دراسات

العالم كما يراه المجلس العسكري

طباعة

نشرت مجموعه ازمات دوليه في ابريل 2012، تقرير حول دور مجلس عسكري في مرحله انتقاليه تي تمر بها مصر، بعنوان Lost in Transition : the World According to Egypts SCAF، وذلك تزامن مع بدء عمليه اول انتخابات رئاسيه في مصر بعد تنحي مبارك، والتي تكتسب اهميه كبيره من حيث كونها بدايه مرحله جديده في مرحله انتقاليه تي تمر بها مصر منذ تنحي مبارك.

وترتبط اهميه هذا تقرير بتوثيقه تفاصيل نقاش ذي دار في مصر خلال فتره تي يغطيها، حول دور مجلس عسكري، ففي اجزاء كبيره منه استند الي عدد كبير من مقابلات مع عسكريين متقاعدين، وقيادات في جماعه اخوان مسلمين وحزبها سياسي حريه والعداله، والي ما نشر في صحف محليه وفي مجله دفاع من تحليلات خاصه بسلوك مجلس عسكري، ذي هو محور اهتمام تقرير، مع ملاحظه انه لم يقيم هذه تصريحات او يناقشها استنادا للتطورات تي وقعت في مصر طوال فتره تي يغطيها تقرير، مما يجعل نتائج تي توصل اليها قابله للنقاش.

يقوم هذا تقرير علي افتراض رئيسي، قوامه ان موقف مجلس عسكري من ثوره ومن مرحله انتقاليه فيه قدر من ازدواجيه، حيث كان يقوم بدور حامي للثوره، في وقت ذي صوره فيه بعض علي انه يقود "الثوره مضاده"، بينما تفيد تطورات خاصه بهذه مرحله، باتجاه مجلس عسكري منذ استفتاء مارس 2011 الي لعب دور مقرر لما يمكن تطبيق منطق ثوره عليه، ولما يمكن تطبيق منطق اصلاح عليه، وبالتالي لا توجد ازدواجيه في ادوار، بقدر وجود تحول في دور مجلس من كونه مؤيد للثوره الي كونه حامي للثوره بكل ما يفترضه هذا نمط من ادوار من ممارسته سلطه سياسيه لفتره مؤقته، ثم تحوله الي طرف ذي يعرف ما تعنيه ثوره تحديدا .كما يفترض تقرير من خلال اجزائه ثلاثه، ان من يدير هذه مرحله هو مجلس اعلي للقوات مسلحه منفردا، وان له قدره علي فرض رؤيته علي قوي اخري، ورغم ارتباط ذلك بحقيقه ان مجلس هو صاحب سلطه فعليه، باعتباره من يدير مرحله انتقاليه، الا ان في ذلك اغفال لحقيقه صراع ذي كان دائرا في تلك فتره، ولا يزال، حول كيفيه سير مرحله انتقاليه.

حيث يمكن تمييز بين صراع بين مجلس عسكري والاخوان من ناحيه، وبين مجلس عسكري والقوي ثوريه غير دينيه من ناحيه اخري، وقد ولد هذا صراع ببعديه قوه دفع تي حركت مرحله انتقاليه، والتي حددت بدرجه كبيره سلوك مجلس عسكري خلال مرحله تي يغطيها تقرير.وعند حديث عن صراع ذي ميز مرحله انتقاليه، لا بد من تمييز بين اخوان مسلمين وقوي اسلام سياسي، والقوي شبابيه والثوريه والاحزاب غير دينيه، حيث لا يمكن تعامل معهم كمجموعه واحده في مواجهه مجلس عسكري علي نحو ذي انتهجه تقرير، حيث كان تاره يختزل قوي ثوريه في اخوان، وتاره اخري يضم اخوان الي جانب قوي شبابيه كمعبر عن ثوره، في حين ان اخوان مسلمين لا يعبرون عن ثوره، فالجماعه كتنظيم لا تختلف كثيرا عن مجلس عسكري، من حيث كونها جماعه تقليديه تلتزم بهيكل اوامر داخلي، وتميل للاستقرار والاصلاح وليس للثوره، وتسعي لتحقيق مصالحها فقط، فعلي سبيل مثال، تغاضي اخوان عن عيوب قانون انتخابات برلمانيه من اجل اسراع انتخابات برلمانيه، وحصد اكبر عدد من مقاعد فيها.

كما سعي اخوان والاسلاميين بعد انتخابات، للانقلاب علي مكاسب ثوره، من خلال سعيهم لتمرير قانون مظاهرات.لقد ارتبط جوهر صراع بين مجلس عسكري والقوي ثوريه، بتحديد جدول زمني لتسليم سلطه لرئيس منتخب، وتخلل ذلك صراع حول ثوره او اصلاح كمنطق حاكم للمرحله انتقاليه، وحول شرعيه ثوريه تي يعبر عنها ميدان تحرير او شرعيه دستوريه، تي ارساها اعلان دستوري في مارس 2011، ومجموعه قوانين تي ترسخت في عهد مبارك.

وقد نجحت قوي ثوريه والشبابيه في ضغط علي مجلس من اجل تحديد موعد انتخابات رئاسه، ومن اجل شروع في محاكمه مبارك، وذلك في وقت ذي تخلي فيه اخوان مسلمون وقوي اسلام سياسي عن مساندتهم، مما جعلهم في بعض مواقف خصما للقوي ثوريه.

فعلي سبيل مثال، ساند اخوان ترشيح كمال جنزوري لرئاسه حكومه، ووقفوا ضد ثوار ذين رفضوا تعيينه، ولم يساندوا ثوار في اعتصام مجلس وزراء.

وقد اختلفت حده هذا صراع من مرحله لاخري، وتراجع مع تراجع نفوذ قوي ثوريه وقدرتها علي حشد، نتيجه تراجع جاذبيه فكره "الثوره" لدي مواطن عادي، بسبب عمليه تشويه مستمره تي تعرض لها ثوار، وقد اتضح ذلك منذ انتخابات مجلس شعب نوفمبر 2011.

بينما ارتبط جوهر صراع بين مجلس عسكري والاخوان مسلمين، بدور مجلس في مرحله انتقاليه والمرحله تاليه عليها، حيث يخشي اخوان قوه منظمه وحيده متبقيه في مصر بعد تنحي مبارك، باعتبارها منافسه لهم، ممثله في مؤسسه عسكريه، تي لم يختبروا قوتها بصوره كامله في شارع سياسي، ولذا يسعون لتحجيم هذه قوه حتي يتسني لهم سيطره علي دوله ومؤسساتها، علي نحو يعكس قوتهم سياسيه في شارع كما عبرت عنها انتخابات شعب ثم رئاسه.

وقد اشار تقرير الي اهميه "المتغير اخواني" في فهم مرحله انتقاليه، في بعض اجزاء،حيث اشار علي سبيل مثال الي ان مجلس تعامل مع اخوان "بجديه"، ولكنه لم يستفد من هذه ملاحظه من اجل تفسير سلوك مجلس، ومن اجل ضبط نتائج تي توصل اليها حول مدركات مجلس عسكري للمرحله حاليه، وكيفيه ادارته لها.

وهذه نتائج يمكن اتفاق مع بعضها، ولكن كثير منها يحفز علي نقاش والاشتباك معها، وسيتم مناقشه كل منها علي حده.

اربعه مدركات:انتهي تقرير الي ان هناك اربعه متغيرات تشكل مدركات مجلس عسكري للثوره، تتمثل في انه ضد توريث، ولذا ايد شعب في مطالبه، حين اعلن انه مع "المطالب مشروعه للشعب"، وانه بعد تنحيه مبارك، اعتبر ان ثوره حققت اهدافها، وانه صور من تظاهر بعد تنحي مبارك علي انه يخدم مصالح ضيقه او اجندات خارجيه، وانه صور نفسه علي انه فاعل وحيد قادر علي حمايه دوله من مخاطر.وبالتالي، كان تصور مجلس عسكري لما شهدته مصر في 25 يناير 2011، اقرب الي انتفاضه uprising هدفت للاطاحه بمبارك والحيلوله دون وصول ابنه للسلطه، ووضع اسس نظام مختلف يحول دون اعاده انتاج نظام مبارك، وما قام عليه من تحالف بين رجال اعمال والسلطه، وبما لا يمس باسس دوله مصريه كما استقرت في دساتير مصريه متتاليه.

وفي اطار ذلك، تبني مجلس موقف مزدوج من مظاهرات، فاحيانا وظفها لخدمه مصالح محدده مرتبطه برؤيته لمصر بعد مبارك، كما انه حرص في بعض مراحل، علي ان يوازن في موقفه، وان يرضي اخوان والقوي اسلاميه، والقوي غير اسلاميه ايضا، في محاوله منه لعدم تحول الي طرف مباشر في صراع دائر بين جانبين، وهذا ما نجده في اعلان دستوري ذي صدر في مارس 2011، حيث كان سيناريو معلن عنه من قبل احد اعضاء مجلس عسكري، انه في حال ان اغلبيه قالت نعم سيتم اعاده عمل بدستور 1971، وفي حال انها قالت لا سيتم اصدار اعلان دستوري، وما حدث انه تم اصدار هذا اعلان رغم ان اغلبيه صوتت بنعم، في محاوله لخطب ود قوي تي صوتت بلا، وهي في اغلبها قوي ثوريه، والليبراليه واليساريه وغيرها من قوي غير دينيه، وهذا خلق واقع جديد، قوامه انه لا يمكن تجاهل قوي معارضه.

ماذا يريد عسكر؟انتهي تقرير ايضا الي ان ما يريده مجلس عسكري هو بقاء في "الخلف ولعب دور حكم بين قوي سياسيه مختلفه"، في حين تؤكد تطورات تاليه، ان مجلس عسكري لا يزال "صندوق اسود"، لا يمكن جزم بما يريده، فعلي سبيل مثال، لم يتوقع احد حجم حنكه سياسيه تي تمتع بها عسكر والتي تكشفت مع فتح باب ترشح في انتخابات رئاسه في ابريل 2012، ثم مع احداث عباسيه مايو 2012.

حيث حدثت عمليه "فلتره" لمرشحي رئاسه، ومتابعه تفاصيل تلك عمليه تؤكد وجود دور ما لعبه مجلس فيها، حيث تبع ترشيح جماعه اخوان لخيرت شاطر ترشيح عمر سليمان نفسه للانتخابات، ولم يكن حينها مرشحا حقيقيا وانما وظف لاضفاء شرعيه علي قرار لجنه انتخابات رئاسه باقصاء شاطر من انتخابات، حيث اعلنت لجنه عدم اهليه عشره اشخاص منهم سليمان والشاطر وحازم صلاح ابو اسماعيل، وقد اعلن سليمان قبوله بقرار لجنه، وفي مقابل، لم يقم مجلس بدعم كامل للمرشح احمد شفيق ذي ينتمي للمؤسسه عسكريه، علي نحو يضمن فوزه في انتخابات رئاسه.

وانتهي تقرير ايضا، الي ان انتخابات رئاسيه هي فرصه عسكري اخيره لانتاج نظام سياسي متزن balanced بصوره "سلميه"، تعكس تفوق اخوان في برلمان وتحمي مصالح مجلس عسكري، وتوقع ان انتخابات رئاسه ستشعل موقف، وتؤدي الي تزايد تحديات مؤسسيه وتضر مرحله انتقاليه.

ولكن ضمان انتاج نظام سياسي "متزن" ليس في يد عسكر فقط، او اخوان فقط، كما ان اخوان، ومن خلال تحليل سلوكهم سياسي منذ تنحي مبارك، لا يبرغبون في وجود نظام "متزن"، حيث يميلون ل"تفصيل" نظام سياسي يضمن سيطرتهم علي مفاصل دوله تي كان يسيطر عليها حزب وطني، وهذا ما يفيد به سعي اخوان للضغط علي مجلس عسكري لتشكيل حكومه في مارس 2012، في محاوله منهم لاقرار نظام برلماني في مصر، قبل ان يتم تشاور مع قوي سياسيه اخري علي شكل نظام جديد، فالنظام مصري لم يكن برلمانيا، اي انهم سعوا لفرض قواعد لعبه جديده علي جميع، مجلس عسكري والقوي سياسيه.

كما يدعم ذلك، قانون ذي ايده ممثلو اخوان في برلمان خاص باعاده هيكله محكمه دستوريه، ثم عدم احترامهم لاحكامها، ثم استباقهم لنتائج انتخابات رئاسه، واخيرا استبعادهم للمجلس اعلي للصحافه في عمليه تغيير رؤساء تحرير صحف قوميه.

الي جانب ذلك، نحي تقرير جانبا اهميه ان يسمح هذا نظام سياسي جديد "المتزن"، بتدوير سلطه، ووجود قنوات تستوعب قوي شارع والقوي ثوريه، وهي قوي اغفل تقرير ذكرها بصوره واضحه، رغم اهميتها، ويمكن تفسير ذلك بانطلاق تقرير في تقييمه لدور مجلس عسكري، من مقولات خاصه بتنظيم علاقات مدنيه-العسكريه في مراحل انتقاليه، وتعامله مع اخوان علي انهم قوه مدنيه تي ستضمن تبعيه مؤسسات عسكريه للمؤسسات مدنيه جديده في مصر بعد ثوره، وفي ذلك تغافل عن تفاصيل هذه علاقات في حاله مصريه، وعن طبيعه تصور اخوان للمؤسسه عسكريه وغيرها من مؤسسات دوله.

صراع شرعيات:انتهي تقرير كذلك، الي ان اهم مخاطر مرحله انتقاليه مرتبطه بصراع شرعيات خاصه مؤسسات جديده مثل برلمان والرئاسه ولجنه كتابه دستور، وهو ما سيؤدي ي عدم استقرار، وهذا تحذير ثبت ارتباطه تطورات تي شهدتها مصر منذ حكم محكمه دستوريه بحل مجلس شعب نتيجه عدم دستوريه قانون انتخابات، ولكن حديث عن عدم استقرار مرتبط بدرجه كبيره بمدي احترام وقبول احكام محكمه دستوريه، وهو ما بدانا في مرحله اخيره نشهد محاولات خروج عليه من قبل اخوان مسلمين عن طريق اغلبيه تي يتمتعون بها في برلمان، ثم من خلال رئيس مرسي، لتسييس احكامها وعدم التزام بها، نظرا لعدم اتفاقها مع مصالح اخوان، وهذا صراع في جوهره يعبر عن صراع بين شرعيه صندوق وشرعيه قانون، وسيحدد حسمه بدرجه كبيره مستقبل مصر كدوله تقوم علي قانون.

من يحكم من؟يولي تقرير اهتمام كبير علاقات مدنيه – عسكريه في مصر بعد ثوره، حتي انها كانت مرتكز ذي حلل استنادا اليه مصالح مجلس عسكري في مرحله انتقاليه، وموقف اخوان من مجلس.

وقد صور تقرير اخوان علي انهم ضامن لاعاده تعريف علاقات بين مجلس والمؤسسات مدنيه للدوله، بما يضمن خضوع مؤسسات عسكريه لها، ودلل علي ذلك بمعارضه اخوان وثيقه علي سلمي، تي سعت لضمان مكانه سياسيه ما للمجلس عسكري.

وينطوي هذا تحليل، علي محاوله لتطبيق بعض مقولات نظريه خاصه علاقات مدنيه-العسكريه دون نظر لتفاصيل وضع في مصر، ولحقيقه ان هذه قضيه في مصر اخذت بعدا اخر، خاص علاقات حزبيه-العسكريه، بين حزب اخوان صاحب اغلبيه، في مجلس شعب قبل حله، وفي مجلس شوري، وفي رئاسه، وبين مؤسسه عسكريه.ويمكن قول، ان حديث عن اختفاء مؤسسه عسكريه من حياه سياسيه في مصر لم يعد امرا واقعيا، لان هذه مؤسسه جزء من دوله، ومنذ ثوره 1952 خلقت شبكه من مصالح متداخله مع مؤسسات اخري وباتت جزءا من نسيج مجتمع، حتي ان اقتصاد خاص بهذه مؤسسه اصبح يغذي اقتصاد مدني، وهذا يطرح مساله ان نمط مثالي خاص بتنظيم علاقات مدنيه- عسكريه والذي حاول هذا تقرير حديث عنه، لم يعد مرتبط بواقع تفاعلات بين هاتين مؤسستين في مصر او غيرها من دول عالم.

كما ان حديث عن حكم عسكري في مصر علي غرار ما حدث في ثوره 1952، لم يعد ملائما للمرحله سياسيه تي تمر بها مصر يوم.الي جانب ذلك، يوجد بعد اخر لهذه علاقات يكتسب اهميه كبيره في حاله مصريه، وهي علاقات حزبيه –العسكريه، وتحديدا بين جماعه اخوان مسلمين ذات نصيب اكبر من سلطه سياسيه مدنيه حتي ان، وبين مؤسسه عسكريه، اي ان حديث عن تنظيم هذه علاقات خلال هذه مرحله، يعني عمليا وضع قواعد منظمه لسيطره اخوان ونفوذهم في مؤسسه عسكريه، علي نحو يسمح حديث عن "تديين" هذه مؤسسه، دون ان يعني ذلك ضروره سيطره مؤسسات مدنيه علي مؤسسه عسكريه،او دخولها معها في نمط ما من شراكه، فجماعه اخوان لا تعبر عن مؤسسات مدنيه في دوله.*ايمان رجب باحثه بوحده دراسات امنيه والاستراتيجيه بمركز اهرام للدراسات سياسيه والاستراتيجيه *الاراء وارده بهذه دراسه تعبر عن وجهه نظر كاتب، ولا تعبر ضروره عن وجهه نظر مركز او مؤسسه اهرام

طباعة
د. إيمان رجب

خبير في الأمن الإقليمي وقائم بأعمال رئيس الوحدة الأمنية والعسكرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية