دراسات

المعارضة السورية بين الحوار والتسليح

طباعة

تزداد الأزمة السورية، التى دخلت عامها الثالث منذ اندلاعها فى مارس 2011، توترا وتعقيدا نتيجة لعدم قدرة أىٍ من طرفى الأزمة، النظام والمعارضة، حسم الصراع بينهما ونتيجة كذلك لتعدد القوى الدولية والإقليمية "المؤثرة" فى الصراع دون أن يكون لهذا التأثير دورا قاطعا فى "فرض" حل يرضى المصالح الإستراتيجية لكل طرف من هذه الأطراف ويتوافق مع مشروعاتها فى منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة وهى بالتحديد إيران وروسيا والولايات المتحدة؛ فالأولى تعمل بكل الوسائل للحفاظ على بقاء النظام السورى أو على أقل تقدير إعادة إنتاجه فى حالة "اضطرارها" التخلى عنه تحت مظلة تسويات محددة بشأن برنامجها النووى مع القوى الغربية والولايات المتحدة؛ وهى لا تتوانى فى الوقت نفسه عن تقديم الدعم المادى والعسكرى للنظام الذى يعتبر نقطة ارتكاز مشروعها الإقليمى ببعديه الدينى والسياسى، بل وتدفع لتوسيع دائرة الصراع الإقليمى فى سوريا عبر الزج بلبنان من خلال ميليشيات حزب الله فى القتال الدائر بين النظام والمعارضة وما ينتج عن ذلك من تداعيات جمة على الوضع الداخلى فى لبنان وخصوصيته الطائفية.

أما بالنسبة لروسيا التى راهنت على بقاء النظام السورى آخر معاقل قوتها الإستراتيجية الإقليمية فى الشرق الأوسط وسوق سلاحها العسكرى الأول فى المنطقة باتت "رهينة" لحسابات بنت عليها تحركاتها فى الأزمة وفقا لما تبديه كل من إيران والنظام السورى من تعاطيات مع الثورة السورية، وهى تحركات ثبت فشلها فى إخماد تلك الثورة، ما يعنى أن روسيا باتت مدركة تماما أن النظام لن يستطيع هزيمة المعارضة أو حسم الصراع لصالحه لا عبر الإصلاحات التى كثيرا ما روجت لها روسيا ودعمت النظام على خلفيتها باعتبارها وسيلة لاستيعاب مطالب الحراك الثورى المتزايد، ولا عبر العنف الذى كانت تضع عليه آمالا كبيرة فى إنهاء الأزمة لصالح النظام، باعتباره مسلكا موازيا فى حالة فشل خيار الإصلاح فى احتواء الأزمة، ومن ثم فهى تدعوه الآن، والآن فقط ، للحوار مع المعارضة الممثلة فى الائتلاف الوطنى السورى المعارض، الموقف الروسى يظل "متأرجحا" بين تمسكه بنظام الأسد وبين إعمال آلية الحوار فى وقت تدرك فيه روسيا جيدا أن الحوار إذا لم يكن قائما على فرضية رحيل الأسد فلا جدوى منه.

أما الغرب والولايات المتحدة فلا يزالان فى انتظار تغييرا فعليا على أرض الصراع داخل سوريا ويقفان فى سياق ذلك موقف المراقب الرافض تسليح المعارضة لاسيما الجماعات الجهادية المتشددة بأسلحة قتالية ثقيلة مخافة أن تستخدم ضد إسرائيل، وهو الموقف الذى يبرر إعلان دول الاتحاد الأوروبى استمرار العمل بحظر بيع الأسلحة لسوريا.

فى السياق المتأزم السابق بدا أن هناك خيارين أمام المعارضة لتحقيق نقلة نوعية فى مسار الأزمة السورية؛ إما الحوار مع النظام وإما الضغط على القوى الدولية لاسيما الولايات المتحدة لتوسيع دائرة تسليح المعارضة العاملة على أرض الصراع بالداخل ( الجيش السورى الحر وجماعات المقاومة المختلفة)، وكذلك حث الدول الأوروبية خاصة ألمانيا والسويد – التى تعارض تسليح المعارضة- على إعادة النظر فى موقفها من مسألة الدعم العسكرى للمقاومة، وقد قررت المعارضة السورية فى ضوء موائمات سياسية دولية محددة تفعيل خيار الحوار بالتوازى مع طلبات متتالية بإحداث تغيير فى موضوع التسليح بشقيه الكمى والنوعى، ما يمكن الجيش السورى الحر من تحقيق انجاز قوى على الأرض أو على أقل تقدير يؤدى إلى تحقيق "توازن" فى القوى العسكرية بين النظام وبين المعارضة بصورة تجبر الأول على تقديم تنازلات محددة من خلال حوار فعال برعاية أممية.

وإذا كان خيار التسليح تجابهه عوائق كثيرة تتعلق بتخوفات خارجية من زيادة عسكرة الصراع الذى قد يولد حربا أهلية ذات طابع طائفى بعد سقوط النظام من ناحية، أو وصوله لجماعات دينية متشددة بإمكانها تهديد أمن إسرائيل من ناحية أخرى، فإن خيار الحوار نفسه تجابهه معوقات فى طبيعة ونمط التسوية المرجوة من الحوار المأمول.

وفى هذا الإطار يمكن تحليل موقف المعارضة السورية بين خيارى الحوار والتسليح وفقا للمعطيات التالية: أولا : بالنسبة للتسليح: لا تثق القوى الدولية - وفى مقدمتها الولايات المتحدة - فى ولاء أى من القوى المعارضة ذات الثقل الميدانى فى ساحة الصراع السورية، ما يعنى أنه لا يمكن الاعتماد عليها مستقبلا فى الحفاظ على مصالح الغرب الإستراتيجية فى سوريا فى مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد، وقد كان هذا التصور هو الحاكم الفعلى لتردد القوى الكبرى أو انقسامها إذا جاز التعبير بشأن تسليح المعارضة من عدمه، وفى هذا السياق كشفت صحيفة صنداى تليغراف البريطانية فى 24 فبراير الماضى أن العسكريين الأمريكيين ونظرائهم البريطانيين قد وضعوا خططا "للاستيلاء والسيطرة" على المخزون السورى من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية أو على أقل تقدير تدميرها فى حالة انزلاق البلاد لمزيد من الفوضى عبر استخدام القوات الخاصة والمدربة على الحرب الكيماوية ويُفسر "انزلاق البلاد لمزيد من الفوضى " هنا بسقوط بشار الأسد وتداعيات ذلك السقوط على الداخل السورى وعلى الجماعات المسلحة والتى تتحسب واشنطن وحلفاؤها لاستيلاء تلك الجماعات على ذلك المخزون.

أضف إلى ذلك أن التورط العسكرى المباشر لأى من القوى الدولية من شأنه "أقلمة" الصراع فى سوريا، وهو ما سيؤدى إلى الإضرار الفعلى والمباشر بأمن إسرائيل والتأثير على السلم الاجتماعى والسياسى فى لبنان وتركيا والعراق والأردن.

إلا أن تزايد الجماعات الدينية المتشددة وتنظيمها جماعات للمقاومة المسلحة لاسيما فى المناطق السورية الشمالية كان مبعثا لقلق الدول المنخرطة فى الأزمة السورية وهى بالتحديد؛ الولايات المتحدة وحلفائها الغربيون والسعودية وتركيا وقطر الأمر الذى دفع بتلك الدول لاسيما السعودية وقطر اللتان تمولان فعليا تسليح المعارضة، ولو بصورة غير معلنة، إلى دعم تمويل الجماعات "الأكثر اعتدالا" من عناصر المقاومة السورية والتى ترتكز معظمها فى الجنوب لمواجهة الصعود القوى لجماعة النصرة الإسلامية المتشددة، وذلك عبر ما يسمى بالمجالس العسكرية التى تديرها الدول المانحة للمساعدات المالية والعسكرية، وتم هذا بالفعل بدخول شحنة أسلحة مضادة للدبابات عبر الحدود الأردنية لقوى من المعارضة فى الجنوب خلال شهر فبراير الماضى، وأنه وعلى الرغم من رفض واشنطن المضى قدما فى موضوع تسليح المعارضة بأسلحة ثقيلة وبصورة مباشرة إلا أنها قدمت دعما استخباراتيا ضمن وصول هذه الأسلحة إلى جماعات المقاومة المعتدلة بمعرفة الدول العربية المذكورة.

وقد استهدفت واشنطن وحلفاؤها من وراء تلك الصفقة إضعاف جبهة النصرة الدينية المتشددة عبر تقليص الإمدادات العسكرية لها مقابل استمرار تمويل غيرها من عناصر المقاومة، وأيضا نقل نطاق المعارك إلى المناطق الجنوبية وإلى قلب دمشق نفسها، فى تحول اعتبره العديد من المحللين تحولا نوعيا بشأن تسليح المعارضة وبشأن نطاق الصراع بين المقاومة والنظام.

الرؤية الأمريكية الجديدة لتسليح المعارضة للإسراع بانتقال سياسى فى سوريا وفقا لما أعلنه المتحدث الرسمى باسم البيت الأبيض جاى كارنى وطبقا لما أوردته صحيفة واشنطن بوست فى منتصف فبراير الماضى بالكيفية السابق ذكرها - تسليح المعتدلين وبنوعية أسلحة غير قتالية كتجهيزات الاتصال والعربات المدرعة والتدريب- لا يقدم جديدا فعليا يمكن اعتباره تحولا نوعيا فى الموقف الأمريكى تجاه الأزمة باستثناء التركيز على تسليح المعتدلين ونقل النشاط العسكرى للجنوب فقط، أما انخراط أمريكى فعلى بتمويل عسكرى ثقيل لم يتم حتى هذه اللحظات، الأمر الأكثر خطورة بالنظر إلى هذا التحول فى الموقف الأمريكى من تسليح المعارضة الذى لم يتسم بالفعالية والتأثير المتوقعان هو أن يكون المستهدف "توريط" المعارضين من عناصر الجيش السورى الحر والمقاتلين الإسلاميين المعتدلين فى اقتتال داخلى مع الجهاديين المتشددين من عناصر جبهة النصرة الإسلامية بما يبتعد بمجمل عناصر المعارضة عن هدف إسقاط النظام، أو أن يكون الهدف توفير فائض سلاح لدى المعتدلين يمكنهم من مقاتلة الجهاديين مستقبلا مما يصب إجمالا فى كبح تقدم الإسلاميين لاسيما المرتبطين بالقاعدة فى مرحلة ما بعد إسقاط النظام، الأمر الذى يجعل سوريا ضعيفة وممزقة بما يخدم إسرائيل.

من هنا يأتى المتغير الإسرائيلى كطرف مباشر ترتبط به عملية تسليح المعارضة السورية لما تفرضه الأزمة السورية برمتها وسيناريوهات حلها من تداعيات على أمنها فى منطقة الشرق الأوسط؛ فلا تمانع إسرائيل من تسليح المعارضة السورية ولكنها "تشترط" أن يتوافر فى عملية التسليح أمرين: الأول، خضوعها للرقابة الجادة بحيث يتم تحديد الجهة المتلقية للأسلحة وتشترط إسرائيل هنا أن لا تذهب لميليشيات دينية - على حد وصف المسئولين الإسرائيليين- تكون مرتبطة بتنظيم القاعدة.

والثانى، أن يتم التنسيق بصورة مباشرة بين تل أبيب وواشنطن بشأن نوعية الأسلحة التى تقدم للمعارضة ودرجة تكنولوجيتها وتطورها، ما يشير إلى أن بإمكان إسرائيل الاعتراض على تمرير أية منظومات قتالية متطورة تستخدم فى المستقبل ضدها.

إذن إسرائيل ستظل صامتة تجاه تسليح المعارضة طالما كانت فى النطاق الذى لا يضرها، ولكن ما الأسباب الداعية إلى ذلك؟ أى ما الذى يجعل إسرائيل تلتزم الصمت ؟ هناك مبرران يمكن رصدهما؛ الأول يشير إلى رغبة إسرائيل فى أن لا يؤدى رفضها المطلق لتسليح المعارضة السورية إلى انتكاسة جهودها التى تبذلها على مدى العامين الماضيين لتنقية أجواء العلاقات السياسية مع تركيا التى تعد من أشد الدول الداعمة للمعارضة السورية.

والثانى يشير إلى التطمينات التى ترسلها واشنطن دائما لتل أبيب بشأن تأمين المخزون الإستراتيجى السورى من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وضمان عدم وقوعه تحت سيطرة العناصر المتشددة من جهاديين قد ينتمون للقاعدة، أو أن يتم نقله لحزب الله فى لبنان.

وفى السياق نفسه "توافق" كل من وزير الخارجية الأمريكى الجديد جون كيرى ونظيره الروسى لافروف خلال لقائهما فى برلين يوم 27 فبراير الماضى على رؤية محددة تستهدف تشجيع المعارضة السورية بكل أطيافها، بدءا من الائتلاف السورى ومرورا بالمجلس الوطنى ووصولا إلى هيئات التنسيق، للجلوس إلى مائدة الحوار مع نظام بشار الأسد بعد أن كان بعضها ( المجلس الوطنى السورى ) يرفض الحوار قبل أن يتنحى بشار عن الحكم.

الرؤية الأمريكية الروسية المشتركة تلك جاءت بعد أن اقتنعت واشنطن بفشل أى من طرفى الأزمة فى حسم الصراع لصالحه، وأنه لتحقيق ذلك الحسم لابد من تسليح المعارضة تسليحا ثقيلا بإمكانه إحداث توازن فى القوى العسكرية مع الجيش النظامى، وللوصول إلى تلك النتيجة لابد من تسليح كافة فصائل المعارضة بما فيها الجهاديين المتشددين وهو ما تخشاه الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبى؛ لذلك فلا سبيل أمام تلك القوى إلا العمل على تهيئة مناخ الحوار.

وقد تقاطعت الرؤى السياسية الأمريكية – السوفيتية فى نقطتين: الأولى، مطالبة المعارضة السورية بعزل الجهاديين المتشددين وبالتحديد عناصر جبهة النصرة.

والثانية، تحفيز المعارضة المسلحة على منع انهيار مؤسسات الدولة لاسيما الجيش والأجهزة الأمنية والإستخباراتية لاستخدامها فى مواجهة العناصر الجهادية المتشددة من ناحية وضمان عملية انتقال سياسى آمن مستقبلا من ناحية ثانية.

لكن لا يعنى ذلك أن التوافق الأمريكى الروسى بشأن الحل السلمى للأزمة يعتبر هو الرهان الأمريكى الوحيد؛ حيث لا تزال الولايات المتحدة تضع الحسم العسكرى كورقة محتملة الاستخدام، ولكن فى إطار الضغط السياسى أكثر من استخدامها للانخراط العسكرى الفعلى وذلك لعدة أسباب منها: أولا،استمرار الخلاف مع روسيا بشأن مصير الأسد، وهو مرتبط بطريق مباشر بالموقف الإيرانى من الرئيس السورى وإصرار طهران على اعتبار بشار الأسد الرئيس الشرعى لسوريا حتى انتخابات عام 2014، ما يعنى بقاء التعاطى الأمريكى مع مصير الأسد مرهونا بتسويات الملف النووى الإيرانى من ناحية والاعتراف بمصالح روسيا الإستراتيجية فى سوريا من ناحية أخرى .

وثانيا، رغبة واشنطن فى الوصول إلى موائمات سياسية تحسن من شروط التسوية المأمولة لصالحها ولصالح حلفائها الأوروبيين، ولن يتم ذلك إلا عبر فرض المعارضة السورية المسلحة لانجازات عسكرية من شأنها إجبار النظام على تقديم تنازلات، وهذا بالتبعية لن يحدث إلا إذا استمر الدعم العسكرى للمقاومة وهو ما لم تدفع به واشنطن مباشرة، ولكن لا تمانع فى قيام حلفائها تركيا والسعودية وقطر بهذا الدور عبر عدم اعتراضها على أى من صفقات الأسلحة التى تمررها تلك الدول للمعارضة السورية المسلحة بالداخل والتى كانت أقواها تلك التى عقدتها تركيا والسعودية مع أوكرانيا لتزويد الجيش السورى الحر بأسلحة روسية الصنع.

ثالثا، رؤية واشنطن بأن استمرار تقديم روسيا وإيران دعما عسكريا مباشرا وكبيرا للنظام السورى يعد مبررا لتقديم دعم مماثل للمعارضة السورية من جانبها بالاشتراك مع حلفائها الأوروبيين والعرب.

وإلى جانب الموقفين الأمريكى والروسى يأتى الموقف الأوروبى من تسليح المعارضة وهو ليس موقفا موحدا بل منقسما بين مؤيد للتسليح ( بريطانيا وفرنسا وايطاليا) ومعارض له (ألمانيا والسويد)؛ وقد ناقشت الدول الأوروبية فى اجتماعها ببروكسل يوم 14 فبراير الماضى إمكانية رفع الحظر عن تسليح المعارضة ولم يأت الأمر بجديد؛ حيث ظلت بريطانيا على موقفها المطالب برفع الحظر، بل وتصعيد المطالبة لدول الاتحاد بعدم تجديد الحظر المفروض على إرسال الأسلحة إلى سورية والذى انتهى بنهاية فبراير الماضى.

أما على الجانب المقابل ظلت السويد وألمانيا على موقفيهما الرافض لتسليح المعارضة، بالإضافة إلى إصرار فرنسا على تقييد التسليح بالقيود نفسها التى تراها الولايات المتحدة، حيث ترغب فرنسا فى دعم الائتلاف المعارض بزعامة معاذ الخطيب وحمايته من التفكك باعتباره خطوة أولى لضمان مسار انتقالى بديل لنظام الأسد، حيث ترفض رفضا مطلقا وصول المجموعات المتشددة العاملة على أرض الصراع السورى الداخلى إلى الحكم، فى الوقت نفسه تنتقد القوى الأوروبية الائتلاف وتتهمه بالفشل فى أداء الغاية التى أنشئ من أجلها وهى تعديل "ميزان القوى" بين عناصر المعارضة السورية لصالح قوى الاعتدال فى مواجهة قوى التطرف، وبالتحديد جبهة النصرة التى استطاعت تحقيق تقدما كبيرا فى العمليات الميدانية.

ثانيا: بالنسبة للحوار: يواجه كل من النظام والمعارضة حملة دولية إقليمية فى الوقت الراهن للدخول فى مفاوضات بينهما عبر حوار يهدف إلى وضع حد للصراع بين الطرفين الذى يدخل عامه الثالث دون حسم، وتطورت دعوة الحوار إلى مطالبة الطرفين بتسمية فريقهما التفاوضى.

وفى مراوغة سياسية أعلن النظام موافقته على الحوار مع المعارضة حتى المسلحة منها، واشترط لذلك أن تكون المفاوضات بداخل سوريا، والمعارضة رفضت أولا حضور مؤتمر أصدقاء سوريا فى روما أوائل مارس الجارى 2013 لدفع المجتمع الدولى إلى تقديم مساعدة أكثر فعالية فى الأزمة دبلوماسيا وعسكريا، ولكنها عدلت عن رفضها وشاركت فى المؤتمر وأعلنت موافقتها على الحوار وهى موافقة جاءت تالية على مبادرة زعيم الائتلاف السورى المعارض معاذ الخطيب التى أعلن فيها استعداده للحوار مع النظام .

هنا يمكن تلخيص الموقف الأمريكى من النظام السورى ودعمه لطرح الحوار كبديل للصراع فى المرحلة الحالية وفقا لما صرح به السفير الأمريكى لدى سوريا روبرت فورد ، بأن واشنطن "تمارس نوعا من استخدام عصا جبهة النصرة لترهيب الأسد "، فى رسالة مؤداها إما الحوار أو الدعم المسلح بدون حدود للمعارضة بالداخل بما فيها جبهة النصرة السلفية المتشددة، وتأتى تلك الرؤية الأمريكية فى إطار سياسات "الاحتواء المزدوج" التى تمارسها واشنطن لحماية مصالحها فى مناطق كثيرة من العالم لاسيما الشرق الأوسط، والتى تقوم وفقا لتصريحات فورد على " الجمع بين خصمين لها بهدف إضعاف الطرفين والحصول عبرهما على هدفها الاستراتيجى".

تستهدف واشنطن أيضا من دفع الطرفين للحوار احتواء تداعيات محتملة بتوسع النزاع المذهبى الطائفى الذى يحدث فى بعض المناطق السورية الحالية على نطاق محدود، حيث ترى واشنطن أن أخطر السيناريوهات المحتملة للأزمة السورية هو انسحاب بشار بما تبقى له من قوة عسكرية ونظامية إلى المناطق التى تتواجد فيها طائفته العلوية بما قد يؤدى ذلك لأضرار فادحة على مستقبل سوريا وعلى الاستقرار فى المنطقة ككل.

إذن فإن اللقاء المحتمل لطرفى الأزمة عبر حوار دولى يعنى أن كلا الطرفين "تراجع" عن موقفه بشأن الصراع؛ النظام غير القادر على حسم الصراع رغم المساندة الإقليمية من إيران والعراق والدولية من روسيا وما ارتبط بها من دعم غير محدود مادى وعسكرى واقتصادى لمنع انهيار الدولة بدأ يقتنع بأن تحقيق الانتصار عبر الوسائل العسكرية لم يعد ممكنا.

والمعارضة أيضا التى رأت أن المجتمع الدولى حسم أمره بعدم التدخل العسكرى نتيجة لحالة الاستقطاب الإقليمى والدولى وحسابات المصالح، بل ومنع تزويدها بأسلحة نوعية تمكنها من تحقيق الانتصار باتت على قناعة موازية بالحوار.

لكن السؤال هل سيسفر الحوار عن حل قريب؟ الإجابة على هذا السؤال أقرب للنفى وذلك وفقا للمعطيات التالية: الأولى، النظام وحلفاؤه الإقليميين والدوليين يجيدون "فن المراوغة السياسية" وبالتحديد الجانب الإيرانى الذى يتمتع بقدرة كبيرة على التفاوض وعلى العمل وسط الأزمات الإقليمية ولجدارته فى هذا الشأن فإنه من غير المتوقع – على الأقل فى المراحل الأولى للتفاوض – أن ينجز التفاوض بين النظام السورى والمعارضة نتائج ملموسة، كما أنه ( النظام ) غير مستعد للاستسلام وكذلك غير مستعد لتنحى رئيسه بعد صمود عامين كاملين.

الثانية، المعارضة بدورها وبعد العدد الهائل من الضحايا بين قتلى وجرحى ومشردين لن تقبل بأى حل سياسى يؤدى إلى تشكيل حكومة انتقالية تحت مظلة النظام السورى الحالى.

الثالثة، دخول متغير "عزل" الجماعات الجهادية المتشددة لاسيما جبهة النصرة المقاومة للنظام على معادلة العلاقة بين المعارضة وبين حلفائها الدوليين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهو أمر سيكون له تداعيات كبيرة على مستقبل أى تسوية؛ لأن الولايات المتحدة بهذا الطلب تكرر الأخطاء السياسية نفسها تجاه الجهاديين الإسلاميين ولا تتعلم من خبرتها السيئة فى أفغانستان والعراق وتاريخها مع تنظيم القاعدة، ما يعنى أن سوريا - أيا كانت شكل التسوية التى سيفضى إليها الحوار- فى ظل الرغبة الأمريكية المحمومة لعزل الجهاديين السوريين ستكون مرشحة لدخول نطاق الدول الفاشلة، أو أن تكون الرغبة الأمريكية فى ذلك لضمان دولة هشة ضعيفة ممزقة على غرار النموذج العراقى، بما يجعل جبهة الحليف الإسرائيلى فى الجولان آمنة كما كانت طوال الستة والأربعين عاما الماضية.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية