دراسات

إعادة الاكتشاف الاستراتيجي للعلاقات المصرية – الخليجية / 1-2

طباعة

أعادت ثورة 30 يونيو الدفء للعلاقات المصرية الخليجية، ولم يعكس ذلك فقط مقدار الدعم الخليجي لمصر الذي بلغ 12 مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت، والذي جرى الإعلان عنه قبل مضي عشرة أيام على عزل الرئيس مرسي، وإنما أيضا رسائل التهنئة الحارة من جانب القيادات الخليجية للرئيس عدلي منصور، وللفريق عبد الفتاح السيسي، والزيارة الإماراتية على مستوى عال لمصر، والتي امتنعت طيلة سنة حكم مرسي.

كان الفتور هو أبرز ملمح للعلاقات خلال السنة الماضية، لكن على الرغم من فتور العلاقات الرسمية، فقد كانت العلاقات على الصعيد الشعبي معبرة، ومن يؤرخون لهذه الحقبة سوف يتوقفون كثيرا أمام هذه السنة التي برز فيها عمق العلاقات على الصعيد الشعبي.

وكان أبرز دلائل ذلك السلوك العفوي المصري بعد أزمة السفارة السعودية بالقاهرة، ومواقف المصريين من تصريحات بعض قادة الإخوان المعادية لدولة الإمارات.

والأجدر أن فترة حكم الإخوان لمصر جددت علاقات مصر بالخليج بأكثر من أي حقبة سابقة.

أولاً: حكم الإخوان..

وإعادة الاكتشاف الاستراتيجي لمصر: على مدى العقود الماضية، سارت العلاقات المصرية الخليجية وفق النمط الاعتيادي، وأُخذت كمعطى موروث، من دون تقديرات شاملة للقيمة الاستراتيجية المضافة من جانب كل طرف للآخر.

وعلى الرغم من توثيق العلاقات في فترة حكم الرئيس مبارك وتكرار مقولة أن أمن الخليج خط أحمر، فإن الخليج لم يدخل في أعماق الفكر الاستراتيجي المصري، ولم تدخل مصر في عمق الفكر الاستراتيجي الخليجي، وقد ظل كل منهما في مدار استراتيجي وأمني شبه منفصل، ثم جاء حكم الإخوان وأدخل كل طرف في المدار الاسترتيجي للآخر، وهو ما يمكن أن يحدث أكبر تحول في مفاهيم الأمن الاستراتيجي الخليجي والمصري على حد سواء، فخلال العقود السابقة، ركنت رؤى الأمن القومي على الجانبين إلى مفاهيم اكتسبت طابعا إنشائيا من فرط تكرارها دون أن تتعرض للاختبار الحقيقي، إلا في حالات محدوة ومؤقتة دفع إليها ظهور خطر استراتيجي طارئ مثل حالة الغزو العراقي للكويت 1990 - 1991.

وجاء حكم الإخوان بمثابة "تجربة" أو "بروفة" لما يمكن أن يكون عليه الحال لو جرى افتقاد المعطى الاستراتيجي الموروث في العلاقات الذي لا يجري إدخاله في حسابات المعادلة.

لقد ظل الخليج معطى مضافا للأمن القومي المصري، وظلت مصر كذلك بالنسبة للخليج، باستثناء فترات محدودة، ونشأت حالة من "الأمن المجاني"، في ظل تراجع تكاليف الأمن تحسبا للأخطار الواردة من الآخر إلى الصفر.

وظل ذلك إلى أن جاء حكم الإخوان ورفع كلفة الأمن الخليجي من ناحية مصر إلى مراتب فاقت كل جبهات الأخطار الاستراتيجية الأخرى على الخليج.

وتحولت مصر من أن تكون ضمن الجوار الآمن، إلى الجوار الناشط والخطر، وازدادت تهديدات الأمن إلى أقصى مدى، وتولد عن ذلك إحساس ليس فقط بخسارة الرصيد الاستراتيجي، وإنما أيضا بتحوله إلى خانة مهددات الأمن المكلفة، وهي مهددات من النوع الذي يصعب تعويضه بالإنفاق على الأمن باقتناء مزيد من السلاح أو إبرام مزيد من الاتفاقيات الأمنية.

تركت تجربة الرئيس عبد الناصر آثارا سلبية على العلاقات الخليجية مع مصر، خصوصا مع صك مفهوم الرجعية العربية والأنظمة المحافظة، ونشأ صدام بين عبد الناصر ودول الخليج عبر عن نفسه في الحرب في اليمن، التي تواجهت فيها مصر والسعودية.

وقد رسخت هذه الفترة التحفظ الخليجي نحو مصر، الذي عمق من التأثير الخليجي النفسي نحو مصر بعد سقوط النظام الملكي، وترك بصماته على الحقب التالية.

وإلى حد كبير، فقد صححت حرب أكتوبر جزءا من معادلة العلاقات، وأقامت مجموعة من الروابط الجديدة، بعد أن وقفت دول الخليج إلى جانب مصر، واتخذت قرار حظر تصدير النفط الذي كان أحد أهم مرتكزات النصر في حرب أكتوبر.

ولكن مع تضخم ثروة النفط تأسس نموذج في العلاقات توزع فيه مركز القيادة بين مصر والسعودية.

وأتت اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام 1978 و1979 لتبعدا مصر عن العالم العربي، ولتضعاها في مدار أمني منفصل عن الأمن الخليجي، وأصبح لكل منهما مدار أمني منفصل مع الولايات المتحدة، وعملت الاخيرة على تعميق هذا الانفصال، ولكن حرب الخليج الأولى 1980 – 1988 والغزو العراقي للكويت 1990 وحرب تحرير الكويت 1991 ثم حرب تحرير العراق 2003 ساعدت على تسريع عودة العلاقات المصرية الخليجية مجددا، وأدت هذه العقود إلى إحداث قدر من التنسيق الأمني الحذر بين الجانبين، ولم يؤد الدور القومي الذي اضطلع به كل من الجيشين المصري والسوري في حرب تحرير الكويت 1990 - 1991 إلى الدخول مع دول الخليج في علاقات أمن استراتيجي أكثر، وكان أبرز مؤشر على ذلك فشل إعلان دمشق الذي وقع في 1991.

ومع تفجر الثورات العربية 2011 تعرض ما تحقق على مستوى التنسيق الأمني في عهد مبارك إلى التهديد؛ بالنظر إلى قلق دول الخليج التلقائي من الثورات وبحكم تجربتها مع ثورة 1952؛ وعمق من ذلك أن التفاعلات الداخلية في مصر جنحت في بعض الأوقات ضد المكاسب التي تحققت في علاقات مصر بالخليج، وكان أبرز مؤشر قضية المحامي أحمد الجيزاوي مارس 2012 التي وضعت علاقات مصر بالمملكة تحت الاختبار، ولم تمض الأزمة دون بعض الإساءات الصحفية والفضائية التي كادت أن تدفع بالعلاقات على الجانبين إلى التوتر، واستدعت المملكة على أثرها سفيرها بالقاهرة، وانتهت الأزمة بذهاب وفد شعبي ورسمي مصري إلى الرياض، عاد على أثره السفير السعودي.

وجعلت تفاعلات الثورة وحكم الإخوان دول الخليج في حالة من الترقب؛ وإلى حد ما ظلت خلال فترة حكم المجلس العسكري حريصة على النأي بذاتها عن تفاعلات الداخل المصري.

وكانت أوضاع ما بعد الثورة جديدة على الصعيد الداخلي في مصر، فباعتبارها تجربة لثورة قامت على مبادئ بينها الحرية، لم يبرز التمييز بين الحرية ونوعية العلاقات التي تتعلق بالأمن القومي، وبدت مصر في مرحلة عدم قدرة على فرض معايير الأمن القومي بمفاهيم المرحلة السابقة، ومن ثم جزء من علاقات الخليج مع الشأن الداخلي المصري والقوى السياسية في مصر مر لعدم القدرة على الفصل بين حدود الأمن القومي وضرورات الحرية التي تقتضي السماح بنوعية جديدة من العلاقات بين الخارج الرسمي الخليجي والداخل الشعبي المصري.

ثانياً: ماذا ربحت دول الخليج بسقوط حكم الإخوان؟ كان وقوع مصر في قبضة حكم الإخوان يعني تغيرات استراتيجية هائلة في المشهد الإقليمي والداخلي مؤثرة على دول الخليج يتمثل أهمها فيما يلي: (1) في المشهد الاستراتيجي الإقليمي: - التحالف الإخواني الأمريكي: ظلت نقطة تميز دول الخليج على مدى العقود الماضية، تتصل بعلاقتها وشراكتها الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية في قضايا الأمن الخليجي، وهو ما عزز استقلال أمن الخليج عن الأمن العربي، وقد جعل ذلك منطقة الخليج بمنأى ومأمن من صراعات الأنظمة الراديكالية وموجات الحروب الإقليمية التي اجتاحت المنطقة.

ومع قدوم جماعة الإخوان بمفاهيمها غير الواضحة بشأن السيادة والدولة الوطنية وبنظرتها بعيدة المدى للخلافة الإسلامية التي تجب كيانات الدول القائمة، فقد انخرطت في علاقات مع الولايات المتحدة على حساب سيادة الدولة.

وقد هدد ذلك بإمكان حلول دويلات الإخوان محل الدول الخليجية في شراكات إقليمية جديدة مع الولايات المتحدة، وهو ما كان أكبر مهدد للتحالف الخليجي الأمريكي.

فمنذ سنوات تسعى مراكز التفكير الأمريكية إلى تطبيع العلاقات مع الجماعات الإسلامية وإدماجها في العمل السياسي وإخراج نسخ إسلامية ليبرالية وطبعات معتدلة من الإسلام السياسي يمكنها التعامل مع الغرب، وكان مجيء الإخوان إلى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية بديلا يتوقع له أن يشكل أساسا لتحالف أمريكي جديد في المنطقة يستقر لعقود.

وكان يفترض أن يقوم هذا التحالف الجديد على مفاهيم ومبادئ مختلفة عن مبادئ ومفاهيم التحالف الخليجي الأمريكي.

وربما يجري توظيفه ضد التحالف القديم مع الأنظمة الملكية.

وأتت ثورة 30 يونيو لتعيد المشهد إلى المربع رقم 1 ولتعيد تأكيد أهمية دول الخليج للولايات المتحدة وقدرتها على الإمساك بمقاليد الإقليم العربي وتوجيه خطواته وإيقاعه.

فبسقوط حكم الإخوان تراجع الإسلام السياسي وأصبح على القيادة الأمريكية إعادة استخدام ذات المفاتيح الرسمية للمنطقة بآلياتها الرسمية القائمة، وظل التحالف مع دول الخليج هو عماد الاستقرار الإقليمي.

- تطوير العلاقة مع إيران: بينما تعرضت علاقات مصر بدول الخليج العربية خلال السنة الماضية للتدهور تنامت علاقاتها بإيران.

وفي بداية حكمه سعى الرئيس مرسي إلى مغازلة السعودية، فصرح خلال زيارته للمملكة في يوليو 2012 أن السعودية هي "راعية مشروع "الإسلام الوسطي السني"، وأن مصر هي "الحامية لهذا المشروع، وعلى غرار نظام مبارك أكد الرئيس مرسي وبعض مسؤولي إدارته أن أمن "الخليج خط أحمر"، وأنه جزء من الأمن القومي المصري.

لكن ذلك لم يترجم عمليا على الأرض، واتسمت رسائل الإخوان لدول الخليج بالتعارض وعدم الاتساق، واتخذ النظام من السياسات ما أكد رغبة القيادة في الاقتراب من إيران أكثر، ففضلا عن زيارة الرئيس لإيران في أغسطس 2012، وزيارة الرئيس الإيراني لمصر في فبراير 2013، قام عدد من المسؤوليين والسياح الإيرانيين بزيارة مصر، وقامت مجموعة من الوفود المصرية بزيارة إيران.

ومن غير المعروف ما إذا كان الرئيس مرسي والجماعة قد استهدفوا من ذلك الضغط على دول الخليج للتعامل معهم، أم أن ذلك أتى كجزء من أجندتهم الخاصة، لكن بكل حال، فقد برزت عقبات في الطريق مع إيران، جعلت الرئيس مرسي يتحول في الأيام الأخيرة لرئاسته عن سابق سياساته إزاء الجمهورية الإسلامية، وبرز ذلك في تحول موقفه بالإعلان عن دعم مصر "شعبا وقيادة وجيشا" للثورة السورية وهجومه على حزب الله وقيادته، وهو ما مثل اتجاها مغايرا لتوجهه السابق، كما اتضحت عراقيل لوجستية وفنية إزاء السياحة الإيرانية، وتراجعت التقديرات بشأن العائد منها، وعزز من ذلك أن رغبة الرئيس في إحكام تحالفه مع السلفيين بالداخل وحاجته إليهم دفعته لاسترضائهم من خلال قطع طريق العلاقات مع إيران وإعلاء نبرة العداء للشيعة.

وكان من شأن مسار التطور في علاقات مصر بإيران لو استمر الإخوان قيام محور إيراني مصري يجعل الخليج واقعا تحت ضغط مباشر فيما يتعلق بالنفط وممرات الطاقة.

ويتضح بعد سقوط حكم الإخوان أن إيران لم تبال كثيرا بسقوط مرسي، وأنها ربما استدركت مخاطر الإخوان، وكان اتصال وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي بوزير الخارجية المصري نبيل فهمي في 23 يوليو أبرز دليل على اعتراف إيران بالواقع المصري الجديد، وهو أمر يتضح بالمقارنة بالموقف التركي.

- التبعية لتركيا العثمانية: مثلت تركيا الحاضنة الأساسية لتيارات الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة, وقدمت النموذج الرئيسي للحكم الإسلامي المعتدل، الذي تمتزج فيه قيم الإسلام بتقاليد العلمانية، وعلى مدى السنة الماضية توطدت العلاقات بين إخوان مصر ونظرائهم في حزب العدالة والتنمية التركي، وإلى حد كبير فإن الإخوان بقناعاتهم الأيديولوجية بشأن الخلافة الإسلامية وقراءتهم الخاصة للتاريخ العثماني، قدموا للأتراك نفوذا بلا ثمن في المنطقة العربية، وقد برز ذلك في زيارات العديد من المسؤولين الإخوان إلى تركيا.

وعلى الرغم من أن دول الخليج تحتفظ بعلاقات وثيقة مع تركيا، وهي علاقات يدعمها الانتماء إلى المذهب السني، والتوافق حول الموقف من العراق وإيران وسورية والتحالف مع الولايات المتحدة والغرب، إلا أن الطابع الإسلامي الحركي لتركيا أردوغان وتبنيه جماعة الإخوان المسلمين طرحت الشكوك في الموقف التركي على الصعيد الخليجي.

وكان من شأن تمكن الإخوان في مصر أن يجعل دول الخليج محاصرة بين المثلث الإسلامي الأكبر المحيط بالخليج من كل جانب (مصر وإيران وتركيا).

ولا شك في أن موقف أردوغان المعارض لعزل مرسي صب في خانة تأكيد قناعات دول الخليج بخصوص العلاقات الخاصة لتركيا مع الإخوان.

وكان التحالف الإخواني التركي القائم على أيديولوجية إخوانية بخصوص الخلافة الإسلامية ومصلحة تركية في العثمانية الجديدة يعارض الحضور السعودي الخليجي في مركز القيادة الإقليمية في العالم العربي، ويفتت دول المنطقة بين تحالفات ضارة بالخليج.

- انتزاع قطر من الخليج: كانت قطر السند الرئيسي لحكم الإخوان في مصر ومختلف دول الثورات العربية.

ومن الصعب الإحاطة بكل أهداف السياسة القطرية في دعمها الإخوان المسلمين في ظل اضطراب علاقاتها بدول مجلس التعاون الخليجي، إلا في سياق ما يحققه لها ذلك من إحساس بالتميز في المحيط الخليجي من خلال سياسات نشطة تبحث عن المكانة والمكاسب بغض النظر عن مصادر التوتر للخليج.

وكان مثيرا ولافتا استمرار قطر في دعم الإخوان، وتواصل الزيارات البينية على أعلى مستوى بين القاهرة والدوحة، في الوقت الذي اعتبرت فيه السعوية والإمارات والكويت الإخوان خطرا عليها.

وقد ظل التحالف القطري مع الإخوان أكبر عائق نحو تبني موقف خليجي جماعي تجاههم، ولكن جرى استيعاب الموقف القطري في الوسط الخليجي بشكل متوازن.

وبسبب أوضاع إقليمية وقطرية قررت الدوحة في النهاية العودة للبيت الخليجي، وقرر الأمير العودة بإمارته إلى المربع رقم 1، وتسليم حكم الإمارة لنجله الأمير تميم.

وقد أحكم ذلك الطوق حول حكم الإخوان في مصر، فأدى انتهاء الدعم القطري مع بداية احتجاجات ميدان تقسيم في تركيا إلى اختفاء أهم مصدرين لدعم الإخوان في الوقت نفسه، وأدى سوء العلاقة مع إيران إلى انتفاء الدعم المتوقع.

وهكذا عادت التوجهات الرئاسية لحكم الإخوان إلى نقطة الصفر بعدما وثبت وثبات بدا عليها قدر من الطموح عام 2012.

(2) في المشهد السياسي الداخلي: - تصادم الشرعيتين: كان أكبر تهديد يمثله حكم الإخوان المسلمين على دول الخليج هو التهديد الخاص بالشرعية السياسية، فوجود أنظمة حكم بأيديولوجيا إسلامية، وقيام دولة دينية ثيوقراطية في المنطقة العربية، مع تبنيها لمفاهيم خاصة بالخلافة والأممية الإسلامية، من شأنه التأثير على الوضع الداخلي في دول الخليج، وأن ينازع دول الخليج على أرضية الشرعية الإسلامية ذاتها، وخصوصا مع وجود بعض التيارات الدينية في دول الخليج ممن تبنى فكر الإخوان وبعضها عقد البيعة مع مرشد الجماعة، أو تيارات ليبرالية لا تتعاطف مع الإخوان، ولكنها كان من المتوقع أن تدعم حكم الإخوان لما يمثله من تحدي لأنظمة دولها، وهو ما يأتي من باب العداوة وليس الموالاة.

ومن شأن نشأة شرعية إسلامية بجوار شرعية الدول الخليجية التي ترتكن على القيم الإسلامية أيضا، أن يثير إشكاليات قد تصل إلى تصادم أو صراع الشرعيتين.

وعلى جانب آخر، طرح الخطاب السياسي للإخوان تحديا على المؤسسات الدينية الرسمية في دول الخليج بالقدر نفسه الذي طرحه على مؤسسة الأزهر.

وعلى الرغم من علاقاتهم بالخليج وفضل الخليج عليهم منذ الستينيات، فقد تورط الإخوان في العداء للخليج.

ومن غير المعروف الأسباب التي ولدت هذه العداوة أو الكراهية، فالمسار التاريخي للعلاقات يؤكد الانسجام الإخواني مع الواقع الخليجي، وقد حظي الجيل الأول من الإخوان الذين هاجروا للخليج بالعمل والمكانة، ولكن الجيل الأحدث الأكثر تسييسا أبعد الجماعة عن العمل الدعوي وقربها إلى العمل السياسي، وهو ما أسهم في إبعادها عن الحاضنة الطبيعية لها في الخليج، ويعود بعض أسباب ذلك أيضا إلى إخوان الداخل في دول الخليج الذين قادت رغبة التنظيم الأم في استرضائهم في مواجهة أنظمة بلادهم إلى دخول الجماعة في مواجهة مع الأنظمة.

وانعكس توتر العلاقة بين قطر ودول الخليج على العلاقة بين دول الخليج والإخوان؛ فقد ظل الدعم القطري للإخوان وللتيارات الإسلامية وعبر قناة الجزيرة مصدر حساسيات من جانب دول المجلس، واستخدمت قطر الإخوان أحيانا كأحد أدوات تكريس مكانة نظامها في الخليج، وكانت الفتاوى الدينية من الشيخ القرضاوي أحد أسباب التوتر بينه وشيوخ المؤسسة الدينية السعودية.

وتمثلت الشرارة الأولى التي مثلت أول تصادم فعلي بين نظامين خليجيين في الخلاف الذي فجره الشيخ القرضاوي بتهجمه على شيوخ الإمارات في مارس 2012، والذي رد عليه قائد عام شرطة دبي ضاحي خلفان بالتهديد برفع مذكرة للانتربول الدولي لاعتقال الشيخ، منتقدا هجومه على الإمارات لترحيلها وافدين سوريين، بينما لم ينتقد حكومة قطر التي قامت بسحب جنسيات مئات من مواطنيها من قبيلة بني مره وطردتهم الى الصحراء.

ففي هذا الخلاف أقحم قيادي إخواني نفسه على خط المواجهة بين القرضاوي وخلفان، موجهاً تهديدا مضادا بتحرك العالم الإسلامي بأسره ضد الإمارات، للذود عن الشيخ يوسف القرضاوي.

وبشكل عام، فقد أثبت حكم الإخوان خلال السنة الماضية، أنهم لم يكونوا يشكلون خطرا أمنيا وحسب على دول الخليج بحكم علاقتهم بإخوان الداخل، وإنما خطرا عقيديا وتهديدا أساسيا لشرعية أنظمة الحكم الخليجية؛ فقلب العقيدة المركزية الإخوانية مؤسس على قدر من الريبة بشأن ثروات الخليج.

وخلال السنة الماضية تحدث الكثيرون عن ما أسموه "الهلال الإخواني"، وعن سعي الإخوان للسيطرة على بلد خليجي وإعلانه إمارة إخوانية يجري الإنفاق منها على مشروع الخلافة الإسلامية.

- تقارب الإخوان والسلفية: على المدى القريب، لم يكن هناك مخاوف أو تحديات فعلية في الخليج من حكم الإخوان، فعلى الرغم من استمرار المناوشات اللفظية بين قائد عام شرطة دبي وبعض قيادات الإخوان إلا أن هذه المناوشات كان بالإمكان استيعابها، وكان الخوف في الخليج من النوايا والأجندة الإخوانية المستبطنة بعيدة المدى، فعلى مدى السنة الماضية لم يطرح الإخوان خطرا حالا على دول الخليج، وربما كان وجودهم على رأس الحكم عاملا للتسكين والمهادنة من قبل إخوان الداخل بالخليج، فوجود الإخوان على رأس السلطة في مصر قيد حركتهم كجماعة إقليمية عابرة للوطنية، وكما قيد الإخوان سلوك حركة حماس، واستجابت الحركة لهم، ففيما يبدو فقد أثروا في حركات الإخوان بالخليج، وعلى سبيل المثال فإن الإخوان لم يتخذوا أي خطوات انفعالية فيما يتعلق بالقبض على ما أسمي خلية الإخوان في الإمارات، وباستثناء زيارة عصام الحداد عقب الأزمة مباشرة وزيارات غير رسمية للشاطر، بدا الإخوان وكأنهم غير معنيين بالمعتقلين، ولم يجعلوها قضية كبرى في علاقتهم بالإمارات، بالتأكيد كانت هناك جهود سرية لإطلاق سراحهم، لكن الأساس أن الإخوان لم يجعلوا من هذه القضية سببا في تدمير علاقاتهم بالخليج.

وعلى الرغم من إشارات الرئيس مرسي المتعددة عن "أصابع" تلعب في مصر(في إشارة إلى الإمارات بالأساس)، فإنه لم يتخذ أي إجراءات.

ويؤدي سقوط حكم الإخوان إلى قدر من التوافق بين الإخوان والجماعات السلفية، بما فيها الجهادية الأكثر راديكالية، ومن شأن ذلك إقدام الإخوان على التنازل أمام السلفيين، حتى يضمنوا بقائهم إلى جوارهم، ومن شأن ذلك أن ينتج نسخا هجينا، وربما أكثر تطرفا من الإسلاميين.

ومن المرجح أن يزكي ذلك من فكر المؤامرة وسط الفروع الإخوانية والجماعات السلفية، وهو أمر اتضحت بعض ملامحه في كتابات عدد من أنصار التيار الإسلامي في دول الخليج، والذين اعتبر أكثرهم ما حدث في مصر انقلابا عسكريا ومؤامرة على الإسلام السياسي ورفضا لوجود الإسلاميين في الحكم.

وعلى مستوى التيارات الليبرالية في الخليج، فإن سقوط حكم الإخوان من المفترض أن يدخلها في مرحلة من التوافق مع أنظمة الخليج لأنها وقفت إلى جانب الثورة الشعبية التي قادها الشباب والليبراليون، بما لذلك من معاني في الداخل إزاء سطوة التيار السلفي المتشدد، وإزاء التيار الليرالي المدني في مصر الذي سوف يعتبر وقوف الخليج إلى جانب الثورة المصرية عونا مهما لنجاح هذه الثورة.

ويمكن تصور نشأة تحالفات ليبرالية مصرية خليجية مجتمعية، كما سوف تتراجع انتقادات الليبراليين في مصر لأوضاع حقوق الإنسان في الخليج.

وعلى صعيد التيارات الإسلامية، فسوف تبقى لفترة مستنكرة دعم دول المجلس للنظام الجديد ومباركتها خطوة الجيش الذي أسقط وفقا لها المشروع الإسلامي، لكن نجاح تجربة الحكم الجديدة في مصر في إعادتها الأوضاع إلى الاستقرار وإعادة دولاب العمل بالدولة ستفرض نفسها.

وما ستخرج به التجربة سيكون له تأثير مهم على دول الخليج.

- العنف والأمن: إذا كان المشهد السابق يشير إلى الاتجاه التوافقي في علاقة مصر بالخليج، فإن المشهد الآخر هو المشهد التصادمي العنيف في مصر، والذي يعني دخولها مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، وعدم تطبيق خريطة المستقبل التي وضعها الجيش بنفس آجالها الزمنية، والاضطرار لتمديد هذه الفترة.

فإذا استحكم مشهد العنف في مصر وتردت الأوضاع الأمنية أكثر، فإنه من المحتمل أن يترك آثارا شديدة على منطقة الخليج أيضا، فهناك تداعي من قبل الجماعات السلفية وعلى رأسها القاعدة لسيناريو العنف، وهو ما قد يجدد شباب جماعات القاعدة والسلفية الجهادية في عديد من الدول الخليجية، ولهذه الدول تجربة مريرة مع هذه الجماعات بعد 2001.

وإذا استمر وضع القلاقل في مصر سوف تنشأ جماعات تحتية تغذي العنف بالخليج، وتنتقم لموقف دول الخليج من إجهاض "المشروع الإسلامي".

إن استمرار وضع القلق الداخلي في مصر سوف يغذي نزعات الرفض والمقاومة والاحتجاج بالخليج، وسيقوي التيار الإسلامي العنيف، في ظل مربعات عنف لها امتدادات إقليمية، وسوف تتدعم مشاعر المظلومية في الخليج على أثر تعميق الشعور بإجهاض المشروع الإسلامي ودور أنظمة بلدانهم في ذلك.

وهو أمر تبرز بعض مؤشراته الآن.

وبالمقابل يمكن لذلك أن يعمل على توثيق العلاقات بين الأجهزة الأمنية على الجانبين، ونقل الخبرات والتجارب وزيادة التعاون الاستخباراتي.

ويرجح ذلك احتمال مرور منطقة الخليج ومصر وباقي المنطقة العربية بفترة جديدة من الصراع الداخلي، وبداية اتخاذ خطوات ضد الجماعات والجمعيات والمنظمات الخيرية بالخليج، في فترة شبيهة بفترة ما بعد 11 سبتمبر.

- الشيعة بالداخل الخليجي: تراوح شيعة دول الخليج العربية بين موقفين: الأول أن عداء أنظمة دول الخليج لحكم الإخوان يؤدي إلى تقارب طبيعي بين الشيعة والإخوان، وأن سياسات نظام الإخوان نحو التقارب مع إيران واقتراب موقف الرئيس مرسي من الموقف الإيراني بشأن الأزمة في سورية يؤدي إلى مزيد من تقريب الشيعة من الإخوان، كما أن مقارنة الشيعة بين موقف الإخوان وموقف السلفيين في مصر المعادين تماما لما يطلقون عليه الرافضة (يقصدون الشيعة)، هو أمر يصب أيضا في مصلحة تقارب شيعة الخليج مع الإخوان.

لكن الموقف الثاني هو أن الإخوان طبقا للشيعة هم فصيل من الفصائل السنية المتشددة، وهم يستبطنون عداء للشيعه كباقي الفصائل السنية، وربما لم يأخذ د.

محمد مرسي ذلك في اعتباره خلال زيارته للسعودية وتأثير تصريحه السلبي على شيعة الخليج.

وبشكل عام فقد اطاحت وقائع الأيام الأخيرة لحكم الرئيس مرسي بكل ما حققه مع الشيعة طوال العام، حيث تراجعت السياحة الإيرانية واتخذت قرارات بوقف الرحلات البينية، وانقلب الرئيس على موقفه معلنا تأييده الجهاد في سورية وعدائه لحزب الله وحسن نصرالله، وأخيرا جاء حادث اغتيال الشيعة المصريين الأربعة على وقع الخطابات الدينية في ظل وجود الرئيس في مؤتمر نصرة سورية لتقضي على كل تقارب للإخوان مع الشيعة في الخليج.

طباعة
د. معتز سلامة

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية ومدير برنامج الخليج العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية