دراسات

الضربة العسكرية المحتملة لسوريا تمهيد غربي لمؤتمر جنيف - 2

طباعة

29/08/2013 دفعت التطورات المتسارعة التى شهدتها الأزمة السورية خلال الأسابيع القليلة الماضية القوى الدولية والإقليمية المعنية بها إلى اتخاذ خطوات وإجراءات جديدة من شأنها إحداث اختراق "نوعى" فى الجهود الدولية المبذولة لحل الأزمة؛ حيث حددت التفاهمات الأمريكية الروسية موعدا "مبدئيا" لعقد مؤتمر جنيف – 2 المتوقع أن تحضره كافة أطراف النزاع السورى بما فيها ممثلى النظام نفسه خلال أكتوبر القادم.

و"قد" يسفر المؤتمر عن تدشين حل سياسى استجابة لعدد من المستجدات التى شهدها مسار الأزمة خلال الشهرين الماضيين، الأمر الذى يجعل من المؤتمر - فى حالة نجاح الفرقاء الدوليين فى عقده - مؤشرا على مدى قدرة تلك الدول على رعاية ودعم طرح حل انتقالى سياسى فعلى بعد ثلاثة أعوام من الصراع والمواجهات المسلحة.

فى هذا الإطار يمكن رصد العديد من الأسباب والدوافع التى جعلت من تجديد الدعوة لعقد مؤتمر دولى للسلام بشأن سوريا أمرا يبدو ضروريا فى الوقت الراهن؛ بعضها يتعلق بطبيعة الصراع وتوازنات القوى الميدانية بين النظام والمعارضة بالداخل.

والبعض الأخر يتعلق بتخوفات دولية وإقليمية من ازدياد نفوذ تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية المتشددة التابعة له فى المناطق المحررة والتى لا تخضع لسيطرة الجيش السورى الحر نفسه.

أما البعض الثالث فيتعلق بمنحى التحول النوعى فى الصراع باستخدام السلاح الكيماوي على منطقة الغوطة الشرقية مؤخرا.

أولا : لماذا أصبح جنيف- 2 خيارا مقبولا حاليا؟ " الأسباب والمستجدات ": هناك من الأسباب والمستجدات فى مسار النزاع السورى ما يجعل التوجه لعقد مؤتمر جنيف -2 خيارا مقبولا خلال الفترة القادمة بعد تأجيل الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بالنزاع عقده أكثر من مرة ومنها: • طبيعة التوازن بين القوى المتصارعة ميدانيا فقد بدت تطورات الواقع الميدانى بين الجيش السورى النظامى والجيش الحر المعارض تعكس تقدما ملحوظا لصالح الأول خاصة بعد نجاحه فى الاستيلاء على بلدة القصير الاستراتيجية، وهى المعركة التى كانت سببا فى عودة انتصارات الجيش النظامى فى حمص وريف دمشق والاستعداد للمواجهة فى حلب بصورة بدا معها أن حالة التقدم والسيطرة التى فرضها الجيش السورى الحر على المناطق الشمالية وفرضها الأكراد على المناطق الشمالية الشرقية أصبحت مهددة فى ضوء استمرار وتيرة تقدم الجيش السورى النظامى على أرض الواقع الميدانى.

فقد أصبح الجيش النظامي يسيطر على كامل المنطقة الممتدة من حمص إلى المناطق الساحلية، كما أنه وفى حالة استمرار تقدم النظام ميدانيا فستصبح حتى المناطق المحررة فى الشمال والتى تسيطر عليها المعارضة هدفا لاحقا لهذا التقدم.

هذا الواقع الميدانى دفع السفير الأمريكى روبرت فورد إلى بحث إمكانيات التوصل إلى توازن للقوى بين جميع أطراف الأزمة ميدانيا وسياسيا بما يدفعهم إلى التفاوض الجاد خلال جنيف -2 بما يحدث اختراقا فعليا لحالة الجمود التى تشهدها الأزمة، لاسيما بعد أن فشلت عملية تسليح المعارضة السورية التى قدمتها السعودية بإشراف رئيس مخابراتها بندر بن سلطان وبموافقة واشنطن فى تعديل ميزان القوى العسكرى على الأرض لصالح المعارضة مرة أخرى.

كما فشلت كذلك عملية تقويض تداعيات معركة القصير والتى أدت إلى انتصار الجيش السورى النظامى وتراجع الجيش الحر ونجاح الأول فى السيطرة على حمص، ومن هنا قبلت الأطراف الدولية والإقليمية على مضض انجازات النظام السورى ميدانيا على أمل أن تدفعه تلك الانجازات التى أدت إلى تعديل موازين القوى لصالحه خلال الشهور الماضية إلى المشاركة فى مؤتمر جنيف-2.

وأدركت تلك الأطراف أن محاولة قلب موازين القوى ضد النظام قد يثنيه عن المشاركة الفعلية، لكن قبول الدول الراعية للمعارضة السورية لتوازنات القوى بين الطرفين السوريين المتنازعين بوضعية التقدم لصالح النظام أخذت تتراجع خلال الأسبوع الماضى على وقع أمرين: الأول، حالة التردد والانقسام فى وجهات النظر بين أطراف المعارضة السورية بشأن جدوى المشاركة فى جنيف -2 وضرورة الانتظار حتى إحداث تغيير ميدانى لصالح المعارضة؛ وهو ما وفر قناعة أمريكية أوروبية بأن الاختراق لكى يتم لابد من التدخل العسكرى الخارجى ولو فى صورة ضربة عسكرية انتقائية ومحدودة النطاق على مواقع الجيش السورى ومواقع القوات المتشددة التى تقاتل تحت لواء الجيش السورى الحر.

والأمر الثانى، تأكيد الاستخبارات الأمريكية – دون الانتظار لنتائج مفتشى الأمم المتحدة - بمسئولية النظام السورى عن استخدام السلاح الكيماوي على الغوطة ما دفع بواشنطن إلى تصعيد لهجة التهديد العسكرى والتلويح بضربة عسكرية أمريكية تعيد التوازن مرة أخرى إلى وضعية مقبولة للدول الراعية لجنيف– 2.

• النفوذ المتنامى للقاعدة أيضا من التطورات الراهنة والتى تدفع نحو عقد مؤتمر جنيف -2 بروز دور جماعات المقاومة الجهادية المتشددة كجبهة النُصرة وأحرار الشام والأخيرة ذات نهج سلفى ولكنها لم تعلن تبعيتها لتنظيم القاعدة، أما جبهة النًصرة فهى لا تخفى تلك التبعية وترتبط بصورة أو بأخرى بتنظيم الدولة الإسلامية فى الشام والعراق الذى يعد فرعا من فروع تنظيم القاعدة فى المنطقة بالرغم من نفى رئيسها أبو محمد الجولانى ذلك.

وتأتى الخطورة من سيطرتها الفعلية على المناطق الممتدة من ريف حلب إلى ريف ادلب وريف اللاذقية فى الشمال الغربى، ومطار منغ العسكرى، ومحافظة الرقة التى تتوسط المسافة بين محافظتى دير الزور وحلب والتى شهدت منذ منتصف أغسطس مظاهرات ضد عناصر متشددة مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية لسعيها إلى فرض مجموعة من الإجراءات على سكان تلك المناطق والتى تتنوع ما بين فرض المحاكم الشرعية، والتفتيش القسرى عند المعابر بين مناطق سيطرة الجيش الحر وبين المناطق التى تخضع لسيطرتها بشكل منفرد، والاعتقالات، والاغتيالات السياسية، أضف إلى ذلك العلاقة المتوترة والآخذة فى التصاعد بينها وبين الأكراد فى الشمال الشرقى ما ينذر بوقوع اقتتال محتمل بين تلك الجماعات المتشددة وبين الجيش السورى الحر نفسه الذى كانت تعمل يوما تحت لوائه لاسيما بعد اغتيال عناصرها لأحد قادته فى ريف اللاذقية مؤخرا، ناهيك عن معلومات غير مؤكدة بوقوع جزء من السلاح الكيماوى السورى تحت سيطرتها وما يحمله ذلك من تهديد لدولة إسرائيل الحليف الأمريكى الاستراتيجى.

• السلاح الكيماوي وإضافة إلى التطورات السابقة أيضا يأتى استخدام السلاح الكيماوى فى مجزرة الغوطة قرب العاصمة دمشق يوم الأربعاء 21 أغسطس 2013 ليشكل متغيرا جديدا ساهم بقوة فى حلحلة الموقف الدولى الذى تتزعمه الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبين والذى بدا معه أنها قررت أخيرا الخروج من حالة "التردد" التى انعكست فى موقفها من تسليح المعارضة بأسلحة ثقيلة خشية وصولها للجماعات الدينية المتشددة كجبهة النصرة وتنظيم الدولة الاسلامية فى الشام والعراق، وكذلك موقفها من استخدام القوة العسكرية ضد نظام الأسد.

وقررت الولايات المتحدة بالتالى ترك حالة "اللاحسم" بين النظام والمعارضة التى دخلت عامها الثالث، والتى ساهمت وحلفائها فى إبقائها عند الحدود التى تستطيع أن تتحكم فيها وبصورة لا تضر فى الوقت نفسه بمصالحها فى المنطقة أومصالح الحليف الإسرائيلى، لتنتقل إلى استخدام خيار عمل عسكري انتقائي ضد النظام السورى بحيث "تضعف" قدراته العسكرية عبر توجيه ضربات محتملة إلى قيادات الأركان، ومراكز الاتصال وتجمعات الجيش والمطارات على غرار ما حدث فى ليبيا، ودون أن "تسقط " لا النظام ولا الدولة.

ويستهدف التدخل العسكري ثلاثة أمور؛ الأول: الإسراع فى خلق واقع ميدانى جديد يكبح حالة تقدم الجيش السورى النظامى وإضعافه فى مواجهة الجيش الحر أو على أقل تقدير الحفاظ على التوازنات الحالية ومنع استمرارية انهيارها لصالح الجيش السورى تمهيدا لانعقاد مؤتمر جنيف -2 خلال شهر أكتوبر القادم، بحيث يتم الخروج بحل سياسى فعلى للأزمة خلال المؤتمر المزمع عقده بناء على التطورات الجديدة التى ستنتج عن الضربة العسكرية سياسيا وميدانيا.

والثانى: تحميل النظام السورى المسئولية عن استخدام السلاح الكيماوى مما يضعه فى دائرة الاتهام الأمر الذى سيوفر كروت ضغط نوعية لتحسين "شروط" التفاوض بشأن كافة النقاط التى تشكل أزمات مستعصية على الحل فى النزاع بين الطرفين وطرحها للنقاش والتفاوض فى جنيف -2 .

والثالث : مواجهة نفوذ تنظيم القاعدة المتنامى فى سوريا عبر جبهة النُصرة و أحرار الشام لاسيما فى مناطق الشمال والشمال الشرقى وهو أمر بات هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة وحلفائها وتتفق – ولو ضمنيا – معها روسيا بشأنه.

ما سبق يشير إلى أن استخدام النظام أو غيره السلاح الكيماوي دعم من خيارات وفرص عقد مؤتمر جنيف -2 لإحداث تغيير فى ميزان القوى بين الأطراف المتصارعة ميدانيا، وقد بدا من تطورات الأحداث أن هذا الموقف الأمريكى الجديد قد أتى بثماره المرجوة؛ حيث توقف التقدم العسكرى للجيش السورى النظامى الذى استمر على مدى الشهرين الماضيين لفك آخر معاقل المعارضة فى الطوق الذى كانت تفرضه على دمشق منذ عام ونصف العام تقريبا؛ حيث توقفت عملية درع العاصمة التى كان ينفذها ضد عناصر من جبهة النُصرة كانت تسيطر على مدخل"جوبر" الاستراتيجى وهو ممر يقود إلى داخل العاصمة دمشق من الجهة الجنوبية نحو الحدود مع الأردن، وكان مركزا لاستقبال مقاتلى الجيش السورى الحر الذين يتم تدريبهم داخل الأراضى الأردنية، وقد توقفت تلك العملية فى إطار توفير ممر آمن لبعثة الأمم المتحدة للتفتيش حول استخدام السلاح الكيماوي.

ثانيا : طبيعة التفاهمات الأمريكية الروسية لإعادة إحياء جنيف -2: المستجدات السابق ذكرها بشأن الأزمة السورية والتى وفرت تطورات نوعية جديدة يمكن الانطلاق منها نحو إمكانية إنجاح تفاوض جاد فى جنيف -2، تعكس حالة من التفاهمات الأمريكية الروسية بشأن سوريا بدت واضحة منذ مايو الماضى استهدفت تجاوز العقبات التى تحول دون انعقاد مؤتمر دولى يبحث حل "انتقالى سلمى" للسلطة فى سوريا ومنها : • لقاء باريس بين وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى ونظيره الروسى سيرجى لافروف آواخر مايو الماضى 2013، والذى سبقه لقاء نائب وزير الخارجية السورى فيصل المقداد بلافروف فى موسكو خلال الشهر ذاته وقدم المقداد خلاله رؤية النظام السورى وملاحظاته المطلوب مراعاتها حتى توافق الحكومة السورية على المشاركة فى المؤتمر، والتى يمكن حصرها فى ( عدم التدخل فى تأليف الوفد السورى- تشكيل وفد المعارضة السورية مناصفة بين المعارضة السورية فى الخارج ونظيرتها فى الداخل- عدم ادراج أية موضوعات تتعلق بطرح تشكيل حكومة انتقالية على جدول أعمال المؤتمر).

وقد توافق كل من المقداد ولافروف على اعتبار تلك المطالب "ملاحظات مهمة" وليست "شروطا" مسبقة من جانب نظام الأسد لحضور المؤتمر حتى لا تكون مبررا أمام وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى ليطرح بالمقابل شروطا للمعارضة، وهنا يبدو التحول النوعى فى موقف روسيا التى باتت ترى أنه من الصعب استمرار الوضع فى سوريا على ما هو عليه، ولكن فى الوقت نفسه لا ترغب فى إسقاط الأسد؛ لذلك ترى أنه بات من الضرورى تدشين مسار للحل يقوم على وجود هيئة ما أو إدارة انتقالية إلى جانب وجود الرئيس السورى، وهو ما يتضح من إبداء لافروف تحفظه على الملاحظة الأخيرة الخاصة بعدم طرح فكرة تشكيل حكومة انتقالية على جدول أعمال المؤتمر ويؤشر ذلك إلى اقتراب الموقف الروسى خطوة تجاه الموقف الأمريكى بشأن جنيف -2 وأطروحات الحل المتوقع عرضها فيه.

• أبدى وزير الخارجية الأمريكى خلال اجتماع باريس مع نظيره الروسى "تفهمه" لبعض الملاحظات التى أعلنتها موسكو بشأن رؤيتها لجنيف -2، ووعد بمراجعة إدارته بشأنها ومنها ( عدم إعداد بيان ختامى مسبق للمؤتمر والالتزام بوثيقة جنيف-1 كأساس للنقاش التى تطرح حل يقوم على وجود حكومة انتقالية ولكن لا يحدد مصير بشار الأسد فى العملية السياسية، أن لا ينتج عن المؤتمر أى ترتيبات زمنية أو رصد مهلة محددة بشأن ما سيتم التوصل إليه من حلول، تكون مهمة الدول الراعية للمؤتمر منحصرة فى تسهيل الحوار وتجاوز عقباته دون تقديم أى ضمانات) ، لكن وفى الوقت نفسه اصطدمت هذه التفاهمات الثنائية بموقف الرئيس الروسى فلاديمير بوتين خلال زيارة جون كيرى لموسكو فى يوليو الماضى 2013، والتى حاول خلالها كيرى حلحلة موقف بوتين بشأن بعض الثوابت الروسية وأهمها على الاطلاق مصير الأسد فى العملية السياسية فى حالة موافقة المعارضة السورية على اعتبار وثيقة جنيف -1 هى أساس للحل السلمى الانتقالى المزمع التوصل إليه خلال جنيف -2.

أيضا تشكل استمرار عملية تزويد النظام السورى بأسلحة متطورة عقبة أساسية أمام واشنطن نحو جنيف -2 ، وإن تغلبت عليها الإدارة الأمريكية بالتلويح بتفعيل الموافقة التى حصلت عليها إدارة أوباما من لجنة الشئون الخارجية فى مجلس الشيوخ على قرار تسليح المعارضة السورية كأحد أوراق الضغط الأمريكية على روسيا من ناحية، وعلى النظام السورى من ناحية ثانية لاسيما وأن الموافقة جاءت بالتزامن مع اتفاق كيرى ولافروف على أهمية التوجه نحو مؤتمر دولى يفرض حلا انتقاليا سلميا وإلا ستتجه الإدارة الأمريكية إلى تسليح المعارضة بصورة فعلية.

ثالثا : ضمانات المعارضة لحضور المؤتمر: لا تزال المعارضة السورية بأطيافها المختلفة تعانى من مشكلة التوحد خلف رؤية سياسية واحدة سواء تجاه طبيعة الحل السياسى الانتقالى المتوقع أو تجاه مرحلة ما بعد الحل أو ما يمكن تسميته اليوم التالى للحل؛ بل ولاتزال مترددة بشأن حضور مؤتمر جنيف -2 من عدمه على اعتبار أن الائتلاف السورى الوطنى المعارض كان رافضا لهذه الخطوة نتيجة لعدم وجود تغير ملموس فى توازن القوى على أرض الميدان بين الجيش السورى وبين الجيش الحر، واعتبر رئيسه أحمد الجربا تحقيق هذا التغيير شرطا لحضور المعارضة لجنيف - 2 ، لكن وفى تطور مفاجئ أيضا يبدو أنه جاء استجابة لضغوط أمريكية أعلن الجربا فى نهاية يوليو الماضى أن الائتلاف على استعداد لحضور المؤتمر دون شروط مسبقة ولكن بضمانات محددة هى: أولا، اتخاذ الحكومة السورية لخطوات إيجابية من قبيل إبداء حسن النوايا وجدية الرغبة فى حضور ناجز وفعال فى المؤتمر، وقد أشار الجربا إلى أن تلك الخطوات تتضمن الافراج عن سجناء ومعتقلين معارضين.

ثانيا، وجود إطار زمنى دقيق ومحدد للتفاوض لأن النظام السورى يجيد لعبة الوقت جيدا ومن ثم يرى الجربا أن عدم التأطير الزمنى للمفاوضات من شأنه جعل التفاوض هو والعدم سواء، وغالبا ما ستصطدم تلك الضمانة برفض الطرف الروسى الذى اشترط عدم تحديد مهلة زمنية لأية حلول ستنتج عن المؤتمر فى حالة انعقاده.

فى سياق ذلك تختلف المعارضة السورية حول تشكيل وفد تعددى يمثلها فى جنيف – 2 وإن اتفقت الأطراف مبدئيا على أن يتشكل الوفد من الائتلاف السورى المعارض وهيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطى والهيئة الكردية العليا على أن يتم التمثيل بنسب متفاوتة لكل مكون من المكونات الثلاثة فى الوفد، وقد أعربت واشنطن عن تفضيلها تشكيل وفد موحد للمعارضة السورية بشقيها السياسى الذى يشمل مكونات المعارضة الثلاثة السابق ذكرها والعسكرى الذى يشمل الجيش السورى الحر فى المؤتمر القادم على اعتبار أن الوفد الموحد من شأنه إعطاء المعارضة قوة إضافية فى مواجهة وفد الحكومة السورية.

ويصطدم تشكيل وفد موحد للمعارضة السورية بعقبتين فعليتين: الأولى تتعلق برفض هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطى أن تكون جزءا من الوفد عبر نسب تمثيلية يتم التفاوض عليها حيث ترغب فى المشاركة بصفتها المنفردة أى بوفد مستقل لها باعتبارها ندا للائتلاف المعارض.

والثانية تتعلق برفض المعارضة ككل وعلى رأسها الائتلاف السورى الطلب الروسى بتمثيل معارضة الداخل ضمن وفد المعارضة وهى عقبات إن لم يتم علاجها خلال الأيام القادمة ستوفر مجالا أمام النظام السورى للتملص من المشاركة فى المؤتمر بذريعة غياب الأطراف المعارضة التى تتوفر لديها الرغبة الجادة فى البحث عن حلول للأزمة.

وفى هذا الإطار تنازعت المعارضة السورية خلال اجتماعات الائتلاف الوطنى فى اسطنبول أواخر شهر يوليو الماضى ثلاثة آراء بشأن المشاركة فى جنيف -2 لم يتم تبلور رأى نهائى وموحد بشأنها: الأول، الربط بين المشاركة وبين حدوث تغيير فعلى لصالح المعارضة على أرض الواقع الميدانى وهذا الرأى شهد تغيرات أهمها عدول رئيس الائتلاف أحمد الجربا عنه كشرط مسبق لحضور مؤتمر جنيف -2 فى تحول لافت، وكذلك التلويح الأمريكى إما بتزويد المعارضة بأسلحة نوعية تعدل من مسار التوازن العسكرى الداخلى بين الطرفين لاسيما بعد موافقة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ كما سبق الذكر، وإما بتلويحها بضربة عسكرية محدودة النطاق ردا على مجزرة الغوطة التى استخدم فيها السلاح الكيميائى من قبل النظام كما أعلنت واشنطن.

أما الرأى الثانى، فتمثل فى المشاركة بوفد موحد فى فعاليات مؤتمر جنيف – 2 دون شرط رحيل الرئيس السورى بشار الأسد على أن يكون تحديد وضعه من العملية السياسية الانتقالية المزمع عرضها للنقاش فى المؤتمر محل تفاوض مقابل ذلك يكون للمعارضة التى ستشكل الحكومة الانتقالية الحق فى الإشراف على الأجهزة الأمنية والمالية والإعلامية بالدولة .

والرأى الثالث وهو الأصعب ويتعلق برفض المشاركة فى جنيف – 2 إلا إذا تم الإعلان عن أن المؤتمر ما هو إلا عمية تفاوضية ستنتهى برحيل الأسد وفقا لتسوية على غرار التسوية السلمية التى تمت فى اليمن .

مما سبق يتضح أن مستجدات الأحداث السورية خلال الشهر الماضى فرضت توجها دوليا عاما نحو عقد مؤتمر دولى للسلام بشأن سوريا من جديد، وأن الضربة العسكرية الأمريكية المحتملة تستهدف التمهيد لحل سياسى انتقالى يتم "طرحه" أو "فرضه" على أطراف النزاع فى جنيف-2 بعد أن تعيد التوازن بين طرفى الصراع لصالح المعارضة مجددا، وأن فرص عقد المؤتمر وكذلك فرص نجاحه مرهونة إلى حد كبير برغبة الدولتين الأكثر تحكما وتأثيرا فى مسار الأزمة السورية وهما الولايات المتحدة وروسيا - ومن خلفها إيران التى تترك لروسيا ترجمة الرؤية المشتركة لكليهما بشأن الأزمة فى المحافل الدولية - فى وضع حد لنزاع استمر ثلاثة أعوام كانت الدولتان مسئولتان إلى حد كبير طوال هذه الفترة عن استمرار حالة اللاحسم واللانتصار بين طرفي النزاع.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية