دراسات

الاقتصاد والحقوق الاقتصادية في الدساتير المصرية 1923-2012

مجدى صبحى * 859 12-3-2013
طباعة

تشير المواد المتعلقة بالاقتصاد في الدستور المصري الجديد الذي تم الاستفتاء عليه داخل البلاد على مرحلتين في يومي الخامس عشر والثاني والعشرون من شهر ديسمبر 2012، إلى أن واضعي الدستور كانوا أكثر اهتماما بالقضية التي سيطرت على اجتماعات الجمعية التأسيسية منذ اللحظة الأولى أي قضية هوية الدولة والمجتمع.

ومن فرط هذا الاهتمام والجدل حوله داخل الجمعية التأسيسية، وداخل المجتمع على السواء، جاءت المواد الاقتصادية في الدستور فاقدة لأي روح فلا هي أسست لمبدأ ولا هي عبدت الطريق نحو اتجاه محدد يسير فيه الاقتصاد.

ففي الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان المقومات الاقتصادية، نج أن هذا الفصل قد خلا في حقيقة الأمر من أية إشارة إلى هوية البلاد الاقتصادية، بل إن الدستور زادها غموضا فوق غموض.

والواقع أن قضية تطور الوضع الدستوري بشأن الهوية الاقتصادية للبلاد كان واضحا من قبل، ففي دساتير 1923 و 1930 كان من المفهوم أن النشاط الاقتصادي يدار طبقا لمفهوم الاقتصاد الحر، ولذا فكان غاية ما أكدت عليه هذه الدساتير هو الحديث عن حرمة الملكية الخاصة وعدم جواز المصادرة ...إلخ أي تقنين وصيانة وضع الملكية الخاصة، ونجد أن هذا قد سار خطورة للأمام في مسودة دستور عام 1954 الذي وضع إبان انتشار النظام الاقتصادي الاشتراكي ليس فقط في الاتحاد السوفييتي والصين وفي بلدان أوروبا الشرقية، بل أيضا في بعض البلدان الأوروبية التي حكمتها أحزاب عمالية بعد الحرب العالمية الثانية، لذا كان من اللافت أن مسودة دستور 1954 إلى جانب الاستمرار في النص على حرمة الملكية الخاصة قد نصت أيضا في مادتها 35 على أن "النشاط الاقتصادي الفردي حر على ألا يضر بمنفعة اجتماعية أو يخل بأمن الناس...." ونصت في مادتها 36 على "ينظم اقتصاد الدولة وفقا لخطط مرسومة تقوم على مباديء العدالة الاجتماعية وتهدف إلى تنمية الإنتاج ورفع مستوى المعيشة" وفي المادة 37 نصت على أن "يكفل القانون التوافق بين النشاط الاقتصادي العام والنشاط الحر تحقيقا للأهداف الاجتماعية ورخاء الشعب، كما يكفل للعاملين فيها نصيبا في ثمرات إنتاجهم يتناسب والعمل الذي يؤدونه".

وفي المادة 38 "تيسر الدولة للمواطنين جميعا مستوى لائقا من المعيشة أساسه تهيئة الغذاء والمسكن والخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية.

كما تيسر ذلك في حالات البطالة والمرض والعجز والشيخوخة ..." كما أن المواد من 40 إلى 45 قد تناولت حقوق العمال في العمل وفي مواجهة أصحاب العمل وحقهم في حرية التنظيم في نقابات ..

إلخ أي أن مسودة هذا الدستور قد مضت خطوة أبعد إلى الأمام بالنص على أن النشاط الفردي حر مع منح الدولة دور مهم في ضبط الإيقاع بوجود التخطيط وبالتنسيق بين نشاط الاقتصاد العام ونشاط القطاع الخاص (هي مرحلة كانت ما تزال فيها الآمال مرتفعة في تدفق استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي وخاصة لقطاع الصناعة التحويلية) وضمان حقوق العمال وحد أدنى لائق من مستوى المعيشة.

ثم جاء دستور 1956 ليقدم خطوة أبعد في هذا السياق حيث استمرت المواد السابق الإشارة إليها في مسودة مشروع دستور 1954 مع تشديد جانب دور الدولة الاجتماعي والتقييد أكثر من حرية النشاط الخاص على الرغم من استمرار النص على هذه الحرية حيث جاء في المادة 9 "يستخدم رأس المال في خدمة الاقتصاد القومي، ولا يجوز أن يتعارض في طرق استخدامه مع الخير العام للشعب".

وتم النص في المادة 12 "يعين القانون الحد الأقصى للملكية الزارعية بما لا يسمح بقيام الإقطاع، ولا يجوز لغير المصريين تملك الأراضي الزراعية إلا في الأحوال التي يبينها القانون".

والمادة 13 "يحدد القانون وسائل حماية الملكية الزراعية الصغيرة"، وفي المادة 14 "ينظم القانون العلاقة بين ملاك العقارات ومستأجريها".

أي أننا هنا إزاء تطور حيث يحدد الدستور للدولة دور أكبر على الرغم من استمرار احترام الملكية الخاصة، والنص على حرية النشاط الفردي وهو ما جاء طبيعيا في دستور كانت ديباجته تحمل المباديء الستة المعروفة للثورة بما فيها القضاء على الإقطاع والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم وإقامة العدالة الاجتماعية.

واستمر دستور الوحدة في عام 1958 على نفس المباديء السالفة إلى حد كبير.

ومن المنطقي أنه حينما نأتي لدستور 1964 وبعد موجة التأميمات التي تمت عام 1961 وصدور الميثاق الوطني عام 1962 أن نجد أن ديباجة هذا الدستور قد ذكرت "...

وتتويجا لمرحلة التحول العظيم، التي تم فيها بالتطور السلمي والثوري، في نفس الوقت، تحقيق سيطرة الشعب على ملكية وسائل الإنتاج وإدارتها، تمكينا للديموقراطية الاجتماعية، باب الديموقراطية السياسية، ومدخلها الحقيقي السليم، وتمكينا من التقدم إلى مرحلة الإنطلاق العظيم، التي بدأ الشعب العربي في مصر زحفه عليها، بعد أن تمكن من تحقيق سيطرته على ثروته الوطنية، واجتاز مرحلة التحول، متقدما إلى تدعيم انتصاراته السياسية والاجتماعية، متجها إلى مزيد من الكفاية والعدل، تحقيقا لمجتمع الرفاهية، الذي تتكافأ فيه الفرص بين الأفراد، وتذوب فيه الفوارق بين الطبقات...." لذا كان من الطبيعي أن ينص هذا الدستور في المادة 9 على أن "الأساس الاقتصادي للدولة هو النظام الاشتراكي، الذي يحظر أي شكل من أشكال الاستغلال، بما يضمن بناء المجتمع الاشتراكي- بدعامتيه- من الكفاية والعدل".

وتم تطوير النص الخاص بالتخطيط لتنص المادة 10 على أن "يكون توجيه الاقتصاد القومي، بأكمله، وفقا لخطة التنمية التي تضعها الدولة".

وعلى حين تم النص في المادة 14 على ثلاثة أنواع من الملكية هي ملكية الدولة والملكية التعاونية والملكية الخاصة إلا أنه عند الملكية الخاصة في هذه المادة تم النص على "ج- الملكية الخاصة: قطاع خاص يشترك في التنمية، في إطار الخطة الشاملة لها من غير استغلال على أن تكون رقابة الشعب، شاملة للقطاعات الثلاثة (المقصود هنا قطاعات الملكية الثلاثة) مسيطرة عليها كلها".

ومن الطبيعي هنا أن تقرأ رقابة الشعب على أنها رقابة السلطة الحاكمة.

وفي مقابل النص في الدساتير السابقة على حرمة الملكية الخاصة نجد أنه مع استمرار التأكيد على حق الملكية الخاصة إلا أن التشديد صار في دستور 1964على حرمة الملكية العامة وليس الخاصة وأفردت لذلك مادة مستقلة هي المادة 15 التي تنص على "للأموال العامة حرمة.

وحمايتها واجب على كل مواطن.

وعلى المواطنين حماية ودعم ملكية الشعب، باعتبارها أساسا للنظام الاشتراكي، ومصدرا لرفاهية الشعب العامل، وقوة الوطن".

ثم جاء أول دستور دائم في مصر بعد ثورة 1952 والذي وضع بعد تخلص الرئيس السادات مما أسماه مراكز القوى, وكان من المنطقي أيضا في هذا الدستور الذي جاء في ظل استمرار الميراث القوي لعبد الناصر وشعبيته الطاغية وتأكيد الرئيس الراحل السادات على حفاظه على هذا الميراث لينص بوضوح في المادة 4 على أن "الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكي الديموقراطي القائم على الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال ويؤدي إلى تقريب الفوارق بين الدخول (وليس الطبقات كدستور 1964)، ويحمي الكسب المشروع، ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة".

كما جاء في الفصل الثاني المتعلق بالمقومات الاقتصادية النص في المادة 23 على "ينظم الاقتصاد القومي وفقا لخطة تنمية شاملة تكفل زيادة الدخل القومي وعدالة التوزيع، ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على البطالة، وزيادة فرص العمل، وربط الأجر بالإنتاج، وضمان حد أدنى للأجور، ووضع حد أعلى يكفل تقريب الفوارق بين الدخول.

وهي مادة سنجدها في دستور 2012 مع بعض التعديلات سنشير إليها لاحقا.

كما استمر دستور 1971 ينص على أنواع الملكية وحرمة الملكية العامة وحرمة الملكية الخاصة والسماح بالملكية الخاصة بشرط عدم الاستغلال واستمرار النص على حقوق العاملين وتنظيم الحد الأقصى للملكية الزراعية وفقا للقانون...

ثم جاءت التعديلات على دستور عام 1971 في عام 2007 وبعد أن صار هناك بونا شاسعا بين ما ينص عليه الدستور وبين الحقائق الاقتصادية/الاجتماعية الجديدة على الأرض ليكون من الطبيعي أن تتضمن تلك التعديلات المادة 4 التي صار نصها "يقوم الاقتصاد في جمهورية مصر العربية على تنمية النشاط الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وكفالة الأشكال المختلفة للملكية، والحفاظ على حقوق العمال".

وناهيك عن ركاكة هذه التعديلات المتمثلة في القول بأن "يقوم الاقتصاد..

على تنمية النشاط الاقتصادي" فإن المهم حقيقة هو حذف النص على أن النظام هو النظام الاشتراكي الديموقراطي القائم على الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال ويؤدي إلى تقريب الفوارق بين الدخول، وهو أمر طبيعي بعد التغيرات العاصفة التي شهدها النظام الاقتصاد المصري ليصبح نظاما قائما على الحرية التامة للنشاط الخاص.

وقد توخت التعديلات التي تمت في عام 2007 تغيير كافة المواد التي يرد بها كلمة الإشتراكية ليتم استبدالها بصياغة أخرى لا تتضمن النص عليها.

ومن هنا التعديلات التي تمت في المواد 1 و4 و5 و 12 و 24 و 30 و 33 أو ما يتضمن ذلك وعلى نحو خاص المادة 24 التي تنص في صياغتها الأصلية على أن "يسيطر الشعب على كل أدوات الإنتاج، وعلى توجيه فائضها وفقا لخطة التنمية التي تضعها الدولة" لتصبح المادة بعد تعديلها في عام 2007 تقرأ على النحو التالي "ترعى الدولة الإنتاج، وتعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وكذلك المادة30 التي كانت تنص على "الملكية العامة هي ملكية الشعب، وتتأكد بالدعم المستمر للقطاع العام.

ويقود القطاع العام التقدم في جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية في خطة التنمية" ثم بعد تعديلات عام 2007 تحول نص المادة لكي يصبح "الملكية العامة هي ملكية الشعب، وتتمثل في ملكية الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة".

وهكذا فبينما توخت التعديلات في عام 2007 أن يصير نص الدستور متفقا مع واقع حال طبيعة النظام الاقتصادي إلى حد كبير، إلا أن فصل المقومات الاقتصادية بخلاف ذلك ظل كما هو تقريبا بما في ذلك النص على تنظيم الاقتصاد وفقا لخطة شاملة ...

إلخ كنوع من التنازلات الشكلية التي يتم منحها لفئات العاملين وهي تنازلات لم يعد لها على أية حال صدى كبير في الواقع بعد التغيير الكاسح الذي تعرض له النظام الاقتصادي المصري على مدى 33 عاما أي منذ صدور القانون 43 لسنة 1974 الخاص بالانفتاح الاقتصادي وحتى صدور التعديلات على الدستور 1971 في عام 2007.

ونأتي إلى بيت القصيد في الدستور الجديد لنجد أن الدستور قد أغفل الإشارة على أي نحو لطبيعة أو هوية النظام الاقتصادي ورغم استمراره في التأكيد على أن الملكية الخاصة مصونة وحرمة الملكية العامة إلا أنه من الغريب أن الدستور رغم ذلك كله استمر في المادة 14 في فصل المقومات الاقتصادية يذكر "يهدف الاقتصاد الوطنى إلى تحقيق التنمية المطردة الشاملة، ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرفاه، والقضاء على الفقر والبطالة، وزيادة فرص العمل والإنتاج والدخل القومي.

وتعمل خطة التنمية على إقامة العدالة الاجتماعية والتكافل، وضمان عدالة التوزيع، وحماية حققو المستهلك، والمحافظة على حقوق العاملين، والمشاركة بين رأس المال والعمل في تحمل تكاليف التنمية، والاقتسام العادل لعوائدها.

ويجب ربط الأجر بالإنتاج، وتقريب الفوارق بين الدخول، وضمان حد أدنى للأجور والمعاشات يكفل حياة كريمة لكل مواطن، وحد أقصى في أجهزة الدولة لا يستثنى منه إلا بناء على قانون" وإضافة إلى أن هذه المادة كانت تستند بالأساس إلى المادة 23 في دستور 1971 وإدماج بعض مواد هذا الدستور الأخرى ضمن هذه المادة، إلا أن الذي يدعو للدهشة هو إعطاء مثل هذا الدور الضخم للتخطيط في ظل انحياز أغلب أعضاء الجمعية التأسيسية (خاصة بعد انسحاب أعضاء الجمعية التأسيسية المنتمين لليسار عموما) إلى خيار الاقتصاد الحر أي سيطرة النشاط الخاص.

وبينما كانت هناك ضرورة موضوعية وسياسية لأن تكون تلك المادة موجودة ضمن دستور 1971، واستمرارها ربما لدواعي سياسية بحته في التعديلات التي تمت في عام 2007، فإن صياغتها بهذا الشكل في دستور عام 2012 لا يفهم منه إلا أنها صياغة "شعبوية" من قبل نخبة كان المسيطر عليها حقا هو تحديد هوية الدولة وليس هوية الاقتصاد الذي يجدون أنفسهم متفقين في الجوهر مع الطبيعة التي كان قائما عليها إبان العهد السابق، وظلت تلك الصياغات العامة من قبيل التنازل الشكلي الذي يحاول حشد المواطنين للتصويت للموافقة على مسودة الدستور بهدف تمرير الأهداف الأهم لمن وضعوا هذه المسودة والمتعلقة بهوية الدولة.

أي أن الدستور الجديد في الحقيقة فيما يتعلق بقضية هوية الاقتصاد وما يتعلق بها قد تبنى تعديلات 2007 بالكامل على دستور 1971، في تعديل ما تم تعديله والسكوت على ما تم السكوت عليه، بل ربما مع نبره أكثر شعبوية تتعلق بموضوع التخطيط ودوره، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية على ما سنذكر لاحقا.

إضافة إلى ذلك فقد حفل دستور 2012 بالعديد من المواد التي تنص على أهمية الزارعة والصناعة وحماية الشواطيء والبحار والممرات المائية المصرية وصيانة الآثار ونهر النيل !!..

إلخ.

مع تجنب الدستور الإشارة إلى أية قيود على الملكية الزراعية كما كان الحال عليه في الدساستر السابقة.

إلى جانب النص في المادة 25 على "تلتزم الدولة بإحياء نظام الوقف الخيري وتشجيعه.

وينظم القانون الوقف، ويحدد طريقة إنشائه وإدارة أمواله، واستثمارها، وتوزيع عوائده على مستحقيها، وفقا لشروط الوقف.

أي الإفساح هنا للتكافل الاجتماعي ليلعب دور أكبر وهو الأمر الذي يتفق مع رؤية وفلسفة العضوية الغالبة على أعضاء الجمعية التأسيسية خاصة بعد انسحاب أعضاء التيارات الليبرالية واليسارية منها.

أما في الفصل الثالث المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية فنجد أنه من فرط تركيز من قاموا بالصياغة النهائية لمواد الدستور على ما يهمهم أي قضية هوية الدولة نجد أنهم في الغالب فيما يتعلق بالمواد المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والاقتصاد عموما (كالمواد المتعلقة بالمالية العامة أي فرض الضرائب والاقتراض العام وإعداد الموازنة وكيفية مناقشتها في مجلس النواب والحساب الختامي ...

وغيرها من القضايا الاقتصادية التفصيلية) قد نسخوا المواد الموجودة في الدساتير القديمة أو قاموا بعملية تأليف بسيط واضحة بينها.

طباعة
مجدى صبحى

خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية