دراسات

الانتخابات الرئاسية المصرية وقضايا السياسة الخارجية

طباعة

في واحدة من ثمار التغيير المنشود والمأمول والذي لازال في طور التكوين منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن عاشت مصر الأيام القليلة الماضية مع عدد من المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية التي ستجرى فعاليتها على مدى يومي 23- 24 مايو الجاري، وذلك عبر العديد من اللقاءات التليفزيونية والبرامج الحوارية والمناظرات السياسية على شاشات الفضائيات المختلفة والمتنوعة في تجربة تعد هي الأولى من نوعها في تاريخ الإعلام السياسي المصري؛ فلأول مرة يعرض مرشحو الرئاسة الواحد تلو الآخر برنامجه الانتخابي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأربع القادمة على مرأى ومسمع من المواطنين، ولكون هذا النوع من اللقاءات خاصة المناظرات الثنائية جديدا على المصريين فقد استأثر بقدر كبير من اهتمامهم وساهم إلى حد ما في إحداث فرز لمواقفهم تجاه مرشح بعينه إما بالتأكيد على التصويت له أو بتغيير الرأي فيه وإما بزيادة الغموض والحيرة وعدم اليقين بشأنه، إلا أنه وبقراءة متأنية لهذه البرامج نستطيع الوصول إلى نتيجة مؤداها غلبة القضايا الداخلية ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما يتعلق بها من إشكاليات انتقال السلطة، والتحول الديمقراطي، والحقوق والحريات، والإصلاح الاقتصادي على برامج المرشحين للانتخابات الرئاسية في الوقت الذي ظلت فيه القضايا الدولية والإقليمية أو بالتحديد قضايا السياسة الخارجية في مجملها غائبة عن تلك البرامج بل ومهمشة لدى العديد منهم، ناهيك عن أن القليل من البرامج التي تناولت بعض القضايا الخارجية تناولتها بسطحية شديدة ولم تحدد موقف المرشح منها تحديدا واضحا هذا بالإضافة إلى غياب ذكر للآليات أو الاستراتيجيات التي سيتم من خلالها تنفيذ برنامج المرشح في تلك القضايا أو وضع تصور مكتمل ببعديه النظري والتطبيقي لمواقف مصر المرتقبة من قضايا الإقليم والسياسة الدولية وطبيعة تفاعلات السياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد الثورة مع القوى الدولية كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان ومجموعة الدول الصاعدة ودول الأمريكتين ، ومع القوى الإقليمية التي استفادت فعليا طوال السنوات الماضية من تراجع الدور الإقليمي لمصر في دخولها كبديل إقليمي قوى تحكمت في العديد من ملفات المنطقة العربية كإيران وتركيا ، أو الموقف من إسرائيل وموقف الأخيرة من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي برمته، وكذلك الموقف من أزمة مياه النيل وانعكاساتها على الأمن المائي لمصر والعلاقات المستقبلية مع دول حوض النيل، أو الموقف من دول الخليج العربية ذات النظم السياسية الملكية المحافظة ونظرتها المستقبلية في التعامل مع مصر ما بعد الثورة ، أو رؤيتهم لاستراتيجيات الأمن القومي المصري في ظل خريطة التوازنات الإقليمية القائمة والتي ستشهد حتما تغييرا ملموسا حال استعادة مصر لدورها الإقليمي.

في هذا السياق فإن غياب واضح لملامح سياسة خارجية مصرية مختلفة وجديدة عن تلك التي كرسها ومارسها النظام السابق بات أمرا متوقعا وهو ما يعنى غموض الدور الخارجي للرئيس المحتمل خاصة وأن منصب الرئيس في مصر طوال السنوات الماضية كان مستحوذا على عملية تحديد ملامح السياسة الخارجية الدولية منها والإقليمية ، الأمر يزداد تعقيدا في ظل غياب النص على صلاحيات وحدود واختصاصات الرئيس القادم وشكل النظام السياسي للدولة وطبيعة العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية نتيجة لغياب دستور يحدد تلك الصلاحيات ما يستدعى الاتجاه إلى إصدار إعلان دستوري مكمل من قبل المجلس العسكري الذي يتولى إدارة شئون الدولة حاليا يحدد فيه اختصاصات الرئيس القادم، وهو ما قد يدخل العلاقة بين البرلمان وبين المجلس العسكري في نطاق المواجهة مجددا على اعتبار أن اختصاص التشريع حق أصيل من حقوق البرلمان المنتخب بالإرادة الحرة للمواطنين وهو الجهة المسئولة عن ذلك الاختصاص وأن المجلس العسكري حاليا تقتصر سلطاته على الجانب التنفيذي فقط إلا إذا تمت مناقشة بنود ذلك الإعلان من قبل كافة القوى السياسية الممثلة في البرلمان وائتلافات الثورة المختلفة للحصول على توافق بشأنه، وفى واقع الأمر تبدو المسألة في شقها النظري بسيطة بمعنى أن الرئيس القادم سيحل محل المجلس العسكري في الحكم ومن ثم يمكن الاحتكام إلى ذات النصوص الواردة في الإعلان الدستوري الخاصة بالمهام التي يمارسها المجلس العسكري وهى المهام نفسها التي سيمارسها الرئيس القادم إلى حين وضع الدستور الجديد والذي سيحدد شكل النظام السياسي للدولة واختصاصات الرئيس.

في هذا الإطار يمكن تحليل الرؤى العامة لمرشحي الرئاسة المصرية فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية الدولية منها والإقليمية وبالتحديد للمرشحين الخمسة الأوفر حظا في الانتخابات القادمة وهم : أبو الفتوح ومحمد مرسى وحمدين صباحي وعمرو موسى وأحمد شفيق كالتالي: أولا: الموقف من القضية الفلسطينية: تكمن أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر في جوانب عدة أهمها على وجه الإطلاق تلك المتعلقة بكونها قضية العبور إلى امتلاك المكانة والقوة الإقليمية وهى المكانة التي استحوذت عليها مصر إبان حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي انطلاقا من اعتناق القضية الفلسطينية كقضية مصيرية على المستوى العربي وعلى مستوى الأمن القومي المصري ، ناهيك عن المكانة الإقليمية التي تعطيها تلك القضية للقوى المتفاعلة فيها وبشأنها واعتبارها البوابة الرئيسية التي عبرت منها القوى الإقليمية التي استفادت من تراجع الدور المصري في القضية ذاتها خلال العقود الثلاثة الماضية، أو بمعنى أكثر دقة تحويل دور مصر في عهد الرئيس السابق ورئيس جهاز مخابراته في القضية الفلسطينية من دور الراعي النزيه المساند لها إلى طرف يقوم بدور محدود وتابع في رعاية عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، بل وتحويله إلى طرف مشارك للقوى الكبرى في تجميد القضية والانحياز الواضح للطرف الإسرائيلي على حساب الجانب الفلسطيني عبر المشاركة في حصار قطاع غزة، والتواطؤ مع إسرائيل من خلال إغلاق معبر رفح، الأمر الذي أفقد مصر مقومات دورها القيادي في المنطقة العربية وساهم في تشويه واضح لذلك الدور وسياسته تجاه القضية، بل والذهاب لأبعد من ذلك باعتبار النظام السابق كنز استراتيجي ساهم بقدر كبير في توفير الأمن للكيان الصهيوني وتأمين حدوده ووجوده حتى لو تطلب ذلك حصار أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة وغض الطرف عن العدوان الإسرائيلي الغاشم على القطاع عام 2008 ، بل وإحكام الحصار على حكومة غزة إمعانا في الحفاظ على أمن الكيان، إلى جانب محورية القضية الفلسطينية وأهميتها للدور الإقليمي المصري تأتى جملة من الاعتبارات التي تؤكد على تلك المحورية ومنها القرب الجغرافي من الأراضي المصرية في سيناء، واعتبار أن حلا ناجزا وعادلا للقضية الفلسطينية على أسس من المرجعيات الأممية فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي من شأنه خدمة المصالح الوطنية المصرية خاصة في جانبها الأمني.

في هذا السياق جاءت البرامج السياسية لمرشحين الرئاسة وآرائهم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومن ثم العلاقات المصرية الإسرائيلية خلال السنوات الأربع القادمة متفقة في خطها العام الذي يعتبر أن القضية الفلسطينية قضية مصر العربية الأولى وإن اختلفوا جميعا في التفاصيل التي قد تبدأ من وصف إسرائيل بالعدو وتنتهي بحدود السقف الذي ستكون عليه طبيعة العلاقة معها على خلفية علاقتها (أي إسرائيل) مع الجانب الفلسطيني؛ فنجد مثلا المرشح الرئاسي أبو الفتوح في برنامجه وكذلك في أحاديثه ومناظراته يرى أن القضية الفلسطينية قضية أمن قومي لمصر ومن ثم فإن إسرائيل تعد من وجهة نظر أبو الفتوح "عدوا استراتيجيا"، بينما يرى عمرو موسى أن إسرائيل مجرد"خصم عنيد" ولم يضعها في مرتبة العدو الاستراتيجي بل يرى أن الضغط عليها لتقديم تنازلات تفاوضية قد يكون النهج الأكثر ملائمة في المرحلة القادمة، أما المرشح الناصري حمدين صباحي ومرشح حزب الحرية والعدالة محمد مرسى فيعتبران أن إسرائيل هي العدو الأول لمصر مشتركين في ذلك مع رأى أبو الفتوح، بينما يشارك أحمد شفيق عمرو موسى رأيه بأن إسرائيل خصم يمكن عبر التفاوض والحوار معها إحراز نتائج ملموسة، وهو ما يعنى أن الخمسة الكبار في سباق الانتخابات الرئاسية يرون ضرورة وحتمية إعادة قراءة ومراجعة العلاقة مع إسرائيل، وبالتالي فمن المتوقع أن تشهد تلك العلاقة قدرا من الجمود النسبي خلال السنوات الأربع القادمة على العكس من وضعها أبان النظام السابق، غير أن أبو الفتوح ومرسى على خلفية المرجعية الإسلامية لكليهما وصباحي على خلفية مرجعيته الناصرية سيسعون إلى إبداء قدر أكبر من التواصل مع الشعب الفلسطيني وإن كان ذلك سيتم بالتحديد عبر العلاقة المحتمل بناءها في حالة فوز أيا من المرشحين الثلاثة مع حركة حماس باعتبارها بالنسبة لأبوالفتوح ومحمد مرسى حركة ذات مرجعية دينية يجب نصرتها، وباعتبارها بالنسبة للمرشح الناصري حمدين صباحي حركة مقاومة وطنية يجب دعمها في إطار المشروع القومي للمقاومة العربية للعدو الإسرائيلي، أما بالنسبة للمرشحين المحسوبين على النظام السابق عمرو موسى وشفيق فمن المتوقع أن يستكملا الخط العام للنظام السابق في علاقته مع إسرائيل باعتبارها خصم فقط، وبالتالي لن يكون في مقدورهما إحداث تغيير حاد في العلاقات المصرية الإسرائيلية تستفيد منه القضية الفلسطينية ويصبح الجمود في تلك العلاقات هو البديل الذي سيقدمه الطرفان( موسى وشفيق) في حال انتخاب أحدهما عن خدمة الكنز الاستراتيجي الذي كان يقدمه الرئيس السابق.

أما فيما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد تفيد مجمل تصريحات أبو الفتوح بأنه يعترف بإسرائيل كدولة وملتزم بالاتفاقات الموقعة معها وأن رؤيته ستنحصر في مطالبة البرلمان بمراجعة المعاهدة كل خمسة سنوات طبقا لبنود الاتفاقية، بل ذهب إلى ضرورة تعديل بنود في الاتفاقية ذاتها خاصة ما يتعلق منها بزيادة التواجد العسكري المصري في سيناء، والموقف نفسه أعلنه مرشح حزب الحرية والعدالة محمد مرسى ويقضى بالتزامه باتفاقية السلام إذا ما أفضت إلى تحقيق السلام الفعلي بين مصر وإسرائيل شريطة أن يتم على أساس من توازن القوى، ولكن الواقع الذي أفضت إليه الاتفاقية بعد 33 عاما من إبرامها لم يحقق التوازن المنشود ومن ثم فطرحها للتعديل بات ضرورة من وجهة نظره.

ويتفق معه في الرأي نفسه المرشح الناصري حمدين صباحي الذي ينطلق مشروعه في السياسة الخارجية على الاستقلال الوطني بعيدا عن التبعية لأي من القوى الدولية وعلى استعادة الدور العربي القومي الذي شغلته مصر وتقلص وتقزم في عهد الرئيس المخلوع، مع اختلاف في بعض التفاصيل حيث يدفع المرشح الناصري إلى جانب طرح اتفاقية السلام على البرلمان لمراجعتها إلى طرحها للاستفتاء الشعبي على أن يكون قرار الشعب بشأن تلك الاتفاقية وما ارتبط بها من التزامات تحمل طابع التطبيع مع إسرائيل هو القرار الحاكم لطبيعة العلاقات المستقبلية معها، وينطلق صباحي في هذا الرأي من مقدمات يحصرها في أنه وفى ظل الأوضاع الداخلية الصعبة لمصر ما بعد الثورة وفى ظل نظام دولي لن يتقبل بسهولة خريطة التوازنات الإقليمية التي لازالت قيد التشكيل في المنطقة العربية على إثر موجات الربيع العربي التي اجتاحت عددا من الدول المؤثرة لاسيما مصر وسوريا فمن الصعب الدخول في حروب مواجهة بالمنطق الناصري السابق ولكن يطرح صباحي بديلا عن ذلك عودة مصر لدورها الداعم للمقاومة والقضية الفلسطينية.

إذن وفى هذا الإطار نفسه لا يختلف المرشحين الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية القادمة بشأن ضرورة مراجعة ما هو ثابت في العلاقات مع إسرائيل والتي اعتبرها النظام السابق من مسلمات العلاقة مع الولايات المتحدة، بل البعض منهم يرى أن تلك العلاقات يجب أن تكون في حدودها الدنيا وأن توقف كافة أشكال التعاون السياسي والاقتصادي التي تتخذها، ومن ثم يمكن استخلاص أن مرشحي الرئاسة الخمسة الكبار يتقاسمون الرأي في كون أن القضية الفلسطينية ستكون بمثابة العامل المحدد للعلاقات المصرية الإسرائيلية ومن ثم المحدد للعلاقات المصرية الأمريكية وبخاصة كل من أبو الفتوح ومحمد مرسى وحمدين صباحي أما المرشحين المحسوبين على النظام القديم عمرو موسى وأحمد شفيق فيستصعبان ضمنيا كون القضية الفلسطينية تصبح محددا على أساسه تصاغ العلاقات المصرية الأمريكية التي يريان في تشعبها وشمولها وتعقدها محددات كثيرة لا تقتصر على القضية الفلسطينية فقط.

كما يختلف المرشحين الخمسة المذكورين بشأن كيفية تسوية القضية الفلسطينية بل لم يطرح أحد منهم آليات أو برامج محددة لمعالجة القضية الفلسطينية أو محاور ولو عامة توضح ملامح سياستهم تجاه تلك القضية المحورية بل اكتفى المرشحين الإسلاميين أبو الفتوح ومرسى والمرشح الناصري حمدين صباحي في الاصطفاف تحت الرأي القائل بدعم المقاومة الفلسطينية كوسيلة بإمكانها إجبار الطرف الإسرائيلي على تقديم تنازلات ملموسة، أما موسى وشفيق فينتهجان سياسة النظام القديم نفسها التي تعتبر السلام خيار استراتيجي ومبادرة السلام العربية مرجعية والضغط على إسرائيل عبر المفاوضات وسيلة وحيدة في التعاطي معها، ويرى عمرو موسى بالتحديد أن تلك الوسائل كفيلة بالضغط على الطرف الأمريكي لحمله على إتباع سياسة متوازنة تجاه القضية الفلسطينية.

ويرتبط بأمر إعادة مراجعة الثوابت في العلاقات المصرية الإسرائيلية أيضا مراجعة التزامات التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل وهو أمر لم يختلف عليه المرشحين المذكورين بل اجمعوا على أن التنسيق الاقتصادي المصري مع إسرائيل كان من أهم العوامل التي أدت إلى تراجع مكانة مصر الإقليمية في المنطقة العربية وأحد أدوات السياسة الإسرائيلية الأمريكية في تقزيم الدور المصري وهو السبب الذي ساهم إلى جانب عوامل أخرى في تآكل شرعية النظام السابق، حيث يتفق كل من أبو الفتوح ومحمد مرسى وحمدين صباحي على ضرورة وقف كافة أشكال التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل ومنها بالطبع اتفاقية الغاز واتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة المعروفة بالكويز، أما عمرو موسى فيرى الربط بين مدى التزام إسرائيل بمبادرة السلام العربية والقبول بوجود دولة فلسطينية وبين التقدم في مسار التطبيع الاقتصادي معها.

ثانيا : أزمة مياه النيل والأمن المائي والعلاقات مع الدول الأفريقية: التراجع الملحوظ والكبير في الدور المصري في أفريقيا خاصة فيما يتعلق بمجالات القوة الناعمة التي كانت عنوانا للمساعدة الأساسية التي قدمتها مصر للدول الإفريقية ساهم إلى جانب سلبيات عدة في السياسة الخارجية المصرية تجاه القارة في التأثير الفعلي على الوضع القانوني لدول المصب (مصر وشمال السودان) إزاء مياه النيل في ظل تكتل دول المنبع تجاه فرض اتفاقية إطار جديدة لإعادة تقاسم حصص مياه النيل بما يضر بالطبع بالحقوق التاريخية لدول المصب، ولكن في المجمل العام تعانى القارة الأفريقية من إهمال تام من جانب السياسية الخارجية المصرية أسفر عن خروج القارة من دوائر اهتمامها التقليدية، ومن ثم فإن تحديات عودة الدور المصري للقارة تحت رئاسة جديدة ستصطدم بالضرورة بالواقع الذي خلفته اتفاقية الإطار لدول المنبع على الواقع السياسي لمنطقة حوض النيل والذي يتلخص في اختلال ميزان القوى الراهن بين دول المصب مصر والسودان وبين دول المنبع برئاسة إثيوبيا لصالح الأخيرة، إلا أنه يمكن القول أن استعادة الدور المصري إفريقيا قد يكون أكثر يسرا من استعادة الدور العربي لارتباط الأخير بميزان القوى في الشرق الأوسط بصفة عامة، الأمر الذي يشكل تحديا كبيرا على الرئيس القادم ويفرض عليه ضرورة صياغة وتنفيذ سياسة خارجية افريقية تعيد للدور المصري وزنه وتأثيره في القارة عبر التواجد في كافة ملفاتها السياسية والاقتصادية خاصة ما يتعلق منها بملفات التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية على أن يتم ذلك بوسائل القوة الناعمة بدلا من التلويح بالقدرات العسكرية لمصر التي تعمد نظام مبارك السابق الإشارة إليها في أكثر من مناسبة مما دفع دول المنبع إلى التكتل في إطار يخلق بالضرورة واقع جديد من توازن القوى في منطقة حوض النيل ضد مصر والسودان، ومع استعراض برامج المرشحين المذكورين أبو الفتوح ومحمد مرسى وحمدين صباحي وعمرو موسى وأحمد شفيق فيما يتعلق بأزمة مياه النيل وتفعيل العلاقات المصرية مع القارة الأم يتضح وجود اتفاق عام في وجهات النظر بشأن أولوية قضية مياه النيل لديهم لكن لم يقدم أيا منهم برامج عمل وآليات واضحة بشأن كيفية معالجة الأزمة على أرض الواقع وما هي سياسات المرشح تجاه دولة إثيوبيا مثلا التي تتزعم دول المنبع فيما يتعلق باتفاقية إعادة تقاسم حصص مياه النيل، بل لم يعمد أيا من المرشحين إلى الحديث عن سياسة مصرية للري مثلا في إفريقيا باعتبار تنظيمه ومساعدة الدول الأفريقية بشأنه علميا وتكنولوجيا كان أحد أوجه الارتباط التاريخي المصري بأفريقيا.

وبقراءة سريعة لبرامج مرشحي الرئاسة وتصريحاتهم المختلفة يتضح حجم الإخفاق في رؤاهم تجاه القارة الأفريقية فالمرشح المستقل أبو الفتوح مثلا أشار في برنامجه إلى أن قضية مياه النيل لها أولوية باعتبارها قضية أمن قومي ومن ثم يضعها في مرتبة لا تقل أهمية عن القضية الفلسطينية، وذكر في تصريحاته ولقاءاته أنه سيبلور كيفية الاهتمام بالأمن المائي لمصر عبر التفاعل المتزن مع دول الحوض على المستوى الأفريقي وداخليا عبر التركيز على تعدد المصادر المائية وإتباع سياسات ترشيد الاستهلاك المائي، وأنه سيعمل على إعادة الاعتبار للدائرة الأفريقية كأحد دوائر السياسة الخارجية المصرية المهمة ويرى أن ذلك يتم عبر علاقات ثنائية مع دول منبع نهر النيل والدول الأفريقية جنوب الصحراء، أما حمدين صباحي فيقدم طرحا جديدا دون أن يقدم تفاصيله أو إمكانيات تحقيقه فعليا حيث يفضل إقامة منظمة إقليمية لدول حوض النيل مع إعطاء دور أكبر للمؤسسات الدينية المصرية كالأزهر والكنيسة لإعادة الدور التنويري اللذان كانا يقومان به في القارة الأفريقية، والاهتمام بتكامل العلاقات والمصالح المصرية السودانية، أما محمد مرسى فيذكر في برنامجه أنه سيعمل على إعادة تفعيل الدائرة الأفريقية عبر برنامج دبلوماسي وإعلامي موجه لدول القارة عامة ولدول حوض النيل خاصة،مع تأمين حصة مصر من مياه النيل في إطار رعاية مصالح دول حوض النيل دون أن يوضح الإجراءات والسياسات التي تضمن تحقيق ذلك ، وبالنسبة لعمرو موسى فقد ركز على إعطاء أولوية لإعادة تفعيل الدور المصري إفريقيا وكذلك إعطاء أولوية لتطوير العلاقات المصرية بدول حوض النيل خاصة مجالات تأهيل مصادر المياه ومجرى النهر، بينما ذهب أحمد شفيق إلى خطوات أكثر تفصيلية وعملية فيما يتعلق بالعلاقة مع دول حوض النيل حيث سيعين مفوض رئاسي يتولى إدارة شئون نهر النيل بأبعادها السياسية والاقتصادية وما يرتبط بهذه الإدارة من مشروعات للري وحركة النقل النهري ووضع منظومة لحماية النيل بيئيا.

ثالثا: الموقف من القوى الإقليمية: إيران وتركيا عودة الدور المصري المأمول في السياسة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط لن تكون عودة سلسة لأن هذا الدور سيصطدم بالضرورة بدور القوى الإقليمية المتواجدة حاليا والتي تشكل طبيعة التحالفات بينها توازن للقوى ارتضت بوجوده في إطار من توازن المصالح، ومن ثم فإن إعادة صياغة دور مصري إقليمي يحتاج إلى معالجة أوجه القصور التي اعترت تفاعل مصر مع قضايا الشرق الأوسط وأدى هذا القصور إلى تراجعها لصالح قوى إقليمية أخرى وبالتحديد إيران وتركيا، وحول كيفية التفاعل عبر سياسة إقليمية جديدة مع تلك القوى جاءت برامج المرشحين وتصريحاتهم متقاربة إلى حد كبير حملت بعضها عوامل اتفاق في الرؤى وحمل البعض الآخر عوامل اختلاف؛ ففيما يتعلق بالعلاقة مع إيران وتركيا يرى أبو الفتوح أن التفاعل السياسي والاقتصادي مع الطرفين قد يكون له مردودة الإيجابي على مصر فبالنسبة للعلاقات مع تركيا يتأثر أبو الفتوح إلى حد ما بالتجربة التركية سواء في جوانبها الاقتصادية أو في علاقتها السياسية الإقليمية كدولة ذات حكومة لها مرجعية إسلامية معتدلة تحاول إبراز نموذجها في الحكم القائم على ما يمكن تسميته بالإسلام المعتدل وتسويقه على الدول العربية التي تشهد تحولا ديمقراطيا باعتباره النموذج الأفضل ومن ثم فهو يرى العلاقات المصرية التركية كعلاقات تفاعل تنافسية وليست علاقات تفاعل صراعية.

أما عمرو موسى فيرى أن كل من تركيا وإيران دولتان متنافستان في المكانة والقيادة في المنطقة ومن ثم فإن عودة مصر لدورها الإقليمي يعنى أيضا دخولها معترك التنافس الإقليمي مع الدولتين والخصم من رصيدهما الإقليمي وموقف عمرو موسى هذا يحمل تناقضا واضحا مع موقفه من الدولتين أثناء عمله كأمين عام لجامعة الدول العربية حينما تقدم بمبادرة الجوار العربي عام 2012 التي طالبت بالانفتاح على الدولتين باعتبارهما دول جوار، التناقض نفسه كان أكثر بروزا في تصريحاته ولقاءاته على الفضائيات المختلفة فقد اعتبر الرجل في مناظرته مع منافسه أبو الفتوح "أن إيران دولة عربية" بينما اعتبرها وتركيا في موقف آخر في حالة تنافس إقليمي مع مصر وأنه سيكون حذرا في العلاقات مع إيران على اعتبار الخلافات الكثيرة التي خلفتها السياسة الإيرانية في المنطقة خاصة ما يتعلق منها بالعلاقات مع الدول الخليجية، ما يعنى أن موسى المتناقض بوضوح في رؤيته لإيران سيبقى إلى حد كبير علاقة مصر الخارجية مع إيران على المستوى نفسه الذي كان يمارس النظام السابق منه سياسته تجاهها.

أما بالنسبة لمرشح الأخوان محمد مرسى فتتفق رؤيته للعلاقات مع تركيا سواء في تجربتها الاقتصادية أو السياسية إلى حد ما مع أبو الفتوح ربما لكونهما من المدرسة الإخوانية ذاتها لكنه يتحفظ بصورة أو بأخرى على طموحات تركيا التاريخية فيما يسمى بسعي تركيا إلى إعادة بناء تحالفاتها الإقليمية خاصة مع الدول العربية عبر إعادة استنساخ دولة الخلافة العثمانية القديمة في صورة متطورة مع تطور منظومة العلاقات الإقليمية الحالية، ولكن على مستوى التفاعل مع إيران فمن المتوقع أن تكون العلاقات المصرية الإيرانية حذرة ربما يعود ذلك في أحد أسبابه إلى الاختلاف المذهبي بين جماعة الأخوان المسلمين التي ينحدر منها محمد مرسى كجماعة سنية وبين التيار الشيعي الذي تدين به إيران مذهبيا وتطبقه سياسيا على الرغم من تشابه نمط المرجعية التي تقوم عليها جماعة الأخوان المسلمين من وجود مرشد عام ومجلس شورى الجماعة ومبدأ السمع والطاعة...الخ مع المرجعية الحاكمة في إيران من وجود مرشد أعلى ومجلس شورى ومجلس لصيانة الدستور...الخ.

أما بالنسبة للمرشح الناصري حمدين صباحي فينظر إلى العلاقات المصرية التركية نظرة مغايرة لعمرو موسى وقريبة من نظرة أبو الفتوح وإلى حد ما محمد مرسى حيث يضع حمدين تركيا في مرتبة دولة الجوار "الجيدة" على حد تعبيره متأثرا بنجاحات النموذج التركي السياسية والاقتصادية ومن ثم فإن التنسيق معها في إطار المنطقة وارد ومحتمل لديه، ولكن في الوقت نفسه يرى أن المنطقة العربية تحتاج إلى قيادة عربية ومن ثم فهو يرى أن مصر حال استعادة مقومات قدراتها الإقليمية فإن العلاقات مع تركية أو حتى إيران لن تتعدى كونها علاقات تعاون وليست علاقات تبعية.

أما فيما يتعلق بعلاقة حمدين مع إيران من المتوقع وفى ظل التقارب في الرؤى بين صباحي وإيران فيما يتعلق بالإيمان بدعم حركات المقاومة وموقف إيران في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني من المتوقع أن تشهد العلاقات مع إيران تقاربا نسبيا قد يصل إلى مرحلة مقبولة من التعاون والتنسيق حيال القضايا المتعلقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما انعكس في تصريحاته باعتبار إيران دولة "إسلامية تمثل جزءا أصيلا من العالم الإسلامي" ما يعنى بالنسبة للمرشح الناصري دخول إيران بؤرة الدائرة الإسلامية وهى الدائرة الثالثة من دوائر السياسة الخارجية الناصرية التي ينتمي لفكرها المرشح.

أما أحمد شفيق فلا يختلف كثيرا عن النظام السابق فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران حيث سيسعى إلى بناء علاقات جيدة مع جميع الدول مع إعطاء الأولوية لدول الخليج وفى مقدمتها السعودية، ومن ثم فهو يرى أن علاقات مصر مع إيران قد تكون مضرة لعلاقات مصر بدول الخليج خاصة السعودية وعليه فإن مصر لن تكون في حاجة ملحة لتطبيع العلاقات مع إيران خلال فترة رئاسته.

رابعا: العلاقات مع دول الخليج العربية: المنطقة الرمادية التي لم يفضل أيا من المرشحين الخمسة الأوفر حظا في الانتخابات من الاقتراب منها لا بالتصريح المباشر ولا بالتضمين في البرامج الانتخابية ولا حتى بالإشارة الضمنية خاصة إلى العلاقات المصرية السعودية والمصرية الإماراتية وهى العلاقات الأكثر أهمية من حيث البعد السياسي ( المكانة والدور المصري العائد بعد الثورة في مواجهة الدور السعودي المستفيد من تراجع الدور المصري) ومن حيث البعد الاقتصادي ويشترك فيه الجانبين السعودي والإماراتي باعتبارهما مستثمرين ومقدمين للمنح، هذا بخلاف حجم العمالة المصرية في الدولتين، في هذا النسق لم يبد أيا من المرشحين رأيا قاطعا في طبيعة العلاقات المصرية مع السعودية كدولة قاطرة لمنظومة مجلس التعاون الخليجي، ولكن يمكن رسم خطوط عامة لتفضيلات السعودية في التعاون مع أي من المرشحين بطبيعة التحالفات التي خلقها النظام السياسي السابق معها فمن المتوقع أن تميل إلى التفاعل مع المرشحين المحسوبين على النظام السابق لانحدارهم من النسق السياسي نفسه الذي كان يعمل فيه الرئيس السابق وبالتالي فهي تفضل عمرو موسى بينما لا تتفق مع حمدين صباحي لأنه يمثل بالنسبة لها المدرسة الناصرية التي دخلت تاريخيا في تصادم معها خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ناهيك عن أن طبيعة التحالفات الإقليمية التي قد يقيمها صباحي حال فوزه بالمنصب تتعارض كلية مع نمط التحالفات الراهن الذي تقيمه السعودية، وترفض بالطبع محمد مرسى وأبو الفتوح لكونهما ينحدران من مرجعية فكرية واحدة وهى المدرسة الإخوانية التي قد تقدم نموذجا دينيا يواجه نموذجها الديني وما يرتبط بهذا النموذج من ممارسات سياسية على مستوى المنطقة العربية.

خامسا: العلاقات مع الولايات المتحدة : من أهم النقاط التي تناولها المرشحين الخمسة في لقاءاتهم عبر القنوات الفضائية وهى ضرورة إعادة التوازن للعلاقات المصرية الأمريكية بحيث تخرج العلاقات المصرية من عباءة التبعية للسياسة الأمريكية التي كان لها تأثيرا سلبيا على استقلالية القرار الوطني المصري تجاه العديد من القضايا في منطقة الشرق الأوسط طوال العقود الثلاثة الماضية، مع رصد درجة من الاختلاف والتفاوت بين المرشحين حول "الكيفية" التي يتم بها إعادة ذلك التوازن؛ أبو الفتوح كان الأكثر اصطداما بالولايات المتحدة عبر تصريحاته المختلفة التي اعتبر فيها أن السياسة المصرية الخارجية كانت تدار من البيت الأبيض ومن ثم فإن الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير لن يرضى على أن يخضع رئيسه القادم للإرادة والإدارة الأمريكيتين، الأمر نفسه ذهب إليه المرشح الناصري القومي حمدين صباحي بقوله أن استقلال القرار المصري وتخليصه من تبعية العلاقة مع الولايات المتحدة يحتل مركز الصدارة في أجندة سياسته الخارجية ليس هذا فحسب وإنما أيضا سيعمل على إعادة مراجعة المواقف المصرية تجاه السياسة الأمريكية المنحازة لصالح إسرائيل، وتلك التي ساهمت في التآمر على مقدرات الشعوب العربية في العراق والسودان ومحاصرة الشعب الفلسطيني في غزة وتطويق المقاومة في لبنان.

وعلى العكس من المرشح الناصري جاءت وجهات نظر مرشح الإخوان محمد مرسى أقل حدة حيث يرى ضرورة إقامة علاقات على قدر من التوازن بين مصر والولايات المتحدة بما يعنى مراجعة كافة الارتباطات العسكرية والاقتصادية، ويربط مرسى بين استمرارية المعونة الأمريكية وبين استمرارية معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وهو ما يشير إلى قدر من التناقض والغموض في رؤية المرشح فكيف تتم مراجعة المساعدات العسكرية الأمريكية والاقتصادية لمصر في الوقت الذي يربط فيه المرشح بين إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل وبين قيام الولايات المتحدة بوقف المعونة الأمريكية، التحليل يزداد غموضا إذا ما نظرنا بالفعل إلى رؤية جماعة الأخوان المسلمين وحزبها السياسي الحرية والعدالة لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر؛ فكلاهما (الجماعة والحزب) لا يريدان قطع العلاقات ولا تجميدها بل على العكس يضعان نقاط محددة تتم على أساسها إدارة العلاقات المصرية الأمريكية تتلخص في التركيز على البعد الثنائي في العلاقات بين البلدين بتحييد علاقة الولايات المتحدة السلبية والإيجابية مع غيرها من الدول عن علاقتها بمصر وهنا لم يوضح برنامج الجماعة ولا الحزب ولا المرشح الرئاسي كيف سيتمكن من حمل واشنطن على تحييد علاقتها بإسرائيل مثلا في حالة التعاون العسكري مع مصر ولا حتى في حالة اتخاذ مصر مواقف مساندة للقضية الفلسطينية ولا في توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة عسكرية لإيران مثلا...الخ، أيضا من المحاور الرئيسية التي تنطلق على أساسها العلاقات المصرية الأمريكية وفقا لرؤية حزب الحرية والعدالة مثلا تحفيز العلاقات المصرية الأمريكية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية خاصة دعم العلاقة بين القطاع الخاص في البلدين بما يحقق انطلاقة هذا القطاع في التنمية خلال السنوات القادمة وهو ما يعنى استمرار النمط الاقتصادي الرأسمالي القائم على السوق الحر والذي كان معمول به إبان النظام السابق وعده الكثيرون المسئول عن تدنى مستويات الحياة المعيشية للعديد من المصريين لاسيما الطبقة المتوسطة التي تأثرت سلبا بهذا النظام وأدى ذلك إلى اتساع رقعة الفقر في مصر بصورة لم يسبق لها مثيل.

أما المرشحين المحسوبين على النظام السابق عمرو موسى وأحمد شفيق فقد كانا أكثر المرشحين برجماتية في تصريحاتهما بشأن رؤيتهما لطبيعة العلاقات المصرية الأمريكية؛ فأحمد شفيق رأى أن العلاقات المصرية الأمريكية على قدر من الأهمية بمكان ومن ثم فقد خص الولايات المتحدة بالزيارة الأولى في حالة نجاحه في الانتخابات الرئاسية وذلك في معرض رده على سؤال وجه إليه بهذا الشأن في إحدى اللقاءات عبر القنوات الفضائية، كما يتضح حجم الاهتمام الذي يبديه لطبيعة العلاقات المصرية الأمريكية من وصفه لها بأنها "علاقة حياة بأكملها لا يجب أن تصل إلى نقطة اللاعودة"، في السياق نفسه كانت رؤية عمرو موسى التي أقرت ضرورة أن تكون العلاقات مع الولايات المتحدة بالفعل متوازنة ولكنه لم يوضح كيفية تحقيق هذا التوازن في الوقت الذي يرى ووفقا لتصريحاته "أن مصلحة مصر الراهنة تقتضى عدم التصادم مع واشنطن" وأنه لا يفضل "تعكير صفو العلاقات المصرية الأمريكية" وهو ما يحمل مؤشرات واضحة على أن الرجل ابن النسق القديم نفسه الذي يرغب في استمرار منظومة العلاقات المصرية الأمريكية كما هي دون تغيير، ما يدفع إلى التساؤل بشأن طبيعة التوازن الذي يتحدث عنه وهل يقتصر هذا التوازن على تعديل العلاقة وتحويلها من مسار الإملاءات الأمريكية إلى مسار الندية والمساواة مثلا أم ماذا؟! سادسا: الأمن القومي ومحاوره ومصادر تهديده: اتفق المرشحون على أن مصدر التهديد الخارجي الأول لمصر هو إسرائيل يليه في الخطورة تهديد تدفق مياه النيل ما يؤثر على الأمن المائي لمصر يتبعهما عدة مصادر أخرى ثانوية داخلية مثل انتشار تجارة السلاح والمخدرات، وقد اختلف المرشحون في تحديد ماهية المحاور التي يمكن أن تشكل إستراتيجيتهم في حماية الأمن القومي المصري؛ فالبعض رأى أن الأمن القومي المصري يتطلب زيادة دعم القدرات العسكرية وتنويع مصادر التسليح وتحديث تكنولوجيا السلاح وجعل الجيش المصري من أقوى الجيوش عبر زيادة الميزانية المطلوبة للتدريب والتسليح ويمثل هذا الرأي المرشح أبو الفتوح من باب أن القوة العسكرية ستحدد إلى حد كبير "المكانة" المصرية الجديدة، والرؤية نفسها تبناها المرشح حمدين صباحي وربطها بالدور القومي المصري في قيادة المنطقة العربية، والبعض رأى أن إصلاح قطاع الأمن الداخلي يعد أحد مرتكزات بناء إستراتيجية أمن قومي جيدة على أن يكون الإصلاح قائم على مبدأ احترام أمن المواطن وأمن الوطن بدلا من تحقيق أمن النظام كما كان سائدا في العهد السابق، والبعض الثالث يرى أن الأمن القومي المصري لابد وأن يستند على بعد اقتصادي قوى وبعد اجتماعي يقوم على التنمية البشرية وقد أولى المرشحون هذه الرؤية أهمية خاصة فقد ركز عليها المرشح محمد مرسى في أكثر من مناسبة في إطار اعتباره أن مشروع النهضة الذي يمثله قادر على تحقيق البعدان ومن ثم تحقيق إستراتيجية أمن قومي قوية، أما حمدين صباحي فرأى أن بناء"الذات المصرية القوية اقتصاديا واجتماعيا" هي الوسيلة الأساسية لإستراتيجية أمنية قوية، بينما اتفق أبو الفتوح وأحمد شفيق في اعتبار أن السبيل إلى بناء إستراتيجية أمن قومي فعالة يأتي عبر التنمية الشاملة البشرية والاقتصادية، أما عمرو موسى فيطرح رؤية عملية لصياغة إستراتيجية أمن قومي تقوم على وجود "مجلس أمن" يخول مهمة رسم تلك الإستراتيجية على أن يختص المجلس بمناقشة ميزانية القوات المسلحة وهو ما رفضته رؤية أبو الفتوح وحمدين صباحي اللذان يرغبان في جعل ميزانية الجيش خاضعة للبرلمان مع الاحتفاظ بسرية المناقشات.

ملاحظات على رؤى وبرامج المرشحين : يمكن استخلاص ملاحظات عدة على رؤى وبرامج المرشحين للانتخابات الرئاسية وبالتحديد المرشحين الخمسة المذكورين على اعتبار أنهم الأوفر حظاً في الانتخابات القادمة: أبو الفتوح وحمدين صباحي ومحمد مرسى وعمرو موسى وأحمد شفيق منها: • تراجع الأهمية النسبية لقضايا السياسة الخارجية في أولويات برامج المرشحين الانتخابية لصالح القضايا الداخلية خاصة الاقتصادية منها والأمنية والصحية والاجتماعية كالبطالة وقضايا التنمية البشرية، بالإضافة إلى عدم ارتقاء الرؤى المطروحة منها لحجم التحديات المفروضة على مصر سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى الدولي ناهيك عن إغفال الآليات العملية التي من خلالها يمكن توظيف السياسة الخارجية لخدمة الداخل المصري بمتغيراته الجديدة، وقد أرجع العديد من المحللين طغيان القضايا الداخلية على قضايا السياسة الخارجية في برامج ورؤى المرشحين إلى التردي الذي تشهده قضايا الداخل وارتباطها مباشرة بالحياة اليومية للمواطن المصري الذي يشغله الخبز والبنزين عن الأمن القومي مثلا أو عن العلاقات الخارجية، ومن ثم تمثل مجالا خصبا لكسب التأييد الشعبي.

• أن ثمة خطا عاما من الاتفاق في بعض الرؤى بين المرشحين الخمسة فيما يتعلق بتوجهاتهم حيال القضايا الخارجية على الرغم من اختلاف المرجعية الإيديولوجية الفكرية لكل منهم ، ما يعنى أن مساحة التوافق حول قضايا السياسة الخارجية كبيرة لاسيما المتعلقة بإعادة مراجعة العلاقات المصرية الإسرائيلية، وتلك المتعلقة باستقلالية القرار المصري بعيدا عن التبعية للقوى الكبرى ، والعودة بقوة إلى مجالات السياسة الخارجية المصرية التقليدية العربية والأفريقية والإسلامية مع الاحتفاظ بهامش من الاختلاف في طبيعة وكيفية مراجعة العلاقات مع الولايات المتحدة خاصة بين المرشحين المحسوبين على النظام القديم والمرشحين المحسوبين على الثورة.

• بروز التباين بين المرشحين بقوة فيما يتعلق بقضيتين؛ الأولى: القضية الفلسطينية على وجه التحديد لدرجة يمكن القول معها أن تلك القضية مثلت فرزا للرؤى التقليدية للسياسة الخارجية المصرية بشأنها ويمثلها المرشحان عمرو موسى وأحمد شفيق التي تقوم على التحاور عبر التفاوض كوسيلة ضغط محورية على إسرائيل - وهو النهج الذي سارت عليه السياسة المصرية في النظام السابق- والرؤى الجديدة للسياسة الخارجية المصرية التي يمثلها المرشحان الإسلاميان أبو الفتوح ومحمد مرسى والمرشح الناصري القومي حمدين صباحي وهى الرؤى التي تثمن دور المقاومة الفلسطينية باعتبارها وسيلة الضغط المثلى على إسرائيل لحملها على تقديم تنازلات ملموسة ومؤثرة.

أما الثانية : فتتعلق بالعلاقات المصرية الإيرانية والتي شهدت تباينا واضحا بين رؤيتين الأولى مثلها مرشحو الثورة أبوالفتوح وحمدين صباحي ومحمد مرسى وتدعو إلى إتاحة المجال أمام الارتقاء بالعلاقات المصرية الإيرانية والثانية يمثلها مرشحو النظام القديم عمرو موسى وأحمد شفيق وسمتها التحفظ تجاه بناء علاقات ثنائية مع إيران حيث ربطها عمرو موسى بوجود حوار إيراني – عربي شامل تناقش فيه التباينات في المواقف ووجهات النظر أما بالنسبة لأحمد شفيق فقط ربط وجود علاقات مصرية إيرانية جيدة بمراجعة إيران لموقفها وسياستها من دول الخليج العربية، ما يعنى أنه وفى حالة فوز أحدهما فأنه من غير المتوقع أن تشهد السياسية الخارجية المصرية تغييرا ملموسا أو نقلة نوعية جديدة تتماشى وتتناغم مع تطلعات ثورة 25 يناير.

• تفتقد برامج مرشحي الرئاسة أيضا فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية التفصيلات الدقيقة والموضوعية والواقعية في أحيان كثيرة مع غلبة الطبيعة الإنشائية على تلك البرامج وخروج تلك الآراء في رؤى عامة أولية تفتقد التبلور في برامج جادة تقوم على استراتيجيات محددة الأبعاد والمحاور وآليات التنفيذ.

وفى النهاية تجدر الإشارة إلى أن التراجع المصري في مجال السياسة الخارجية خاصة على الصعيد الإقليمي طوال العقود الثلاثة الماضية أسفر عن وجود بنية جديدة للتوازن الإقليمي تغيب عنه مصر وتحضر فيه كل من إيران وتركيا والسعودية وقطر وإثيوبيا ما يفرض تحديات جمة على دور مصر الإقليمي المستقبلي ويُنتج يلاشك تغييرا ملموسا في معادلة التوازنات الإقليمية التي أسست واستفادت من غياب الدور المصري وتراجعه.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية