مقالات تحليلية

الزيادة السكانية من زاوية المحددات: عمل المرأة والأمان الاقتصادي

حسين سليمان * 1137 24-3-2021
طباعة

تمثل القوى البشرية، خاصة الشابة في سن العمل، مقوماً أساسياً للتنمية والتحديث. لكن في الوقت ذاته، فإن محدودية الموارد، خاصة الطبيعية، تجعل من الزيادة السكانية المستمرة إشكالية رئيسية تواجه العديد من بلدان العالم النامي إلى اليوم، وبصورة خاصة البلدان محدودة المياه والأرض الصالحة للزراعة، كما هو الحال في مصر وبلدان الشرق الأوسط بصورة عامة. وفي حين كانت مصر من أولى البلدان النامية التي أطلقت برامج لتنظيم الأسرة والسيطرة على الزيادة السكانية، في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، إلا أن هذه الجهود قد واجهت تذبذباً في نتائجها منذ ذلك الحين، في صورة تحولات متواترة ما بين تراجع وصعود في معدلات الخصوبة ونمو السكان.

وفي الوقت الحالي، فإن معدل نمو السكان السنوي المصري هو ضِعف المعدل العالمي، وكذلك معدل بلدان الدخل المتوسط التي تنتمي مصر إليها، وذلك نظراً لمعاودته الصعود بدءاً من عقد الألفينات، بعد تراجع مستمر منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي. وبالتالي، قد يدفع هذا النمو السريع إجمالي عدد السكان في مصر إلى 160 مليون نسمة، أو أكثر، بحلول عام 2050، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. وفي حين تولي أجهزة الدولة اهتماماً واضحاً بقضية الزيادة السكانية، فإن استمرار معدلات النمو السكاني المرتفعة قد يستدعي تحولاً في السياسات العامة الموجهة صوب هذه القضية، من خلال الاسترشاد بالمنهجية العلمية المكرسة لتفسير دوافع النمو السكاني السريع، على مستوى الفرد والأسرة، عوضاً عن تطبيق برامج أو تمرير قوانين لا تخاطب محددات الخصوبة المرتفعة والزيادة السكنية في مصر.

وتشير النظريات والدراسات التطبيقية إلى وجود عدد من المحددات التي قد صار أغلبها معروفاً لصناع القرار والمهتمين حول العالم، وفي مقدمتها دور التعليم ونشر الوعي، ومدى توفر وسائل تنظيم الأسرة وإتاحتها، خاصة للشرائح الأكثر فقراً، وكذلك عوامل ثقافية تضم شيوع وتأثير الأفكار والتفسيرات الدينية الرافضة لتحديد الإنجاب. وبالإضافة لهذه المحددات المألوفة وغيرها، فإن هنالك محددات أخرى قد تكون أكثر أهمية وتأثيراً على معدلات الخصوبة والنمو السكاني، خاصة في مصر، وإن كانت لا تحظى بالتغطية الملائمة، وبالتالي قد لا تحظى بأولوية ضمن حزمة السياسات الموجهة لقضية الزيادة السكانية. وفي مقدمة هذه المحددات يأتي عمل المرأة، خاصة لما طرأ عليه في مصر من تحولات خلال الأعوام الأخيرة، بالإضافة إلى الأمان الاقتصادي، خاصة لدى شرائح الدخل المحدود.

عمل المرأة

من الناحية النظرية، فإن واحداً من العوامل البارزة المؤثرة في معدل الخصوبة، أي عدد الأطفال للمرأة الواحدة، هو عمل المرأة. يتبلور ذلك في صورة تأثير عمل المرأة على قرارات الإنجاب، من خلال ميل المرأة العاملة لإنجاب عدد أقل من الأطفال مقارنة بالمرأة غير العاملة. ويرجع ذلك إلى أن المرأة العاملة غالباً ما تؤخر سن الزواج والإنجاب بالمقارنة بالمرأة غير العاملة، بسبب سعيها للحصول على عمل وبدء حياتها المهنية، بما يقلل من عدد سنوات الخصوبة المتاحة وبالتالي عدد الأطفال المحتمل. كذلك تنجب المرأة العاملة عدداً أقل من الأطفال في المتوسط، بسبب تكلفة الفرصة البديلة للإنجاب في حالة العمل، في صورة خسارة الدخل وفرص الترقي المهني، أثناء فترات الحمل ورعاية الأطفال؛ وبالإضافة لذلك، فإن عمل المرأة وحصولها على دخل مستقل يعزز من قرارها داخل الأسرة، وبالتالي من قدرتها على اختيار عدد الأطفال المناسب بالمشاركة مع الرجل.

وبالتالي، قد تُسهم العلاقة بين عمل المرأة ومعدلات الخصوبة في تفسير النمو السكاني السريع في مصر. وتعد نسبة إسهام المرأة في قوة العمل في مصر، أي نسبة من يعملن أو يبحثن عن عمل إلى إجمالي نسبة من هن في سن العمل، من النسب المتدنية عالمياً، والتي بلغت 24.2% فقط في عام 2016، مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 47.5% في ذلك الوقت. وما يثير القلق في هذا الشأن، أن إسهام المرأة في سوق العمل قد أخذ في التراجع سريعاً منذ عام 2016. فقد تراجع عدد النساء في قوة العمل من 7 ملايين في عام 2016، وصولاً إلى 5.1 مليون فقط بنهاية عام 2019، أي أن مليوني امرأة تقريباً قد خرجن من قوة العمل خلال هذه الفترة القصيرة، بما خفّض من نسبة إسهام المرأة في قوة العمل إلى 17.2% فقط بنهاية عام 2019. وتزامن ذلك مع تراجع إجمالي عدد المشتغلات من 5.3 مليون امرأة في عام 2016، إلى 4 ملايين امرأة فقط مع نهاية عام 2019، أي أن 1.3 مليون امرأة تقريباً قد خسرن عملهن في هذه الفترة، وذلك رغم التراجع في معدل البطالة خلال هذه السنوات، والذي كان احد أسبابه خروج من خسرن عملهن من قوة العمل تماماً، أي توقفهن عن البحث عن عمل، وهو ما يخرجهن من حسابات معدل البطالة، دون أن يعكس زيادة في التشغيل، وذلك وفقاً للحسابات من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والبنك المركزي.

وبالإضافة إلى تأثير عمل المرأة على النمو السكاني، هنالك أدلة على تأثيره الإيجابي كذلك على إنفاق الأسر على تعليم وصحة وتغذية الأطفال، وكذلك على معدلات الادخار، والتنافسية والإنتاجية في سوق العمل المحلي، وهى جميعها تداعيات تستلزم تفسير ومعالجة هذا التراجع المقلق في عمل المرأة في مصر. ويشير واحد من التفسيرات البارزة في هذا السياق، المبنية على دراسات سوق العمل، إلى دور تراجع التوظيف الحكومي في مصر بصورة حادة خلال برنامج الإصلاح الاقتصادي، وخلال العقود الأخيرة كذلك، وإن كان بوتيرة أبطأ. ويلعب التوظيف الحكومي دوراً قوياً في عمل المرأة بالذات، في مصر والشرق الأوسط بصفة عامة، نظراً لتفضيل المرأة في المنطقة له، لما يوفره من مميزات في عدد ساعات العمل والرواتب مقارنة بالقطاع الخاص، والأمان الوظيفي من خلال عقود طويلة الأجل، بالإضافة إلى التأمينات وإجازات الأمومة المدفوعة، وظروف العمل الآمنة نسبياً. ولهذا تفضل المرأة في مصر والمنطقة القطاع الحكومي على القطاع الخاص الرسمي، في حين تتجنب القطاع غير الرسمي بصورة قوية نظراً لظروف العمل به التي تعدها غير ملائمة. ويسهم هذا التحليل في تفسير كون التحسن في مؤشرات تعليم الفتيات في مصر خلال العقود الأخيرة لم يؤد إلى تراجع النمو السكاني على عكس المتوقع، وذلك لأن زيادة تعليم الفتيات لم تُترجم إلى زيادة انخراطهن في قوة العمل.

وكان عدد الموظفين في القطاع الحكومي قد انخفض بـمقدار 750 ألف موظف بين عامي 2015/2016، و2016/2017 أي بنسبة 13% تقريباً خلال عام واحد من تطبيق برنامج الإصلاح، وهى أحدث بيانات رسمية. ومن المرجح أن يكون الانخفاض قد استمر خلال الأعوام التالية أيضاً. وتزامن ذلك الانخفاض مع عجز القطاع الخاص الرسمي عن خلق عدد كافٍ من الوظائف الملائمة كي تحل محل التوظيف الحكومي، في حين تصاعد العمل غير الرسمي كبديل أساسي في سوق العمل، وهى العوامل التي أسهمت في الغالب في التراجع السريع في عمل المرأة في مصر خلال الأعوام الأخيرة، والتي تضطر للتوقف عن البحث عن عمل بسبب قلة الفرص الملائمة.

وكان التراجع المستمر لدور التوظيف الحكومي خلال العقود الأخيرة قد أسهم في المشاركة المنخفضة للمرأة في قوة العمل في مصر حتى قبل برنامج الإصلاح. فقد كانت القطاعات الحكومية توظف 15% من إجمالي الأفراد في سن العمل في عام 2004، وقت تطبيق حزمة إصلاحات اقتصادية أيضاً، وهي النسبة التي انخفضت تدريجياً إلى 13% في عام 2010، وصولاً إلى أقل من 10% في عام 2017.

وفي حين قد يستنتج البعض أن سبيل معالجة هذا التراجع في عمل المرأة في مصر، ضمن جهود السيطرة على الزيادة السكانية، هو زيادة التوظيف الحكومي مرة أخرى، فإن هذا الخيار قد لا يكون مناسباً، نظراً للإنتاجية والكفاءة المحدودة للتوظيف الحكومي في المتوسط، خاصة في الجهاز الإداري المتضخم. ولكن قد يكون الحل هو السعي لتحفيز القطاع الخاص الرسمي على النمو لخلق المزيد من الوظائف، من خلال سياسات تضم الإصلاحات المؤسسية، وتحسين بيئة ممارسة الأعمال، وضمان المنافسة الحرة خاصة في مواجهة الكيانات الاقتصادية التابعة للدولة، وذلك بالتزامن مع تدخل الدولة لتحسين ظروف العمل في القطاع الخاص من ناحية أخرى، كي يكون أكثر جذباً للمرأة في مصر، وذلك من خلال إقرار حد أدنى للأجور في القطاع الخاص، وتنظيم عدد ساعات العمل، والتشديد على اشتراطات التعاقدات الرسمية والتأمينات وامتيازات الأمومة، وغيرها من ظروف العمل التي تجذب المرأة للعمل الحكومي.

الأمان الاقتصادي

يرتبط الفقر كذلك بشكل قوي بمعدلات الخصوبة المرتفعة، من خلال ميل الأسر الفقيرة لأن تضم عدداً أكبر من الأطفال في المتوسط. وفي حين توجد مساحة للسببية العكسية، أي كون عدد الأطفال الكبير قد يعزز من فقر الأسرة، إلا أن الجانب الآخر من العلاقة حاضر بقوة، من خلال اختيار الأسر الفقيرة، بشكل واعٍ، إنجاب عدد أكبر من الأطفال. وفي مصر، تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى العلاقة بين الفقر وعدد أفراد الأسرة بوضوح. ففي عام 2017/2018، كان 7% فقط من الأفراد الذين يعيشون في أسر بها أقل من 4 أفراد فقراء، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 49.3% من الأفراد في أسر عدد أفرادها بين 6 و7، وتصل إلى نسبة فقر 75.8% ممن يعيشون في أسرة بها أكثر من 10 أفراد.

وتكتسب العلاقة بين الفقر والنمو السكاني أهمية خاصة في مصر، نظراً للزيادة المستمرة لمعدل الفقر في مصر على مدى العقدين الماضيين، من16.7% من إجمالي السكان في عام 1999/2000، وصولاً إلى 27.8% في عام 2015، قبل أن يقفز إلى 32.5% في عام 2017/2018، ثم يتراجع إلى 29.7% في عام 2019، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة، مع توقعات بمعاودته الارتفاع خلال عام 2020 بسبب التأثير الاقتصادي لأزمة كوفيد-19. وبالتالي، ووفقاً لهذا التفسير، فإن زيادة الفقر في مصر خلال العقدين الماضيين، قد تكون أسهم بدوره في زيادة النمو السكاني خلال الفترة نفسها، عنه في التسعينات وأواخر الثمانينات من القرن الماضي.

وتقليدياً، كان التفسير النظري لهذه العلاقة بين الفقر ومعدلات الخصوبة المرتفعة، هو رغبة الأبوين في الأسر الفقيرة في إنجاب عدد كبير من الأطفال كي يساعدونهم في تدبير نفقات الحياة من خلال دفعهم إلى العمل منذ سن صغير، وبالتالي فإن سبيل السيطرة على النمو السكاني هنا هو توفير فرص عمل وزيادة دخل هذه الأسر ومستوى معيشتهم، أي التنمية. لكن تكمن الأزمة هنا في الحلقة المفرغة التي تنشأ عن هذا التفسير. فمن ناحية، تقف الزيادة السكانية عقبة أمام التنمية. ومن ناحية أخرى، فإن التنمية هي الحل للسيطرة على الزيادة السكانية.

ولكن مؤخراً، واعتماداً على دراسات ميدانية لسنوات طويلة في عدد من البلدان النامية، خرج تفسير آخر محتمل للعلاقة بين الفقر ومعدلات الخصوبة المرتفعة. ووفقاً لذلك، يرغب الأبوان في الأسر الفقيرة في إنجاب عدد كبير من الأطفال، كي يزيدون من احتمالية أن يساعدهم أو يعولهم أحدهم، عند تقدمهم في السن وتوقفهم عن العمل. وفي حين قد يبدو التفسيران متشابهين لأول وهلة، إلا أن الاختلاف البسيط بينهما يؤدي إلى نتائج مختلفة، ويطرح بالتالي سياسات مختلفة أيضاً. فإذا كان القرار الواعي لدى الأبوين الفقراء في إنجاب عدد كبير من الأطفال، هو رغبة في تحقيق قدر من الأمان الاقتصادي عند التوقف عن العمل، وليس أثنائه، فإن المخرج من الحلقة المفرغة بين الفقر والزيادة السكانية والتنمية قد يكون في أن تضمن الدولة هذا الأمان الاقتصادي لكل مواطن يبلغ سن التقاعد، بما يقلل من حاجة الأسرة الفقيرة لرهن الأمان الاقتصادي عند التقاعد بعدد أكبر من الأبناء.

ومن الضروري اختبار هذه الفرضية بشكل منهجي داخل مصر، اعتماداً على قواعد البيانات الحكومية التي تضم عدد الأطفال لدى الأسر، وربطها بوجود معاشات أو دخل ثابت عند التقاعد من عدمه. وقد ينتج عن هذه الفرضية إذا أثبتت واقعيتها داخل مصر، أن تدرس الدولة كجزء من سياساتها لمواجهة الزيادة السكانية، ضمان معاش ملائم وثابت لكافة المواطنين عند بلوغهم سن التقاعد، بما يشمل الفئات غير المُؤمَّن عليها والتي لا تستوفي شروط الاشتراك في منظومة المعاشات القائمة، مع ربط هذا المعاش بمعدل التضخم بدون حد أقصى، لضمان ألا يفقد قيمته الشرائية، وبالتالي دوره في القضية السكانية. وفي الوقت الحالي، قد لا يمثل ضمان هذا المعاش لغير المُؤمَّن عليهم حالياً عبئاً إضافياً كبيراً، خاصة مع الهيكل الشاب للسكان في مصر، بوجود 4% فقط من السكان فقط فوق سن التقاعد. والأهم من ذلك، أن التكلفة الإضافية لمثل هذا الإجراء قد تتضاءل مقارنة بإسهامه المحتمل في معالجة إشكالية الزيادة السكانية في مصر، إذا ثبتت صحة الفرضية المشار إليها.

________________________________

نُشر أيضا بجريدة الأهرام، 24 مارس 2021.
طباعة
حسين سليمان

باحث اقتصادي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية