات مع وسائل الإعلام إلا عبر الوزير جون كيري.

11- أكد الوزير كيري أنه سوف يعمل عن قرب مع الرباعية الدولية، والدول العربية، وباقي دول العالم.

12- امتناع الجانبين عن القيام بأي أعمال من شأنها تقويض الثقة.

13- التزام الطرف الفلسطيني بما يلي: أ‌ - الاستمرار بالمفاوضات دون انقطاع.

ب‌ - الامتناع عن التوجه لعضوية المؤسسات الدولية خلال فترة المفاوضات (6-9 أشهر).

ت‌ - احترام الالتزام بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وبما فيها الالتزامات الأمنية.

ب- محددات الموقف الاسرائيلى: وبينما تعلن القيادة الفلسطينية أن موقفها ثابت لا يقبل أي حدود مؤقتة، وأن المفاوضات ستنجز في تسعة أشهر لحل كافة قضايا الحل النهائي، على أساس أن هذه المفاوضات هي حدود 1967 مع تبادل طفيف في الأراضي، يتحدث الإسرائيليون على نحو مختلف تماما...

إسرائيل تقول إن المفاوض الفلسطيني استبدل المسألة الاستيطانية بإطلاق الأسرى القدامى، وأنها (أى الحكومة الإسرائيلية) لا تزال تسير وفق مخططها اليومي لزيادة المستوطنات خاصة في القدس الشرقية وعموم الضفة الغربية.

ويمكن تلخيص المحددات الإسرائيلية ( بالإستناد إلى جملة التصريحات والمواقف الإسرائيلية المصاحبة لانطلاق المفاوضات ) على النحو التالى : 1- لا يوجد أي التزام إسرائيلي بأي شيء يُذكر، أو على أي درجة من الأهمية حول قضية الاستيطان أو حول حدود الرابع من يونيو، وكل ما يُقال حول هاتين المسألتين بالذات هو مجرّد "أوهام" فلسطينية ( إن وُجدت).

2- لا يوجد أي التزام أميركي بحدود العام 67، وإنما هناك ما يمكن اعتباره "موافقة" أميركية على أن تكون حدود العام 67 (أساسا) للحدود، بعد أن يتم "التوافق" على الترتيبات الأمنية والترتيبات التي تتعلق "بالحقائق السكانية".

3- موضوع القدس مؤجّل إلى ما بعد "حسم" الأمن والحدود .

4- كذلك قضايا الحل النهائي - على ما يبدو- خاضعة هى الأخرى لقضيتي الأمن والحدود، وهذا الأمر غير معلن رسمياً حتى الآن، كما أن أميركا وإسرائيل تبحثان ذلك دون إشراك أحد أو معرفته.

5- إسرائيل تعتبر أن الأمن يتقدم على الحدود...

بمعنى أن الاتفاق على الترتيبات الأمنية والتي ستكون في النهاية تجسيداً للاحتياجات الأمنية هو الذي بموجبه، وبموجبه فقط يتم رسم الحدود.

أي خلافاً لكل منطق، ولكلّ عُرف، ولكل قانون دولي، فإن إسرائيل ستوافق على "دولة" فلسطينية منزوع منها القدس الشرقية، ومنتزع منها مناطق استراتيجية في الغور، إضافة إلى "الكتل" الكبرى، وحيث لا يعرف أحد بالضبط ما هي هذه الكتل الكبرى، من حيث العدد والمساحة والحدود والمجال.

كما أن إسرائيل تطالب ببقائها في معظم "التلال" العالية المطلّة على امتداد الضفة، وخصوصاً المطلة على "الخط الأخضر"، وكذلك المطلّة على الحدود الشرقية "للدولة".

كما أن إسرائيل تريد توسيع المناطق العازلة على طول "الخط الأخضر" بحيث يصبح جدار الفصل العنصري هو الحدود "الطبيعية" بما يشبه الأمر الواقع أو تحصيل الحاصل.

إضافة إلى كل ذلك، فإن إسرائيل تطالب أن يكون التواصل بين المناطق الفلسطينية المتناثرة التي تتبقّى بعد كل هذه الاقتطاعات حسب الظروف.

إذ يمكن أن تكون عَبر الأنفاق أو الجسور أو أية أشكالٍ أخرى.

وطبعاً فإن "قطع" الدولة هذه يجب أن تكون منزوعة السلاح وبلا سيطرة على أجوائها ومحدودة الصلاحيات على "حدودها".

6- كل ما هو معروض على الجانب الفلسطينى (حتى تاريخه) هو الإفراج المشروط والمرتبط زمنياً بحدود أقصاها تسعة أشهر عن 104 من المناضلين الفلسطينيين، وبحيث يرتبط الإفراج عن مناضلي الداخل والقدس بمدى (التقدم) الذي ستحرزه المفاوضات، علماً بأن هذا الإفراج كان مسألة متفقا عليها قبل ذلك وقبل هذه المرحلة كلها.

أما الحديث عن التنمية والمشاريع في منطقة "C" فهي مسألة غامضة، أيضاً، وليست محددة وهي بكل تأكيد مربوطة موضوعياً بالتقدم المطلوب في المفاوضات.

7- الموقف الأميركي حيال هذا كله غامض (حتى لا نقول إنه مشابه للموقف الإسرائيلي)، وفى مطلق الأحوال إذا كان للإدارة الأميركية من مواقف "مختلفة" فهي مواقف مختلفة في التفاصيل الجانبية وليس في المضمون الرئيسي.

فالملاحظ أن الوسيط الأمنى الأمريكى الجديد " جون ألن" الذى تم تعيينه قبل 66 يوما من استئناف المفاوضات (وبدأ العمل فعلاً مع أطقم أمنية خاصة منذ ذلك الوقت) أجرى اتصالات مع نتنياهو أكثر من مرة، واجتمع لأكثر من مرة أيضاً مع طاقم أمني إسرائيلي يضم ممثلين عن قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك لمناقشة " مستقبل الأراضي بعد إحلال السلام" .

والأهم في هذا السياق: إيجاد بدائل عن المزايا التي يمنحها الوضع الراهن للإسرائيليين، إذ في حال قيام دولة فلسطينية بنتيجة المفاوضات فلن يكون بمقدور الجيش الإسرائيلي القيام بمهام الأمن في الجانب الفلسطيني كما هو الحال الآن.

هذا الطاقم الأمني المذكور(المكون من 20 شخصا موزعين على كل من إسرائيل وفلسطين والأردن) بحث واستطلع، قبل بدء المفاوضات الحالية، فهم إسرائيل لمصطلح دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وتناول ذلك حجم القوات الفلسطينية ومهامها، والسيطرة الإسرائيلية في الغور في أية تسوية قادمة..

دون أن نسمع عن أى اجتماعات له (أى الطاقم الأمنى) مع الجانب الفلسطينى !! وكل ما سمعناه فى هذا الشأن من قبل الجانب الفلسطينى ( قليل لكنه هام) جاء على لسان " نمر حماد" المستشار السياسي للرئيس عباس، حيث قال فى تصريح له لصحيفة القدس العربى (عدد 2/8/2013) أنه بالإمكان "العودة لما تم الاتفاق عليه مع الجانب الإسرائيلي في عهد حكومة أولمرت، والقاضي بإحلال قوات من حلف الناتو بقيادة أميركية على أراضي الدولة الفلسطينية، والمرابطة على حدود هذه الدولة لضمان أمن إسرائيل من جهة، ولحماية الدولة الفلسطينية من أية مخاطر تهددها من قبل إسرائيل".

ثالثا: سيناريوهات ما بعد استئناف المفاوضات من خلال ما سبق يتضح أن الطرف الفلسطينى ذاهب إلى مفاوضات لا يمكن المراهنة على تحوّلها إلى مفاوضات جادّة أو منصفة أو متوازنة، وإنما هي بكل بساطة مفاوضات لدرء تحمل مسؤولية إفشال المحاولات الأميركية لإعادة إطلاقها ليس أكثر.

فإذا تمسك الفلسطينيون بالثوابت التي هي بالأساس إقامة الدولة الوطنية المستقلة على كل حدود الرابع من يونيو بما في ذلك القدس الشرقية، وإذا تمسكوا أيضا بالمحدِّدات الدقيقة لما يُسمى بالتبادل (في حالة أن تم الاتفاق أولاً على الحدود) فإن المفاوضات ستنتهي خلال أسابيع قليلة.

وكل ما يمكن المراهنة عليه فى سياق كهذا هو إطالة عمر هذه المفاوضات، بهدف الحصول على المساعدات الاقتصادية وتحرير ما يمكن تحريره من المناضلين الفلسطينيين.

أما إذا أبدى الفلسطينيون استعدادات "جديدة" للنظر في حلول "مبتكرة" وعلى الطريقة الأميركية "للابتكار" فإن أقصى ما سينتج عن هذه المفاوضات هو "دولة مؤقتة" محاطة بكل أنواع القيود.

وسوف تكون هذه القيود دائمة من حيث الواقع وما يحيط به من وقائع ستتحوّل إلى وقائع "ثابتة"، ستؤدي إلى تأبيد المؤقت وتحويله إلى دائم وثابت ومستقر يستحيل تجاوزه أو حتى مجرد التفكير بتغييره.

والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء كل ذلك: هل الطرف الفلسطينى أمام انحناءة سياسية عارضة لتجاوز "العاصفة"، أم أنه أمام استعداد للتعاطي مع المفاهيم الإسرائيلية للتسوية وللسلام معاً.

بمعنى آخر: هل يدخل الطرف الفلسطينى هذه المفاوضات وهو يعرف ويعى ما يريد بالضبط، أم أنه يدخلها وهو على استعداد لاختبار ما يمكن أن يتغيّر في سياقها من مواقف أميركية وإسرائيلية قابلة للمناقشة؟ ما يعتقده العديد من الباحثين ( بالإستناد إلى كامل التجربة السابقة للمفاوضات) أننا لسنا بصدد طرف فلسطينى يمكنه المراهنة على مفاوضات كهذه أو يعلق أية آمال عليها، وإنما نحن أمام محاولة فلسطينية لـــــــ"استخدام" فسحة المفاوضات لدرء "مفاسد" اللحظة السياسية، وبما يوفر للطرف الفلسطينى فرصا جديدة لتمكين أوضاعه الداخلية، على النحو الذى يعزز من قدرته على البقاء والصمود إلى أن تتوفر الظروف التاريخية المواتية لتسوية تاريخية متوازنة نسبياً.

لكن مقابل ذلك، ثمة محاولات جدية (قد تترجم إلى ضغوط على الطرف الفلسطينى) من قبل الولايات المتحدة الأميركية، للوصول بالمفاوضات الى نتائج مثمرة، تعزز من قوتها الدولية، وتعيد لها بعض الهيبة المفقودة في الشرق الاوسط.

فى ذات الوقت الذى لا يزال فيه الجانب الاسرائيلي يراهن على رضوخ الجانب الفلسطيني للاشتراطات الاسرائيلية.

وعليه فلا مكان للمقامرة بتوقع استمرار صمود الفلسطينيون ، بلا مقدمات أومقومات...

فالسياسة تخضع دائما لحسبة موازين القوى والمصالح والمقدمات والمقومات والتراكم والنتائج، بعيدا عن المبادئ أو التمنيات...

وعليه فنحن عمليا أمام سيناريوهات ثلاثة هى: السيناريو الأول: استمرار المراوحة داخل دائرة المأزق يقوم هذا السيناريو على بقاء الأمور على ما هي عليه (أقل أو أكثر قليلًا) من دون تغييرات جوهرية، أى استمرار المراوحة داخل دائرة مأزق الاستعصاء.

وهو سيناريو غير مرجح في ظل التقلبات السريعة التى تمر بها المنطقة، وفي ظل التطرف المتنامي الذى يعيشه الإئتلاف الحاكم فى إسرائيل بقيادة نتنياهو.

وفق هذا السيناريو تستمر المفاوضات وتتعرض لبعض الأزمات، ولكنها لا تُحدِث اختراقا.

وبمجرد استئنافها تحقق أهدافًا محددة للأطراف المشتركة فيها، أهمها الحفاظ على الوضع القائم الذي شكل الحفاظ عليه نقطة تلاقٍ لمصالح السلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تقطع الطريق على البدائل والخيارات الأخرى التي تخشاها جميع الأطراف.

فالسلطة تريد من خلال استئناف المفاوضات- بالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته مقابل ذلك - المحافظة على بقائها ودورها ودعمها العربي والدولي في ظل العواصف العاتية التي تهب في المنطقة انتظارًا لما سيأتي، كما تريد تجنب دفع أثمان استمرار الوضع السابق على استئناف المفاوضات، الذي يمكن أن ينجم عن اعتماد خيارات أخرى، خصوصًا خيار المجابهة.

وإسرائيل تعتبر الوضع الراهن مثاليا، فهو يمكنها (تحت مظلة المفاوضات) من الاستمرار في تطبيق مخططاتها التوسعية والاستيطانية، ومن دون ثمن يذكر.

والولايات المتحدة الأمريكية تستخدم المفاوضات للتغطية على فشل ادارة أوباما فى ادارة عدد من الملفات بالمنطقة لاسيما فى مصر وسوريا.

ووفقا لهذا السيناريو لا يحدث تغيير نوعى على ملف المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية، بل سيبقى هناك نوع من التعايش أو التوافق على إدارة الانقسام الفلسطيني.

السيناريو الثانى: فشل المفاوضات يقوم هذا السيناريو على احتمال انهيار المفاوضات قبل أو بعد مرور الشهور التسعة المتفق عليها كسقف زمني ليس نهائيًّا وقابلًا للتجديد وفقًا التصريحات الرسمية الأمريكية.

وهذا السيناريو وارد جدًا، للأسباب الآتيّة: 1- لأن أقصى ما يمكن أن تعرضه الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة أقل من الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبله القيادة الفلسطينيّة مهما أبدت من مرونة واعتدال.

2- قيام الحكومة الإسرائيليّة بخطوات واستفزازات، عنوانها الأبرز استخدام المفاوضات كغطاء لاستمرار العدوان والاستيطان ، وعدم استعدادها حتى لقبول أو عرض اتفاق مرحلي انتقالي جديد، لأنها تميل بشدة إلى الاقتناع بأن الفلسطينيين والعرب معرضون للتدهور أكثر، وبالتالي لا داعي لعقد تسويات معهم الآن، لأنه يمكن فرض تسويات مناسبة لإسرائيل أكثر في المستقبل.

3- المعارضة الفلسطينيّة المتزايدة للاستمرار في المفاوضات، وفقدان المفاوضات للغطاء الشرعي في أوساط الرأي العام داخل المؤسسات الفلسطينيّة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار المفاوضات، وهذا سيؤدي إما للعودة إلى ما قبل استئناف المفاوضات وانتظار نجاح جهود جديدة لاستئناف المفاوضات، أو إلى اعتماد خيار جديد يتضمن استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة وتفعيل المقاومة الشعبيّة والمقاطعة وملف المصالحة الوطنيّة.

وفى هذا السياق، فإن اعتماد القيادة الفلسطينية لخيار جديد( في حال فشل المفاوضات) يمكن أن يقود إلى عقوبات وضغوطات أمريكية- إسرائيلية على السلطة، وإلى مجابهة فلسطينيّة - إسرائيليّة يمكن أن تصل إلى انتفاضة شعبية أو حتى مسلحة تؤدي إلى انهيار السلطة، أو إلى تراجع دورها بشكل كبير وتقدم دور المنظمة، أو محاولة إسرائيل تنفيذ سيناريوهات أحادية الجانب تستند إلى فكرة ضم مساحات واسعة من الأراضي في الضفة، أو إلى تدخل دولي يفرض نوعًا من الوصاية الدولية، التي تسعى لتمرير حل على الطرفين يستند إلى الاتفاقات والمفاوضات السابقة وموازين القوى القائمة المختلة بشكل جوهري لصالح إسرائيل.

السيناريو الثالث: تقدم المفاوضات يستند هذا السيناريو إلى احتمال التقدم في المفاوضات، لأن الوضع لا يحتمل أن يبقى على ما هو عليه بعد التطورات العاصفة فى المنطقة ، لا سيما أنه سيكون لها تأثيرات كبيرة على القضيّة الفلسطينيّة: على المفاوضات من جهة، وعلى ملف المصالحة من جهة أخرى.

وهذا السيناريو وارد، لأن الإدارة الأميركيّة ستحاول إقناع الحكومة الإسرائيليّة باستغلال الانقسام والضعف الفلسطيني وحالة التغييرات العاصفة في المنطقة العربيّة، حيث أبعدت هذه التغييرات الاهتمام العربي عن القضيّة الفلسطينيّة، ما يشجع فرض حل "تصفوي" للقضيّة الفلسطينيّة.

وفى هذا السياق، يمكن أن تتوصل المفاوضات إلى تقدم عبر الاتفاق على خطوات، مثل: عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 18 سبتمبر2000، مع زيادة رقعة الأرض التي تصنف (أ)، والسماح بنشاط اقتصادي واسع، بما في ذلك بعض المشاريع في المنطقة (ج)، واستمرار وتطوير التنسيق الأمني، وزيادة دور الأردن، وربما مصر.

وقد تصل المفاوضات إلى اتفاق انتقالي مغطى بـ"إعلان مبادئ" جديد، تحت مسمى إقامة دولة ذات حدود مؤقتة مغطّاة بكونفدراليّة مع الأردن أو من دونها، ولكن ضمن الاتفاق على إطار نهائي الذي من دونه سيكون من الصعب جدًا مرور أي حل انتقالي جديد.

إن استمرار الأمر الواقع ( الذي سبقت الإشارة إليه في السيناريو الأول) يعد استمرارًا للحل الانتقالي الذي بدأ بتوقيع اتفاق أوسلو، وكان من المفترض أن ينتهي في مايو 1999، ومُدد بصورة مفتوحة، حيث مرّت الشهر الماضى الذكرى العشرون على توقيعه بالأحرف الأولى، وأربعة عشر عامًا على انتهائه.

إذا حدث تقدم في المفاوضات بالتوصل أو عدم التوصل إلى اتفاق، فسيكون هناك على الأرجح اتفاق انتقالي جديد.

ويمكن أن نشهد في هذه الحالة إجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة بمن حضر، أي من دون مشاركة قطاع غزة ومعارضي هذه الانتخابات في الضفة.

لكن محاولة إجراء انتخابات "بمن حضر" لإضفاء "شرعيّة" على خيار التفاوض الثنائي، لا سيما إذا لاحت في الأفق بوادر التوصل إلى اتفاق انتقالي، هي عمليّة محفوفة بالمخاطر، التي تضاف إلى التحديات الرئيسيّة المتعلقة بخطر تصفية الحقوق الفلسطينيّة التاريخيّة في تقرير المصير والعودة، ليس أقلها الطعن في شرعيّة انتخابات بمشاركة جزء من، وليس كل، الفلسطينيين في الضفة، وفتح الباب أمام إضعاف الكيان التمثيلي الموحد في إطار منظمة التحرير، وبروز مزيد من الانقسامات داخلها على خلفيّة الموقف من نتائج المفاوضات، وتحفيز مشاريع إنشاء مؤسسات تمثيليّة موازية أو بديلة.

وضمن هذا السيناريو، يمكن أن تتحول دعوات من قبيل إعلان قطاع غزة "إقليمًا متمردًا" إلى سياسة رسمية، أو أن يشهد القطاع اضطرابات داخلية، ربما تتحول إلى انتفاضة أو اقتتال داخلي( حركة تمرد الفلسطينية حددت شهر نوفمبر القادم موعدا لبداية حراك شعبى ضد حماس فى غزة) سيكون له عواقب في الضفة الغربيّة بصورة خاصة، وفي جميع أماكن تواجد الفلسطينيين عامة.

ما يجعل التدهور محتملًا إذا تحقق هذا السيناريو أن هناك طرفًا فلسطينيًّا، وهو "حماس"، يحكم قطاع غزة، كان في مرحلة صعود مع صعود الإسلام السياسي في المنطقة، وأصبح بحكم أنه امتداد لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين يواجه أزمة شديدة ستكون لها عواقب وخيمة عليه.

ويصعد من احتمالات ذلك حالة العداء المتنامي بين "حماس" والنظام المصري الجديد، بحكم التداخلات والامتدادات الحمساوية- الاخوانية ، وما بين قطاع غزة وسيناء، خصوصًا لجهة عناصر ومنظمات "السلفية الجهادية".

وكذلك الإغلاق المتكرر لمعبر رفح، وتدمير الأنفاق، والحملات الإعلاميّة ضد "حماس" تدل على ما ينتظرها على صعيد علاقاتها مع مصر.

خاتمة: ما هو اكثر أهمية الان بعد استئناف المفاوضات (مع افتراض صمود المفاوض الفلسطينى) هو الاستعداد لما بعد انقضاء مدة المفاوضات المحددة بتسعة شهور.

وهنا لا بد من الخروج من دوامة عدم امتلاك بديل واقعي قابل للتطور، الذي يجيز للاتجاه المركزي للسياسة الفلسطينية البقاء ضمن استراتيجية فشلت مرة بعد مرة وطوال 20 عاما.

ذلك أن رفض المفاوضات المقترن بعدم امتلاك بديل واقعي، والقبول(أى بالمفاوضات) المقرون بعدم وجود خيار آخر، والمفتوح على حالة من الانتظار والتآكل الداخلي والتكلس...

خياران يجسدان المأزق الفلسطيني منذ عقدين.

خياران يعيدان تجديد المأزق بمستوى اكثر عجزا وانحدارا ويأسا.

إن مجرد وجود خيار آخر يتم الاستقطاب على أساسه كفيل بأن تخرج الساحة والقضية الفلسطينية من ثنائية " القبول والرفض" التي أحدثت شللا في بنية المؤسسة الفلسطينية، وساهمت في إقصاء الشعب وأودعته في مقاعد الانتظار.

بعبارة أخرى، إن الوعي بخطر طريق المفاوضات لا يستقيم إلا بشق طريق آخر يضع الشعب أمام خيار حقيقي للاستقطاب، خيار يدرأ الخطر ويقطع الطريق عليه، ويعزز الثقة بقدرات الشعب الفلسطيني على الصمود وانتزاع الحقوق وصونها.

أما الاكتفاء برفض سياسة التفاوض ورفض الذهاب للمفاوضات بشروط وبغير شروط فهو وجه سلبي لا يؤدي الى أي نتيجة غير مزيد من الاحباط واليأس.

وعليه، فالذين رفضوا إستراتيجية المفاوضات طوال الوقت والآن، عليهم الانتقال من الرفض الى وضع تصورات وبرامج لمواجهة الاحتلال والاستيطان والفصل العنصري.

تصورات قابلة للتطور والاعتراض الفعلي على الاستباحة الاسرائيلية للارض والشعب.

تصورات تستقطب وتشرك الفئات المتضررة من الاحتلال وسياساته - السواد الأعظم من الشعب - في إفشال مخططات النهب والاقصاء.

كما تستقطب الحلفاء الحقيقيين المناهضين للاحتلال وسياساته عربيا وعالميا، وإسرائيليا – الاتجاهات الرافضة للاحتلال والعنصرية - في جبهة عريضة تتولى مهمات الضغط والمقاطعة والعقوبات والعزل لدولة الاحتلال.

طباعة