دراسات

أسلمة المجال العام بعد الثورة.. بين التعددية والإقصاء

على محمد على 741 19-9-2012
طباعة

تطور المجال العام المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ، بحيث اتسع ليشمل شريحة أكبر من الفاعلين داخل الفضاءات السياسية والاجتماعية والثقافية.

وقد برز بشكل خاص نشاط الفاعلين السياسيين الإسلاميين وتنامي دورهم فيما يتعلق بالعمل السياسي وبأساليب الحكم والإدارة في الدولة بعد انخراطهم بشكل كبير داخل المجال السياسي أثناء المرحلة الانتقالية، حتى تولى أكبر الفصائل الإسلامية نشاطاً وتنظيما مقاليد الحكم في الدولة، وذلك بوصول الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، إلى سدة الحكم في مصر.

لذلك تغير المجال العام المصري تغيراً جوهرياً بحيث غلبت عليه الصبغة التعددية.

المجال العام والفعل الثوري أبرزت ثورة 25 يناير أهمية المجال العام في مصر، ذلك المفهوم الذي طوره يورجن هابرماس Jürgen Habermas ، الفيلسوف والمفكر الألماني ، ويمكن تعريفه على أنه " المجال الذي يخرج منه "المقدس" المطلق من أجل أن يسود فيه "النسبي" بمعناه السياسي والاجتماعي، والذي يمثل القيم المشتركة المستقر عليها في العلاقة بين مختلف الجماعات والفصائل والنخب التي تشكل الجسم الرئيسي للمجتمع"، وفي الخبرة المصرية مثل المجال العام منطقة تنافس بين السلطة السياسية والإسلام السياسي بمختلف تفريعاته .

وبرزت فكرة المجال العام داخل ميدان التحرير خلال الثماني عشر يوماً حتى يوم تنحي مبارك عن الحكم، فتحقق ما أطلق عليه هابرماس "الموقف المثالي للحوار" داخل المجال العام، وهو ذلك الموقف الذي توحدت تجاهه القوى المكونة للحركة الثورية في مصر من خلال وحدة الهدف، حيث توحدوا جميعاً على ضرورة إسقاط النظام السلطوي، كما أن الفعل السياسي داخل المجال العام أثناء الثورة لم يعد مقصوراً على مشاركة نخبة أو قيادات رأي عام أو قوى سياسية معارضة، بل شاركت فيه الحركات الاحتجاجية مثل حركة 6 أبريل وحركة كفاية والائتلافات الشبابية، والتي خرجت عن العباءة المؤسسية التنظيمية التي عرفتها الخبرة السياسية المصرية كالأحزاب السياسية والنقابات العمالية.

اندماج الإسلاميين في المجال العام المصري بعد الثورة يمكن تعريف الفاعلين السياسيين الإسلاميين على أنهم هؤلاء " الفاعلون الذين يستخدمون النصوص والمرجعية والرموز الإسلامية في تحديد هويتهم ورسم الأطر العامة لنشاطاتهم داخل الفضاءات الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية " ، فمنهم من يسعى لتأسيس نظام سياسي إسلامي محكوم بمبادئ الشريعة الاسلامية، والبعض الآخر يستخدم الإسلام كنقطة للمرجعية دون تبني أجندة اسلامية مع التأكيد على أن القيم الاسلامية متوافقة مع النظام الليبرالي الحديث.

كما حدث تحول في دور تيارات الإسلام السياسي في مصر بعد الثورة حيث كانت تستغل من قبل السلطة الحاكمة في الدولة لتلعب دور الفزاعة من جانبين، الجانب الأول تمثل في ترهيب المجتمع الدولي من خطورة عودة نشاط الجماعات الإسلامية الراديكالية للنشاط في مصر مرة أخرى، والجانب الثاني تمثل في استخدام فكر تيارات الإسلام السياسي كفزاعة لإثارة القلاقل والاضطراب داخل صفوف الجماعة الوطنية المصرية، وذلك عن طريق ترهيب الأقلية المسيحية من فكر تلك الجماعات والحديث عن غموض مستقبل الحريات الدينية الخاصة بتلك الأقليات.

ولذلك سيطرت على القيم والمبادئ الحاكمة للمجال العام المصري السلطة السياسية والحزب الحاكم.

بعد قيام الثورة وسقوط النظام المستبد الحاكم تحولت فوبيا الإسلام السياسي في مصر بعد الثورة من كونها الفزاعة التي كان يستغلها نظام سلطوي قمعي مستبد الى كونها حقيقة أدركتها كافة القوى والتيارات السياسية في مصر.

حيث تنامي دور الفاعلين السياسيين الإسلاميين في الحياة السياسية المصرية وانخراطهم بشكل فعال في العمل السياسي بإعتبارهم جزء من العملية السياسية بعد الثورة.

ووفقاً لمقترب "هيكل الفرص السياسية المتاحة"، يمكن تفسير تنامي دور الفاعلين الإسلاميين بعد الثورة بالمجادلة بأن الأفكار والقوى والحركات السياسية والاجتماعية التي عانت من القمع والتهميش في ظل نظام سلطوي، تستغل فرص الانفتاح السياسي في مرحلة مابعد الثورات وانهيار النظم السلطوية القديمة من أجل إبراز نفوذها وتوسيع حجم نشاطها وتأثيرها في المجال العام ، وذلك من خلال التمسك بمرجعيتها وهويتها وابراز قدراتها التنظيمية والتعبوية داخل المحفل العام بشكل لم تكن تستطع ابرازه في ظل وجود النظام السلطوي القمعي.

تتسم خريطة الفاعلين السياسيين الإسلاميين بعد الثورة بالتمايز من حيث المرجعيات الخاصة بكل تيار اسلامي من ناحية ، وعدم التجانس بين هؤلاء الفاعلين من ناحية ثانية، بحيث تختلف الجماعات المكونة للتيار السلفي على سبيل المثال عن جماعة الإخوان المسلمين في الأساس الفكري والأيديولوجي، وهناك مؤسسة الأزهر التي تعبر عن الاسلام الرسمي في الدولة، والتي كانت تعد أداة في أيدي النظام والنخب الحاكمة لإضفاء الشرعية ذات الصبغة الدينية على تصرفات الحاكم وقراراته، لذلك تم تسسيس الدور الديني للأزهر، مما جعله ينظر الى الحراك الثوري في بداية الثورة على أنه نوع من أنواع الفتنة، ثم تحول دوره بعد سقوط مبارك، حيث بدأ يلعب أدوار سياسية بنكهة ثورية، وانخرط بشكل ملحوظ داخل المجال العام.

وقد بلغ هذا الانخراط ذروته بصدور وثيقة الأزهر للحريات، التي تحدد فيها موقفه بوضوح ازاء الاستقطاب الإسلامي العلماني والاقصاء المتبادل بين الجانبين، والخروج من مأزق الجدال حول مرجعية الدولة المصرية في الدستور الجديد، وذلك من خلال تدعيمه عدد من الحقوق والحريات كحرية العقيدة وحرية الرأي والتعبير، وحرية البحث العلمي، وحرية الإبداع الأدبي والفني .

كما تتكون فئة الفاعلين الإسلاميين غير الرسميين أيضا من كل من جماعة الإخوان المسلمين، وبعض جماعات الاتجاه السلفي، والذي يحوي بداخله تيارات في غاية التعقيد، فلا يوجد ما يمكن تسميته بالتيار السلفي الموحد، فهناك السلفية التقليدية (المدخلية)، والتي ليس لديها أية تطلعات بخصوص العمل السياسي ويرفض أنصارها فكرة الخروج على الحاكم أو الثورة ويعتبرونها فتنة، والسلفية الحديثة، والتي لا تختلف عن سابقتها إلا فيما يتعلق بمسألة المشاركة في العمل السياسي.

من هنا نجد أن الاتجاه السلفي كان يحرم النشاط السياسي، ولكن بعد الثورة وجد في العمل السياسي أرضية مناسبة لحشد المزيد من التأييد والمناصرين له، وقد تفكك هذا الاتجاه إلى عدة أحزاب أكثرها نشاطاً وتنظيماً هو حزب النور، ويرفض السلفيون أفكار الديمقراطية وحقوق المواطنة الكاملة والتنوع المؤسسي على أساس أنها أفكار مستوردة من الغرب، وينادون بضرورة تطبيق الشريعة الاسلامية، بالرغم من عدم امتلاكهم رؤية واضحة فيما يتعلق بآليات أو ميكانزمات تطبيق الشريعة الاسلامية في المجتمع الحديث، ولم يكن لديهم خبرة سابقة في العمل السياسي والحزبي، ولكن كانت لديهم الرغبة في محاكاة القدرة التنظيمية للاخوان وبعد نجاحهم في تعبئة الناس اعتقدوا أن لديهم تلك القدرة في استفتاء مارس 2011، الذي أسفرت نتيجته عن قبول نسبة 77% من المصريين بأن تسبق الانتخابات وضع الدستور، ورفض السلفيون التحالف مع الإخوان في الانتخابات التشريعية، مما أثار حديث واسع بين التيارات السياسية حول فكرة أسلمة المجال العام المصري بعد الثورة، وسعى التيارات الاسلامية "للتكويش" على السلطة السياسية.

تطور أسلمة المجال العام في مصر لم تكن ثورة يناير هي البداية الحقيقية لفكرة أسلمة المجال العام المصري، حيث بدأت المرحلة الأولى لما يمكن تسميته أسلمة المجال العام المصري في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم، وهو التوقيت الذي تزامن مع تراجع بريق الأيديولوجيات القومية والاشتراكية مع تبني الرئيس السادات لسياسات الانفتاح السياسي والاقتصادي، حيث بدأت خطابات الفاعلين الإسلاميين تحتل مكانا بارزا داخل المجال العام المصري، وذلك فيما يتعلق بالفضاءات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال بروز المرجعية الإسلامية بشكل ملحوظ من جانب بعض الأفراد كوسيلة لتمييز هويتهم وأنشطتهم، وتبنى بعضهم فكرة ضرورة العودة لفكرة الدولة الاسلامية وتطبيق الشريعة الاسلامية في الفضاءات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، بينما ركز البعض الآخر على الفضائين الاجتماعي والديني ونأي بنفسه عن العمل السياسي من خلال التركيز على الأعمال الخيرية والرعائية ونشاط الوعظ الديني.

وبالتالي تعددت مستويات أسلمة المجال العام المصري منذ السبعينيات، فعلى المستوى الفردي تنامى عدد المصريين الذين تبنوا الزي الاسلامي كالحجاب واللحية، وظهرت وسائل الاتصال الجماهيري ذات المرجعية الإسلامية، كالفضائيات الاسلامية، وعلى المستوى الاجتماعي تنامت أعداد الجمعيات الأهلية الإسلامية والجماعات الدينية والاصدارات الدينية التابعة لوسائل الاعلام الاسلامية، وظهرت ظاهرة الدعاة المستقلون، وعلى المستوى السياسي ظهرت عدد من الحركات السياسية التي تبنت أجندات سياسية اسلامية، يدعو بعضهم الى تطبيق الشريعة الإسلامية، أو العودة لنهج الخلافة الإسلامية كجماعة الاخوان المسلمين، التي حصلت على تأييد شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى المتعلمة، وتعد الحركة الاسلامية الأكثر نشاطا في مصر.

وفي الثمانينيات قام مبارك بالسماح لجماعة الإخوان المسلمين بحرية الحركة النسبية حتى يتفرغ لمواجهة الجماعات الإسلامية العنيفة مثل جماعة الجهاد والجماعة الاسلامية، ولكن قام نظام مبارك في تسعينيات القرن الماضي بقمع جماعات الاسلام السياسي مرة أخرى، لأن الخبرة الشخصية السلبية لمبارك مع الإسلاميين أثرت بالسلب على ممارساته معهم بعد نجاته من مشهد اغتيال السادات ومن محاولة جماعة الجهاد اغتياله في أديس أبابا عام 1996، ولكن لم تكن الخبرة الشخصية فقط هي التي دفعته لقمع الاسلاميين، ولكن لادراكه بأن أي توسع في نفوذ تلك القوى سيؤدي حتماً الى تهديد نفوذه ونفوذ نخبته، فالأمر يبدو وكأنها مباراة صفرية مابين نظام سلطوي قمعي وبين فاعلين سياسيين تم قمعهم واقصاءهم من المجال العام لعقود طويلة، ومن ثم فقد استغل هؤلاء الفاعلين فرصة اندلاع الثورة وسقوط النظام القمعي للعودة مرة أخرى للمجال العام وابراز نشاطاتهم المختلفة .

مؤشرات أسلمة المجال العام بالرغم من وجود مؤشرات لأسلمة المجال العام في مصر في مرحلة ما قبل الثورة، ظهرت بعد الثورة عدد من التجليات التي تشير لترسيخ محاولات أسلمة المجال العام، ويمكن حصرها فيما يلي: 1.

حصول تيار الاسلام السياسي على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وفوزه بمقعد النقيب في كثير من النقابات المهنية، واتساع الخريطة الحزبية للفاعلين الإسلاميين حيث ضمت أكثر من 15 حزباً سياسياً ذا مرجعية اسلامية بعد الثورة.

2.

إفصاح الفرد عن مرجعيته الدينية المحددة لهويته داخل المجال العام، ومن ثم انتقلت المظاهر الإسلامية التي كانت تعد جزء أصيل من المجال الخاص لكل فرد خوفاً من القمع الأمني في ظل نظام مبارك الى كونها إحدى مكونات المجال العام بعد الثورة، فعلى سبيل المثال قام أحد أعضاء مجلس الشعب، النائب ممدوح اسماعيل، برفع الأذان داخل المجلس، وهو ما يؤشر إلى انتقال الانتماءات الهوياتية من مرحلة الخفاء داخل المجال الخاص للفرد الى مرحلة العلانية داخل المجال العام.

3.

بروز مظاهر أسلمة الفضاء الاعلامي في مصر بعد الثورة، حيث تم تأسيس عدد من الصحف والمنابر الفضائية الجديدة ذات المرجعية الإسلامية، وعندما قام مجلس الشورى الذي حصل التيار الإسلامي على أغلبية مقاعده بتعيين رؤساء تحرير الصحف القومية، منعت مقالات عدد من كبار الصحفيين، كالأديب الأستاذ يوسف القعيد والدكتور جمال زهران والدكتور مدحت العدل من النشر في جريدة الأخبار بعد تغيير رئيس تحريرها، بسبب انتقادهم لفكرة أخونة الدولة المصرية.

4.

في مرحلة مابعد الثورة كان حضور الدين أكثر وضوحاً، بسسب بروز التيارات الإسلامية والافصاح عن هوياتها وانتماءاتها ومرجعياتها الدينية في الفضاء العام والسبب الأبرز وراء ذلك هو سقوط نظام مبارك الذي مثل نموذجاً للدولة السلطوية العميقة التي تستخدم كافة وسائل القمع في مواجهة التيارات المعارضة لها والمختلفة معها في المرجعية، ومن هنا حدث فراغ سياسي في مرحلة ما بعد سقوط نظام مبارك قامت القوى والتيارات الإسلامية باستغلال هذا الفراغ للانخراط في العمل السياسي والحياة السياسية بعد سنوات عانت فيها من القمع والتهميش.

اتساقاً مع المعطيات السابقة، توغل الفاعلون الإسلاميون في الفضائين السياسي والإعلامي في مرحلة ما بعد سقوط نظام مبارك بشكل ملحوظ، حيث ظهرت قنوات ومنابر فضائية خاصة بجماعات إسلامية كقناة مصر 25 التي تتبع جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم اخترق الإسلاميون بعد الثورة الفضاء الإعلامي بشكل مختلف عما قبل، حيث ظهرت قنوات تتبع تيارات بعينها، وهو مايختلف عن الوضع قبل الثورة، حيث كانت القنوات الدينية لا تنتمي لتيار سياسي بعينه، كما شهدت وسائل الاتصال الجماهيري ظهور سياسيين ذوي مرجعية إسلامية في البرامج الحوارية للحديث عن موضوعات الشأن العام، وهو ما كان من غير الممكن تخيل حدوثه قبل الثورة.

كما تزامنت هذه التجليات مع حالة من الاستقطاب السياسي بين التيارين الاسلامي والعلماني، مما أدى إلى الاقصاء المتبادل من الجانبين، فبدأ الحديث عن محاولة الفاعلين الإسلاميين الاستئثار بالمجال العام المصري بعد الثورة في أعقاب عدد من المواقف السياسية الخاصة بتيار الإسلام السياسي بعد الثورة هي: 1.

حشد وتعبئة جمهور الناخبين أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011 تجاه القبول بتلك التعديلات وفقاً لمرجعية دينية، مما قد يحتوي على نوع من أنواع الخداع للناخب المصري، كما أظهرت مسألة حشد الجماهير لصناديق الاقتراع على أساس ديني مدى رغبة التيار الاسلامي في الاستحواذ على السلطة بعد الثورة.

2.

الابتعاد عن ثوار ميدان التحرير من خلال عدم مناصرة القوى الثورية في العديد من المواقف التي شهدت اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الجيش والشرطة، حيث امتنعت القوى الاسلامية عن المشاركة في تظاهرات محمد محمود ومجلس الوزراء ، تلك التظاهرات التي شهدت سقوط العديد من الشهداء، وذلك لأسباب برجماتية نفعية بحتة، ألا وهى التفرغ لعمل الدعاية الانتخابية اللازمة استعداداً للانتخابات البرلمانية، ورفعوا شعار الشرعية للبرلمان وليس للميدان، مما أدى الى احتدام الصراع بينهم وبين ثوار الميدان من كافة القوى والتيارات السياسية.

3.

على الرغم من تعهد جماعة الاخوان المسلمين بعدم تقديم مرشح خاص بها لخوض الانتخابات الرئاسية، وذلك في فبراير 2011، إلا أنه ما لبثت في أعقاب حصولها على أغلبية مقاعد البرلمان، إلا وأعلنت نيتها عن تقديم مرشح رئاسي، بعد أن كانت قد قامت بفصل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، للإعلان عن نيته في خوض الانتخابات الرئاسية ومخالفته لقرارات الجماعة، والتي اعتبرها مجلس شورى الجماعة نتاج مبدأ الشورى الذي لا يمكن أن يحيد عنه أي عضو بالجماعة، و على عكس الوعد السياسي السابق قدمت جماعة الإخوان المسلمين المهندس خيرت الشاطر لخوض الانتخابات على منصب رئيس الجمهورية، ثم دفع حزب الحرية والعدالة بالدكتور محمد مرسي لضمان وجود مرشح للحزب في الانتخابات، في حالة عدم استيفاء المهندس الشاطر للشروط الشكلية والموضوعية التي وضعتها لجنة الانتخابات الرئاسية، وبالفعل خاض الدكتور مرسي الانتخابات حتى وصل لمنصب رئيس الجمهورية في الوقت الراهن.

أظهرت المواقف الثلاث السابقة لجماعة الإخوان المسلمين مدى بعد الجماعة عن التيار الثوري المصري بداية من استفتاء التعديلات الدستورية في مارس 2011، وحتى الآن، فضلاً عن معركة اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، والتي تشهد صراعات فكرية ما بين التيار المدني والتيار الإسلامي حول عدة موضوعات منها معايير التشكيل وكيفية صياغة المواد الدستورية الأهم داخل الدستور المصري، كالمواد المحددة لشكل النظام السياسي، وتلك المحددة لمرجعية الدولة المصرية، مما يوضح قدر البرجماتية في قرارت الجماعة السياسية داخل المجال العام المصري بعد الثورة.

وبناءً عليه فإن عملية التوظيف السياسي للدين في مصر بعد الثورة وصلت إلى أعلى مراحلها ، وخاصةً في ظل تنامي الدور السياسي للتيار السلفي.

خاتمه شهد المجال العام المصري بعد الثورة المصرية تحولات كبرى فيما يتعلق ببنيته، والفاعلين الرئيسيين فيه، وكيفية إدارة العلاقة بين هؤلاء الفاعلين وبعضهم البعض من جانب، وبالسلطة الحاكمة من جانب آخر، فلم يعد هناك حزب حاكم يحتكر لنفسه حق التمثيل داخل المجال العام، بل تعددت وتنوعت بداخل هذا المجال كافة ألوان الطيف السياسي والمجتمعي، وتخلص المجال العام المصري من وصاية نظام سلطوي قمعي بحزبه الحاكم ونخبته الاقصائية، وأصبح مجالاً عاماً تعددياً، تمثلت فيه الحركات الاحتجاجية، والائتلافات الشبابية، والأحزاب السياسية الوليدة، فلم يعد تيار أو حزب معين يحتكر لنفسه حق التمثيل داخل المجال العام.

ومع ذلك يظل التساؤل مطروحاً حول سيطرة صبغة اسلامية على هذا المجال، في ظل تنامي دور الحركات الاسلامية داخل هذا المجال.

وهذا في ظل الواقع القائل بأن محددات التعددية تكمن في دحض النهج الاقصائي برمته وتبني نهج تعددي موضوعي في تعامل تيارات الإسلام السياسي مع معارضيها في مرحلة توليهم مقاليد حكم الدولة، وكذلك تبني سياسات استيعابية غير اقصائية تتجاوز فكرة الاستقطابات والسجالات الفكرية والسياسية إلى تبني مفهوم واسع للمجال العام التعددي في مصر.

طباعة