متابعات تحليلية

الولايات المتحدة الأمريكية وتوحيد المعارضة السورية.. لماذا الآن؟

طباعة
شهدت الأزمة السورية تطورا نوعيا لافتا خلال الأسابيع الماضية وبالتحديد على مستوى المعارضة الخارجية، ولم يكن هذا التطور نابعا من تطورات الأحداث الداخلية على أرض المواجهة العسكرية بين النظام وقوى المقاومة المسلحة، أو الأحداث الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة، وإنما كان نابعا من "تدخل مباشر" للولايات المتحدة في مسار الأزمة مؤخرا.

فقد رأت واشنطن أن المجلس الوطني السوري المعارض الحاصل على "الشرعية التمثيلية" للشعب السوري الثائر لم يكن على المستوى المطلوب أداءا وفعالية، ومن ثم فقد آن الأوان لسحب هذه الشرعية التمثيلية منه والبحث عن تكتل معارض بديل يكون أكثر تمثيلاً للقوى السياسية والأقليات السورية لاسيما المسيحيين والأكراد والعلويين والفصائل المقاتلة بالداخل عما كان عليه المجلس الوطني.

وبحيث يتم تمكين تلك الفصائل من لعب دور أكبر في توجيه العمل السياسي السوري المعارض، والحقيقة أن هذه الرؤية تبدو جديرة بالملاحظة إذا كان الهدف المرجو منها هو بالفعل إيجاد معارضة متنوعة وقوية وأكثر فعالية ولديها القدرة على مواجهة تطورات الأزمة السورية.

لكن يتعدى الأمر في الواقع مجرد هذا السبب المعلن إذ هناك أسباب أخرى ضمنية غير معلنة وراء رغبة واشنطن، الآن ، في توحيد المعارضة السورية وتوسيع إطارها التنظيمي.

ويمكن عرض هذه الأسباب في ظل عاملي "التوقيت" و"النتائج" التي تنطوي عليهما تلك الرؤية الأمريكية في إطار دور أمريكي واضح يرغب في ترتيب الداخل السوري في مرحلة ما بعد الأسد بما لا يخل أولاً بالمصالح الأمريكية في مواجهة المشروع الإقليمي الإيراني، وبما لا يخل ثانيا بضمان أمن إسرائيل في المنطقة، وهو ما يستدعى الإجابة على تساؤل واضح بشأن المسعى الأمريكي بتوحيد المعارضة السورية الآن. فمن حيث "التوقيت" يشير البعض إلى أن هذه الخطوة تستهدف مباشرة التمهيد لتدخل عسكري أمريكي في سوريا، ومن ثم فهي في حاجة إلى التعامل المباشر مع القوات السورية المقاتلة من عناصر الجيش السوري الحر المعارض عبر الانتظام في إطار تنظيمي واحد لكافة أنواع المعارضة السورية.

وقد حدث هذا التحول الفجائي الإيجابي في موقف واشنطن تجاه مقاتلي الجيش السوري الحر بعد تخوفات متزايدة لدى الإدارة الأمريكية من تنامي العناصر الجهادية المتشددة بعد حادثة تفجير السفارة الأمريكية في بنغازي، ما يعنى أن واشنطن تتحسب لوضعها المستقبلي في خريطة العلاقات السورية الأمريكية بعد سقوط الأسد، ولمصالحها في المنطقة إذا سيطرت التيارات الجهادية المتشددة، أو حتى التيارات الدينية المعتدلة كالإخوان المسلمين على مقاليد السلطة في سوريا مستقبلاً، لاسيما بعد الوجود القوي لتيارات مماثلة في ليبيا، والصعود الواضح لتيارات الإسلام السياسي في مصر وتونس، ويزيد من هذه التخوفات الأمريكية طبيعة ونمط العمليات العسكرية التي تقوم بها بعض العناصر الجهادية والتي تتشابه مع تنظيم القاعدة في نمط إعدادها وتنفيذها وتم رصدها مؤخرا في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الجيش النظامي.

ويعنى كل هذا أن سوريا ما بعد الأسد باتت وفقا للمصالح الأمريكية منطقة مرشحة لأن تتحول إلى ساحة جديدة لتمركز تنظيم القاعدة بها، خاصة إذا ما علمنا أن بعض الجماعات الجهادية المتشددة ترفض العمل تحت لواء الجيش السوري الحر نفسه وتقوم بعمليات بصفة منفردة دون أدنى تنسيق معه، وبالتالي فإن واشنطن ترى في القضاء على التنظيمات الجهادية المتشددة - التي باتت أحد العناصر المهمة في المشهد السوري الراهن - هدفا ملحا في التوقيت الحالي، وأن القضاء على تلك العناصر عبر الاحتواء من شأنه إتاحة الفرصة لتسليح أمريكي جدي وفعلي لعناصر الجيش السوري الحر، فواشنطن ترى أن هذا التسليح لا يمكن أن يتم في ظل وجود الجماعات الدينية المتشددة أو في ظل عدم خضوعها لسيطرة الجيش السوري الحر على أقل تقدير، لأنه وفى حالة حصول عناصر المقاومة السورية المنتظمة داخل الجيش السوري الحر أو تلك العاملة خارج نطاقه من الجهاديين المتشددين على أسلحة أمريكية لاسيما تلك المضادة للدبابات والصواريخ فمن المرجح أن تتحول قبلة تلك العناصر وأسلحتها مستقبلا وبعد سقوط الأسد نحو إسرائيل.

وتتضح هنا الأسباب الضمنية التي تتوارى وراء المطلب الأمريكي بشأن توحيد المعارضة "الآن" وتتلخص في تأمين الساحة السياسية السورية من أن تتحول بفعل النشاط المتنامي للجهادية السلفية إلى بيئة خصبة لعناصر تنظيم القاعدة مستقبلا، وفي الوقت نفسه تأمين الحليف الإسرائيلي من وصول "ناتج" نشاط تلك الجماعات مستقبلا إليه ما يؤثر على أمنه الذي تعد حمايته هدفاً إستراتيجياً لواشنطن، وأن الضربات الأمنية الموجعة التي قامت بها تلك الجماعات خلال الشهور الماضية في الداخل السوري وما حدث في ليبيا ضد الوجود الدبلوماسي الأمريكي من قبل جماعات مشابهة كانت هي الأسباب "المعجلة" بالانخراط الأمريكي الواضح في مسألة توحيد المعارضة السورية السياسية منها والعسكرية في إطار تنظيمي واحد يخضع بصورة أو بأخرى لنوع من الرقابة الأمريكية. وفى سياق الحديث عن "التوقيت" ذاته لابد من الأخذ في الاعتبار تواكب المطلب الأمريكي بتوحيد المعارضة مع الانتخابات الرئاسية، ما يجعل الأزمة السورية رهنا للحسابات السياسية الأمريكية، فيبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية - والتي حصلت على ولاية ثانية - راغبة في وضع نهاية لتلك الأزمة بواسطة " تغيير موازين القوى" في الداخل السوري؛ إما بتدخل عسكري بعد مرحلة ناجحة من استنزاف النظام عسكريا يتم التمهيد له عبر توحيد المعارضة وتسليحها وفقا لضوابط أمريكية محددة، وإما عبر الدخول بثقلها لدعم حل سياسي بعد النجاح الملحوظ الذي أحدثته ضربات الجيش السوري الحر وأدت إلى إضعاف النظام.

ويقضي هذا الحل السياسي بتشكيل حكومة منفى مؤقتة من المعارضة تكون مهمتها "التفاوض" مع ما تبقى من النظام بهدف الحفاظ على الهيكل المؤسسي للدولة السورية من الانهيار الكامل كأحد سلبيات التجربة الأمريكية في العراق، وكأحد وسائل تهدئة الجانب الروسي الذي تتهدد مصالحه الإستراتيجية العسكرية والاقتصادية بصورة مباشرة في حالة انهيار النظام السوري وأطره المؤسسية بالكامل لاسيما المؤسسة العسكرية والحزبية الحاكمة.

ويصطدم هذا الطرح الأمريكي بالضرورة مع رؤى وتصورات المعارضة السورية التي ترغب في القطع النهائي مع النظام السوري، ولكن هذه الرؤى نفسها قد تتماهى في مرحلة ما من مراحل التسوية مع الرؤية الأمريكية القائمة على التفاوض كأحد الحلول، ويمكن التدليل على ذلك من إعلان المعارضة أنه لا تفاوض قبل رحيل الأسد ما يعني أن المعارضة "ربما" تتفاوض مع بقايا نظام الأسد، وفى هذه الحالة ستدخل واشنطن وبقوة لفرض سيناريوهات التسوية وترسيم الخريطة السياسية السورية بما يخدم مصالحها في مواجهة إيران وروسيا ويخدم في الوقت نفسه أمن إسرائيل. تدخل واشنطن وبقوة في سيناريوهات مستقبلية للتسوية يطرح تساؤلات حول مدى رغبة واشنطن في الحفاظ على البعث كحزب حاكم ورعاية عملية تفاوضية تفرض نوعا من التسوية بينه وبين المعارضة، وترتبط هذه الرغبة ارتباطا مباشرا بالتمايزات الموجودة في الرؤى بين أطياف المعارضة السورية المختلفة ليس فقط حول التسوية، ولكن أيضا حول دور الولايات المتحدة في هذه التسوية.

ومن الملاحظ أن هناك حالة انزعاج في صفوف المعارضة من وصاية أمريكية واضحة تتمثل في إملاءات تبدو واشنطن راغبة فى فرضها عليها، وانعكس ذلك في رفض المجلس الوطني السوري للانتقاد الدائم الذي وجهته واشنطن للمجلس باعتباره غير فعال فى توحيد المعارضة وتوسيع نطاق عضيوته ليعبر عن "تركيبة سياسية " يكون لديها مصداقية أوسع بالداخل طبقا لتصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون، وهو دور رأته واشنطن في المحصلة النهائية لا يرتقى وطبيعة تطور الأزمة السورية.

وفي الإطار ذاته انتقدت كل من جماعة الإخوان المسلمين وهيئة التنسيق - إحدى هيئات المعارضة في الداخل- الموقف الأمريكي بالدعوة لتشكيل ائتلاف جديد للمعارضة، واعتبرتا أن المسعى الأمريكى يستهدف بالفعل ترتيب أوضاع الداخل السوري وفقا لرؤى أمريكية تضمن مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل في التسويات المقبلة والمتوقعة للأزمة، ويدللون على ذلك بوجود قائمة للشخصيات والمنظمات السورية التى ترشحها واشنطن للدخول في المكتب القيادي لائتلاف المعارضة السورية الجديد الذى تم تدشينه بالفعل في مؤتمر أصدقاء سوريا بالدوحة فى 13 نوفمبر الجارى.

وبالتزامن مع تلك الخطوة ترغب واشنطن في وجود "حكومة انتقالية " تستطيع التفاوض مع نظام الأسد مستقبلا وتطرح لرئاستها رجل الأعمال والعضو المعارض السابق في مجلس الشعب السوري رياض سيف، ولا ترغب في الوقت نفسه في القضاء على حزب البعث الحاكم قضاءا كاملا، بل تريد الحفاظ على بعض عناصر الحزب، وكذلك تريد وبقوة إشراك حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في أية ترتيبات سياسية قادمة فى سوريا، وهو ما يتعارض تماما مع رغبة تركيا التى تتخوف من هذا الإجراء على خلفية علاقة التعاون الوثيقة بين هذا الحزب وبين حزب العمال الكردستاني التركي المعارض.

البعض يشير إلى وجود أبعاد متعددة تكمن وراء هذا المسعى الأمريكي منها؛ أن إيجاد تنظيم جديد للمعارضة يضم 51 عضوا ممثلين لأحزاب وهيئات وأقليات ومنظمات وقوى سياسية معارضة من الممكن أن يتحول فى المدى المنظور إلى حكومة انتقالية قادرة ليس فقط على التفاوض مع المجتمع الدولي، ولكن أيضا قادرة على التفاوض مع نظام الأسد ذاته.

أيضا هناك من يرصد وجود سلبيات واضحة في عمل المجلس السوري الوطني المعارض كغياب الشفافية وانعدام فرص الممارسة الديمقراطية فى طريقة اتخاذ القرار ما خلق فرصا مواتية للمجتمع الدولي لدعم بديل يتلافى سلبياته المتعددة.

ويشير البعض أيضا إلى أن اختيار عدد 15 عضوا فقط من المجلس الوطني المعارض ليشارك في ائتلاف المعارضة الجديد يتماشى مع رغبة واشنطن فى التحكم بمفاصل القرار داخل الائتلاف الجديد وتوجيهه لأن المجلس الوطنى من وجهة نظرها كان خاضعا لتيارات الإسلام السياسي حيث يسيطر الأخوان المسلمون على 70 % من عضويته، ومن ثم فإن الرعاية الأمريكية لائتلاف المعارضة السوري الجديد يضمن لواشنطن "التوغل" داخل ذلك التنظيم وتوجيه دفته كيفما تريد.

أما من حيث "النتائج" التى أسفرت وستسفر عنها تلك الرؤية الأمريكية لتوحيد المعارضة فإنها ترتبط بعوامل عدة؛ منها ما يتعلق بمردود تلك الخطوة على إيران كطرف إقليمي يرتبط مشروعه بوجود نظام الأسد، ومنها ما يتعلق بإسرائيل كطرف يرتبط أمنه الاستراتيجي بتطورات ومآلات الأزمة السورية ارتباطا مباشرا، ومنها ما يتعلق بتركيا التي احتضنت عناصر المعارضة السورية طوال العشرين شهرا الماضية من عمر الثورة السورية: • بالنسبة لإيران، وبغض النظر عن التفاصيل الكثيرة التي تتعلق بدور النظام السوري كمرتكز إقليمي قوى بالنسبة لها، تجدر الإشارة هنا إلى نتيجة واحدة فقط ستترتب على مساعي واشنطن بشأن توحيد المعارضة وتوسيعها وهى إدراك واشنطن أن ايران كانت ترفض تماما وجود المجلس الوطني المعارض خاصة أنه يخضع لأغلبية سنية، وكانت تتخوف من اعتباره فى حالة سقوط الأسد البديل الشرعي للنظام مهمشا بذلك الوجود الشيعي في سوريا، إلا أن الائتلاف السوري الجديد الذى بات يضم كافة عناصر الشعب السوري استهدفت به واشنطن الوصول إلى تشكيل "متوازن" يضمن عدم تهديد مصالحها فى المنطقة فى مرحلة ما بعد سقوط الأسد بما فى ذلك "حفز" طهران على الدخول فى مفاوضات نووية جادة فى إطار مجموعة 5 + 1.

• بالنسبة لإسرائيل، لاتريد واشنطن أن تصبح إسرائيل محاطة جغرافيا وسياسيا بمزيد من حكم تيارات الإسلام السياسى التى شهدت صعودا واضحا فى دول الربيع العربى خاصة فى مصر؛ لأنه فى هذه الحالة ستصبح إسرائيل محاصرة غربا وشرقا وهو ما ترفضه واشنطن تماما وتعمل جاهدة على منعه فى سوريا مستقبلا حتى لا تُجبر حليفتها على الرضوخ لحلول عربية للصراع العربى الإسرائيلى، وهذا ما يفسر لماذا لم تسرع واشنطن فى بادئ الأزمة السورية فى حلها، ولماذا اعترضت على تسليح المعارضة السورية بالأسلحة النوعية القادرة على الحسم، ولماذا الآن والآن فقط تنخرط وبقوة فيها بعد أن بدا واضحا أن سقوط بشار الأسد فى ظل صعود التيارات الجهادية المتشددة داخل سوريا من شأنه الإضرار مباشرة بأمن إسرائيل ويسمح بتغير معادلات القوة فى المنطقة لغير صالحها.

• بالنسبة لتركيا، تبدو تركيا منزعجة وبشدة من التشكيلة الجديدة لائتلاف المعارضة السورى الجديد، وربما يمكن تفسير ذلك الانزعاج على خلفية كون تركيا هى المحتضن الرئيسى للمعارضة السورية منذ يومها الأول، وكذلك لعناصر الجيش السورى الحر وقياداته التى كانت موجودة على الآراضى التركية قبل انتقالها لداخل الآراضى السورية، وتخشى تركيا مع هذا الانخراط الأمريكى أمرا مهما وهو التواصل بين أكراد سوريا الذين يتمركزون على طوال المنطقة الحدودية مع تركيا وبين حزب العمال الكردستانى التركى المعارض، وما يرتبط بذلك من مطالب بإقامة منطقة كبرى يسيطر عليها الأكراد ويتمتعون فيها بحكم ذاتى وهو ما ترفضه تركيا رفضا تاما، ولذلك تسعى تركيا حثيثا لاستعادة حالة الوئام المفتقدة مع واشنطن مجددا بما يمكنها من فرض وجودها على أية تسوية سياسية تتزعمها واشنطن فى الفترة المقبلة، حيث ترصد بعض التحليلات سعى واشنطن إلى توفير دعم عسكرى مركز للجيش السورى الحر على أن يتم ذلك بإشراف تركى. عزمت واشنطن إذا على "تصدر" مسار الأزمة السورية في تطوراتها الراهنة، بل وأصبحت بعد نجاحها في تشكيل ائتلاف معارض جديد ودعمه بقوة قادرة على قلب المعادلة بما يسرع أو يؤخر من حسم الأزمة السورية، وقد نالت المساعي الأمريكية موافقة دول الخليج والجامعة العربية وبريطانيا وفرنسا، هذا بخلاف أن الهيمنة الأمريكية على الائتلاف الجديد من شأنه ضمان وجود قدر كبير من التنسيق بينه وبين الجيش السوري الحر بما يوفر "السيطرة" التي تنشدها واشنطن على الجهاديين داخل الأراضي السورية.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية