متابعات تحليلية

النقطة الحرجة.. أسباب ومآلات الاحتجاجات الشعبية في تركيا

محمد عبد القادر خليل 360 5-6-2013
طباعة
05/06/2013 ما حدث في تركيا خلال الأيام القليلة الماضية يعد أكثر تعقيدا مما يبدو، فالمشكلة متعددة الأبعاد، ولا تتعلق بمحض حديقة أقيمت في أربعينات القرن الحالي محل ثكنة عسكرية عثمانية دامت لثلاثة قرون تسعى الحكومة التركية إلى إعادة تشييدها محل المنتزه الذي يقع في قلب ميدان تقسيم بمنطقة بشكتاش بمدينة اسطنبول، والتي تطورت بسببها أحداث العنف والمواجهات وانتقلت إلى سائر ميادين مدن تركيا المختلفة.

يتأسس ذلك على أن هذه الاحتجاجات شهدت مشاركة كبيرة من المواطنين من مختلف الاتجاهات، وكان واضحا تنوع الأهداف والدوافع التي دفعت هذه الأعداد الضخمة من المواطنين للخروج إلى الميادين للتظاهر والاحتجاج.

وعلى الرغم من أن نمط العنف العشوائي الذي استخدمته السلطات التركية في مواجهة المتظاهرين يبقى عاملا رئيسيا لاكتساب حركة التظاهر والاحتجاج تعاطف قطاعات عريضة من الشعب التركي، غير أن اشتداد أعمال العنف والمواجهة بين بعض المجموعات التركية وقوات الأمن، هو ذاته الذي دفع، بعد ذلك، العديد من المحتجين إلى الانسحاب من المظاهرات والميادين، ليس لأن أهدافهم قد تحققت، ولكن ارتباطا بأن الذاكرة التاريخية التركية تحمل ذكريات أليمة لما شهدته تركيا من أعمال عنف خلال العقود السابقة. يأتي على رأس هذه الأعمال ما شهده ميدان تقسيم نفسه في مايو من عام 1977، فيما يطلق عليه "الأحد الدامي"، والذي يرتبط بالاحتجاجات التي اندلعت بمناسبة عيد العمال وتسببت في مقتل نحو 34 قتيل، وهى مشاهد تكررت مع نهاية السبعينيات، وكانت تفضي إلى مقتل نحو 30 شخص يوميا، وكان ذلك أحد الأسباب الأساسية للانقلاب العسكري عام 1980.

إدارة الأزمة من العوامل الأساسية التي فاقمت من هذه الأزمة الإدارة الحكومية لها، والتي يجب دراستها باعتبارها تقدم نموذجا لكيفية الفشل في إدارة الأزمات، فالاحتجاجات بدت سلمية وقاصرة على بعض المواطنين المتضررين من المشروع الحكومي وبعض الجماعات المرتبطة بقضايا حماية البيئة، إلا أن الحكومة وبدلا من أن تذهب لعقد جلسة عامة لمناقشة هذه القضية مع المعترضين على المشروع وإقناعهم أو الاقتناع بمبرراتهم، لجأت إلى استخدام العنف غير المبرر وغير المتناسب ضد المعتصمين في ميدان تقسيم.

وقد ازداد الأمر سوءا بعد إطلاق رئيس الوزراء التركي تصريحات أججت التظاهرات، وذكرت الكثيرين ممن لم يشاركوا في الاحتجاجات منذ بداياتها بما يبديه أردوغان خلال السنوات الأخيرة من نزعة نحو التفرد والتسلط، وهو أمر أضحت تداعياته السلبية تمتد إلى صفوف حزبه، إذ يعتبر البعض من أعضاء "العدالة والتنمية" أن الحزب الحاكم بات يفتقد الديمقراطية بسبب رجب طيب أردوغان، الذي يتحكم في كافة أمور الحزب بإرادته المنفردة. على جانب آخر، فقد بدا أن كلا من رئيس الدولة، عبد الله جول، ونائب رئيس الحزب بولنت أرنيج، أكثر قدرة على التعامل مع الأزمة بحكمة، بالمقارنة بأردوغان، الذي أطلق تصريحات اتهم فيها المحتجين باللصوص الذين ينفذون مؤامرة مدفوعة من قبل بعض الأحزاب الداخلية وبعض القوى الخارجية، ملوحا بقدرته على إقامة مسجد كبير بدلا من المركز التجاري الذي يتمسك بإقامته في ميدان تقسيم، فضلا عن تهديده لزعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أغلو، بأن الأخير إذا استطاع أن يحشد مائة ألف فإنه بإمكانه حشد مليون مواطن.

وعلى العكس من ذلك فقد كانت مواقف الرئيس التركي أكثر حكمة واتزانا، إذ أشار إلى أن "رسالة المتظاهرين وصلت"، كما أنه اجتمع مع زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، والذي اجتمع بدوره مع بولنت أرنيج، نائب رئيس الحزب، من أجل بحث سبل التهدئة للأوضاع المتوترة في تركيا.

وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي أشارت إلى أن هناك 34 في المائة فقط من المواطنين الأتراك يؤيدون الاحتجاجات الأخيرة، هذا بالإضافة إلى أن ممثلي حزب الشعب الجمهوري كانوا قد وافقوا في اجتماع مجلس بلدية اسطنبول، على مشروع إنشاء مول تجاري في منتزه تقسيم، ثم شارك الحزب في الاحتجاجات ضد المشروع ذاته بعد أن وجد الشوارع تعج بالمتظاهرين، هذا فضلا عن أن الحكومات التركية السابقة التي شارك فيها العديد من الأحزاب المعارضة الحالية والمشاركة في التظاهرات قد وافقت من قبل على إنشاء نحو 6 فنادق في ذات المكان الذي تفجرت بسببه الاحتجاجات.

ومع ذلك فإن هذه المعطيات لم تدفع بإدارة الأزمة على نحو مختلف، بسبب "الغرور الذاتي" والتشدد الذي أبداه أردوغان، واتباعه مرة أخرى لسياسات حافة الهاوية، على النحو الذي دفع بانتقال ملف إدارة الأزمة إلى جول وأرنيج، وهو الأمر الذي من شأنه من ناحية أن يفضي إلى تهدئة حدة التوتر والاضطراب في تركيا، خصوصا أن للرجلين روابط واتصالات قوية مع قوى وتيارات المعارضة، بيد أن ذلك من ناحية أخرى قد يؤثر كثيرا على مكانة أردوغان ليس داخل حزبه وحسب، وإنما داخل المعادلة السياسية في تركيا.

أسباب الاحتجاجات شهدت تركيا العديد من الاحتجاجات الضخمة خلال سنوات حكم رجب طيب أردوغان، خصوصا في عام 2007، عندما أقدم حزب العدالة والتنمية على ترشيح، عبد الله جول، لرئاسة الجمهورية، وكذلك في احتفالات عيد العمال في مايو الماضي، وفي العيد القومي لتركيا في 29 أكتوبر الماضي أيضا.

بيد أن وجود التظاهرات هذه المرة في قلب ميدان تقسيم، باعتباره الميدان الأشهر في تركيا منحها زخما شعبيا وجعلها تحظى باهتمام محلي وإقليمي ودولي.

هذا بالإضافة إلى أن طبيعة الأداء الحكومي لحزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان، والذي تغير كثيرا بعد انتخابات عام 2011، كانت من العوامل الأساسية التي وقفت وراء اتساع حركة الاحتجاجات الشعبية في تركيا، ذلك أن تحقيق الحزب لثالث انتصار على التوالي وبنسب متصاعدة في كل انتخابات عن النسب التي قام بتسجيلها في الانتخابات السابقة عليها، أظهر لدى قطاعات عريضة من الناخبين أن ثمة "عدالة وتنمية" آخر لا يأخذ بعين الاعتبار مصالح واهتمامات الكثيرين، لا سيما ممن يخرجون عن كتلته التصويتية، وهو الأمر الذي وقف وراء مشاركة العديد منهم في الاحتجاجات الأخيرة.

على جانب ثان، فقد تزايدت مؤشرات تدهور أوضاع الحريات العامة والصحفية في تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة، على النحو الذي كان محددا أساسيا في انضمام قطاعات عريضة من المثقفين والكتاب والصحفيين والفنانين إلى حركة الاحتجاج، ففي تركيا أكثر من 50 صحفي خلف القضبان، كما يتعرض العديد من الكتاب وأصحاب الرأي للفصل والتنكيل بهم بسبب مواقفهم المعارضة للحزب، بما يجعل تركيا واحدة من أسوأ بلدان العام من حيث درجة توفر الحريات الصحفية والإعلامية.

ترتب على ذلك أن تحولت المنتديات الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى منابر رئيسية لمهاجمة الحكومة التركية وانتقاد أداء رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان.

ولعل هذا ما يفسر الهجوم الأخير الذي شنه أردوغان على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعد أن حملها المسئولية عن تأجيج الاحتجاجات من خلال نشر أخبار كاذبة بشأن عدد القتلى والجرحى في التظاهرات التي شهدها ميدان تقسيم في الأول من يونيو الحالي (2013).

وعلى جانب آخر، فقد لقيت هذه الاحتجاجات صدا واسعا في أوساط الأقليات الكردية وكذلك الأقلية العلوية التي أبدت بدورها خلال الشهور الأخيرة امتعاضا واضحا ورفضا قاطعا - لم يُأخذ في الاعتبار - حيال توجه الحكومة إلى إطلاق اسم السلطان "سليم الثالث" على الكوبري المقرر إنشاؤه على مضيق البوسفور، حيث تعتبر قطاعات عريضة من الأقليات العلوية التي يناهز تعدادها الـ20 في المائة من مواطني تركيا، أن سليم الثالث أو ما يطلق عليه في الأوساط العلوية "السلطان الغريم"، قد تسبب فيما عايشوه من أوضاع سيئة وانتهاكات ليس داخل تركيا فحسب، وإنما أيضا في العديد من البلدان التي خضعت للإمبراطورية العثمانية، وذلك في القرن السادس عشر.

تداعيات الاحتجاجات تحولت مطالب المتظاهرين سريعا من المطالبة بإلغاء المشروع الحكومي في ميدان تقسيم إلى المطالبة باستقالة الحكومة، كما أثار رد فعل الحكومي حيال موجة الاحتجاجات التي شهدتها تركيا موجة من الغضب، على النحو الذي دفع بعض المجموعات الشبابية المعارضة إلى إطلاق حملة "تمرد التركية" على غرار نظيرتها المصرية، وبات النشطاء الأتراك يتداولون استمارة صورة طبق الأصل من استمارة "حملة تمرد" المصرية.

كما أعلن اتحاد نقابات العاملين في القطاع العام الذي يبلغ عدد أعضاؤه نحو 240 ألف عامل الدخول في إضراب عام لمدة يومين، كتعبير عن الاعتراض على سياسات الحكومة من المظاهرات السلمية، هذا بالإضافة إلى تنامي حملة التذمر داخل العدالة والتنمية الحاكم بسبب موقف الحكومة من التظاهرات السلمية، على النحو الذي من شأنه أن يضعف أردوغان داخل الحزب من ناحية، ويضاعف من شعبية الرئيس التركي، عبد الله جول، من أخرى.

وعلى جانب آخر، فإن صورة أردوغان باعتباره الزعيم القوى وصاحب الشعبية الطاغية قد تضررت كثيرا بفعل الأحداث الأخيرة، وهو الأمر الذي يعني أن الكثير من مشروعاته السياسية قد تواجه تحديات أكبر، خصوصا ما يتعلق منها بإقرار دستور جديد تتحول تركيا بمقتضاه إلى النظام الرئاسي، حيث يأمل أردوغان في أن يتحول من خلاله إلى نسخة ثانية من الزعيم التركي التاريخي، طورغوت أوزال، الذي استطاع أن يصل إلى رئاسة الوزراء ثم رئاسة الدولة، إلا أن أردوغان من جهته يسعى إلى أن "يُحمل" منصب الرئاسة بكافة الصلاحيات، حتى يكون بإمكانه البقاء في حكم تركيا خلال دورتين انتخابين متتاليتين ليظل حاكما فعليا لتركيا حتى عام 2023، والذي يمثل الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية المعاصرة.

وعلى الرغم مما ستواجهه تركيا من تحديات خلال الفترة المقبلة، انطلاقا من أن التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها مدن مختلفة على مدى الأيام التي خلت لن تكون الأخيرة، حتى في حال خفوت الموجة الحالية منها، وذلك بعد أن انتزعت قطاعات عريضة من المجتمع التركي حقوقها في التظاهر والاحتجاج رغما عن الحكومة التركية، ومع ذلك فإن أردوغان – وفق المؤشرات الراهنة- لن يصبح "بطة عرجاء" لأنه لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة في أوساط قاعدة الحزب المحافظة، فضلا عن شعبيته الواسعة لدى قطاعات عريضة من الطبقة الوسطى التي اتسعت خلال العقد الأخير بفعل إصلاحاته الاقتصادية، والتي دفعت تركيا لتحتل المرتبة السادسة عشر على مستوى العالم، من حيث حجم الناتج القومي الإجمالي. ويضاف إلى ما سبق بالطبع وضع المعارضة التركية التي تعاني من مشكلات هيكلية، فأغلب أحزاب المعارضة شاركت في حكومات سابقة واستُهلكت وحققت فشلا ذريعا بالنسبة للناخب التركي، على النحو الذي أفضى في النهاية إلى انفراد حزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومات التركية على مدى العقد الماضي، وهو أمر ليس من المرجح أن يشهد تحولا دراماتيكيا، إلا في حالة وحيدة تتمثل في عودة أردوغان إلى إدارة الأزمة، بما من شأنه أن يؤجج حركة التظاهر ويدفع تركيا باتجاه الدعوة لانتخابات مبكرة أو الاستفتاء على المشروعات محل الخلاف، وفي حينه سيخرج أردوغان منتصرا، إلا أن هذا سيكون السيناريو الأخطر بالنسبة لحزبه الذي ليس من المرجح أن يظل حزب الشخص الواحد، بما قد يعرضه للانقسام أو موجة من الانشقاقات، وهو التطور الذي يمثل "النقطة الحرجة".

طباعة