متابعات تحليلية

سد النهضة .. رسائل إثيوبية ذات أبعاد إستراتيجية

د. أيمن السيد عبد الوهاب 2-6-2013
طباعة
04/06/2013 سوف يمثل يوم 28 ابريل 2011 يوما فارقا فى تاريخ ملف التعاون المائى بين دول حوض النيل، ويوما فارقا أيضا فى مسار التفاعلات البينية المصرية الاثيوبية.

فهذا اليوم الذى أقدمت فيه اثيوبيا على تحويل مجرى نهر النيل الأزرق لإكمال عملية بناء سد النهضة، حمل فى طياته العديد من الرسائل الإثيوبية المباشرة لمصر، كما أن تأثير هذه الرسائل سوف يمتد بلاشك الى باقى دول الحوض بالقدر الذى يمكن أن يحدد مستقبل ومسار التفاعل المائى من قبل دول المنابع تجاه مصر. فسد النهضة الذى نجحت اثيوبيا فى تحويله لمشروع قومى ارتبط بخطاب سياسى داخلى وخارجى يرتكز على حشد القوى السياسية الاثيوبية، وتعبئة الرأى العام ضد ما أسمته السيطرة والعنجهية المصرية، كما سعت لتوظيف تحركاتها وطموحاتها الإقليمية فى اجتذاب العديد من القوى والمؤسسات الدولية لدعم مشاريعها التنموية. وبالتالى فالحديث عن تاثيرات سلبية تتعلق بانخفاض معدل الأمان الزلزالى الى 1.3 بمقياس ريختر مما ينذر بكوارث للسودان وضعف كفاءة السد العالى، وانخفاض حصة مصر من المياه بمقدار 9 مليار م3، بالاضافة لتحكم اثيوبيا فى كميات المياة وتوقيتاتها خلال فترة ملء السد ، يجب ألا يذهب بنا بعيد عن الأهداف الاثيوبية الخاصة بتجاوز الحقوق المصرية وفى مقدمتها حق الاخطار المسبق، واستيعاب أبعاد التحرك الاثيوبى فى هذا التوقيت لمحاولة حسم واحد من أشد الملفات خطورة وتهديدا للأمن القومى المصرى. ولذا يجب النظر إلى الإصرار الاثيوبى على استكمال بناء السد فى إطار أوسع من كونه سد لتوليد الكهرباء يمكن أن يستفاد منه فى الزراعة أيضا، أو البحث عن أساليب لتقليل آثاره السلبية، فالقضية هنا ترتبط بتفهم الرؤية والأهداف والأطماع الإثيوبية، والتى يمكن إجمالها فى عدد من الرسائل، يمكن بيانها على الوجه التالى: الرسالة الأولى: تتعلق بحرص إثيوبيا على استمرار سياستها ( والتى تتشارك فيها مع العديد من دول المنابع) الداعية لفرض الأمر الواقع على مصر، وهو ما يتجلى بوضوح فى اقدمها على تحويل النهر الازرق دون انتظار تقرير اللجنة الثلاثية الخاص بدراسة وتقييم آثار سد النهضة، وإذا ما أخذنا فى الاعتبار جولات التفاوض التى انتهت باتفاق عنتيبى الذى ترفضه مصر، والإعلان عن سد النهضة وسلسلة السدود التى تنوى بنائها، وبناء سد تيكيزى دون إخطار مصر لاتضح لنا عمق الرسالة التى تريد اثيوبيا ارسالها لمصر بدفعنا لمناقشة و دراسة تأثيرات وسلبيات السد وليس مناقشة وجوده أساسا.

الرسالة الثانية: ترتبط بتحويل اتفاق عنتيبى الذى ترفضه مصر والسودان الى واقع عملى فالإقدام على بناء سد النهضة والإعلان عن مجموعة أخرى من السدود، يعنى وبشكل مباشر تجاوز حقوق مصر ومكتسباتها التاريخية فى الإخطار وفى التصويت والمساس بحصتها (55.5مليارم3) وهى الحقوق الثلاثة التى عطلت المفاوضات منذ عام 2007 وجعلتها تدور فى حلقة مفرغة.

ومن المعروف أن اتفاق عنتيبى الذى وقعت عليه ست دول من دول المنابع يهدف الى تجاوز الحقوق التاريخية لمصر، فالمفاوضات التى دارت فى إطار مبادرة دول حوض النيل منذ عام 2000، اصطدمت بثلاث قضايا رئيسية هى: حق الإخطار الذى يعطى لمصر الحق فى دراسة وتقييم ورفض إقامة أى مشروع على النهر يضر بحصتها، أما القضية الثانية فترتبط بطريقة التصويت على المشاريع حيث حرصت العديد من الدول وفى مقدمتها اثيوبيا على الاستناد الى الأغلبية كأسلوب لإدارة الملفات والمشروعات وهنا اشتراط مصر والسودان ضرورة ان تشمل هذه الأغلبية مصر والسودان وهو ما تم رفضه من قبل غالبية دول المنابع، وأما القضية الثالثة فترتبط بمفهوم الأمن المائى والذى لايراعى أو يؤكد على حصة مصر.

وبنظرة بسيطة من ثم لما أقدمت علية اثيوبيا سنجد أنها تتجاوز مصر وحقوقها بعد أن فشلت فى إقناع الجانب المصرى والضغط عليه للتوقيع على اتفاق عنتيبى. الرسالة الثالثة: للرأى العام الاثيوبى، فالحديث عن السيادة الوطنية, والمصلحة العليا, والحق في التنمية, ورفض الوصاية المصرية وحقوقها التاريخية, مرتكزات استند إليها النظام الاثيوبى منذ رئيس الوزراء الاثيوبى السابق مليس زيناوى وامتدت مع رئيس الوزراء الحالى هيليماريام من أجل تدعيم مكانته السياسية، فضلا عن القفز على المشاكل السياسية والاجتماعية المرتبطة بالتوازنات العرقية والطائفية فكان تحويل قضايا السدود الى قضية قومية، وإظهار مصر كقيد أو معوق لعملية التنمية فى اثيوبيا من ركائز الخطاب السياسى. الرسالة الرابعة: تستهدف تشجيع باقى دول المنابع على انتهاج نفس المنهج الاثيوبى فى تجاوز الحقوق التاريخية لمصر، ورفض منهاجية التفاوض المصرية والسعى لبلورة رؤى تنموية من قبل غالبية دول الحوض تستند إلي رؤي الشركات الدولية التي قدمت لشراء الأراضي لزراعتها من جانب, والاستفادة من منتجاتها في إنتاج الطاقة الحيوية من جانب أخر.

الرسالة الخامسة: ترتبط بالطموح الإثيوبى للعب أدوار اقليمية والاستفادة من تغيير الكثير من التوزانات الدولية والإقليمية وما أحدثه التنافس الدولى على منطقة الحوض من تنامى لادوار ومكاسب بعض دول المنابع، فسياسة التشدد تجاه مصر وتولى إدارة العديد من الملفات الحيوية للمصالح الغربية مثل : مكافحة الارهاب والتطورات في الصومال والسودان مسارات وتحركات ساعدت على زيادة رهان العديد من القوى الدولية على إثيوبيا، فى المقابل حرصت إثيوبيا على استغلال ذلك الرهان الغربى من خلال اجتذاب الاسثمارات والشركات الدولية لتوسيع فرص التنمية واستغلال مواردها الطبيعية، ولذا كان التشدد تجاه مصر لا ينحصر فى ملف المياه فقط ولكن كان الحرص على تغييب أو تهميش أى دور لمصر فى منطقة حوض النيل والقرن الإفريقى أحد ركائز السياسية الاثيوبية. الرسائل السابقة، تؤكد انه يجب عدم النظر لقضية سد النهضة باعتباره مجرد سد يبنى بدون موافقة مصر، وأن له آثار سلبية يمكن التقليل منها، ويمكن أيضا أخذ بعض التعهدات الشفوبة بعدم الاضرار بحصة مصر كما يشير إلى ذلك بعض التسريبات الخاصة بتقرير اللجنة الثلاثية المعنية بتقييم سد النهضة، فالتشابك الواضح بين قضايا التنمية والموارد فى منطقة الحوض تفرض فى المقابل الوعى بمتطلبات المواجهة والاستعداد لما تفرضه وتعكسه تلك التشابكات من ضرورة وضع استراتيجية متكاملة الأبعاد والرؤى والأساليب للتعامل مع ما تحتوية من قضايا صراعية وتنافسية وما تعكسه من تاثيرات على قضايا الأمن والاستقرار فى منطقة الحوض. ونقطة البداية تكون من خلال تسليط الضوء علي المسارات المتقاطعة مع ملف المياه، وتحديد المستجدات التى تفرض نفسها على ملف المياه وأصبحت واقع يمكن تلمسه بوضوح فالتشابك الواضح بين ملف المياه وملف الزراعة وملف الطاقة والتطور التكنولوجى وتوافر البدائل التمويلية والخبرات والدراسات والأطراف الدولية المشجعة، ساعدت بوضوح على رفع سقف إمكانية استغلال الموادر الطبيعة فى بلدان حوض النيل بصورة لم تكن متوافره من قبل . كما ساهم تدخل المؤسسات الدولية كطرف دافع لرسم السياسات المائية المدعمة بالبرامج الفنية والاقتصادية فى زيادة حدة التنافس بين العديد من الدول والقوي الدولية على استغلال الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الاستفادة من الكميات الطائلة من المياه التي تسقط علي حوض النيل (1660 مليار م3) واستغلالها في زراعة المحاصيل الزراعية لاسيما تلك المولدة للطاقة الحيوية. وهكذا، يمكن التأكيد على أهمية الأخذ فى الحسبان ما فرضه حرص العديد من القوي الدولية على ترسيخ نفوذها السياسي والإستراتيجي في تلك المنطقة، من تاثيرات على دعم طموح العديد من دول منابع الحوض إقليميا ودوليا وفى مقدمتها اثيوبيا، وما أ ضافة ذلك أيضا من تأثيرات على معادلة التنمية وعلاقاتها بالامن المائى.

فتحت دعاوى توفير الأمن الإنسانى وربطة بالحقوق الأساسية تشابكت متطلبات تحقيق التنمية المستدامة حتى ولو كانت على حساب مصر وتنميتها.ونخلص مما تقدم إلى القول بأن القضية أكثر عمقا وخطورة من مجرد الخلاف حول بناء سد، فهناك رؤي وأطراف من دول الحوض وخارجه تسعي لإعادة رسم خريطة التفاعلات والمصالح في منطقة حوض النيل بعيدا عن الدور والمصالح المصرية.
طباعة