متابعات تحليلية

العدوان الإسرائيلى على سوريا فى سياقه الإقليمى

طباعة
لايزال الغموض يحيط بالأهداف الحقيقية الكامنة وراء العدوان الإسرائيلى على دمشق يومى الثالث والخامس من مايو الجارى (2013)، وهو الغموض نفسه الذى يزداد اتساعا فى أفقه ومآلاته وبات عنوانا لمسار الأزمة السورية لاسيما فيما يتعلق بطبيعة الحلول المفترضة والمتوقعة والمأمولة للنزاع الدائر بين النظام والمعارضة منذ مارس 2011، فالهجوم الإسرائيلى على سوريا لم يكن الأول ولن يكون الأخير، فقد اعتادت إسرائيل التدخل المباشر فى مسار الأحداث السورية كلما رأت أن مصالحها وأمنها القومى يتعرضان للخطر؛ فإذا نظرنا إلى الفارق الزمنى بين الضربة الجوية التى وجههتها إسرائيل لسوريا فى يناير الماضى بذريعة استهداف شحنة أسلحة كانت فى طريقها لحزب الله اللبنانى وبين الضربة التى وجهتها الشهر الجارى وهو فاصل زمنى لا يتعدى الأربعة أشهر لوجدنا أن إسرائيل أرادت توجيه رسائل واضحة إلى كل الاتجاهات؛ إلى النظام السورى والمعارضة معا، وكذلك إلى القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فى الأزمة وبالتحديد إيران وروسيا مؤداها أنها طرف مباشر فى المعادلة الإقليمية للأزمة السورية وأن الحلول المقترحة لابد وأن تحظى بقبول إسرائيلى فى المقام الأول.

وفى إطار ردود الفعل السورية الرسمية التى اعتادت هى الأخرى القول أنها تحتفظ بحق الرد فى الوقت والمكان المناسبين وفى ظل ضعف أنظمة الدفاعات الجوية التى طالما تغنى نظام الأسد بقوتها!! كان لابد من الوقوف على دلالات الضربة العسكرية الإسرائيلية الجديدة على سوريا فى سياقها الإقليمى وتأثيراتها على مسار الأزمة السورية.

توضح ما كشفته الصحف ووكالات الأنباء بشأن المواقع التى استهدفتها الغارات الجوية الإسرائيلية أكثر من رواية بعضها يشير إلى استهداف الغارة لأسلحة إيرانية نوعية متطورة يعتقد أنها صواريخ "فاتح 110 إس" كانت ستنقل إلى حزب الله اللبنانى عبر الآراضى السورية وتؤكد هذه الرواية تعليقات الصحفى الإسرائيلى دان مرغليت فى صحيفة "إسرائيل اليوم" المقربة من الحكومة فى أعقاب الغارات الإسرائيلية والتى قال فيها أن"ثمة مواجهات ليس من الصواب الإحجام عنها"، والبعض الآخر يشير إلى أن الضربة استهدفت قوات نظامية سورية بالنظر إلى العدد الكبير من الضحايا والذى قد يفوق ما أعلن عنه رسميا وهى رواية قد تتعارض مع رسالة الطمأنة الإسرائيلية التى بعثت بها تل أبيب للرئيس السورى عبر وسطاء دوليين ومؤداها أنها لا ترغب فى التدخل فى النزاع السورى الداخلى أو "إضعاف" الأسد، أما البعض الثالث فيرى أن الغارة استهدفت إحباط وصول جزء من مخزون السلاح الكيماوى السورى لأيدى جبهة النُصرة الجهادية السورية المعارضة مخافة من استخدامها ضد إسرائيل، وذلك على خلفية أنباء تشير إلى استخدام بعض فصائل المعارضة السورية المسلحة لغاز السارين فى بلدة خان العسل يوم 19 مارس الماضى وفقا لتصريحات أدلت بها "كارلا بونتى" عضوة لجنة التحقيق الدولية فى انتهاكات حقوق الإنسان فى سوريا، فى المقابل تتهم المعارضة السورية قوات الجيش النظامى باستخدام تلك الأسلحة فى مدينة حمص فى ديسمبر 2012، إلا أن واشنطن تصرعلى عدم صحة تلك الأنباء وتؤكد انتفاء الأدلة بشأن استخدام أيا من طرفى النزاع السورى النظام والمعارضة المسلحة للأسلحة الكيماوية، فى إطار ذلك الغموض وتعدد الروايات حول المستهدف من الغارة الإسرائيلية على دمشق يمكن القول أن الضربة تحمل العديد من الدلالات الإقليمية منها : أولا، أن المستهدف الحقيقى من هذه الغارات الإسرائيلية ليس نظام بشار الأسد فى حد ذاته وإنما المستهدف هو "جر" إيران إلى حلبة الصراع المباشر مع إسرائيل عبر سوريا؛ لأنه (أى النظام السورى) يعلم جيدا أن وجوده حتى الآن يخدم أمن إسرائيل أكثر مما يضرها بالفعل، كما أن إسرائيل لا تقف بجانب المعارضة لأن مصلحتها الأمنية تتعارض مع مصالح بعض فصائل المعارضة المسلحة لاسيما الفصائل الجهادية المتشددة كجبهة النُصرة وكتائب أحرار الشام والعديد من عناصر الجيش السورى الحر الذى يتكون معظمه من مقاتلين سُنة، وأيضا لا ترغب فى وصول تيارات الإسلام السياسى المعتدل كجماعة الأخوان المسلمين السورية إلى السلطة فى ترتيبات ما بعد بشار الأسد حتى لا تكون محاصرة بحكم إسلامى بالنظر إلى تغيرات المشهد السياسى المصرى الداخلى، ناهيك عما تمثله المعارضة الإسلامية فى الأردن خاصة جماعة الأخوان المسلمين من ثقل سياسى كبير فى الحياة السياسية الأردنية التى تشهد اضطرابات من حين لآخر، وعليه يصبح بقاء نظام بشار الأسد بالنسبة لإسرائيل مصلحة استراتيجية لها لأن انهياره من وجهة نظرها يعنى الفوضى التى ستؤدى إلى تفكك الحكم المركزى فى دمشق وتهرب حينها حركات المعارضة المسلحة - ومعظمها ذات مرجعية إسلامية- للمنطقة الحدودية مع إسرائيل وستنفذ بالتأكيد عمليات ضدها.

ولذلك فإن مصلحة إسرائيل الاستراتيجية تكمن فى مواصلة أطراف الصراع السورى حالة الاقتتال الداخلى حتى تستنزف نفسها بنفسها بعدها تأتى التسويات الإقليمية برعاية أمريكية التى ستأخذ فى الحسبان الأمن القومى الإسرائيلى وتخلق وضعا سوريا جديدا يراعى بالضرورة "الجار" الإسرائيلى بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

كما أن استمرار بقاء بشار الأسد سيجعله مشغولا دوما بمشاكل الداخل مع المعارضة ومع الفصائل الجهادية الأخرى ما يؤدى إلى استمرار حالة الهدوء التى تشهدها الحدود السورية الإسرائيلية كسابق عهدها.

فى هذا السياق نفسه يمكن القول أن الغارات الإسرائيلية على مدار اليومين الثالث والخامس من الشهر الجارى كانتا محسوبتين لإجبار إيران على الرد، ومن ثم فتح الباب أمام شن هجوم مضاد يستهدف مفاعلات إيران النووية حيث كانت إسرائيل ترى أنه وفى حالة قيام الأسد بالرد على الغارات - وهو ما لم يحدث- سيكون حينها مدعوما بالفعل من قبل إيران عسكريا ما ستعتبره إسرائيل مبررا قويا لتوجيه ضربة عسكرية مباشرة لطهران، خاصة وأن المستهدف كان مخزون صواريخ إيرانية من نوعية متطورة كما سبق الذكر.

لكن فى الوقت نفسه فإن استمرار عمليات إسرائيل "الوقائية" فى مواجهة إيران عبر الآراضى السورية واللبنانية من شأنه وصول الطرفين - الإيرانى والإسرائيلى- إلى مرحلة يصعب معها التراجع وتصبح وقتها المواجهة العسكرية ضرورة حتمية لأن إيران ستكون طرفا فاعلا فى أى مواجهة عسكرية تستهدف فيها إسرائيل حربا واسعة النطاق على سوريا.

ثانيا، فى سياق التقييم الإسرائيلى للغارتين على سوريا ترى إسرائيل أن إحباطها المتكرر من حين لآخر لأية عملية لنقل أسلحة من إيران إلى لبنان عبر سوريا - فى إطار سياسة "اقتناص الفرص" التى توفرها الأزمة السورية للحكومة الإسرائيلية - من شأنه "تجفيف" منابع تهريب الأسلحة إلى حزب الله اللبنانى، تماما كما أحكمت قبضتها على الطريق البحرى الذى يتم عبره تهريب السلاح من إيران إلى قطاع غزة عبر الآراضى السودانية من خلال شن غارات جوية على السودان خلال السنوات القليلة الماضية كانت آخرها فى شهر أكتوبر من العام الماضى (2012)، فى المقابل هناك فى إسرائيل من يرفض نظرية "نافذة الفرص" تلك التى يروج لها بعض المفكرين السياسيين الذين يرون أن الوضع فى سوريا يتيح لإسرائيل فرصا ثمينة للقضاء على مخزون السلاح النوعى المتطور السورى ضمانا لمنع استخدامه من قبل أى نظام سورى جديد قد يعادى إسرائيل مستقبلا، ومكمن الرفض هنا أن هذه النظرية فى حالة تحولها إلى سياسة فعلية للتطبيق ستؤدى إلى نتائج كارثية على إسرائيل لأنها ستكلف بالضرورة إسرائيل "ثمنا إقليميا" محتملا يتمثل فى حالة "الضعف السورى" التى ستكون عليها الدولة السورية الجديدة نتيجة لإضعاف الضربات الإسرائيلية المتكررة التى ستقوم بها إسرائيل لاغتنام هذه الفرص واحدة تلو الأخرى للنظام السورى سواء استمر بشار الأسد فى السلطة أو جاءت التسوية الإقليمية بنظام سياسى جديد؛ ففى الحالتين سيكون التدخل الإسرائيلى من وقت لآخر فى سوريا قد أضعف الدولة الرسمية وأتاح المجال أمام الفصائل المسلحة الأخرى من التعامل مع الحدود الإسرائيلية مباشرة ما يعنى أن الجبهة الإسرائيلية مع سوريا ستخرج عن هدوئها المعهود طوال الستة والأربعين عاما الماضية، ناهيك عن أن استمرار التدخل الإسرائيلى فى سوريا سيؤدى إلى اشعال بؤرة توتر جديدة فى المنطقة وهى الحدود الإسرائيلية اللبنانية التى ظلت تتميز بقدر من الهدوء النسبى منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية على الجنوب اللبنانى فى 2006 .

ومن ثم فإن اشتعال الجبهتين الإسرائيلية السورية، والإسرائيلية اللبنانية سيأتى بنتائج عكسية خلافا للمصلحة الإسرائيلية.

ثالثا، أن الغارة الجوية الإسرائيلية تعتبر "أخطر" تدخل خارجى فى الأزمة السورية منذ اندلاعها حتى الآن ومكمن الخطورة بحسب رؤية روسيا وايران الداعمتين لنظام بشار الأسد ترجع إلى اعتبار ما حدث سابقة لتدعيم احتمالات القيام بعمل عسكرى خارجى لحسم الصراع فى سوريا لصالح المعارضة السورية على حساب نظام الأسد وهو ما رفضه وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف قائلا " بعدم جواز انتهاك سيادة ووحدة آراضى سوريا"، ويتمسك الطرف الروسى بإعلان جنيف باعتباره هو الحل السياسى الأمثل للخروج من الأزمة، ويتماهى ذلك مع توافق واشنطن وروسيا "حاليا" على إيجاد حل سياسى تفاوضى بدلا من طرح التدخل العسكرى لحسم الأزمة، لكن ذلك لا يمنع أن تعطى واشنطن الضوء الأخضر لإسرائيل من حين لآخر لتوجيه ضربات نوعية داخل سوريا من قبيل إثبات الذات فى المعادلة الإقليمية لترتيب الداخل السورى الجديد.

رابعا، أن المستفيد من الضربات العسكرية الإسرائيلية على سوريا فى إطار الصراع الداخلى بين النظام السورى والمعارضة هو النظام نفسه؛ لأن العديد من الدول العربية التى تناهض الأسد وترغب فى إسقاطه باتت أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما إدانة العدوان وإما الصمت ما يعنى الموافقة الضمنية، وبالفعل أدانت الدول العربية الداعمة للمعارضة العدوان الإسرائيلى ما أكسب النظام السورى نقطة لصالحه باعتباره ضحية لاعتداءات إسرائيلية مستمرة وإنه سيعود بعد أن يفرغ من حل مشاكله الداخلية إلى حلبة المقاومة للمشروع الصهيونى الأمريكى مرة أخرى ما يعنى أن بقاؤه ضرورة قومية كرمز للممانعة والمقاومة التى لم نرى لها أى رد فعل حتى الآن!!! وعليه تكون إسرائيل قد قدمت "خدمة" جليلة لنظام بشار الأسد كان فى أمس الحاجة إليها وهو ما يؤكد الآراء التى ترى أن لإسرائيل مصلحة فعلية فى بقاء نظام الأسد وأن الأخير ما هو إلا رمز للممانعة المزيفة.

خامسا، أن "توقيت" العدوان الإسرائيلى على مخازن الصواريخ فى دمشق يحمل أيضا دلالة فى سياق الأحداث المرتبطة بالصراع العربى الإسرائيلى نفسه؛ فقد تزامنت الضربة العسكرية السورية مع طرح عدد من الدول العربية تعديل مبادرة السلام العربية التى أقرتها قمة بيروت 2002 وقامت على مبدأ الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل والاعتراف بحق إسرائيل فى الوجود، وذلك بطرح مبادرة عربية جديدة فى العام الجارى 2013 تتضمن تقديم العرب لتنازل جديد مؤداه قبولهم بمبدأ تبادل الآراضى الذى طلبته إسرائيل ورفضته الدول العربية من قبل؛ وفى الحالتين كان الرد الإسرائيلى واحدا وهو "العدوان العسكرى"؛ ففى أعقاب مبادرة بيروت 2002 قامت إسرائيل بإعادة احتلال الضفة الغربية وشنت مذبحة جنين فى العام المذكور، أما فى مبادرة عام 2013 الجارى فقد جاء الرد الإسرائيلى بضربة عسكرية جوية على مخازن الصواريخ السورية إيرانية الصنع.

وأخيرا، يمكن القول أن الضربات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على سوريا ترغب عبرها إسرائيل إجبار إيران على الدخول لساحة المواجهة المسلحة معها من ناحية، ومن ناحية أخرى توصيل رسالة ثابتة وواضحة مؤداها أن أى حل سياسى تفاوضى "قد" تتوافق عليه القوى الإقليمية والدولية بشأن الأزمة السورية والذى قد يكون مطروحا فى مؤتمر جنيف 2 المزمع عقده خلال الشهر القادم ( يونيو 2013 )، لابد وأن يدرك فى أبعاده الأمن القومى الإسرائيلى وإلا فهى قادرة على تحقيق ذلك عسكريا بمفردها ومباشرة وبمباركة أمريكية وصمت دولى وعربى.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية