دراسات

مصر: مستقبل الأحزاب الإسلامية فى ظل اتهامها بالعنف !

كرم سعيد * 658 25-9-2013
طباعة

استقبلت الساحة المصرية منذ ثورة 25 يناير عدد معتبر من الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية إضافة إلى عشرات الأحزاب المدنية زادت من زخم الحياة السياسية وحركت المياه الراكدة في بحر السياسة، وأزاحت النخب الطفيلية التي زاوجت بين النفوذ والموارد وحظيت بمكاسب هائلة.

في هذا السياق العام مثل دخول الأحزاب الإسلامية، وكذلك الحركات الإسلامية كحركة حازمون، إلى السوق السياسية المعقدة والمتشابكة نقلة نوعية في مسار الحياة السياسية، لاسيما وأن لمؤسسيها رصيد تقليدي لدى قطاعات معتبرة من المجتمع المصري، وتجلى ذلك في نسب التصويت التي حصلت عليها مع كل استحقاق انتخابي.

غير أن هذه الأحزاب والحركات سرعان ما ثبت ضعفها فى التعاطى مع المستجدات السياسية والمجتمعية، وظلت استجابتها للواقع المعاش محدودة ووليدة اللحظة والضغط، وهو الأمر الذى نال من صورتها الذهنية، وتسبب فى تراجع شعبيتها بل ووضعها على المحك.

تشابه البرامج السياسية تتقاطع الأحزاب الإسلامية معاً في برنامجها الاجتماعي وخطها الأيديولوجي فضلا عن امتلاك هذه الأحزاب، باستثناء الأحزاب السلفية برامج اقتصادية متشابهة جداً ووسطية بشكل خاص.

فالبرامج المطروحة تكاد تتطابق، ولا يوجد فروق كبيرة واضحة إلا فى الهوامش والقضايا الروتينية.

وتستقى هذه الأحزاب فى عمومها أفكارها وقيمها من الشريعة الإسلامية، لكنها لم تراع فى كثير من الأحيان الظروف البيئية المحيطة بها وتهيئة المناخ المشحون، فاندفعت باتجاه أسلمة قوانين ومواد دستورية تحتاج إلى ظروف أخرى من تلك القائمة لوضعها موضع التطبيق.

بداية مبشرة الأرجح أن البيئة المصرية بعد 25 يناير، تحمست للإسلاميين باعتبارهم التيار الذي حمل على كاهله عدد لا بأس به من المظالم ناهيك عن أن التهميش والإقصاء لرموزه طوال العقود الثلاثة التي خلتن ما أعطى لهذه الكيانات زخماً غير مسبوق فلاقى بعضها جذباً جماهيريا واسعاً مثل حزب الحرية والعدالة الذراع السياسة لجماعة "الإخوان المسلمين" وحزب النور الصوت السياسي للجماعة السلفية، وحزب مصر القوية وحزب الوسط والراية والوطن والبناء والتنمية وغيرها.

وجاءت البداية مبشرة للأحزاب الإسلامية، لاسيما وأن تصريحات بعض قادتها وأقطابها تفاعلت بعمق ووعى مع تركيبة المجتمع المصري.

وهي التركيبة التي نالها التغيير بعدما اندفعت فئات جديدة إلى صدارة المشهد منذ ثورة 25 يناير، إضافة إلى تسويقها لخطاب ديني مغاير يعبر عن روح الوسطية والاعتدال، وكذلك برنامج لمعالجة التباطؤ الاقتصادي والاستقطاب السياسي.

وازداد التعلق ببعض هذه الأحزاب حين ابتعدت عن القضايا الشائكة، وانطلقت من مرجعية إسلامية تؤمن بثوابت وأصول الشريعة الإسلامية المعروفة بثرائها ونقائها وعدالتها، ولكنها لا تمانع في الاختلاف والتشاور فيما يخص قضايا الوطن.

غير أن هذه الأحزاب سارت فى طريق متعرج بعد أن تمكنت من إمساك مفاصل الدولة.

فسياسة الحزب الحاكم "الحرية والعدالة" وحلفائه قامت أحياناًعلى مغازلة المعارضة، لكن دون أن تلبي أى من رغباتها، ناهيك عن التخبط والتوتر الذى شهدته علاقات مصر الخارجية، وبالأخص مع محيطها العربى.

مأزق الأحزاب الإسلامية لم يتوقع أحد من النخب السياسية النهاية الدراماتيكية التى تعيشها الأحزاب الإسلامية اليوم، فقد وصل الوضع السياسيى داخلها إلى ذروة التأزم بعد موجة 30 يونيو التى أطاحت بحكم الرئيس مرسى.

وكان بارزاً هنا الخصام واتساع الرتق بين الجناح الإصلاحى والمحافظ داخل هذه الأحزاب، وخصوصا حزب الحرية والعدالة.

وقد قدم الدليل على ذلك انقسام الجماعة وحزبها بشأن اعتذار صلاح سلطان القيادى فى التحالف الوطنى لدعم الشرعية، أو مبادرة حمزة زوبع المتحدث باسم الحرية والعدالة، والتى دعا فيها إلى ضرورة فتح باب التفاوض مع الدولة والاعتذار للشعب المصرى عن أخطاء الجماعة، الأمر الذى قوبل باستهجان من صقور الجماعة، وفى مقدمتهم عصام العريان وجهاد الحداد ومحمود عزت.

والأرجح أن المشهد الراهن للأحزاب الإسلامية يفتح الباب واسعاً حول تساؤل رئيسى، ألا وهو: ما هى الأسباب التى تقف وراء أزمة هذه الأحزاب؟ ثمة العديد من الأسباب التى أدت إلى السقوط المدوى للأحزاب الإسلامية أولها سعى هذه الأحزاب إلى الانفراد بالرأى، وصعوبة استيعاب المعارضة، إذ أن ثقافة السمع والطاعة هى التى تحكم البناء الفكرى والتنظيمى لهذه الأحزاب.

وثانيها تخندق هذه الأحزاب حول أفكارها الخاصة، وضيق رؤيتها إلى مادون المجتمع ودون الدولة الوطنية، فذهبت على سبيل المثال إلى طرح مفهوم الخلافة، وهو تصور يوتوبى لما بعد الوطن، لا ينسجم والواقع.

وراء ذلك أسهمت محاولات الأحزاب الإسلامية فى تفصيل المشهد على مقاس طموحاتها السياسية فى تنفير قطاعات شعبية وسياسية منها، وبدا ذلك جليا فى الهيمنة على الجمعية التأسيسية الأولى والثانية لوضع الدستور ناهيك عن أغلبية المقاعد النيابية.

فى المقابل غلبت هذه الأحزاب البنية الفوقية التي تتعلق بالايدولوجيا الجامدة ونسق القيم والأطر الفكرية الضيقة على البنية التحتية التى ترتبط بالآثار الاقتصادية والاجتماعية المباشرة على الجماهير.

لذلك خسرت هذه الأحزاب رصيداً وافراً من تعاطف الناس، ذلك التعاطف الذى مكنها دائما من الوجود فى كل مشهد سياسى مهم، إن لم تكن فى الصدارة فعلى الأقل ضمن مكوناته الرئيسية.

بل كان المشهد الأغرب في مسار الأحزاب الإسلامية المصرية أنها حبست نفسها وتجاربها فى دائرة صراع مفرغة مع القوى المدنية.

إذ تصاعدت المعارك بينهما على قضايا خلافية كان من الممكن تجاوزها مؤقتاً والالتفاف عليها، ناهيك عن الدخول فى جدل عقيم حول الهوية المصرية الإسلامية المحسومة سلفاً بدلا من العمل على ترسيخ البرنامج من خلال ممارسة قائمة على الدفع بالعملية الديمقراطية، وتطوير الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية وضمان التوازن بين سلطات الدولة.

أما السبب الرابع فيعود إلى تعدى الإسلاميين على أجهزة الدولة، فكان الشك والريبة هو العنوان الأبرز بين الكيانات الإسلامية فى عمومها وهياكل الدولة المؤسسية.

ولذلك لم يكن غريباً تعدى بعض الإسلاميين على بعض المؤسسات ومحاصرتها.

وبدا ذلك جليا فى محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامى من قبل حازم أبو اسماعيل وأنصاره لتوجيه رسالة إلى الفضائيات التى يرى أنها تنحاز ضد سياسات الرئيس مرسى، إضافة إلى الاعتصام أمام المحكمة الدستورية العليا ومنع قضاتها من الدخول لمباشرة عملهم من قبل جماعة الإخوان وأنصارها وغيرها.

كما تزايد تنامى حالة الاستعداء والسخط بين أجهزة الدولة والنخب الإسلامية، لاسيما بعد العبث الذى طال هذه المؤسسات وإعادة هيكلتها بطريقة سياسية أكثر منها مؤسساتية ومهنية.

خلافات الأحزاب الإسلامية..

امتداد الأزمة وكأن خصومتها مع القوى المدنية وحدها لا تكفى، فقد ذهبت الأحزاب الإسلامية تتناحر فيما بينها، وثمة مؤشرات على ذلك أولها الخلاف والخصام بين جماعة "الإخوان، وحزب النور ثانى أكبر الأحزاب الإسلامية.

ففى الوقت الذى كانت تميل فيه مواقف حزب النور ومصر القوية إلى الاعتدال والحوار والتسامح فى كل القضايا الخلافية التى صنعتها جماعة الإخوان بدءاً بالإعلان الدستورى ومروراً بالجمعية التأسيسية للدستور وانتهاء بما حدث فى 30 يونيو، أبدى الحرية والعدالة وحلفائه فى أحزاب الوسط والبناء والتنمية والوطن والشعب والعمل وغيرها خشونة بشأن التعاطى مع الأزمات السياسية والمجتمعية ناهيك عن محاولات الالتفاف عليها دون التأسيس لتفاهمات جديدة أو إجراءات تحول دون توغلها ومنع انفجارها.

وربما كان موقف النور من تظاهرات 30 يونيو بمثابة طلقة بائنة بين الجماعة السلفية وأبناء عمومتهم فى الحرية والعدالة، وأرجعت قيادات حزب النور الانقلاب على الإخوان إلى "أسباب شرعية" لأن الصدام مع الشعب أو الجيش يعنى دماء بلا فائدة سيسقط الرئيس بعدها لا محالة فضلا عن الخسارة الدعوية فى الشارع التى قد تمتد عقودا.

والواقع أن توتر العلاقة بين حزب النور الذراع السياسى للدعوة السلفية، وجماعة الإخوان وحلفائها لم يكن وليد اللحظة.

إذ دب خلاف لا تخطئه عين بين الطرفين منذ رفضت الرئاسة إسناد مناصب رفيعة للتيار السلفى.

وكان ذلك رداً عملياً على حزمة من المواقف السلفية المناهضة لـ "لإخوان" بدأت مع إعلان "الدعوة السلفية" وحزب "النور" تأييد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح فى الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، ثم الاتصالات التي جرت بين نائب رئيس الدعوة السلفية والفريق أحمد شفيق مرشح الرئاسة فى جولة الإعادة، الأمر الذي أغضب الإخوان بشدة.

فى سياق متصل سعت جماعة الإخوان إلى إضعاف حزب النور ومصر القوية على سبيل المثال، فاختارت عماد عبدالغفور مساعدا لرئيس الجمهورية لشئون التواصل المجتمعى، رغم أنه لم يكن مرشحاً من حزبه لهذا المنصب ناهيك عن إقصاء مصر القوية من أية مناصب قيادية.

فى المقابل منح الرئيس مرسى حزب البناء والتنمية الذراع السياسى للجماعة الإسلامية امتيازات غير مسبوقة فجرى أولا الإفراج عن قيادات الجماعة ثم توسيع انخراطهم فى الجهاز التنفيذى للدولة، وكان أبرز معالم ذلك تعيين أحد قادتها محافظاً للأقصر قبل أن يستقيل تحت الضغط الشعبى لأهالى المحافظة.

والأرجح أن ثمة ما يجمع الإخوان والجماعة الإسلامية منذ القدم، فجماعة الإخوان ترى فى الجماعة الإسلامية الفريق الشبابي المتحمس من الإخوان، ولذلك كان التلمسانى ومأمون الهضيبى يحاضران بانتظام لسنوات طويلة في أعضاء الجماعة الإسلامية.

ويتجلى التقارب بين الجماعتين فى قيام المرشد السابق لـ«الإخوان» مأمون الهضيبي بإدراج اسم خالد الإسلامبولى، القيادي في الجماعة الذي نفذ عملية اغتيال السادات، ضمن قائمة "شهداء الإخوان".

على صعيد ذى شأن لعب خيرت الشاطر بليل أو من وراء ستار دوراً لا تخطئه عين فى إثارة القلاقل داخل حزب النور بدءاً بمحاولات تفكيك سيطرة ياسر برهامى على الجناح الدعوى للحزب، ومروراً بتعيين الشيخ سعيد عبد العظيم نائب رئيس الدعوة السلفية عضوا لمجلس إدارة الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح – الكيان الإسلامى الذى يديره الشاطر.

كما أن الشاطر لم يكن بعيدا عما كان يدور فى حزب النور من خلافات وانقسامات تحت السطح قبل أن تظهر للعلن على خلفية الصراع الذي نشب على الانتخابات الداخلية للحزب في أكتوبر الماضي سنة 2012.

ويرى البعض أن الشاطر سعى لتوظيف هذه الخلافات لصالح جماعة الإخوان وحلفائها، وبدا ذلك فى تشجيعه عماد عبدالغفور رئيس حزب النور السابق على الانفصال، ومساعدته فى تأسيس حزب الوطن الذى تم الإعلان عنه فى 1 يناير 2013، بعد استقالته من النور فى 25 ديسمبر 2012 ومعه ما يقرب من 150 من قادة الحزب الفاعلين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم جبهة الإصلاح داخل الحزب.

صحيح أن استقالة عبدالغفور ويسرى حماد ومحمد نور وغيرهم جاءت رداً على ما اعتبروه تدخل قيادات الدعوة السلفية فى العمل الحزبى.

إلا أن السبب الرئيسى وراء الاستقالة هى رغبة هذه القيادات فى توثيق عرى التحالف مع جماعة "الإخوان" فى الوقت الذى أصر فيه ياسر برهامى ويونس مخيون وغيرهما على المحافظة على الخطوط الفاصلة مع جماعة الإخوان وحزبها، خصوصا أن سياسات الجماعة لم تلق رضا قطاع واسع من قيادات الدعوة السلفية وكذلك حزب النور.

وكان ياسر برهامى قد ألمح إلى هذا الدور فى تصريح له منتصف أغسطس الماضى حينما قال " إن جماعة الإخوان المسلمون حاولت مرارا وتكرارًا اختراق حزب النور والدعوة السلفية وإسقاطهما، بواسطة سعيد عبد العظيم وعماد عبدالغفور" واعتبرهما خوارج على الدعوة والحزب.

لم يختلف الحال كثيراً فى علاقة جماعة "الإخوان" وحلفائه بحزب مصر القوية، فقد سعت مبكراً إلى تشويه صورة مؤسسه عبد المنعم أبو الفتوح، وازدادت الفجوة بعد تأييد أبو الفتوح الضمنى لتظاهرات 30 يونيو، ففى تصريح له بجريدة الجمهورية فى 22 سبتمبر الجارى قال " ما حدث في 30 يونيو بكل وضوح هو "موجة ثورية جديدة لثورة 25 يناير" عبرت عن غضب الشعب المصري تجاه سنه من حكم الرئيس مرسي وطالبت بتحقيق أهداف ثورة 25 يناير".

والأرجح أن الخصام بين حزب النور الذى يمثل الوعاء الأكبر للتيار السلفى وحزب مصر القوية من جهة وجماعة الإخوان وحلفائها من جهة أخرى قد نال ما نال من صدقية التيارات الإسلامية، وأفقدها ما تبقى من تعاطف لدى الجماهير غير الإخوانية والسلفية أو حتى غير المؤدلجين سياسياً، خصوصا مع إصرارهم على النهج الإيديولوجى الذى يغفل الاهتمام بالاقتصاد والسياسة.

الأحزاب الإسلامية: تناحر الداخل ألقت الصراعات داخل الأحزاب الإسلامية ذاتها بظلال سلبية على مستقبل هذه الأحزاب، وتماسكها الداخلى.

فقد شهد حزب مصر القوية موجة استقالات جماعية نهاية أغسطس الماضى على خلفية تصريحات متعاطفة للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، مع جماعة الإخوان المسلمين، وهجومه بشكل مبالغ فيه على الجيش عقب فض اعتصامى رابعة والنهضة.

أما حزب الحرية والعدالة، فقد شهد هو الآخر سلسلة من الاستقالات الغير معلنة إعلاميا، فعلى سبيل المثال استقال ما يقرب من 112 عضوا فى البحر الأحمر اعتراضًا على إراقة الدماء بين المسلمين مؤكدًا على أن بعضهم اعترفوا بخطئهم حين انضموا لجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسى للإخوان المسلمين.

هذا إلى جانب معاناة الحزب من أزمة غير مسبوقة مع شبابه اعتراضا على أداء الجماعة منذ رحيل د.

مرسى، فظهرت جماعة إخوان بلا عنف ثم حركة شباب الإخوان.

ولم تكن الأزمة مع الشباب هى الأولى من نوعها، فقد سبقها سلسلة طويلة من الأزمات فى وقت سابق، خصوصا بعد مطالبة قطاع معتبر من شباب الجماعة بتغيير شعار السمع والطاعة إلى الفهم والطاعة، وهو الأمر الذى استفز الجناح المتشدد فى الجماعة، لينتهى الأمر باستقالة بعض شباب الجماعة وتأسيسهم فى منتصف العام 2011 ما سمى بالتيار المصرى.

غير أن الضربة الموجعة التى أثارت خلافات واسعة داخل الجماعة وحزبها جاءت مع حكم محكمة الأمور المستعجلة فى 23 سبتمبر الجارى بحظر أنشطة الجماعة ومصادرة أموالها ومقاراتها.

الأحزاب الإسلامية..

سيناريوهات المستقبل تقف الأحزاب الإسلامية اليوم على مفترق طرق، خصوصا بعد اتهام السلطة الانتقالية الحالية لبعض هذه الأحزاب باللجوء للعنف، وإصرارها على حمل السلاح فى وجه الدولة.

والأرجح أن العمليات المسلحة التى تدور رحاها اليوم فى سيناء، وكذا محاولة اغتيال وزير الداخلية قد أتت لتزيد من الضغط على أعصاب التيارات الإسلامية، وكرست صورة نمطية سلبية لها داخل المجتمع المصرى.

وفي ظل حالة الارتباك والغموض التى تسيطر على أبناء التيارات الإسلامية بشأن اتجاهات حركتهم فى المستقبل، تتعدد القراءات وتتنوع الاجتهادات وتكثر التوقعات.

ونرجح فيما يلي عددا من السيناريوهات المتوقعة التي قد تصبح قيد التحقق خلال الفترة القادمة: أول هذه السيناريوهات يتمثل في عودة تيارات الإسلام السياسى إلى العمل الدعوى مجدداً ومغادرة الساحة السياسية، وهذا السيناريو يعيدها إلى أصلها الأول حين نشأت في الأساس (كدعوات تربوية إسلامية تهدف إلى تعبد الناس لربهم وهداية الخلق إلى الحق).

كما أن هذا السيناريو يمكن أن يجنبها الصدام مع الدولة وأجهزتها.

ويرتبط السيناريو الثانى بممارسة العمل السياسى عبر الكيانات الحزبية التى تم تأسيسها عقب ثورة 25 يناير شريطة الالتزام بالمعايير القانونية التى يفرضها الدستور والقانون، وهذا السيناريو ربما هو الأقرب للتحقق، خصوصا أن التيارات الإسلامية نجحت من خلال هذه الأحزاب في الظهور على السطح وتوديع العمل السرى.

ويأتي بعد ذلك السيناريو الثالث، وهو أن تقوم هذه التيارات بممارسة العمل السياسى عن بعد، أى يظل حضورها في الحقل العام مقصوراً على إعلان قادتها موقفهم تجاه بعض القضايا والأحداث عبر شبكة "الانترنت" بالأساس، إلى جانب إصدار بعض البيانات.

أما السيناريو الرابع، فهو العودة للعنف التقليدى أو استحداث بدائل جديدة للعنف.

ورغم أن هذا السيناريو ربما تكون احتمالات تحققه ضعيفة، إلا أنه لا يمكن إغفاله.

ويأتي ذلك لعدة أسباب: أولها تصاعد الخطاب الإقصائى للتيارات الإسلامية وإصرار البعض على اجتثاث جذور الجماعة، وكان بارزاً هنا، الدعوة إلى وضع جماعة الإخوان وحلفائها ضمن التنظيمات الراعية للإرهاب.

ناهيك عن سعى البعض داخل لجنة الخمسين المنوط بها تعديل دستور 2012 لتفكيك الأحزاب الدينية، أو تلك التى تحمل صبغة دينية، وهو الأمر الذى قد يدفع الإسلاميين إلى اليأس ثم العنف.

وفي تصريح له قال د.

سعد الهلالي ممثل الأزهر فى اللجنة "على الرغم من أن المادة السادسة من الدستور المعطل، والتي تنص على عدم قيام حزب سياسي على أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين، لكن هناك بعض الأحزاب تجهر بممارساتها السياسية على أساس ديني وتحتمي بالدين" وأضاف "سوف يكون هناك طرح لهذا الشأن تتم مناقشته بشكل إيجابي، وسوف يختص السياسيون بطرح رؤية عدم إنشاء حزب على أساس ديني، كاشفًا عن أن ما نص عليه دستور 2012 من منع تأسيس أحزاب على أساس ديني، من المفروض أن يؤدي الآن إلى حل الأحزاب القائمة والتي تعمل على أساس ديني.

وثانيها الإجراءات القانونية التى تصب فى اتجاه حل جماعة الإخوان المسلمين أو الأحزاب ذات الصبغة الدينية.

وكانت محكمة الأمور المستعجلة قد أصدرت حكما فى 23 سبتمبر الجارى يحظر تنظيم أنشطة جماعة الإخوان المسلمين، وحل جمعية الإخوان المسلمين التى تم إشهارها فى 19 مارس الماضى وأى مؤسسات متفرعة عنها.

وراء ذلك يقف اعتماد جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة على شركاء من الجماعات الإسلامية ( حزب البناء والتنمية) التى تميل إلى استخدام العنف والتكتيكات الأصولية المتشددة ناهيك عن توثيق العلاقة مع حازمون.

صحيح أن حازمون تعبر عن الارتباط بفكر وشخص أبو إسماعيل، وإن كانت ربما الأكثر شهرة مقارنة بحركات أخرى أبرزها "لازم حازم" و"طلاب الشريعة" و"صامدون" و"أحرار" إلا أن كل هذه الحركات تعد فرص استمرارها في المستقبل محدودة نسبيا حيث لا توجد أيديولوجية توحدها ولا خط فكرى يجمعها، ناهيك عن غياب ملمح المؤسسية فيها، فحيويتها وبقائها يظل رهن بشيخها وفقط.

لكن الجماعة الإسلامية الداعمة للإخوان هى محط الاختبار، فقد أصدرت سلسلة من البيانات تدين فيها موقف الجيش، إذ اعتبرت أن تدخل القوات المسلحة على خط الأزمة السياسية "يمثل انحيازا للأقلية السياسية والدينية، وتمكينا للشيوعية والعلمانية، وتمهيداً لإقصاء الشريعة وإلغاء المادة 219 من الدستور، وهو ما لا يمكن القبول به أو طاعته من أي مواطن يؤمن بالله واليوم الآخر".

خاتمة خلاصة القول أن الأحزاب الإسلامية على اختلاف اتجاهاتها وتوجهاتها السياسية يبدو رصيدها التقليدى معرضاً للتآكل نتيجة الفشل فى إدارة المشهد السياسى طوال العام الماضى وتعميقها حالة الاستقطاب المجتمعى.

كما أن التناحر السياسى فيما بينها أو داخلها يقف حجر عثرة أمام التحايل والالتفاف على واقعها المأزوم، فعلى سبيل المثال لم تسفر اللقاءات بين التيار السلفى وبعض القوى الإسلامية من جهة وجماعة الإخوان وحلفائها من جهة أخرى عن تسوية الخلاف بينهما وتقليل البون الشاسع الذى بات يفصل بينهما.

القصد أن الأحزاب الإسلامية قد تكون معرضة لانتكاسة ومأزق يصعب تجاوزه، لكن فى الوقت نفسه ليس من المنطقي دعوة البعض إلى حلها، فالأحزاب الإسلامية لا تزال رغم أخطائها الإستراتيجية وعاء لأعداد كبيرة من المواطنين، وهو ما يفرض ضرورة اتباع منهج أن "الاستيعاب هو الحل".

طباعة
كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي- مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام