متابعات تحليلية

بعد عزل مرسى.. تقليص صلاحيات الجيش التركي !

كرم سعيد * 625 2-8-2013
طباعة

 لم يتوقع حزب العدالة والتنمية فى تركيا أن تكون هذه هي النهاية التراجيدية لأبناء عمومتهم فى القاهرة، كما أن أيا منهم لم يكن يتوقع دخول الجيش المصرى على خط الأزمة.

والواقع أن الطريقة الدراماتيكية التى عُزل بها الرئيس مرسى، خلفت ارتباكاً وتوتراً لدى الحكومة التركية، التي كانت تظن أن جماعة الإخوان نجحت في تفصيل المشهد على مقاس طموحاتها السياسية، وأمسكت دون شريك بمفاصل الدولة المصرية.

عزل مرسى يعقد حسابات الأتراك مثل إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن صدارة المشهد فى مصر صدمة قاسية للأتراك، إذ أن تركيا راهنت على الجماعة فى اختراق المنطقة العربية ومن ورائها القارة السمراء.

لذلك كان الارتباك والقلق هما العنوان الأبرز للموقف التركى، فبينما أرسل رئيس الدولة عبدالله جول بخطاب تهنئة للرئيس المصرى المؤقت عدلى منصور، نهج أردوغان وحكومته موقف المواجهه مع ثورة 30 يونيو.

وبدت تلك المواجهة فى السير قدماً فى سلسلة من الإجراءات الغير محسوبة أولها ذهاب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا والحليف الأقرب لجماعة "الإخوان" فى مصر إلى أبعد مدى فى دعم الرئيس مرسى، واصفاً في تصريح له عزله بـ "الانقلاب العسكرى"، وأضاف "فى هذا الوقت أن رئيسى فى مصر هو مرسى لأنه منتخب من الشعب".

ولأن حكومة أنقرة تعتبر أن خلع مرسى ليست عملية قانونية ولا أخلاقية، فقد جاء الإجراء الثانى، ويتمثل فى الدعوة لتظاهرات حاشدة في الميادين التركية لتأييد مرسى، وأنحت باللائمة على التيارات المدنية وفلول النظام السابق وبعض وسائل الإعلام التي تأمرت مع جهات خارجية لإقصاء من جاءت بهم الصناديق.

وراء ذلك قامت تركيا بليل أو من وراء ستار، وعبر ترسانتها الإعلامية أو نخبها السياسية بتشويه الصورة النمطية للجيش المصرى فى الوعى الجمعى العالمى عبر مقارنته بالدور المشبوه الذى لعبه عسكر تركيا قبل عقدين ضد عمليات التحول الديمقراطي بدءاً بإعدام عدنان مندريس في سبعينيات القرن الماضى ومروراً بأحداث 84 وقفز العسكر على السلطة وانتهاء بالالتفاف وعزل حكومة حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان في العام 1997.

أما الخطوة الرابعة فترتبط بتجميد أنقرة بعض الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون مع مصر في مجالات مختلفة منها المواصلات والتعليم والصحة والبالغ عددها 27 اتفاقية وقعت أثناء زيارة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى مصر العام الماضى.

كما شملت الإجراءات التي اتخذتها أنقرة ضد القاهرة إيقاف صفقة بيع عشر طائرات تجسس دون طيار من طراز "انكا" أو "العنقاء" إضافة إلى تجميد كافة المناورات العسكرية بين البلدين وعدم مغادرة السفير الجديد أحمد يلدز إلى القاهرة رغم صدور مرسومه الحكومى سفيرا للقاهرة فى الرابع من يوليو الماضى.

لذلك لم يكن غريباً أن تستضيف اسطنبول فى 15 يوليو الماضى اجتماعاً للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين للبحث فى سيناريوهات الأزمة المصرية، وخطط التحرك لمواجهة الانقلاب الذي أطاح بالرئيس مرسى، إضافة إلى البحث فى إمكان الرد على حملات "التشويه" التى تتعرض لها الجماعة الأم عبر منابر إعلامية عربية وعالمية.

إسلاميو تركيا: مجدداً نحو تعديل قانون الجيش أدركت تركيا دون أن تفصح أنه لا عودة لعقارب الساعة للخلف، وأن مرسى صفحة تم طيها، لاسيما وأن ثمة قطاعات شعبية واسعة تساند المؤسسة العسكرية، وأن محاولات التشويه والحرب النفسية ضد الجيش المصرى منذ تصاعد وتيرة الأحداث باتت أقرب إلى مباراة صفرية.

على الضفة الأخرى من النهر، فإن ثمة تفهم واسعاً في الموقف الدولي للسياقات السياسية والمجتمعية التي تشهدها الساحة المصرية، وإبداء قدر أكبر من المرونة مع المرحلة الانتقالية الثانية، وهو الأمر الذي مثل صدمة لأنقرة.

لذلك وافق البرلمان التركى الذى يحظى فيه العدالة والتنمية بالأغلبية العددية على عجل على تغيير المادة 35 من قانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة التركية، والتي كانت تضفى شرعية على كل الانقلابات التي قام بها الجيش ضد الحكومات المنتخبة.

والأرجح أن إسراع أردوغان بهذا التعديل يعود بالأساس إلى يقينه بالتشابه الكبير بين قيم وتقاليد العقيدتين العسكريتين المصرية والتركية، وهو ما قد يغذى طموحات الجيش التركي الذي يتسع الرتق بينه وبين حكومة أردوغان باتجاه استدعاء ثقافة الانقلابات أو على الأقل دخوله مجدداً كأحد أطراف المعادلة السياسية.

وكانت المادة الـ35 من قانون المؤسسة العسكرية الذي صدر في أعقاب انقلاب 1960 تنص على "أن وظيفة القوات المسلحة التركية هي حماية الوطن التركي ومبادئ الجمهورية التركية كما هى محددة فى الدستور".

وبعد إدخال التعديل على تلك المادة أصبحت الصيغة الجديدة التي جرى التصويت عليها بأغلبية في 13 يوليو الجاري هي "مهمة القوات المسلحة تتمثّل في الدفاع عن الوطن والجمهورية التركية تجاه التهديدات والأخطار الخارجية، والسعي إلى الحفاظ على القوة العسكرية وتعزيزها، بحيث تشكل قوة رادعة للأعداء، والقيام بالمهمات الخارجية التي تسند إليها من قبل البرلمان التركى، والمساعدة على تأمين السلام العالمي".

التعديل الدستورى خطوة للأمام وأخرى للخلف صحيح أن حكومة أردوغان أكدت أن تعديل المادة 35 هو خطوة على طريق انتصار الثقافة الديمقراطية على الغرائز الاستبدادية الراسخة بعمق بين أوساط القوات المسلحة، والموالين لها إضافة إلى كونها خطوة تاريخية تصب في خانة الديمقراطية، إلا أنها كشفت عن عمق المخاوف التي تقلق نخبة الحكم التركية من مؤسساتها العسكرية.

فى المقابل سخن هذا التعديل الجراح التى لم تلتئم بعد بين المؤسسة العسكرية التركية وحكومة العدالة والتنمية، وكان بارزاً، هنا، التقدم باستقالات بالجملة فى صفوف القوات البحرية وسلاح الجو، وهو الأمر الذى أحدث فراغاً ضخماً فى مناصب مهمة، أوكل سدها إلى ضباط ذوى رتب صغيرة، ما أشاع انطباعاً بأن الجيش قد فقد أهم خبراته ورجاله ويقوده الآن ضباط يفتقرون إلى الخبرة الكافية.

والأرجح أن الجيش التركى لا يزال يحظى بصورة رائقة فى الوعى الجمعى التركى، لذلك لم تفلح محاولات اتهام بعض ضباطه بالخروج عن الانضباط، أو الإسراف فى شرب الخمر ولعب القمار أو تسريب معلومات سرية إلى وسائل الإعلام، فى سحب البساط من تحت أقدامه.

وواقع الأمر أن التعديل في قانون الجيش التركي لم يكن الأول من نوعه، فقد سبقته سلسلة طويلة من التعديلات الدستورية التي هدفت إلى أقلمة أظافر المؤسسة العسكرية جنباً إلى جنب الإطاحة بعدد من كبار قادة الجيش التركي فيما عرف إعلاميا بعملية المطرقة.

إلا أن التعديل الذى شهدته المادة 35 من قانون الخدمة العسكرية فى الأيام الفائتة يبدو مختلفا عما حدث من قبل لسببين أولهما خصوصية الوضع السياسى فى البلاد، وتظاهرات الاحتجاج التى تضرب تركيا منذ ما يقرب من شهر ونصف، واكتسبت هذه الاحتجاجات تعاطفا داخليا من التيارات العلمانية وكذلك المؤسسة العسكرية إضافة إلى زخم دولى غير متوقع.

وكان ملفتا ً، هنا، توبيخ الاتحاد الأوروبى للحكومة التركية، بسبب قمع المظاهرات المناهضة لها، واستخدام العصا الغليظة فى التصدى للمتظاهرين دون التجاوب مع مطالبهم، مؤجلاً جولة جديدة من محادثات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي أربعة أشهر على الأقل، وأن عاد مخففاً لغة التوتر حين أكد فى بيان له أن "طريق نيل تركيا لعضوية الاتحاد لا يزال مفتوحاً".

أما السبب الثانى فيرتبط بخصوصية المشهد المصرى، والحسم العسكرى الذى استند إلى تظاهرات 30 يونيو التى شهدتها القاهرة وعدد من المحافظات الإقليمية، لينتهى الأمر بوضع خارطة مستقبل وسلسلة من الإجراءات طرحتها المؤسسة العسكرية، والتى تضمنت عزل الرئيس مرسى وتشكيل حكومة انتقالية لحين إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية فى غضون الأشهر القليلة القادمة.

خلاصة القول الأرجح أن السيناريو المصري أقلق مضاجع أنقرة، خصوصا وأن حكومة العدالة والتنمية التي تتولى مقاليد السلطة منذ عشر سنوات والمؤسسة العسكرية التركية لم يتوصلا بعد إلى ما يمكن وصفه ب"كيمياء التعايش" بينهما ناهيك عن أن التيار العلماني التركى لم يقتنع بعد بتصور الحزب الحاكم لمستقبل البلاد ولاسيما على الصعيد الداخلي.

القصد أنه إذا كان مشهد العزل للرئيس المصري يبدو مستبعداً في تركيا الأردغاونية التي قطعت شوطاً على صعيد الرفاهية الاقتصادية، إلا أن ثمة قلق لا تخطئه عين وخاصة عين الحزب الحاكم في تركيا من دلالات الأزمة المصرية وإمكانية انعكاسها سلبيا على أنقرة.

صحيح أن زمن الانقلابات العسكرية المباشرة في تركيا ولى إلى غير رجعة، إلا أن الجانب العسكري-العلماني مازال يحمل نظرة سلبية راسخة تجاه حزب العدالة والتنمية لم تبددها نجاحات أردوغان الاقتصادية.

طباعة
كرم سعيد

باحث متخصص في الشأن التركي- مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام