دراسات

لماذا تعد الاحتجاجات البحرينية "الاستثناء" في الربيع العربي؟

طباعة

تثير الحالة البحرينية سؤالا مهما حول مدى خصوصيتها في سياق الموجة الراهنة من الثورات الشعبية والانتفاضات الجماهيرية في المنطقة العربية، وذلك انطلاقا من سقوط ما يطلق عليه البعض "عمومية القياس"، حيث لم يعد مقبولا من الناحية العملية أن نقيس شكل نظام حكم، وتركيبة معارضة، وسمات نخبة، وسياق مجتمع، وأوضاع اقتصاد، وأسباب ثورة أو حدوث انتفاضة، وإستراتيجية التعامل الحكومي معها في بلد ما، بنفس الظروف المناظرة لها في بلد آخر، فكما ترددت مقولات من قبيل إن "تونس غير مصر، ومصر ليست ليبيا، وليبيا ليست اليمن، واليمن ليست سوريا، وسوريا ليست البحرين، والبحرين ليست كل هذه الدول".

فالأوضاع الداخلية في كل بلد هي انعكاس للواقع الجغرافي، والتكوين الديموغرافي، والتطور السياسي، والسياق الاجتماعي، والمزاج الشعبي.

وقد تتشابه هذه الأوضاع والسمات من بلد عربي لآخر ولكنها لا تصل إلى حد التطابق، أو التفاعل فيما بينها وفق نمط واحد.

ورغم أنه لم تكن الاحتجاجات التي شهدتها مملكة البحرين، منذ منتصف فبراير 2011 وحتى ابريل الجاري، بمعزل عن تداعيات "الربيع العربي" ، لكنها في نفس الوقت لا تعد إحدى الحالات أو النماذج التي يمكن إدراجها في مثل هذا السياق.

فعلى الرغم من وجود تشابه نسبي بين الحالة البحرينية والحالات الثورية العربية في أبعاد محددة إلا أن هناك أيضا اختلاف بارز بينهما في نواح عدة، على نحو يؤثر على مسارها المستقبلي.

تلقي هذه الدراسة الضوء حول ثلاثة عناصر أساسية: أولها، مسارات الاحتجاجات البحرينية وثانيها، خصوصية الحالة البحرينية مقارنة بغيرها من حالات الثورات الشعبية والانتفاضات الجماهيرية في المنطقة العربية، وثالثها سيناريوهات مستقبل عملية التحول الديمقراطي في البحرين على خلفية هذه الاحتجاجات.

أولا: مسارات الاحتجاجات البحرينية تنقسم الاحتجاجات التي شهدتها مملكة البحرين إلى عدة مراحل، على النحو التالي: المرحلة الأولى، اندلاع الاحتجاجات ضد نظام الحكم (21 فبراير2011 - 13 مارس 2011) شهدت مملكة البحرين موجة من الاحتجاجات الواسعة، اتخذت من دوار "اللؤلؤة" نقطة ارتكاز ورمزا لها، ثم سرعان ما امتدت إلى مناطق مختلفة.

وقد قاد هذه الاحتجاجات مجموعة عرفت بـ "حركة 14 فبراير"، وهم شباب متعلمين ينتمون إلى الطبقة الوسطى الجديدة، لديهم معرفة واسعة باستخدام التكنولوجيا الجديدة والتعامل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولديهم مستوى ملحوظ من التفاعل وتبادل الخبرات، مع شباب الثورات العربية.

والأهم من ذلك أنه لم يكن ثمة صلة بينهم وبين جماعات المعارضة التقليدية في البلاد، والتي يغلب عليها الطابع الشيعي، ولم ينتموا إلى طائفة بعينها.

كما شاركهم في هذه الاحتجاجات قطاعات مختلفة من المجتمع مثل المحامين، والأكاديميين، والصحفيين، والإعلاميين، والمعلمين، والأطباء، والطلاب، وغيرهم.

وانضمت إليهم، فيما بعد، الجمعيات المعارضة أو ما يعرف بالجمعيات السبع، والتي تتمثل في الوفاق الوطني الإسلامي (التيار الشيعي الرئيسي)، والعمل الوطني الديمقراطي (يسار قومي)، والمنبر الديمقراطي التقدمي (يسار)، العمل الإسلامي (شيعة)، التجمع القومي الديمقراطي (بعث)، التجمع الوطني الديمقراطي (يسار قومي)، الإخاء الوطني (الليبراليون الشيعة).

دعا المحتجون في البداية إلى إجراء تحولات جوهرية في بنية النظام السياسي القائم، بما يضمن التحول إلى نظام "الملكية الدستورية".

وتضمن ذلك أيضا انتخاب حكومة جديدة، ووضع دستور جديد، وحل البرلمان المنتخب، وإلغاء الصلاحيات الممنوحة لمجلس الشورى المعين، وتعديل الدوائر الانتخابية القائمة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإيقاف التجنيس السياسي.

كما اتخذت الحركة الاحتجاجية بعدا اقتصاديا واجتماعيا، حينما طالب المحتجون برفع مستويات المعيشة وزيادة رواتب الموظفين وحل مشكلة البطالة.

وكان ثمة حرص من جانب المحتجين على "سلمية" التظاهرات، لكن مقتل متظاهر في اليوم الأول ومقتل أخر خلال تشييع جنازة الأول في اليوم التالي غير المشهد رأسا على عقب، بحيث تصدر المشهد ما يسميه علي فخرو "الحراك بالدم"، ودخل موضوع القتلى الشهداء كمتغير جديد على الساحة الداخلية، الأمر الذي دفع الملك ليطل بنفسه على شاشة التلفزيون البحريني ليبدي أسفه على ما حدث، ويعلن تكوين لجنة تحقيق، كما قدم وزير الداخلية اعتذارا عما حدث.

كانت الخطوتان مهدئتان، لكن ما أن مرت 18 ساعة تقريبا على تلك الخطوتين، حتى هوجم المتظاهرون في دوار اللؤلؤة في ساعات الفجر، وأعلن وفاة أربعة من المتظاهرين، وهو ما أدى إلى تصاعد مطالب الحركة الاحتجاجية.

ومن أجل التهدئة، أمر ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد بانسحاب القوات المسلحة وقوات الأمن، وسمح بالاعتصام السلمي في دوار اللؤلؤة، ودعا لحوار وطني بدون شروط وبدون سقف في 19 فبراير 2011.

وطوال الأسابيع الثلاثة التالية سادت مناوشات بين المتظاهرين وأجهزة الأمن، لاسيما مع جنوح بعض المتظاهرين في الخطابات اليومية نحو التجريح لبعض رموز الحكم.

المرحلة الثانية، تصاعد المواجهات بين المحتجين وأجهزة الأمن (14 مارس 2011- يونيه 2011) كان النهج الأمني ظل هو الأكثر وضوحا من جانب نظام الحكم في التعامل مع الحركة الاحتجاجية، وهو ما أدى إلى تفاقم الاحتجاجات، وليس الحد منها أو القضاء عليها.

فقد تزايدت المواجهات خلال تلك المرحلة بين قوى الاحتجاج وخاصة الشيعية منها وأجهزة الأمن وقوات مكافحة الشغب مع انضمام بعض الحركات غير الشرعية، أو غير القانونية، إلى الحركة الاحتجاجية في البحرين مثل حركات "حق"، و"الأحرار"، و"أمل"، بدأ يُطرح لأول مرة في تاريخ البلاد شعار "إسقاط النظام"، وتحويل البحرين من ملكية إلى جمهورية، مما أدى إلى تعثر الحوار الذي دعا إليه ولى العهد بعد رفع سقف المطالب، وتفاقم الصدام بين أجهزة الأمن وقوى الاحتجاج، نتج عنه الاستعانة بقوات "درع الجزيرة" الخليجية في 14 مارس 2011.

وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار أن دخول تلك القوات إلى البحرين لم يكن بهدف القيام بمهام قتالية، ولكن بهدف مساعدة دولة عضو بمجلس التعاون الخليجي في حماية الممتلكات الحيوية وصد المخاطر المحتملة، والأهم من كل ذلك هو قطع الطريق على تدخل دول إقليمية، في الشئون الداخلية لدول المجلس.

ومن ثم، فإن دخول قوات خليجية مشتركة إلى البحرين في مثل هذا الظرف الأمني الحساس كان من شأنه توصيل رسالة إلى إيران مفادها أن أمن منظومة الدول الخليجية جزء لا يتجزأ.

على الجانب الآخر، هناك اتجاه معارض للاستعانة بهذه القوات، ويستند إلى أن دور قوات درع الجزيرة يقوم على عدم التدخل في الصراع الداخلي، وأن ما حدث في البحرين هو صراع داخلي وليس تهديدا خارجيا.

هذا الاتجاه ينظر إلى تلك القوات باعتبارها "غزو" أو "احتلال"، وأن دورها الحقيقي هو حماية نظام الحكم وليس حماية الشعب البحريني، وهناك من يعتبر أن مجلس التعاون الخليجي تحول إلى مجلس قيادة للثورة المضادة، بهدف إخماد "الثورة" القائمة في البحرين.

المرحلة الثالثة، تهدئة الصراعات الكامنة بين الحكم والمعارضة (1 يونيو 2011- 23 نوفمبر 2011) تمثلت أهم معالم تلك المرحلة في إلغاء قانون السلامة الوطنية وتكررت محاولات نظام الحكم تدشين حوار للتوافق الوطني مع قوى المعارضة في 2 يوليو 2011 إلا أن جمعية "الوفاق" الوطني الشيعية قاطعته واعتبرته "حوار من جانب واحد"، وتمخض الحوار عن مرئيات محددة (296 مرئية) في محاور مختلفة، سياسية وحقوقية واقتصادية واجتماعية تحاول الخروج بالبلاد من الأزمة الراهنة.

وشكلت لجنة حكومية بمتابعة تنفيذ مرئيات حوار التوافق الوطني، وباشرت اللجنة أعمالها بتكليف الوزارات والأجهزة الحكومية لوضع الآليات والخطط موضع التنفيذ.

وقد استبقت الحكومة الحوار بتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق في نهاية يونيو الماضي بشأن الاحتجاجات الشعبية يرأسها القاضي الدولي محمود شريف بسيوني، دون تدخل حكومي، كان خلاصة عملها هو تقرير نشر في 23 نوفمبر 2011، وحملت فيه الحكومة مسئولية قتل المتظاهرين وتعذيب المعتقلين، وفصل الموظفين من أعمالهم والقيام باعتقالات دون إذن قضائي، فيما ألقى التقرير باللائمة على المتظاهرين بسبب استهدافهم مواطنين من الطائفة السنية، وعمالا من جنوب أسيا.

كما شهدت تلك المرحلة إجراء الانتخابات التكميلية لمجلس النواب في 24 سبتمبر 2011، وأسفرت عن صعود المستقلين وتزايد مقاعد المرأة مع غياب للمعارضة الشيعية التي مثلتها جمعية الوفاق بعد انسحاب أعضائها الثمانية عشر في أعقاب الاحتجاجات وسبل السياسات الحكومية في التعامل معها.

ونظرا لغياب قوى المعارضة عن المشهد البحريني الداخلي لفترة من الوقت، فقد فكرت في العودة مرة أخرى من خلال وثيقة مشتركة وقعت عليها خمس جمعيات سياسية (وهي جمعية الوفاق والتجمع القومي الديمقراطي والتجمع الوطني الديمقراطي وجمعية العمل الوطني الديموقراطي "وعد" وجمعية الإخاء الوطني)، اصطلح على تسميتها بـ "وثيقة المنامة"، طرحت في 12 أكتوبر 2011، وتلخصت مطالبها في اتخاذ إجراءات من شأنها التحول نحو الديمقراطية مع الحفاظ على الملكية.

ومن أبرز المطالب التي حددتها الوثيقة تشكيل حكومة منتخبة بدل حكومة معينة، ويكون لمجلس النواب صلاحية مساءلة أعضائها فرادي وجمعا ممثلين في رئيس الحكومة، ومنح الثقة وسحبها من رئيس الوزراء والوزراء إذا فشلوا في تنفيذ البرنامج الحكومي الذي يقره مجلس النواب عند تشكيل الحكومة.

وتضمنت المطالب أيضا سلطة تشريعية تتكون من غرفة واحدة منتخبة تنفرد بكامل الصلاحيات التشريعية والرقابية والمالية والمالية، بدلا من نظام المجلسين المعتمد حاليا والذي يعطي الصلاحيات لمجلس منتخب وأخر معين في الوقت نفسه.

المرحلة الرابعة، عودة تصاعد الاحتجاجات (24 نوفمبر 2011- حتى 5 ابريل 2012) في اليوم التالي لنشر نتائج تقرير لجنة تقصي الحقائق، اندلعت الاحتجاجات في البلاد من جانب قوى المعارضة التي يغلب عليها المكون الشيعي، رغم وجود مؤشرات لجهود حكومية في التهدئة من الاحتجاجات.

وخلال هذه المرحلة، ظهرت رؤى الحكومة لتغيير أداء جهاز الأمن في التعامل مع قوى الاحتجاج، حيث أقال الملك حمد بن عيسى رئيس جهاز الأمن الوطني الشيخ خليفة بن عبد الله، وعين بدلا منه عادل بن خليفة الفاضل.

كما تعاقدت وزارة الداخلية مع خبراء دوليين في مجال إصلاح جهاز الأمن، وهي رسالة للعالم الخارجي مفادها التأكيد على الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان بعد نشر تقرير تقصي الحقائق الذي أشار إلى استخدام القوة المفرطة في المواجهات التي حدثت بين المواطنين وأجهزة الأمن.

ورغم أن بعض الجهود الحكومية قد أعطت انطباعا بإمكانية وأد الاحتجاجات وتراجعها إلا أنها لم تعالج الأزمة السياسية الراهنة في البلاد، إذ عادت الاحتجاجات بين أجهزة الأمن من جانب والمعارضين المسلحين والنشطاء السياسيين من جانب أخر، وإن تزايدت بدرجة أكبر في القرى الشيعية، نتج عنها اعتقال بعض المتظاهرين واستهداف عدد من النشطاء السياسيين، في مقابل قيام عدد من الشباب الشيعة بمهاجمة قوات الأمن بقنابل المولوتوف وإشعال مستودعات القمامة واستخدام الأسياخ الحديدية وإغلاق الشوارع، الأمر الذي دعا الحكومة إلى إعداد قانون يجرم الاعتداء على رجال الأمن.

ثانيا: خصوصيات الاحتجاجات البحرينية هناك عناصر من التمايز بين الحالة البحرينية وباقي حالات الثورة العربية، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي.

جوانب الاختلاف عن الحالات الثورية العربية يتعلق أول جوانب الاختلاف بين حالة البحرين وباقي الحالات الثورية العربية الأخرى بالتوصيف الدقيق للمشهد البحريني الراهن، سواء كان "ثورة شعبية" أو "انتفاضة جماهيرية" أو "حركة احتجاجية" أو "أزمة داخلية".

إن وصف ما يحدث في البحرين على أنه "ثورة" ينطوي على تعميم خاطئ ومبالغ فيه إلى حد كبير.

مفهوم الثورة يشير إلى إحداث تغيير جذري وصياغة عقد اجتماعي جديد بين السلطة الحاكمة والمحكومين، عبر عمل شعبي واسع.

ومن ثم، فإن السمتين الأساسيتين في الثورة هما السعي إلى إدخال تغييرات جذرية داخل المجتمع، ومشاركة قطاعات واسعة من الشعب في هذه الثورة، فلا يمكن الحديث عن عمل فردي أو فئة أو شريحة اجتماعية محددة باعتبارها عملا ثوريا، وإلا اصطدمت مع الأغلبية.

وإذا كان هذا التعريف ينطبق على ثورات تونس ومصر، وليبيا واليمن، وسوريا، مع الأخذ في الاعتبار المدى الزمني الذي يتطلبه اكتمال كل حالة من هذه الحالات، ومن هنا يرى البعض أن ما يحدث في البحرين أقرب إلى حركة احتجاج عنيفة، لا يتعدى كونها انتفاضة محدودة، لم تصل بعد إلى حالة الانتفاضة الشاملة أو الثورة الشعبية في حين رأها البعض الأخر بمثابة "انقلاب" حاول القائمون به اعتباره "ثورة للإصلاح" تهدف إلى "إسقاط النظام"؛ إلا أن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي مثل الشعار الرئيس في حالات الثورة العربية الأخرى ليس محل توافق بين قطاعات المجتمع البحريني، بل داخل الطائفة الشيعية ذاتها.

إن ما يجري في البحرين، أقرب إلى "أزمة سياسية" ممتدة بين النظام وقوى المعارضة، خلق أزمات مصغرة داخل أجنحة الحكم، وأزمة داخل قوى المعارضة، وأزمة بين المعارضة السنية والمعارضة الشيعية، بل وأزمة داخل الطائفة الشيعية ذاتها.

ولم يكن ذلك وضع فريد من نوعه، حيث شهدت البلاد حالات مماثلة لها قبل ذلك، وإن كانت أقل حدة، سواء في عقد الخمسينات أو السبعينات أو في منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي حينما سادت حالة من الفراغ الدستوري، والاحتقان السياسي، والتوتر الطائفي، والارتباك الأمني، بما يشير إلى أن هذه الاحتجاجات تتجدد كل عقدين من الزمن.

كما تحمل الاحتجاجات الحالية صبغة إقليمية حيث تأتي الأزمة الحالية في سياق عام يغلب عليه انتقال العدوى من الثورات القادمة من دول الجوار الجغرافي العربي.

جانب الاختلاف الثاني يتمثل في طبيعة الدولة الوطنية البحرينية ذاتها.

فقد فاقم من حدة اختلاف الاحتجاجات في البحرين عن غيرها أن البحرين واحدة من الدول شديدة الخصوصية في العالم العربي، فهي أصغر الدول من حيث المساحة الجغرافية، وهي أضعفها من حيث التركيبة الديموغرافية، خاصة في ضوء وجود أغلبية شيعية محكومة وأقلية سنية حاكمة، حيث تشير أغلب التقديرات الدولية إلى أن الشيعة يمثلون ما بين 60 إلى 70% من النسيج المجتمعي.

أضف إلى ذلك قلة الموارد الاقتصادية والثروات الطبيعية، فهي ليست دولة نفطية أو ريعية بالمعيار الخليجي العام.

ولا يختلف الوضع كثيرا فيما يتعلق بوضعها الإقليمي، فمن ناحية تجاورها دولتان كبيرتان تتنازعان ولاء سكانها هما العراق وإيران ومن ناحية أخرى، فإنها تواجه تهديدا من جانب إيران بتبعيتها لها كمحافظة رابعة عشرة.

ومن ثم، فإن الاحتجاجات خلقت أزمة في البحرين شديدة التعقيد ومتعددة الأبعاد، فهي في أحد أبعادها أزمة علاقة بين الدولة والمجتمع، وفي بعد آخر أزمة بين النظام والمعارضة، وفي بعد ثالث أزمة طائفية بين الأقلية السنية والأكثرية الشيعية، وفي بعد رابع هي أزمة علاقات ثنائية بين المنامة وطهران، وفي بعد خامس هي امتداد لأزمة التنافس السعودي- الإيراني على النفوذ الإقليمي.

جانب الاختلاف الثالث يتمثل في بروز البعد الطائفي في تفاعلات الأزمة، رغم رفع شعارات تعبر عن الوحدة الوطنية من قبيل "لا شيعية ولا سنية..

وحدة وحدة بحرينية"، و"لا سنية ولا شيعية..

ثورة ثورة شعبية"، مع الأخذ في الاعتبار أن الأزمة الراهنة "كاشفة" وليست "منشئة" لأوضاع طائفية، وهو ما عبرت عنه تصريحات رسمية.

كما يؤيد التوصيف ذاته بعض الرموز الدينية، مثل الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

ويكرس البعد الطائفي في الاحتجاجات البحرينية أنه رغم امتداد حالة السخط إلى السنة، خاصة داخل الطبقات الفقيرة، إلا أن هؤلاء لا يشاركون في المظاهرات والاحتجاجات المناهضة للحكومة بسبب هيمنة الشيعة عليها.

أضف إلى ذلك أنه عادة ما يكون لهذه الأسر أفراد يعملون في الشرطة أو الجيش، الأمر الذي يضعها في حرج شديد.

وعلى الجانب الآخر، فإن الطبقات المتوسطة والعليا من السنة شاركت في المسيرات المؤيدة للحكومة.

بعبارة أخرى، فإن الشيعة لازالوا يمثلون القوة المحركة حتى الآن للموجة الاحتجاجية في البحرين.

هناك مؤشرات عديدة على غلبة الطابع الشيعي على الحركة الاحتجاجية في البحرين، مثل استخدام الأعلام السوداء التي عادة ما ترفع في الاحتفالات الدينية ذات الطبيعة الشيعية.

كما خرجت أغلب المظاهرات من مناطق يقطنها أغلبية شيعية أو شيعة فقط، في حين لم تخرج احتجاجات من مناطق سنية.

أضف إلى ذلك أن الرموز والشخصيات العامة التي حاول المحتجون استقطابها خلال فترة الأزمة ينتمي أغلبها إلى الطائفة الشيعية، مثل الشيخ علي سلمان الأمين العام لحركة الوفاق الإسلامية، وحسن مشيمع الأمين العام لحركة حق.

كما تحول مجمع السلمانية الطبي إلى منشأة يتحكم فيها الشيعة، بما يشير إلى تسييس المرافق الصحية في المملكة، وتحول المستشفى من علاج طبي إلى مكان للتظاهر والاعتصام، حيث يتم إلقاء الخطب الجماهيرية ورفع الشعارات السياسية، بل إن أحد المؤشرات البارزة على تأجج الطابع الطائفي رفض العاملين في المجمع علاج الجرحى من السنة، مما أضطرهم للانتقال للعلاج في المستشفى التابع للقوات المسلحة.

ولا يعني ذلك أن الشيعة في الأحتجاجات الراهنة تصرفوا على نهج واحد، بل أن الشيعة انقسموا إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول يميل للعداء مع نظام الحكم ويتبع النهج الإقصائي إزاء السنة أو الأقليات الأخرى، وإنما يريد استضعاف الفئات المجتمعية الأخرى بما يؤدي إلى هضم حقوق المواطنة، ولا يتوافر لديه الاستعداد للتعاون والحوار مع قوى سياسية مغايرة له في الفكر أو الأسلوب.

أما القسم الثاني، فهو يقع في المنطقة الرمادية، وتنتظر لمن ستكون الغلبة وسوف يكونون مع الطرف الغالب، في حين أن القسم الثالث من الشيعة يعلن ولائه للنظام الحاكم وللوطن، ويحملون نفس مطالب وهموم السنة.

جانب الاختلاف الرابع هو بروز "طرف ثالث" لحالة الاستقطاب القائمة في الحالة البحرينية، بين نظام حكم سني وأغلبية معارضة شيعية.

فقد أدت الاحتجاجات إلى نشأة إطار جديد حمل أسم "تجمع الوحدة الوطنية"، بعد ائتلاف أربع جمعيات سياسية، من خارج المعارضة، رأسه الشيخ عبد اللطيف المحمود.

وقد مثل هذا الائتلاف عمليا قوى التيار الإسلامي السني، وبعض الشخصيات المستقلة، وتبنى بعض مطالب الجمعيات السياسية السبع، مع اختلاف في التفاصيل والتفسيرات، على نحو يقرب المسافة بين كافة الأطراف السياسية، وصولا إلى بلورة ورقة مطالب مشتركة، إلا أن الحوار بينهما وصل إلى طريق مسدود.

وتمثلت رؤى هذا التجمع في إرساء دعائم دولة بحرينية مدنية حديثة تطلق فيها الحريات وتصان فيها الحقوق وتظلها أحكام القانون وتدرأ مخاطر اندلاع التمييز والاضطهاد الطائفي، مع إجراء تعديلات جوهرية في الدستور، في إطار التمسك بشرعية الحكم، وإرساء ملكية دستورية تلاءم الواقع الداخلي، فضلا عن مطالبة الدولة بتطوير الخدمات العامة وحل المشكلة السكانية وزيادة الرواتب والمعاشات ومعالجة مشكلة الفقر.

جانب الاختلاف الخامس هو "عسكرة" الانتفاضة البحرينية، فقد تميزت قوى الاحتجاج بدرجة ملحوظة من التسليح، والرد العنيف ضد النظام، وعلى العكس من إصرار المحتجون في تونس ومصر على التمسك بسلمية ثورتهم رغم استخدام النظام العنف ضدهم، فقد لجأ البحرينيون إلى استخدام العنف ضد قوات الأمن، وصل لحد دهسهم بالسيارات حتى الموت، والتنكيل بجثثهم، واختطافهم، وتعذيبهم والتحقيق معهم، واختطاف آخرين من بيوتهم في أوقات متأخرة من الليل وضربهم بشكل مبرح، واقتيادهم في مشاهد مهينة إلى أحد أجنحة مستشفى السليمانية بالمنامة للاحتجاز وليس للعلاج.

فضلا عن ذلك، استغلت بعض القوى المحتجة الشعائر الحسينية في المملكة لتخزين الأسلحة والسيوف ورفع صور لقيادات دينية أو سياسية من خارج البحرين.

وعلى الرغم من هذا الملمح عرفته الثورات في كل من اليمن وسوريا، إلا أن الاختلاف يكمن في العنف الموجه ضد قطاعات من المجتمع أيضا، سواء من المواطنين أو الوافدين.

فضلا عن ذلك، كان القائمون على تسليح المعارضة ينتمون إلى الطائفة الشيعية ويوجهون ضرباتهم ضد أبناء الطائفة السنية، كما لو أنها حرب طائفية.

ويتمثل جانب الاختلاف السادس في وضوح تأثيرات العامل الخارجي في الأزمة، وتحديدا في استعداء قوات درع الجزيرة لفرملة الأثر الانتشاري للعدوى الاحتجاجية من البحرين إلى دول خليجية أخرى.

ومن هنا، ضخت دول مجلس التعاون الخليجي مساعدات مالية، بلغت 10 مليارات دولار، لتنفيذ مشروعات تنموية بهدف تخفيف حدة الأزمة في البحرين، وذلك بعد أن قرر المجلس الوزاري الخليجي استحداث "برنامج التنمية الخليجي" في ختام اجتماعات الدورة الثامنة عشر بعد المائة في مارس 2011.

كما تصاعد تأثير العامل الإقليمي في الاحتجاجات البحرينية ممثلا في "العامل الإيراني"، على المستوى الإعلامي والدعائي، الرسمي وغير الرسمي.

وامتد التأثير أيضا ليشمل التنظيمات دون الدولة المرتبطة بإيران، وتحديدا حزب الله.

ووجهت اتهامات رسمية لحزب الله بقيامه بتدريب بحرينيين على تنظيم الاحتجاجات، وهو ما نفاه الحزب.

ثالثا: سيناريوهات الاحتجاجات البحرينية يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الاحتجاجات في مملكة البحرين خلال المرحلة المقبلة، على النحو التالي.

1- سيناريو تذبذب الاحتجاجات يقوم هذا السيناريو على تأرجح الاحتجاجات بين الصعود مثل "ثورات البراكين" تهدأ حينا وتشدد أحينا أخرى، في حال توافر السياق الداخلي المهيئ لها.

ووفقا لهذا السيناريو، لا توجد معالجات جوهرية لمشكلة الشيعة في المملكة، وإنما يتعلق الأمر بسياسات تسكين مؤقتة.

ويستند هذا السيناريو إلى أن هناك فجوة كبيرة بين فهم السلطة الحاكمة في البحرين للإصلاح وفهم القوى السياسية المعارضة وتحديدا الشيعية له، حيث يرى قطاع من الشيعة أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يمنحهم حقوقهم المذهبية السياسية والاقتصادية بما يتفق مع حجمهم العددي في المجتمع، فيما تعتبر السلطة الحاكمة ذلك بمثابة تهديد جدي لها.

هذا التباين في الرؤية هو الذي ينتج "العقدة الشيعية"، والطريق إلى حل هذه العقدة هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الانسجام بين طبيعة نظرة السلطة والشيعة إلى عملية الإصلاح.

ويفترض هذا السيناريو استمرار المظاهرات والضغوط الداخلية المطالبة بالإصلاح، وتغيير في تكتيكات المعارضة من التظاهرات في الشوارع إلى بث دعوات تدعو إلى عرقلة حركة المرور مثلا وإغلاق بعض الطرق في توقيتات تتزامن مع ذهاب الطلاب إلى مدارسهم والموظفين إلى أعمالهم، أو تنظيم مسيرات داخل أكبر المجمعات التجارية "مجمع سيتي سنتر"، لكن السيطرة تبقى في النهاية لأجهزة الأمن، وهي سلوكيات لن تؤدي ذلك إلى حدوث تحول كبير عن النهج الراهن في الإصلاح السياسي في المملكة، بل تؤدي إلى تصاعد نفوذ الجناح المتشدد في الحكم.

كما لا يتوقع إدخال إصلاحات جذرية على النظام السياسي القائم، أو تخلي الأسرة الحاكمة عن السلطة، فالهدف الأخير لعملية الإصلاح التدريجي هنا هو الحفاظ على بقاء النظام، بما يغلب البعد الأمني على البعد السياسي للأزمة.

2- سيناريو تصاعد الاحتجاجات يقوم هذا السيناريو على تفاقم وتصاعد الاحتجاجات واحتدام الأزمة بين قوى الاحتجاج ونظام الحكم، وتراجع بديل الحوار والإصلاح التدريجي، وتكريس وتعميق حالة الاستقطاب المذهبي بين السنة والشيعة.

وتزداد احتمالات تحقق هذا السيناريو في ظل وجود جناح متشدد داخل الأسرة الحاكمة يؤمن بضرورة إتباع نهج أكثر تشددا ضد المعارضة، ووجود أجنحة مماثلة داخل المعارضة ترفض الحلول الوسط وتؤمن بضرورة التصعيد ضد النظام والبناء على الحالة الثورية القائمة في المنطقة.

كما تزداد احتمالات تحقق هذا السيناريو أيضا في حالة استمرار التدخل الإيراني الإعلامي لدعم الشيعة أو الدعم المالي الذي لا يمكن ضبطه.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في إمكانية تعطيله لعملية التحول الديمقراطي برمتها.

ويستند هذا السيناريو أيضا إلى فشل القوى المعارضة في تحقيق أهدافها من جانب وتصور البعض داخل نظام الحكم بأنه انتصر وحسم الصراع السياسي لصالحه من جانب أخر، إلا أن هذا التصور أو ذاك لا يحقق معالجة كاملة ونهائية للأزمة.

وثمة مؤشرات محددة لذاك منها استمرار عمليات الاعتصام داخل المدن الشيعية، بنسب متفاوتة، وفقا لنهج الكر والفر، بما أدى إلى انقسام المدن البحرينية إلى مدن آمنة نجح النظام في السيطرة الكاملة عليها، وأخرى غير مستقرة يسيطر عليها النظام بشكل جزئي، ومدن ثالثة تتحكم فيها القوى المعارضة الشيعية، وهو ما يؤدي إلى "المأسسة الطائفية"، لتنتقل من السياسة إلى المجتمع.

أضف إلى ذلك أن المعارضة الرسمية وغير الرسمية بدأت تثير أبعاد الأزمة البحرينية في المحافل الدولية المعنية بحقوق الإنسان من أجل تصعيد الضغوط الخارجية على نظام الحكم.

وعلى مستوى سياسات النظام استمرت سياسة استهداف النشطاء السياسيين ومنظمي الأعمال الاحتجاجية وإصدار القضاء أحكام عليهم أو فصلهم من وظائفهم.

كما هدمت السلطات البحرينية عدد من المساجد الخاصة بالطائفة الشيعية والمأتم الحسينية للشيعة وأضيف إليها عدد من المساجد الواقعة في المناطق السنية حتى لا يفسر بأنها استهداف للشيعة.

إن تحقق هذا السيناريو سيكون له تأثيراته السلبية على الاستقرار الداخلي وتهديد حالة التوازن الهش القائمة، واحتمال جر البلاد إلى مستويات مرتفعة من العنف الطائفي.

3- سيناريو انتهاء الاحتجاجات يقوم هذا السيناريو على أساس تبني مدخلين: المدخل الأول هو اتجاه النظام الحاكم إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، خاصة المشكلة الطائفية، وتطبيق حزمة من الإصلاحات السياسية.

المدخل الثاني هو تراجع قدرة المعارضة على الاستمرار في الحركة الاحتجاجية، وهو احتمال غير مستبعد في ظل حالة انقسامات المعارضة.

يتواز مع ذلك طرح المعارضة الشيعية مشروع وطني للإصلاح وليس مشروع سياسي لتحقيق مطالب فئوية ضيقة.

إن التقييم العام للسيناريوهات الثلاث من حيث التكلفة والعائد يشير إلى إن السيناريو الأول (تأرجح الاحتجاجات) هو الأقرب إلى التحقق في المستقبل المنظور، بينما يعد السيناريو الثاني (تصاعد الأحتجاجات) هو الأسوأ من منظور عملية التطور السياسي، بينما يعد السيناريو الثالث (انتهاء الاحتجاجات) هو الأفضل.

ويرجع ملاءمة السيناريو الأول لأنه يراعي طبيعة المجتمع البحريني من حيث تركيبته الديموغرافية والمذهبية، كما أنه يلاءم طبيعة الأنظمة السياسية التي اعتادت الركود لفترة طويلة، وهو ما يمكن اعتباره الخيار الآمن، سواء لنظام الحكم أو لقوى المعارضة، بحيث يمكن البناء على المكتسبات التي حققها على مدار سنوات في ظل حكم الملك حمد، والحد من الانتكاسات التي تعرضت لها تجربة الانتقال إلى الديمقراطية.

طباعة
د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية