متابعات تحليلية

زيارة مفتي الديار المصرية للقدس: آمال التعريب ومأزق التهويد

شيماء منير * 949 25-4-2012
طباعة

أثارت الزيارة التي قام بها مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة إلى القدس والمسجد الأقصى يوم الأربعاء الثامن عشر من أبريل 2012 ، بصحبة الأمير الأردني غازي بن محمد مستشار العاهل الأردني للشؤون الدينية والتي جاءت في إطار علمي غير رسمي لافتتاح كرسي الإمام الغزالي على حد قوله، فضلا عن زيارات قام بها عدد من الأقباط - أعتبرها الأنبا باخوميوس زيارات فردية، ليس للكنيسة علاقة بها - ردود فعل غاضبة من جانب العديد من الأوساط السياسية والدينية في مصر والدول العربية وفى مقدمتها فلسطين.

حيث جددت تلك الزيارات جدلا قديماً سبق طرحه بعد زيارة الرئيس أنور السادات لإسرائيل وما أعقبها من توقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل في 1979، حينما أصدرت الكنيسة تعليمات تحرّم زيارة الأقباط للقدس طالما هي تحت الاحتلال الإسرائيلي، وقد حظي موقف الكنيسة بقبول وتأييد من جانب العديد من العلماء المسلمين الذين اعتبروه استجابة للرغبة الشعبية الرافضة للتطبيع مع إسرائيل.

وقد ظلت قضية زيارة القدس والمسجد الأقصى تحت السيطرة الإسرائيلية محور العديد من الفتاوى، وظل التحريم مستمرا لسنوات طويلة، حتى بدأت تظهر دعوات تشكك في مدى صحته وجدواه، وذلك حينما طالب شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي عام 2001 المسلمين والعرب بزيارة المسجد الأقصى كوسيلة لدعم الانتفاضة الفلسطينية وجهاد الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، حيث أثيرت وقتها خلافات ونقاشات بين مؤيد ومعارض لتلك الدعوة.

وتأتي الزيارة السابقة في إطار الدعوة التي وجهها الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، للمسلمين لزيارة المسجد الأقصى نصرة له ودفاعاً عن قضيته وحمايته من الانتهاكات الصهيونية المستمرة، فضلا عن دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال القمة العربية في بغداد في 29 مارس الماضي إلى زيارة القدس الشرقية المحتلة، من أجل إخراجها من عزلتها، منتقدا الفتاوى التي تحرم زيارة القدس والتي لا تستند على نصوص في القرآن أو السنة.

حيث سبق وأكد على الشيء ذاته أثناء المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة في 26 فبراير الماضي، حينما دعا القادة العرب لزيارة القدس.

وقد اندلعت على إثر تلك الدعوات حرب كلامية بين رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي، حول فتواه الخاصة بتحريم زيارة القدس من غير الفلسطينيين بتأشيرة إسرائيلية، باعتباره يعد تطبيع مع الاحتلال، استنادا إلى أن زيارة العرب والمسلمين للمدينة المقدسة ستخفف من الضغوط على الاحتلال، وستخدم الاقتصاد الإسرائيلي أكثر من خدمتها لاقتصاد أبناء القدس.

وفى أعقاب تلك الزيارة التي قام بها فضيلة المفتى تباينت ردود الأفعال ما بين مؤيد ومعارض لها؛ ففي مصر رأى الفريق المعارض أن مقاطعة الدخول للأراضي المحتلة خيار قومي لمساندة القضية الفلسطينية، وأن تلك الزيارة بمثابة خيانة للقدس.

أما الفريق الأخر المؤيد لتلك الزيارة فقد استنكر الهجوم على المفتى متهمين وسائل الإعلام بتضخيم الحدث وإعطائه أكبر من حجمه من أجل إثارة ضجة لشغل الرأي العام عن قضايا أخرى أكثر أهمية، وأنها تأتى في إطار التضامن مع المقدسيين، مؤكدين أن التطبيع لا يقتصر فقط على عقد علاقات طبيعية مع إسرائيل بل يتضمن الامتناع عن حماية القدس من التهويد والتخلي عن مساندة أهلها وإبداء التضامن معهم ولو على المستوى المعنوي.

وأن تلك الزيارة تأتى من زاوية الدفاع عن القدس وإبراز قضيتها.

كما انقسمت أيضا ردود الفعل الفلسطينية ليست فقط بشأن زيارة المفتى ولكن فيما يتعلق بالدعوات الرسمية الفلسطينية التي وجهت لزيارة القدس، ما بين مؤيد ومعارض، حيث أعتبر مؤيدو هذه الزيارات وفى مقدمتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أن من شأنها تقديم دعم سياسي ومالي لمدينة القدس هي في أشد الحاجة له، بغرض مساندتها في مواجهة المخططات الإسرائيلية والتخفيف من حدة عزلتها.

أما مدير أوقاف القدس الشيخ عزام الخطيب والذي كان برفقة جمعة خلال هذه الزيارة، والأميرُ غازي بن محمد ابن عم ملك الأردن عبد الله الثاني ومستشاره للشؤون الدينية، فقد اعتبر تلك الزيارة من أجل دعم الأقصى ودعم سكان مدينة القدس.

كما انتقد وزير الأوقاف والشؤون الدينية محمود الهباش فتوى القرضاوى في كتابه الجديد الذي حمل عنوان "زيارة القدس فضيلة دينية وضرورة سياسية" مستوضحا خلاله المواقف الشرعية الدينية والتاريخية والسياسية التي استند عليها الرئيس محمود عباس في دعوته العرب والمسلمين لزيارة بيت المقدس، مؤكدا على أن فتوى التحريم التي أطلقها الشيخ يوسف القرضاوى لا تمت للدين والسياسة بصلة.

وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي وجد في انقطاع العرب والمسلمين عن شد الرحال إلى بيت المقدس ومسجدها الأقصى ضالته المنشودة، وفرصته السانحة ليقوم بتنفيذ مخططاته الرامية لتهويد المدينة المقدسة، والقضاء على الوجود العربي والإسلامي فيها.

وقد أيد الموقف السابق العلامة السوري الدكتور محمد سعيد البوطي، الذي أعتبر الفتاوى الخاصة بمنع زيارة الأقصى يقف خلفها الفكر الصهيوني الذي يستهدف المقاومة ومن يقف وراءها من دول وقوى داعمة لها.

وعلى الجانب الأخر، فقد رأى المعارضون لهذه الزيارات، وفى مقدمتهم حركة حماس أن تلك الزيارات سوف تؤدى إلى تطبيع العلاقات بين الشعوب العربية وإسرائيل، لأنها تتم بتأشيرات وتصاريح دخول صادرة عن السلطات الإسرائيلية، وأنها ستعود بالنفع على إسرائيل على حساب أصحاب القدس الحقيقيين.

أما الموقف الإسرائيلي تجاه زيارات المسئولين والعلماء العرب للقدس، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه إسرائيل دعوة الرئيس الفلسطيني للعرب في مؤتمر القدس بأنها تعد بمثابة تحريضا علنيا ومقصوداً يهدف من وراءه زعزعة استقرار دولة إسرائيل، ويشكل خطرا مباشرا عليها.

سعت غالبية التعليقات والتحليلات الإسرائيلية بشأن زيارة مفتى الديار المصرية، وفقا لوسائل الإعلام المختلفة نحو تفنيد صحة ما ردده المفتى بأن دخوله القدس لم يكن بالتنسيق مع الجهات الأمنية الإسرائيلية، حيث كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي كول تساهال وفقا لمصادر سياسية وعسكرية إسرائيلية بأن زيارة مفتى الديار المصرية جاءت بموافقة إسرائيلية, مؤكدة بأن زيارته تم تنسيقها مع وحدة الاتصال الخارجية التابعة للجيش الإسرائيلي لتأمينه من أي هجمات قد تحدث له من كتائب شهداء الأقصى الرافضة للتعامل مع إسرائيل فيما يخص الزيارات للأماكن المقدسة.

وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن أن وفداً من الديوان الملكي الأردني برئاسة مستشار الملك للشؤون الدينية الأمير غازي هو من نسق مباشرة أمر زيارة المفتى ورافقه خلالها.

وأن الوفد وصل إلى المسجد الأقصى تحت حراسة أمنية إسرائيلية مشددة، موضحة أن زيارة الوفد جاءت بالتنسيق مع وزارة الدفاع، وليس مع وزارة الخارجية.

وعلقت صحيفة هأرتس على الجدل الذي أثارته زيارة مفتى الديار المصرية مشيرة إلى أن هذه الزيارة قد تفقده منصبه.

ومن ثم هل يمكن القول أن تلك التأكيجماهيرية نحوية بشأن التنسيق الأمني مع الأردن بشأن ترتيبات تلك الزيارة والمجاهرة بذلك يعد مقصودا من أجل إحراج المفتى، وليس فقط بهدف فقدان منصبه بل والتشكيك في مصداقيته على المستوى الشعبي.

بما يعنى نبذه شعبيا لردع أي توجهات جماهيرية نحو القدس والمسجد الأقصى، سوف تسبب في الضغط أمنيا على إسرائيل.

وفى ضوء ما سبق ثمة ملاحظات تستوجب الوقوف عندها: * كان من الممكن أن تكون تلك الزيارة تاريخية في نتائجها، باعتبارها تعد مبادرة شجاعة كسرت حواجز الصمت عن تلك الفتاوى التي صارت بمثابة ركائز في العقيدة، وذلك إذا صمد المفتى أمام تلك الحملة التي شنت ضده - على العلم بأن التطبيع قائما بالفعل بين الدول العربية وإسرائيل في التعاملات الدبلوماسية والتجارية - لتكون بداية لكسر الحصار الذي يفرضه العرب والعالم الإسلامي على القدس، التي تركت هي والمسجد الأقصى للبلطجة الإسرائيلية لتنفيذ مخططات التهويد، إلا أنه يبدو أنه لم يستطع الصمود أمام تلك الموجة العارمة من الغضب، و صار شغله الأساسي النأي بنفسه عن تلك التهم الموجهة إليه.

* كشفت تلك الزيارة عن أزمة حقيقية يعانيها الشعب المصري والعالميين العربي والإسلامي تتمثل في جمود الفكر والفهم الخاطئ لطبيعة الصراع المحتدم مع إسرائيل من أجل تهويد القدس، وعدم الرغبة في مصارحة النفس وتفنيد ما أعتبر مسلمات طالما أضر بالقضية الفلسطينية.

ومن ثم فنحن في أشد الحاجة لإعادة تقييم لثوابتنا الفكرية بما يحقق مصالح القدس من خلال تقييم واقعي لإمكانيات وقدرات كل من العرب وإسرائيل حتى لا يقتصر دعم القدس والأقصى بمجرد فتاوى وشعارات جوفاء لم تزد القدس إلا تهويداً.

وذلك يستوجب من جميع التيارات الليبرالية والقومية واليسارية أن تعيد تقييم مواقفها بصراحة ودون تكبر والاعتراف بالأخطاء التي وقعت فيها لإنقاذ ما تبقى من عروبة للقدس.

*على جميع الأنظمة العربية والإسلامية أن تعتبر تلك الزيارة فرصة لتقديم كشف حساب لشعوبها على ما قدمته على أرض الواقع لنصرة القدس سواء معنويا أو ماديا.

حيث أنه حتى وقتنا الراهن فإنها لم تقدم سوى المزيد من المؤتمرات التي ترددت في أروقتها شعارات رنانة، في الوقت نفسه الذي لم تتوقف فيه إسرائيل لحظة واحدة عن استكمال مخططاتها الاستيطانية من أجل اقتلاع القدس من عروبتها تحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي، وقبول الجماهير العربية التي اعتادت على الطاعة دون إعمال العقل، للفتاوى التي ألحقت أضرارا بالغة بالقدس والأقصى.

* مع اختلاف تلك الفتاوى الخاصة بزيارة القدس، فإنه يمكن التسليم بأنها مسألة خلافية ولا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لإشعال الخلافات وتبادل الاتهامات والتخوين، والتي تضر في النهاية بالقضية الفلسطينية بأكملها.

*فالأقصى والقدس في أمس الحاجة لرفع الحصار العربي والإسلامي المفروض عليهما، وذلك لن يتحقق إلا من خلال تشجيع السياحة الدينية، التي يمكن أن تكون وسيلة فعالة في معركة القدس، من خلال إعداد رحلات حج جماعية تمكن الملايين من المسلمين والأقباط لزيارة القدس، وذلك سوف يجعل إسرائيل وأجهزتها الأمنية في مأزق في حالة تورطها في أي أفعال تعود بالسلب على موقفها الدولي وتزيد من عزلتها.

وعلى الرغم من أن التأشيرة ستحقق عوائد مادية للإسرائيليين، إلا أنها سوف تكون محدودة أمام المنافع التي ستعود على أهالي القدس في حالة حصر التعامل التجاري من شراء وبيع مع متاجر يملكها أهل المدينة ومقاطعة متاجر اليهود.

وأخيراً وليس دفاعا عن المفتى أو دعوة للتطبيع مع إسرائيل، فإنه يجب الإجابة عن تساؤلين تحتم الضرورة طرحهما، هل حماية القدس من التهويد والاستيطان وتحريرها من الاحتلال تتحقق بالمقاطعة وتحريم تلك المقدسات على المسلمين والمسيحيين؟ وما هي الآليات التي قدمها العلماء الأجلاء من أجل منع تهويد القدس، ووقف التوسع الاستيطاني في تلك المدينة المقدسة ؟

طباعة
شيماء منير

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية