دراسات

عام من الثورة التونسية: المسار والتحديات

الثورة التونسية
طباعة

فى السابع عشر من ديسمبر 2010 قام شاب تونسى يُدعى محمد بوعزيزى من ولاية سيدى بوزيد بإحراق نفسه احتجاجا على قيام السلطات المحلية بمصادرة عربة لبيع الخضار والفاكهة كانت تمثل مصدر رزقه الوحيد ، وفى الرابع من يناير 2011 توفى بوعزيزى لتكون الحادثة الشرارة الأولى التى اندلعت بمقتضاها مظاهرات عارمة شملت مدن بوزيد وتالة والقصرين وسليانة والرقاب ومعظم المدن الكبرى والعاصمة تونس احتجاجا على تردى الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة بين فئات عريضة من الشباب، وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى ثورة عارمة انضمت إليها مختلف طوائف الشعب التى نددت بتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم وانتشار البطالة وغياب العدالة الاجتماعية، وكبت الحريات، وإهدار حقوق الإنسان، لتتحول الاحتجاجات من مجرد مظاهرات غاضبة إلى ثورة عارمة اتخذت من شعار "الشعب يريد تغيير النظام" مطلبا شعبيا وجماهيريا، حيث كشفت الثورة التونسية عن عوار النظام السياسى القائم على حكم الفرد وتعثر عملية تداول السلطة وتوظيف سافرلأدوات القمع والاعتقال، وقد حاول الرئيس التونسى المخلوع زين العابدين بن على انقاذ نظامه عبر خطاب استعطافى يحمل العديد من الوعود بغدٍ أفضل يتلافى فيه أخطاء 24 عاما من الحكم الفاشل إلا أن خطابه الاستفزازى لم يزد الثوار إلا تمسكا باستكمال مسار ثورتهم إلى أن أضطر تحت وطأة الثورة إلى الهروب من البلاد فى 14 يناير 2011 خاصة بعد انحياز المؤسسة العسكرية للشعب، وقد سجل بن على بهروبه تاريخا للثورة التونسية التى ألهبت حماس العديد من شباب الدول العربية وكانت فاتحة لثورات شعبية شملت كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا.

أولا: تطورات المشهد السياسى فى تونس بعد الثورة:

1.

مرحلة ما قبل انتخابات المجلس التأسيسى :

واجهت الثورة التونسية أولى تحدياتها السياسية فى أعقاب شغور منصب الرئيس حيث اتسمت تلك المرحلة بالارتباك والتردد الذى يمكن إجمال معالمه فى ثلاثة نقاط محددة:

النقطة الأولى: أن الثورة التونسية وخلال الشهور الأربعة الأولى شهدت مرحلة تجاذب واضحة بين نظام قديم يستميت فى البقاء والصمود فى مواجهة التغييرات التى تطالب بها القوى الثورية وبين نظام جديد يتشكل من رحم ثورة شابة وذلك عبر محاولة النظام التكيف الاضطرارى مع الواقع الجديد بهدف إعادة إنتاج نفسه، إلا أن تلك النخبة القديمة التى تولت السلطة فى أعقاب سقوط بن على لم تكن تمتلك مشروعا واضحا لتحقيق أهداف الثورة، حيث تولى رئيس الوزراء محمد الغنوشى الرئاسة مؤقتا ولأن هذه الخطوة تعد مخالفة للدستور(دستور1959) الذى طالبت الثورة بتعليقه أعلن فى 15 يناير عن تولى رئيس البرلمان فؤاد المبزع منصب الرئيس طبقا لأحكام الفصل رقم57 من الدستور بصورة مؤقتة إلى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة فى مدة أقصاها 60 يوما من تاريخ تسلم الرئيس المؤقت المنصب، وهو السيناريو الذى كان يتوقعه أنصار نظام بن على؛ أى النظر إلى الثورة التونسية كحركة إصلاحية تستهدف فقط تغيير رأس النظام، ولكن تطورات الأحداث أثبتت صعوبة تفعيل النص الدستورى مما دفع الغنوشى إلى تكوين حكومة وحدة وطنية تقوم بتسيير شئون الدولة إلى حين الإعداد لانتخابات تقوم على التعددية السياسية، فى الوقت الذى بدأ فيه الثوار مرحلة جديدة من الثورة وهى مرحلة حشد المطالب والسعى إلى تحقيقها، وقد تعرضت تلك الحكومة لانتقادات حادة ورفض شعبى لكونها تضم عددا من المسئولين والتكنوقراط الذين عملوا فى النظام السابق.

كما برز دور الاتحاد العام للشغل كجهة نقابية لها تاريخ طويل فى مواجهة نظام بن على مما عرضه للإنهاك بفعل القبضة الأمنية أحيانا وللاحتواء أحيانا أخرى حيث نجح بن على فى استمالة قيادات الاتحاد التنفيذية، إلا أنه ومع اندلاع الثورة بدا الدور القوى والحاضر فيها من قبل الاتحاد وهيئاته المختلفة وقياداته النقابية التى كانت درعا ميدانيا للحركات الاحتجاجية فى أيامها الأولى.

النقطة الثانية: تشير إلى بدء التحول فى مسار الثورة التونسية نحو حشد المطالب خاصة بعد الرفض الشعبى لحكومة الغنوشى الانتقالية مما اضطرها إلى التقدم باستقالة جماعية، وتم تعيين الباجى قائد السبسى رئيسا للحكومة وهنا بدأ مسار الثورة التونسية يشهد تطورات نبأت عن رغبة عارمة فى تغيير نظام بن على بالكامل، حيث تقدم الثوار بمجموعة من الطلبات منها:

• إجراء انتخابات مجلس شعبى تأسيسى على أن تكون مهمة المجلس صياغة دستور جديد يتم بعدها التحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية.

• حل مجلسى النواب والمستشارين.

• إيقاف العمل بالدستور.

• حل حزب التجمع الدستورى الحاكم بحكم قضائى وتصفية أمواله وممتلكاته.

• إلغاء إدارة الأمن السياسى.

• تكوين الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسى والتحول الديمقراطى وتضم ممثلى الأحزاب والمنظمات والخبراء وممثلين عن الشباب تكون مهمتها إعداد النصوص التشريعية ذات العلاقة بالتنظيم السياسى واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتحقيق أهداف الثورة إلى حين انتخاب مجلس تأسيسى يتولى دوره التشريعى والرقابى.

• سن العفو التشريعى العام عن رموز المعارضة من المقيمين والمنفيين.

• إنشاء هيئة عليا مستقلة للإشراف على الانتخابات.

النقطة الثالثة: تشير إلى التناقض فى المواقف السياسية بصورة طبعت المشهد السياسى التونسى فى الشهور التى سبقت إجراء انتخابات المجلس التأسيسى بقدر كبير من عدم الوضوح فبعض هده المواقف انحاز لمطالب التغيير خاصة ما يتعلق منها بإقالات قيادات الأجهزة الأمنية وحل الحزب الحاكم وتشكيل لجنة عليا لحماية أهداف الثورة، وبعضها سار فى الاتجاه المقابل يذكر منها مواجهة المظاهرات الاحتجاجية التى خرجت للحث على استكمال أهداف الثورة فى بعض المحافظات ومع تلاها من اعتصامات فى ميدان القصبة أمام مقر الوزارة بقدر من العنف غير المتوقع، مما يشير إلى استمرار النهج القمعى فى مواجهة المطالب الشعبية ناهيك عن تعيين عدد كبير من المحافظين من بين مسئولين ينتمون للنظام السابق ومتورطين فى قضايا فساد، أضف إلى ذلك اتسام هذه المرحلة من عمر الثورة بتشتت القرار السياسى بين العديد من الجهات المؤسسية؛ وهى الحكومات المؤقتة ( محمد الغنوشى الأولى والثانية وحكومة السبسى ) ، والمؤسسة العسكرية، ومسئولى وقادة الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية .

2.

مرحلة انتخابات المجلس التأسيسى:

عبرت العملية الانتخابية التى أجريت فعاليتها فى 23 أكتوبر الماضى عن رغبة جماهيرية عارمة فى بناء الجمهورية التونسية الثانية على أسس وقواعد ديمقراطية تبدأ بالدستور أولا وتنتهى بانتخاب الرئيس، فقد غلب على المشهد السياسى خلال الأسابيع القليلة التى سبقت انتخابات المجلس التأسيسى حالة من التداخل بين الرؤى الحزبية والدينية بصورة غلب عليها الطابع الأيديولوجى وإن توافقت القوى الحزبية على جعل المواجهات السياسية الدعائية ذات طابع "وسطى" إلى حد ما، كما كان للعدد الضخم من القوائم الحزبية والمستقلين المشاركين فى العملية الانتخابية دورا فى إزكاء التنافس الانتخابى، حيث شارك فى الانتخابات 1500 قائمة حزبية ومستقلة ضمت ما يقرب من 10 آلاف و500 مرشح يمثلون 100 حزب سياسى يتنافسون على 217 مقعداً، بهذا السياق يكون المشهد الحزبى التونسى قبل الانتخابات قد اتسم بمتغيرات جديدة عليه يمكن رصدها فيما يلى

• تأييد شعبى وجماهيرى صارخ لحزب النهضة الإسلامى الذى تأسس فى عام 1981، ويعد الحزب ممثلا للرؤى المعتدلة من فكر جماعة الأخوان المسلمين، فقد نال برنامجه الانتخابى استحسان العديد من فئات المجتمع بالرغم من تخوف النخبة المثقفة من تباين خطابه السياسى بين المنابر السياسية والمنابر الدينية حيث يتسم بالاعتدال والمرونة فى الأولى والتشدد فى الثانية، إلا أن هذه الإزدواجية غابت عند طرح الحزب برنامجه الانتخابى الذى اتسم بقدر عال من الاعتدال خاصة فى النقاط التى غالبا ما أثارت توجس العديد من فئات المجتمع والقوى السياسية ذات الطابع العلمانى، حيث لم يشر البرنامج المكون من 365 بندا كاملا إلى تطبيق الشريعة مثلا، أو اتخاذ سياسيات تمييزية ضد المرأة.

• تقديم حزب التكتل من أجل العمل والحريات- الذى تأسس فىعام 1994 ومنح الترخيص القانونى فى 2002 ممثلا لتيار اليسار - برنامجا يوفر بديلا وسطيا للعملية السياسية التونسية يقوم على إدارة الدولة وفقا لنظام سياسى مختلط برلمانى - رئاسى، وقد اكتسب هذا الحزب مزيدا من الشعبية من خلال برنامجه الداعى إلى القطيعة التامة مع النظام القديم ورموزه.

• بروز دور العريضة الشعبية المستقلة ويمثلها حزب المحافظين التقليديين وحصل على الترخيص القانونى فى 15 يوليو2011.

حيث طرحت العريضة نفسها على الواقع السياسى التونسى عبر خطاب توافقى إسلامى تقدمى يحمل أبعادا اجتماعية، وقد استطاعت العريضة المنافسة بقوة فى الانتخابات الأخيرة.

• القطب الديمقراطى الحداثى وهو حزب ذو توجهات يسارية تأسس فى 31 مايو 2011، ويضم 11 حزبا وقدم نفسه من خلال برنامج علمانى متطرف مستهدفا مواجهة الإسلاميين ولكنه حصل على نسبة تمثيل ضئيلة فى المجلس التأسيسى .

نتائج الانتخابات ودلالاتها:

ما سبق عرضه يوضح أهم القوى السياسية التى لعبت تأثيرا واضحا فى اجتذاب أصوات القاعدة الانتخابية التونسية التى تضم 7 ملايين مواطن، وقد خضعت العملية الانتخابية التونسية الأولى من نوعها للرقابة بما يضمن النزاهة والشفافية، وبلغت نسبة المشاركة فى الاقتراع حوالى 70 % كما سجلت نسبة تصويت التونسيين المقيمن فى الخارج حوالى 40 % وتم تمثيلهم فى المجلس الوطنى التأسيسى بـ 18 عضواً.

وقد جاءت النتائج معلنة فوز حركة النهضة الإسلامية بـ 89 مقعداً، يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية فائزا بـ 30 مقعدا، ثم العريضة الشعبية وحزبها المحافظين التقدميين بحصولها على 26 مقعداً، ثم حزب التكتل من أجل العمل والحريات الذى احتل المرتبة الرابعة بـ 21 مقعداً، وجاء فى المرتبة الخامسة الحزب الديموقراطى التقدمى حائزا على 16 مقعداً، وأخيرا فاز كل من القطب الديموقراطى الحداثى وحزب المبادرة بـ 5 مقاعد لكل منهما.

وقد اتسم المشهد السياسى التونسى فى هذه الأثناء بحالة من التوافق التى تبلورت فى النقاط التالية:

- صدور قانون الانتخابات الذى صيغ بطريقة تمنع احتكار أى فصيل سياسى للأغلبية البرلمانية والذى حتم على القوى السياسية الفائزة بالانتخابات الدخول فى تحالفات من أجل تشكيل الحكومة، حيث يمكن أن يتشكل انتخاب المجلس الوطنى التأسيسى من عشرات المجموعات السياسية التى تحظى بنفس الأهمية العددية داخل المجلس، لا بالأهمية العددية داخل الشعب والهدف من ذلك هو تمثيل أكبر عدد ممكن من الأطياف والقوى السياسية، وهو ما يعنى أن المجلس التأسيسى مجلس يغلب عليه الطابع التوافقى .

- على الرغم من أن حالة التوافق السياسى التى عايشتها تونس خلال المرحلة الانتخابية وما تلاها من مراحل تكوين المجلس التأسيسى كانت تعبيرا عن حالة ديمقراطية وليدة، إلا أنها فى الوقت نفسه قد أنتجت تحديات كبيرة على الساحة السياسية تمثلت أولى هذه التحديات فى تشكيل أول حكومة بعد الانتخابات التى شهدت تجاذبات عديدة بين القوى السياسية المكونة للمجلس التأسيسى، إلا أن هذه التجاذبات تم تطويعها فى حالة من التوافق انعكست على مفاوضات حسم الرئاسات الثلاثة بعد حالة من التباين بين أحزاب النهضة والمؤتمر والتكتل، حيث صادق المجلس التأسيسى على دستور مؤقت للبلاد وعلى قانون التنظيم المؤقت للسلطات بغالبية 141 صوتاً مقابل 37 صوتاً معارضاً وامتناع 39 عضواً فى جلسة تاريخية جرت فعاليتها فى الحادى عشر من ديسمبر الماضى، بعد اختلاف بين أعضائه حول البنود المرتبطة بالصلاحيات السياسية التى ستمنح لأصحاب الرئاسات الثلاث، كما "توافقت" الآراء على رئاسة الوزراء لصالح الأمين العام لحزب النهضة حمادى الجبالى، ورئاسة الدولة لصالح منصف المرزوقى رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ورئاسة المجلس التأسيسى لصالح الأمين العام لحزب التكتل مصطفى بن جعفر.

3.

مرحلة ما بعد الانتخابات:

شهدت مرحلة ما بعد انتخابات المجلس التأسيسى عودة لأجواء الثورة من احتجاجات واعتصامات الأمر الذى دفع الرئيس المؤقت منصف المرزوقى إلى اتهام بعض قوى اليسار بالمسئولية عن الأحداث خاصة الاعتصامات التى شهدها شهر يناير الماضى فى العديد من المناطق المهمشة وحثها على تصعيد مطالبها الاجتماعية فى 8 ولايات فقيرة تقع معظمها على الحدود التونسية الجزائرية، وهو ما اعتبره حزب النهضة محاولة لإحراج الحكومة وإظهارها بمظهر العاجز أمام مطالب القوى الشعبية والرأى العام بأكمله، فى هذا السياق بدا واضحا أن المشهد السياسى الذى خلفته انتخابات المجلس التأسيسى الذى اتسم بحد أدنى من التوافق قد تغيرت ملامحه ليشهد انقساما حادا فى صفوف القوى السياسية وهو ما أعاد الاحتقان الإيديولوجى - الذى اختفى مؤقتا- إلى ساحة العمل السياسى بقوة وأصبح الشغل الشاغل للقوى العلمانية خاصة اليسارية منها اثبات فشل مشروع الائتلاف الحاكم بزعامة حركة النهضة بشقيه السياسى والاقتصادى، فى هذا السياق أخذت تتبلور ملامح مشهد حزبى جديد مخالف لذلك المشهد الذى كان موجودا قبل واثناء انتخابات التأسيسى حيث اتجهت الأحزاب لإقامة "اندماجات حزبية" مستفيدة من الأخطاء التى نتجت عن تشتتها الحزبى فى مواجهة حركة النهضة التى تمتعت عناصرها بقدرة عالية على تعبئة الرأى العام للتصويت لها فى انتخابات التأسيسى .

وبينما تسعى الأحزاب المعارضة إلى التكتل فى مواجهة الائتلاف الحاكم الذى يتكون من حزب النهضة الإسلامى وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات نجد الائتلاف قد بدأ يعانى من اختلافات تنذر بحدوث انشقاقات بين صفوفه؛ فحزب التكتل من أجل العمل والحريات أحد أضلع المثلث الحاكم بات يعانى من انشقاقات تمثلت فى انسحاب العديد من أعضائه على خلفية مجموعة من الأسباب تنحصر معظمها فى اتهام رئيس الحزب مصطفى بن جعفر الذى يرأس المجلس التأسيسى بفشله فى إدارة التنظيم لانخراطه فى الائتلاف الحاكم وعدم وضوح رؤى إدارته للمرحلة الانتقالية باعتباره أحد أركان الحكم ، بالإضافة إلى انعدام الاسلوب الديمقراطى فى التعامل بين القيادة الحزبية وبين عناصر الحزب الأخرى.

ولم تكن الانشقاقات قاصرة على ذلك الحزب فقط وإنما امتدت أيضا لشريك آخر فى الائتلاف الحاكم حيث عانى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية من الأزمة نفسها لأن بعض عناصر الحزب ترى أن حركة النهضة تسيطر سيطرة تامة على شركائها فى الائتلاف وتوظفهم لخدمة رؤيتها لطبيعة الحكم المأمول فى تونس خلال المرحلة القادمة، وهو ما رفضه العديد من الكوادر الحزبية الأمر الذى ينذر بمزيد من الانشقاقات الحزبية فى جدار الائتلاف الحاكم خلال المرحلة القادمة .

ثانيا : نخب ما بعد الثورة:

الثورة التونسية إذن ارتبطت بحدوث حراك اجتماعى كبير استهدف إحداث تغيير فى المنظومة السياسية والاجتماعية القائمة نحو الأفضل، هذا الحراك الاجتماعى فى حركته الثورية اتسم بعدم وجود نخبة قادرة على قيادته، مما جعله حراكا عفويا ترتب عليه عدم تحديد الآليات التى من خلالها يتم تنفيذ أهداف ذلك الحراك بصورة سريعة وناجزة وعدم ضمان استمرارية الحشد الثورى من ناحية وضمان تفعيله على أرض الواقع أى ترجمته فى سياسات واضحة تخدم المجتمع فى مجموعه من ناحية ثانية، الأمر الذى أدى إلى توزيع هذا الحراك وفقا لمصالح ورغبات واهتمامات العناصر الاجتماعية القائمة به، سواء كانت تلك المصالح تنحصر فى الجوانب السياسية كالوصول إلى السلطة التنفيذية والتشريعية، أو تنحصر فى مكاسب اقتصادية، ومن ثم غياب حالة التوافق العام مما يؤدى بدوره إلى غياب وجود نخب تستطيع قيادة العقل الجمعى للمجتمع بما يحقق المعالجة الفورية والجذرية لإشكاليات بناء الجمهورية التونسية الثانية .

• النخب العلمانية:

فى هذا السياق الثورة التونسية قدمت فرزا لنخب سياسية قديمة / جديدة خاصة بعد النتائج النهائية لانتخابات المجلس التأسيسى التى أجريت فى 23 من أكتوبر الماضى، فبرزت النخبة اليسارية التى أثبتت فشل خطابها السياسى فى تعبئة الرأى العام حول برامجها الانتخابية فى مرحلة ما بعد الثورة خاصة فى مواجة الإسلاميين ويرجع العديد من المحللين أسباب هذا الفشل إلى إصرار النخب اليسارية على تناول قضية شائكة بالنسبة للرأى العام التونسى وهى قضية حرية "المعتقد" ووضعها فى مرتبة تفوق أية قضايا حيوية أخرى كقضايا حقوق الإنسان والفصل بين السلطات والضمانات القانونية والدستورية للحريات، الأمر الذى زاد من هواجس الغالبية العظمى من الشعب التونسى بشأن مساس ذلك بالدين الإسلامى، وهو ما يشير إلى إخفاق النخبة اليسارية فى قراءة المشهد السياسى الجديد وكذلك الإخفاق فى الاستفادة من التحول الذى ابتدته التيارات الإسلامية ونخبتها السياسية من التشدد والتطرف إلى الاعتدال بل والقبول بالمدنية فى مواجهة الدينية أو ما يسمى بالإسلام المعتدل أو العلمانى.

ليس هذا فقط بل يعد موقف نخب اليسار الطواقة إلى السلطة خلال الفترة السابقة على انتخابات المجلس التأسيسى والتى هرولت للاشتراك فى الحكومات المؤقتة خاصة حكومتى الغنوشى والسبسى التى كانت تضم العديد من رموز نظام السابق أحد المأخذ التى رصدها الرأى العام التونسى الذى يتمتع بوعى سياسى وثقافى كبيرين على النخبة اليسارية التى بدت عاجزة عن فهم إرادة الشعب الراغبة فى التغيير الجذرى وليس فى إعادة إنتاج النظام السابق نفسه .

عكست أيضا نتائج انتخابات المجلس التأسيسى وضع النخب العلمانية فى مواجهة النخب الإسلامية التى باتت وفقا لهذه النتائج مسيطرة على أغلبية المجلس التأسيسى دون المطلقة، فعلى الرغم من مشاركة حزبين علمانيين وهما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئاسة المنصف المرزوقى ( الرئيس الانتقالى الحالى)، وحزب التكتل من أجل الحريات والديمقراطية برئاسة مصطفى بن جعفر ( رئيس المجلس التأسيسى) فى الحكومة الائتلافية التى يقودها الإسلاميون ممثلون فى حزب النهضة إلا أنه لايزال التوجس من سيطرة الإسلاميين هو حديث الساعة فى تونس حيث ترى القوى العلمانية أنها تواجه خطرا متزايدا فى ظل الإسلاميين، وهو توجس قد تنعدم مبرراته إذا ما نظرنا إلى نتائج فوز الإسلاميين بقدر من الموضوعية؛ فالحركة لم تفز سوى بـ 40% من الأصوات ما يعنى أن أكثرية الشعب التونسى لم تصوت لصالح الإسلاميين وهو ما يعنى أيضا أن المخاوف من سيطرة الحركة على عملية صياغة الدستور هى مخاوف مبالغ فيها على خلفية النهج الوسطى المعتدل الذى تتسم به مقارنة بغيرها من الحركات الإسلامية المتشددة، أيضا أن طبيعة التحالفات التى تمت داخل المجلس التأسيسى والتى تمثلت فى تحالف أحزاب علمانية من تيارات اليسار مع حزب النهضة يشير إلى تفضيل التيارات العلمانية اليسارية التحالف مع الإسلاميين بدلا من التحالف الليبراليين على الرغم من أنها لو تمكنت من التحالف مع التيارت الليبرالية داخل المجلس وخارجه عبر تعبئة المجتمع المدنى لأدى ذلك إلى عدم انفراد حركة النهضة بتشكيل أبعاد وملامح الحياة السياسية والدستورية التونسية.

خاصة إذا ماوسعنا دائرة التحليل لتشمل حقيقة أن الثورة التونسية ليست صنيعة النخبة الإسلامية بقدر ما هى صنيعة فسيفساء مدنية تضم نخبة شبابية جامعية مثقفة ومنظمات المجتمع المدنى ونقابات عمالية ومهنية وطبقة شعبية وسطى وكلها مكونات عاشت فى إطار مدنية الدولة التونسية التى أطلقت مشروعها العلمانى منذ رئاسة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة وحتى رئاسة الرئيس السابق بن على .

• الإسلاميون:

مثل صعود التيارات الإسلامية المعتدلة فى تونس وعبر انتخابات حرة ونزيهة صدمة للتيارات العلمانية خاصة المتشددة منها والتى ترغب فى الحفاظ على الهوية العلمانية فى مواجهة الهوية الإسلامية على العكس من الأحزاب العلمانية الأخرى التى تتسم بقدر من الاعتدال والتى قبلت التحالف مع الإسلاميين كما سبقت الإشارة إليه، وهو ما ينذر بمواجهات سياسية مستقبلية مع النخبة الإسلامية عند صياغة الدستور الجديد، وتتمثل النخبة الإسلامية فى حركة النهضة التى كانت تعرف باسم الجماعة الإسلامية وتأسست فى عام 1972 بمجموعة من النشطاء وأساتذة الجامعات أبرزهم راشد الغنوشى، وفى عام 1987تحول أسمها إلى حركة النهضة كأحدى وسائل مواكبة حركة التطور الديمقراطى فى تلك الفترة والتى تمثلت فى إصدار قانون الأحزاب، وأعادت الثورة التونسية قادة وكوادر الحركة إلى واجهة العمل السياسى مرة أخرى بعدما عانوا من قمع نظام بن على، وقد استقت الحركة مبادئها من حركة الأخوان المسلمين فى مصر إلا أنها أعلنت قبيل الثورة التونسية وأثنائها أنها أصبحت أكثر اقترابا فى فكرها من حزب العدالة والتنمية التركى، وتتمثل المعالم الرئيسية لبرنامج النهضة فى الاهتمام بإحياء الدور الحضارى للإسلام على كافة الأصعدة المحلية والإقليمية، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية وإعادة بعثها بعيدا عن التبعية الغربية، وتجديد الفكر الإسلامى بما يتواكب ومقتضيات الحياة وتطوراتها، وتشدد الحركة على احترامها لحقوق الإنسان وتداول السلطة وقيام دولة مدنية تكفل الحريات العامة وتضمن حقوق المرأة .

ثالثا: الصراعات الداخلية بعد الثورة :

تعانى تونس بعد الثورة حالة صراع سياسى بين ما يمكن تسميته بالنخب القديمة والنخب الجديدة خلال المرحلة الأولى من مسار التحول الديمقراطى الذى شهدته الدولة بإجراء انتخابات المجلس التأسيسى واختيار الرئيس الذى يقود ذلك المسار فى مرحلته الانتقالية وما يرتبط بها من تأسيس وتكوين مؤسسات وهيئات انتقالية تتم عبرها عملية التحول تلك، ولأنها مرحلة انتقالية سمتها الأساسية عدم الاستقرار وصولا لتشكيل مؤسسات مستقرة فمن الطبيعى أن تشهد حالة من الصراع بين القوى السياسية المحسوبة على نظام بن على وبين القوى الجديدة التى أفرزتها الثورة سواء تلك القوى الثورية التى تتخذ من الشارع وسيلة الضغط الأساسية تحقيقا لأهداف الثورة أو تلك التى عادت إلى واجهة العمل السياسى بعد سنوات من الحرمان على اعتبارها كيانات وحركات حزبية محظورة أو تلك القوى التى تمرست فى العمل السياسى من اليساريين والليبراليين والعلمانيين.

وفى ضوء ذلك فإن عملية الصراع بين تلك النخب موجودة ومرشحة للتصعيد، وفى هذا الإطار اعتبر الاستقطاب الإيديولوجى أيضا رافدا مهما من روافد الصراع الداخلى بين النخب السياسية والمجتمعية قبل الانتخابات التأسيسية وتمثل بوضوح فى حالة التجاذب الحزبى حول مسارات عملية الانتقال الديمقراطى، وحول تحديد موعد انتخابات المجلس التأسيسى، وداخل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، مما يدعو إلى التساؤل بشأن كيفية تفاعل الساحة السياسية التونسية الجديدة مع نتائج ومردود هذا الاستقطاب، هنا يمكن تقسيم هذا التفاعل ومن ثم المردود إلى مرحلتين: الأولى تشمل الفترة التى تلت سقوط بن على وحتى إجراء انتخابات المجلس التأسيسى.

والثانية تشمل المرحلة التى تلت أجراء الانتخابات:

• المرحلة الأولى:

يمكن القول أن حالة غياب المؤسسات الديمقراطية الفاعلة والمنتخبة من قبل الشعب انتخابا حرا ونزيها خلال فترة حكم بن على فرضت على القوى السياسية الجديدة تحدى تكوين مؤسسات لديها القدرة على إدارة المرحلة الانتقالية وانحصرت تلك العملية فى مؤسستين: الحكومة المؤقتة والهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة التى تأسست فى 22 يناير 2011 باعتبارها "إطاراً سياسياً يعمل على التقدم بثورة الشعب التونسى نحو تحقيق أهدافه والتصدى لقوى الثورة المضادة" وتعتبر أبرز هيئات الانتقال الديمقراطى فى تونس، وقد ضمت ممثلى التكوينات الحزبية ومنظمات المجتمع المدنى وعلى رأسها الاتحاد العام للشغل وعدد من النقابات المهنية، وكذلك الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعدد من المستقلين، وقد تعرضت الهيئة فى أولى خطواتها لانتقادات حادة من جانب اليساريين والإسلاميين والقوميين العرب على حد سواء باعتبارها ضمت شخصيات كانت مساندة لنظام بن على.

وخولت تلك الهيئة دور السلطة التشريعية فى الدولة وذلك قبل انتخاب المجلس التأسيسى، إلا أن تركيبة الهيئة كانت سببا بارزا فى حدوث الصراع الداخلى بين مكوناتها وبينها وبين القوى غير الممثلة فيها، فثلثى أعضاء الهيئة ينتمون للتيار العلمانى بأطيافه اليسارية والليبرالية والاشتراكية بينما يمثل الثلث التياران الإسلامى والقومى العروبى هذا الاختلاف تبلور فى صورته النهائية فى خلاف ايديولوجى حول النموذج المجتمعى المأمول فى مرحلة ما بعد الثورة، فى السياق نفسه ومع تولى الباجى القائد السبسى رئاسة الحكومة المؤقتة بعد حكومة محمد الغنوشى الأولى والثانية بدأ الالتفاف على الثورة والهيئة الخاصة بتحقيق أهدافها، مما أدى إلى اشتعال حدة التجاذبات السياسية بين الحكومة المؤقتة والهيئة من ناحية، وبين العناصر المكونة للهيئة من ناحية أخرى .

• المرحلة الثانية :

وهى المرحلة التى شهدت اجراء الانتخابات وما ترتب عليها من نتائج واتسمت على عكس المتوقع بحالة من التوافق بين القوى السياسية وتراجعت فيها حدة الصراع والاستقطاب الايديولوجى إلا أنها عادت لوتيرتها بعد إعلان النتائج مباشرة والبدء فى إجراء التحالفات داخل المجلس التأسيسى- كما سبقت الإشارة إليه- وعليه فقد جاءت الرغبة الشعبية التونسية فى "خلق" شرعية جديدة سببا فى ولادة المجلس التأسيسى لأن الثورة لم تكن تستهدف البحث عن خطط إصلاحية جديدة ترمم بها مفاسد حقبة بن على بل رغبت فى إجراء انتخابات لمجلس تأسيسى يتولى صياغة دستور ثورى جديد على أن يتم التصويت على الدستور الجديد خلال ستة أشهر بعدها يتم انتخاب رئيس للبلاد وتجرى انتخابات تشريعية جديدة.

فى هذا الإطار بدا واضحا أن عملية صياغة الدستور ستكون من المحطات التى ستشهد صراعا شديدا بين القوى السياسية لأنها ستحدد بالضرورة طبيعة الحكم فى تونس ما بين نظام برلمانى أو نظام رئاسى وعليه ستترتب طبيعة العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية، ووضع السلطة القضائية ودورها الرقابى على السلطتين، أيضا من النقاط المرشحة للصراع هى نقطة تحديد اختصاصات رئيس الجمهورية إلى جانب ذلك يأتى الخلاف الأهم بين القوى الإسلامية والقوى العلمانية حول موضوع "الهوية" ليكون الخلاف الأبرز خلال المرحلة القادمة وخاصة الجدل حول الفصل الأول من الدستور وينحصر هذا الجدل فى ثلاثة آراء؛ الأول يرغب فى بقاؤه، والثانى يرغب فى النص على فصل الدين عن السياسة والدولة، والثالث يرغب فى النص على أن يكون" الدين الإسلامى مصدرا وحيدا للتشريع"

.

وتزداد وطأة الخلاف بين القوى والنخب السياسية حول تحديد هوية النظام السياسى التونسى الجديد إذا ما علمنا مدى امتداده إلى الشارع والمجتمع معا؛ فكلاهما يشهد تناقضات واضحة فى الرؤى وتقوم القوى السياسية العلمانية والإسلامية بتوظيف خلافاتهما فى الشارع التونسى لاستخدامه كورقة ضغط قوية على المجلس التأسيسى عند صياغته للدستور بما يخدم مفهوم كل منهما لملامح وطبيعة "هوية" النظام السياسى الجديد الذى يعيش طور التكوين .

إذن يمكن القول أن حالة الاستقطاب بين حزب النهضة الإسلامى من ناحية والقوى العلمانية من ناحية أخرى على النقاط السابق ذكرها تبدو هى السمة التى باتت تتميز بها المرحلة الانتقالية، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول مدى تحقق التوافق السياسى بين النخب التى أفرزتها الثورة التونسية والتى وجدت لها تمثيلا فى المجلس التأسيسى المخول مهمة صياغة الدستور الجديد للبلاد، الواقع أن القوى السياسية التونسية المختلفة بشدة حول دور الدين فى الدولة ومن ثم الاختلاف على هوية الدولة مدنية أم دينية هى ذات القوى المتفقة على جعل الدين طرفا محايدا فى الحياة السياسية التونسية الجديدة؛ بمعنى أكثر دقة أن عملية الاتفاق على النص الدستورى ليست عملية صعبة إذا ما نظرنا إلى طبيعة التصريحات التى أدلى بها زعيم حزب النهضة راشد الغنوشى فى أعقاب فوز الحركة بأغلبية برلمانية والتى تتفق مع التيارات العلمانية فى نقطة محددة بالرغم من اختلافهما الايديولوجى وهى أن التيار الإسلامى فى تونس أيضا يرى فى حياد الدين إحدى وسائل تحرير الإسلام من" القبضة الثقيلة للدولة على الدين" على حد تعبير الغنوشى فى مقابلة مع إحدى القنوات الفضائية المصرية أواخر العام الماضى، بل ذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن النموذج الانجلوساكسونى الذى يعتمد على دور محايد للدولة لا يتخذ مواقف عدائية للدين فى المجال العام.

إذن الخلاف على النص الدستورى يعد أقل الخلافات التى يمكن أن تنتج عن حالة الاستقطاب الواضحة لكن على أرض الواقع سيكون للاستقطاب مردود كبير حول قضايا جوهرية يتعدى التفاعل السياسى والمجتمعى معهما حدود النص الدستورى لتصطدم بما هو أهم عند التطبيق والممارسة وهو ما يعنى ضرورة الاتفاق على القواعد التى ستحكم معالجة الخلافات التى ستنتج عن حالة الاستقطاب ليس على مستوى النص الدستورى الذى يشكل التوافق مساره السياسى، ولكن على مستوى ضمان الوحدة السياسية لقوى ونخب المجتمع التونسى بما يضمن لهم استمرار المنافسة السياسية فى إطار من التوافق.

رابعا: ملامح المرحلة الانتقالية:

تميزت الساحة السياسية فى تونس بعد ثورة 14 يناير وخلال المرحلة الانتقالية بحالة حراك حزبى كبير حيث قامت العديد من القوى السياسية بتأسيس أحزاب جديدة مستفيدة ولأول مرة من حالة الانفتاح على العمل السياسى، حيث بلغ عدد الأحزاب السياسية عند بدء انتخابات المجلس التأسيسى فى 23 اكتوبر الماضى حوالى 100 حزب وحركة، هذا الكم الهائل من الأحزاب قد يعد علامة صحية على سلامة الحياة السياسية التونسية وقد يعد علامة على التشتت وتفتيت الأصوات الانتخابية فى هذا الإطار يمكن تصنيف الحياة الحزبية فى تونس بعد الثورة إلى مجموعتين تضمان العديد من القوى الحزبية المجموعة الأولى مجموعة الأحزاب الإيديولوجية والمجموعة الثانية مجموعة الأحزاب البراجماتية أى التى تتسم سياستها وتعاطياتها مع القضايا المختلفة بقدر من المرونة يتم من خلالها تطويع برامجها بما يتماشى مع تطورات الأوضاع .

وقد اتسمت الخريطة الحزبية التونسية أيضا خلال المرحلة الانتقالية وقبل انتخابات المجلس التأسيسى بارتفاع حدة الاستقطاب ووجود فجوة بين تطلعات النخب والسياسيين وتطلعات الفئات المهمشة والمحرومة سياسيا واقتصاديا والتى فى حاجة شديدة إلى تطبيق العدالة الاجتماعية، أيضا ازداد العزوف السياسى عن اعتبار الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة هيئة ذات شرعية لأنها ببساطة تعتبر أن لقرارتها صفة الإلزام بما يتجاوز دورها كهيئة استشارية وهو ما يعنى تحولها إلى سلطة تشريعية غير منتخبة، مما اعتبر من جانب العديد من القوى السياسية عرقلة لمسار التحول الديمقراطى وفرض لوصاية الأقلية على الأغلبية وعلى إثر ذلك سحبت العديد من القوى ممثليها من الهيئة .

أما بعد انتخابات المجلس التأسيسى حدث تغير فى المشهد السياسى بتشكيل تحالفات برلمانية جمعت إلى جانب حزب النهضة كل من حزب التكتل من أجل العمل والحريات و حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، مما دفع المعارضة الى التكتل بدورها فى مواجهة الأغلبية خاصة بعدما أكد العديد من المحللين حدوث حالة من الانحراف عن رهانات المرحلة الانتقالية والتى تتعلق بحشد الجهود السياسية فى ملفات محددة يجب معالجتها باعتبارها القضايا الأهم فى المرحلة الانتقالية الحالية وهى ملفات صياغة الدستور والاستقرار السياسى والأمنى والاقتصادى ، وفتح ملفات الفساد السياسى والمالى والإدارى، وإعادة هيكلة المؤسسة القضائية وتطهيرها، ومعالجة البطالة، وإصلاح النظم التربوية والثقافية والإعلامية على أن يتم ذلك عبر التنسيق بين التمهيد للانتقال السلس والحقيقى نحو الديمقراطية وفى الوقت نفسه معالجة القضايا الراهنة والآنية.

حيث يرى البعض أن القوى السياسية الفائزة فى الانتخابات "توافقت " على اقتسام المناصب الحكومية مجلسا وحكومة ورئيسا دون أن تعرض تلك القوى مهام مناصبها واختصاصاتها على القوى الشعبية التى أتت بها إلى المجلس التأسيسى مما يعد تحولا نحو ديكتاتورية الأغلبية خاصة بعد أن ارتبطت تلك التجاوزات بالاختلاف الواضح فى المنطلقات الفكرية تجاه تصورات كل حزب من أحزاب ائتلاف الأغلبية فيما يتعلق بطبيعة المشروع المجتمعى المرغوب فى تدشينه خلال المرحلة الانتقالية .

خامسا: موقف المؤسسة العسكرية من الثورة:

كان للمؤسسة العسكرية فى تونس دورا بارزا فى حماية الثورة عبر موقفين محددين: الأول تمثل فى الامتناع عن استخدام القوة فى مواجهة المتظاهرين خلال الأيام الأولى للثورة، والثانى تمثل فى التحول من موقف الحياد إلى موقف الانحياز للثورة فى الأيام الأخيرة، وقد ظلت تلك المؤسسة بعد الثورة تقوم بدور الرجل الحكيم الذى يعيد التوازن للعلاقة بين القوى الثورية والسياسية من ناحية والحكومات المؤقتة من ناحية ثانية بما يضمن استمرار مسار الحياة السياسية، وهو ما أدى إلى ازدياد شعبية الجيش لدى العديد من شرائح الشعب التونسى.

وعلى النقيض من ذلك يرى بعض المحللين والقوى الثورية فى تونس أن المؤسسة العسكرية تتمتع بحصانة مكنتها من الهروب من المساءلة الشعبية والقانونية لتورطها فى قمع المتظاهرين خلال الأيام الأولى للثورة وهى الحصانة نفسها التى باتت فى حاجة إلى إعادة نظر وتسعى تلك القوى الثورية إلى حمل الحكومة الانتقالية على فتح التحقيقات فى هذا المجال، إلا أن حكومة حمادى الجبالى ورئيس الدولة المنصف المرزوقى يتعمدان التغاضى عن تلك المطالب وهو ما يشير إلى رغبة فى إبقاء تلك المؤسسة بعيدة عن الانخراط فى الحياة السياسية.

وفى هذا السياق هناك من يرى أن دور الجيش وعلاقته بالثورة التونسية قد يشكل تحديا للاستقرار فى المرحلة القادمة، بصورة تدفع إلى التساؤل حول مدى التزام الجيش بالابتعاد عن الحياة السياسية أم سيكون رقما جديدا فى معادلة الانتقال الديمقراطى التى تمر بها تونس حاليا ؟ فى الواقع أن حالة من عدم التوافق السياسى بين التيارات الإسلامية والعلمانية، أو بين قوى الثورة وأتباع النظام القديم، من شأنها التأثير بقوة فى علاقة العسكر بالسلطة المدنية؛ بمعنى أن تفاقم حالة من هذه الحالات بصورة تمنع قيام حكومة مدنية توافقية ستؤدى بالضرورة إلى عودة الجيش للتدخل فى الحياة السياسية من باب الوصاية على الدولة أو من باب دوره كضامن لعملية الانتقال السياسية للسلطة عبر ضمانات أمنية لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فى الحالة الأولى- دوره كوصى على الدولة- يُفترض أن يتفاوض الجيش مع السلطة المدنية على منحه الاعتراف بدور سياسى مستقبلا بما يعنى إعادة صياغة علاقة مدنية عسكرية جديدة يتم النص عليها فى الدستور، أما فى الحالة الثانية- دوره كضامن للانتقال إلى السلطة المدنية المنتخبة- فيُفترض عودة الجيش إلى ثكناته والاكتفاء بكونه مؤسسة وطنية عليها القبول بسلطة الدستور وبالحكم المدنى.

لكن فى ظل وصول التيارات الإسلامية للحكم ودخول الدين كمتغير جديد على طبيعة الحياة السياسية التونسية التى كانت تتسم إلى حد كبير بالملامح العلمانية فمن المتوقع أن يبحث الجيش عن دور جديد، إما لضمان عدم تهديد أى قوى سياسية للخط العلمانى العام للنظام السياسى التونسى، وإما بقاؤه كضامن للنظام الديمقراطى الجديد الذى أسفرت عنه نتائج انتخابات المجلس التأسيسى مقابل الحفاظ على نهج سياسى يقوم على احترام كافة القوى السياسية لحالة التوافق العام التى بدت تميز مسار الانتقال الديمقراطى فى تونس بعد الانتخابات.

سادسا: السياق الإقليمى والدولى:

• السياق الإقليمى:

الثورة التونسية فى سياقها الإقليمى تأثرت بموقفين؛ الموقف الليبى والموقف الجزائرى ، فبالنسبة للموقف الليبى من الثورة التونسية كان مناهضا لها منذ بدايتها حيث عارض الرئيس الليبى الراحل معمر القذافى فكرة عزل الرئيس التونسى بن على، لكن وبنجاح الثورة الليبية فى الإطاحة بالقذافى واغتياله تبقى العلاقات التونسية الليبية الجديدة فى دولتين متجاورتين نجحت فيهما الثورة مرشحة للتطور نحو الأفضل خاصة فى ظل اعتماد تونس إلى حد كبير على عائد التبادل التجارى وحركة السياحة بين البلدين كأحد روافد الدخل.

أما بالنسبة للجزائر فقد كان موقفها يتسم إلى حد كبير بالحياد واكتفت بإعلانها احترامها "إرادة الشعب التونسى" ويظل الرهان الحقيقى على علاقات جزائرية تونسية فعالة فى مرحلة ما بعد الثورة لصالح العلاقات الاقتصادية وتفعيلها بين البلدين.

• السياق الدولى:

تعتبر فرنسا من أكثر الدول اهتماما بما حدث فى تونس لاعتبارت تاريخية ترتبط بالإرث الاستعمارى الفرنسى ولاعتبارات القرب والجوار الجغرافى ، كان موقف الرئيس الفرنسى نيكولاى ساركوزى صادم لقوى الحراك الاجتماعى ولقوى الثورة حيث استمر ساركوزى داعما لنظام بن على حتى اللحظات الأخيرة قبل هروبه، ولازالت فرنسا تمتلك العديد من قوى التأثير فى صنع القرار التونسى عبر العديد من شركائها من التيارات السياسية العلمانية، سواء المعارضة منها أو المشاركة فى الحكومة الانتقالية الجديدة أو حتى من جانب نشطاء المجتمع المدنى.

أما فيما يتعلق بدور فرنسا والأوروبيين بصفة عامة فى دعم عملية الانتقال الديمقراطى فى تونس حاليا فيحتاج إلى اقتراب أوروبى حقيقى من الواقع التونسى الجديد بتقديم دعما ماليا للأوضاع الاقتصادية المتردية وما يرتبط بها من مردود اجتماعى، فحتى الآن لازال الدعم الأوروبى المتوقع محدود للغاية ناهيك عن عدم الإسراع فى مفاوضات منح تونس بعد الثورة مرتبة الشريك التجارى على خلفية ضلوع نظام بن على فى عدم احترام حقوق الإنسان والذى كان سببا مباشرا فى تأجيلها وكان من المفترض أن يؤدى تغيير الأوضاع بعد الثورة التى قامت من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان إلى تحريك هذه المفاوضات ولكن ذلك لم يتم حتى الآن.

أما الموقف الأمريكى من الثورة التونسية فكان أكثر تفاعلا من الموقف الأوروبى خاصة منذ بداية الثورة فبالرغم من فجائية الحدث إلا أن واشنطن أيدت الثورة، ولكن ولمصالحها مع النظام القديم ومخاوفها من وصول إسلاميين متشددين للسلطة كانت تفضل استبدال بن على بشخصية من داخل النظام لإدارة المرحلة الانتقالية تكون قادرة على السيطرة عليها، لكن قوة الرفض الثورى لتدخل أى قوة خارجية بهدف فرض إرادتها على الشعب التونسى حالت دون ذلك .

سابعا: التحديات المستقبلية :

تواجه تونس الجديدة فى المرحلة القادمة تحديات عدة نابعة من طبيعة العلاقة بين القوى السياسية العاملة على الساحة خاصة تلك التى تقاسمت مقاعد المجلس التأسيسى على إثر نتيجة الانتخابات الأخيرة، فلاتزال هناك تخوفات عديدة لدى الشارع والقوى السياسية من أزدواجية خطاب حزب النهضة بين خطاب سياسى وآخر دينى الأمر الذى قد يؤدى على طرح برنامجين فكريين متناقضين، تلك الوضعية المحتملة قد تؤدى إلى "أزمة فكرية" فى عمل الحزب فى الحياة السياسية والاجتماعية تترك أثارا سلبيا على المواطنيين من ناحية، وعلى القوى السياسية من ناحية ثانية تكون منفذا لعودة النمط الديكتاتورى فى معالجة الحريات وقضايا الفكر والتعبير .

بالإضافة إلى ذلك تواجه الحكومة التونسية الانتقالية تحدى اقتصادى ذا أبعاد اجتماعية شديدة الوطأة فإذا كانت الشرارة الأولى للثورة بسبب احساس الشباب باليأس من أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية المتردية فإن ارتفاع معدلات البطالة بصورة كبيرة بعد مرور العام الأول على الثورة يعد من التحديات التى يجب على حكومة الجبالى مواجهتها بفعالية خاصة بعد وصول عدد العاطلين عن العمل ما يقرب من 800 ألف شخص بعد أن كانت حوالى 300 ألف شخص حيث أغلق ما يقرب من 100 مصنع وعاد أكثر من 600 ألف عامل من العاملين فى ليبيا على إثر المواجهات التى شهدتها الثورة الليبية مع نظام القذافى البائد مما زاد من وطأة الأوضاع الاقتصادية، أضف إلى ذلك توقف حركة السياحة التى كانت تشكل مصدرا مهما من مصادر الدخل القومى التونسى، يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات الفقر والعوز خاصة فى المناطق الريفية، وفى إطار ذلك ترى حكومة حماد الجبالى أن بإمكانها التغلب على حالة التراجع الاقتصادى تلك عبر 16 خطوة إنمائية أقرها الجبالى فى بيان حكومته أمام المجلس التأسيسى أواخر شهر ديسمبر الماضى منها إصلاح القطاع المصرفى وإتاحة المجال أمام إقامة البنوك ذات المعاملات الإسلامية، ومراجعة المنظومة الضرائبية، ودعم القطاع السياحى، وتنشيط السوق المالية الخ .

وأخيرا يمكن القول أن ثورة تونس نجحت بلا شك فى عبور اختبار الديمقراطية الأول، لكن التحديات التى تفرضها المرحلة الانتقالية الثانية تبدو فى مجملها وأبعادها أكثر تأثيرا على مسارالانتقال الديمقراطى من المرحلة التى تلت انهيار النظام السابق، وهو ما يفرض على القوى السياسية الجديدة ضرورة الحفاظ على حالة التوافق التى بدت فى طريقها إلى بناء الديمقراطية المنشودة.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية