متابعات تحليلية - العالم

زيارة كلينتون للجزائر واحتمالات التدخل العسكرى فى مالى

طباعة

عبرت الزيارة الأخيرة التى قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون إلى الجزائر عن الحالة الحرجة التى وصلت إليها تطورات الأوضاع فى شمال مالى بعد سيطرة الجماعات المتشددة عليها وسعيها لإعلان دولة إسلامية فى هذا الجزء من الدولة، وما تحمله هذه التطورات من تهديدات أمنية وإنسانية.

وقد دفعت تلك التطورات القوى الدولية والإقليمية إلى الاسراع باستصدار قرار من مجلس الأمن بالتدخل العسكرى فى مالى، لتمكين الحكومة المالية من استعادة سيطرتها على الشمال بالقضاء على الجماعات المتشددة التى اعلنت تحالفها مع تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى .

تطورات الأوضاع فى مالى شهدت مالى خلال الشهور الأخيرة حالة من الفوضى عقب انقلاب عسكرى قام به مجموعة من الجنود فى 22 مارس الماضى، واطاحوا بالرئيس أمادو تومانى تورى.

وقد حدث الانقلاب نتيجة لعدم تخصيص الحكومة لموارد كافيه لمواجهة تمرد الطوارق فى شمال البلاد، إلا أنه فتح المجال أمام تحقيق طموحات الطوارق الانفصالية وتكوين دولة " أزوادا " التى أعلنوا إقامتها فى شهر أبريل الماضى، فى ظل الانتشار الواسع للأسلحة فى إقليم غرب أفريقيا وفى منطقة الساحل عقب سقوط نظام القذافى وعودة الآلاف المقاتليين الذين حاربوا معه إلى دولهم.

وفى ظل هذه الفوضى قدمت جماعات مسلحة متشددة الدعم لقوات الطوارق وانخرطت فى المواجهات المسلحة ضد القوات الحكومية فى مالى وصولا إلى اعلان جماعة "أنصار الدين" وجماعة "التوحيد والجهاد" تحالفهما مع تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى، وهو ما مثل تهديدا حقيقيا لأمن منطقة الساحل وإقليم غرب أفريقيا بعد ان بدأت الجماعات فى الاتجاه نحو إعلان دولة اسلامية فى شمال مالى.

وأسفرت هذه الأحداث عن تدهور الأوضاع الإنسانية فى شمال مالى وتشريد ما يقرب من 420 ألف مواطن .

فى ظل احتدام التنافس السياسى بين القوى الداخلية وإعاقته لأى تحركات فاعلة تجاه الأزمة ( ).

إلا أن هذه التطورات وبرغم خطورتها لم يترتب عليها ردود فعل إقليمية ودولية حاسمة لمواجهة دعوات الانفصال من الطوارق والتى تحمل فى طياتها تفجير أزمة هوية فى منطقة الساحل والغرب الأفريقى.

وحيث ينتشر الطوراق فى خمس دول أفريقية، فإن تحقيق هدفهم بتكوين دولة مستقلة يحمل تهديدات أمنية وانسانية بعيدة المدى وواسعة الانتشار.

أما تكوين دولة إسلامية وهو مطلب الجماعات المتشددة فيفتح الطريق أمام الجماعات الإرهابية التى تنتشر فى الشمال والغرب الافريقى، ومنها تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى وجماعة بوكو حرام فى نيجيريا للحصول على الدعم والمساندة من هذه الدولة وارساء قواعد لهذه الجماعات فى الإقليم.

وقد ظلت القوى الإقليمية والدولية متردده إزاء قرار التدخل العسكرى فى مالى لمواجهة الجماعات المتشددة ومنع انفصال الشمال، وذلك على الرغم من مطالبة الحكومة المالية بالتدخل العسكرى الخارجى، وتأييد فرنسا – دولة الاحتلال السابقة لمالي- لهذا التدخل.

إلا أن الولايات المتحدة ظلت تعلن رفضها للتدخل العسكرى فى مالى وتراهن على امكانية توجيه ضربات جوية من خلال طائرات بدون طيار وبالفعل أفادت تقارير صحفية أن الولايات المتحدة وفرنسا يستخدمون طائرات بدون طيار فى القيام بعمليات لضرب أهداف فى شمال مالى .

ومع تدهور الحالة الأمنية والإنسانية في شمال مالي طلب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند خلال المناقشة العامة للدورة 67 للجمعية العامة الأمم المتحدة العامة عقد مؤتمر طارئ لمجلس الأمن، ودعا إلى تدخل عسكري لاستعادة السيطرة على شمال مالى.

وشدد رئيس وزراء مالى شيخ موديبو ديارا أيضا على الحاجة الملحة لوضع حد لمعاناة شعب مالى ومنع تكرار هذه الحالة في أماكن أخرى في منطقة الساحل.

وأصدر مجلس الأمن الدولي في 12أكتوبر الماضى قرارا يمهد لنشر قوة دولية يقارب عددها ثلاثة الآلاف عنصر في مالي، ويمهل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الايكواس) 45 يوما لوضع خططها.

وأمام هذه التطورات تراجعت الولايات المتحدة عن موقفها الرافض للتدخل العسكرى فأعلنت هى وفرنسا استعدادهما لتقديم دعم لوجستى للقوات المتدخلة.

الموقف الجزائرى مع إعلان الولايات المتحدة دعمها للتدخل العسكرى فى مالى أصبح أمامها مهمة إقناع دول الشمال والغرب الأفريقى بالمشاركة فى عملية التدخل وخاصة الجزائر التى تعتبر دولة قائد فى هذه المنطقة بحكم قوتها الاقتصادية والعسكرية هذا فضلا عن اشتراكها مع مالى فى حدود طولها 1400 كم واقامة ما يقرب من 50 ألفا من الطوارق داخل أراضيها.

هذا إلى جانب الخبرة الكبيرة التى تتمتع بها الجزائر فى التعامل مع ظاهرة الإرهاب حيث عانت هذه الدولة من نمو الجماعات المتشددة خلال عقد التسعينيات، وما ترتب على ذلك من حالة أقرب إلى الحرب الأهلية وصولا إلى إعلان الجماعة السلفية للدعوة والقتال فى يناير 2007 انضمامها إلى تنظيم القاعدة وتغيير اسمها إلى تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى وما تلاه من تغير عمليات التنظيم وانتشاره فى منطقة الساحل الأفريقى .

لذلك تعتبر الجزائر شريكا رئيسيا للولايات المتحدة فى مكافحة الإرهاب فى أفريقيا، وقد تبنت الدولتان مبادرات أمنية فى منطقة الساحل الأفريقى منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر، فقد زادت الأهمية الأمنية للقارة الأفريقية بعد هذه الأحداث فالتقى الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش بالرئيس الجزائرى بوتفليقة فى نوفمبر 2001 ودرس الاثنان التعاون فى مجالات مكافحة الإرهاب، ووضعت إدارة بوش الجماعة السلفية للدعوة والقتال على قائمة الجماعات الإرهابية فى عام 2002، وفى أكتوبر 2002 زار فريق مكافحة الإرهاب الأمريكى عدد من دول الساحل الأفريقى هى موريتانيا ومالى والنيجر وتشاد حيث دعاهم الفريق الى المشاركة فى مبادرة مكافحة الإرهاب فى دول الساحل الأفريقى والتى تعمل على مواجهة الإرهاب فى هذه المنطقة عن طريق تحقيق هدفين هما تعزيز قدرات دول الساحل فى محاربتها للمنظمات الإرهابية، ومنع الجماعات الإرهابية من بناء قواعد لها فى الإقليم تشبه ما قامت به القاعدة فى أفغانستان( ).

وقد بدأت هذه المبادرة عام 2002 لتأمين الحدود وتعزيز قدرات أربع دول فى مكافحة الإرهاب هى مالى وموريتانيا والنيجر وتشاد، وفى عام 2005 توسعت المبادرة لتشمل مزيدا من الشركاء فانضمت إليها الجزائر وبوركينافاسو والمغرب ونيجيريا والسنغال وتونس.

وتسعى المبادرة إلى مكافحة التطرف العنيف فى الشمال والغرب الأفريقى من خلال المساعدة الأمنية الواسعة والتطوير والأنشطة الحكومية، وتقدر المساعدات التى قدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية لتمويل برامج المبادرة عام 2012 بـ 52 مليون دولار( ).

ونظرا لهذه الاعتبارات تلعب الجزائر دورا هاما فى أى ترتيبات تتعلق بمكافحة الإرهاب فى منطقة الساحل والغرب الأفريقى.

وفى المقابل تعمل الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين على دعم النظام السياسى فى الجزائر الذى فشل فى تحقيق الإصلاحات وأبقى على استمرار العمل بقانون الطوارئ الذى تم تطبيقه منذ بداية الأزمة الداخلية فى عام 1992 ولم ينتهى العمل به إلا مع انطلاق ثورات الربيع العربى.

كما أن الحياة السياسية تتسم بوجود تعددية حزبية شكلية لا تسمح بتداول حقيقي للسلطة عبر الانتخابات، واستمرار الرئيس لفترات رئاسية غير محددة فخلال شهر نوفمبر 2008 وافق البرلمان الجزائرى على تعديل دستورى يلغى القيود على فترات الرئاسة.

وتستثمر الولايات المتحدة علاقتها القوية وتحالفها مع الجزائر فى تحقيق أهدافها ومصالحها فى أفريقيا والتى تتركز فى مكافحة الإرهاب والوصول إلى امدادات الطاقة.

حيث تعد الجزائر أكبر منتج للنفط فى أفريقيا بعد ليبيا ونيجيريا، والولايات المتحدة هى أكبر مستثمر فى قطاع النفط والغاز فى الجزائر، والأمر المهم في هذا السياق أن انتاج معظم النفط الجزائرى يتم من المناطق الجنوبية الصحراوية من البلاد.

إلا أن الحكومة الأمريكية لم تتمكن من إقناع الحكومة الجزائرية بالموافقة على المشاركة فى التدخل العسكرى فى مالى فى ظل الأخطار التى تراها الجزائر مهددة لأمنها القومى، لذلك تؤكد على ضرورة اتباع الحل السياسى لتسوية الأزمة.

وتواجه الجزائر رفض داخلى من قبائل الطوارق للتدخل الأجنبى فى مالى، فقد أعلن كبير أعيان قبائل الطوارق فى ولاية تمنراست جنوب الجزائر، محمود قمامة، رفضه للتدخل العسكرى فى شمال مالى، مطالباً الحكومة الجزائرية بـالصمود على موقفها ضد التدخل الأجنبى.

كما تخشى السلطات الجزائرية من أن يؤدى التدخل عسكريا فى مالى إلى امتداد العنف إليها، فتحدث أزمة لاجئين وأزمة سياسية، وخصوصاً بين طوارق مالى النازحين الذين قد يتجهون شمالاً وقبائل الطوارق الجزائرية، كما يمكن انتقال الأزمة إلى دول الجوار.

وتحاول الجزائر حل الأزمة سياسيا حيث يجرى عدد من القادة العسكريين الجزائريين اتصالات ومشاورات مع زعماء الطوارق فى شمال مالى وأعضاء من جماعة أنصار الدين وجماعة الجهاد والتوحيد الساعين لاقامة دولة إسلامية هناك.

حيث كان للجزائر دور أساسى في السابق بالتدخل لتسوية الأزمات بين الحكومة في مالى والمتمردين الطوارق منذ عام 1990.

وعلى الرغم من الموقف الجزائرى الذى يرفض المشاركة فى التدخل عسكريا فى مالى ويلوح فقط بإمكانية المشاركة اللوجستية فى حالة اتفاق الأطراف الإقليمية والدولية على التدخل عسكريا.

وعلى الرغم أيضا من المساعى التى تقوم بها جماعة أنصار الدين منذ أيام لدفع الأزمة نحو مسار التفاوض بعيدا عن مسار الحرب، إلا أن خيار التدخل العسكرى فى مالى يبدو هو الأكثر ترجيحا فى ظل استمرار التدهور الأمنى والانسانى فى شمال البلاد، واتفاق معظم القوى الدولية والإقليمية وفى مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقى والايكواس على ضرورة التدخل العسكرى للقضاء على الجماعات المتشددة ومنع انتشار النموذج المالى فى دول أخرى فى إقليم غرب أفريقيا.

حيث يشهد هذا الإقليم العديد من الأزمات التى تجعل من دوله بيئة خصبة لنمو الأفكار المتشددة.

وفى الوقت الذى ترتبط القوى الدولية بمصالح حيوية مع دول الإقليم وخاصة ما يتعلق بإمدادات الطاقة والموارد الطبيعية الأخرى، ووجود منظمة إقليمية هى الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا تمتلك قدرات عسكرية وخبرات مكنتها من المشاركة فى استعادة الاستقرار لعدد من دول الإقليم فى أوقات سابقة مما يجعل ترتيبات التدخل العسكرى فى مالى أكثر يسرا .

طباعة
د. أميرة عبد الحليم

خبيرة الشئون الأفريقية بالبرنامج الأفريقى - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية