مقالات تحليلية

وحدة وادي النيل: رؤية مغايرة

طباعة

بعيداًعن أهواء السياسة وتحولات الأيديولوجيا، فإن العلاقة بين شعوب وادي النيل في السودان ومصر تضرب بجذورها في أعماق التاريخ وتتسم بالخصوصية والتفرد، حيث تجمع بينهم روابط وثيقة تفرضها عوامل التاريخ والجغرافيا والثقافة والاقتصاد. وعلى الرغم من كثرة المسكوت عنه في هذه العلاقات وموجات الغضب والشقاق التي تطفو على السطح بين الحين والآخر، فإن فرص اللقاء والتكامل بين الطرفين تتجاوز عوامل الفرقة والانقسام. ولعل ذلك يفرض علينا البحث عن مقتربات إبداعية ورؤى مبتكرة لإنجاز هذا المشروع التكاملي الذي تأخر لعقود طويلة.

مطلب مُلِح

كانت قضية وحدة وادي النيل، ولا تزال، مطلباً ملحاً تسعى إلى تحقيقه جموع غفيرة من أبناء الوادي الخصيب. وقد عبّر المبدع تاج السر حسن في قصيدته "آسيا وأفريقيا" عن هذا الرباط الطبيعي الذي يجمع بين البلدين بقوله:"مصر يا أخت بلادي يا شقيقة. يا رياضاً عذبة النبع وريقة .. يا حقيقة". وإن كانت أهواء السياسة والحكم وزيف وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً أدت إلى النيل من مصداقية هذا الحلم المشروع، فإن التفكير الاستراتيجي السائد طوال مرحلة ما بعد الاستقلال يؤكد على عمق وأهمية الروابط التاريخية والحضارية بين السودان ومصر باعتبار أن كلاً منهما يشكل امتداداً طبيعياً للآخر. ولعل السؤال المطروح اليوم يتمثل في كيفية مواجهة عمليات "الوعي الزائف" التي شكلت وجدان جيل من الشباب بفعل عوامل السياسة من جهة، وتبعات السكوت عن بدء حوار استراتيجي جاد تُطرح فيه كل القضايا العالقة جنباً إلى جنب مع القضايا الإستراتيجية الملحة، من جهة أخرى. ولعل الهدف يكون في هذه الحالة هو بناء "تحالف استراتيجي" يقوم على مفاهيم الأخوة والقيم المشتركة والندية في العلاقة، جنبا إلى جنب مع المصالح المشتركة.

دروس أفرابيا في وادي النيل

 في هذا السياق، يمكن استعارة منهج الراحل على مزروعي في دراسته للعلاقات الأفريقية - العربية (أفرابيا)، حيث ركز على نموذجين للمصالحة التاريخية التي تشمل خبرات من المجتمعات الأخرى. النموذج الأول، هو الأنجلو أمريكي، حيث تم الانتقال من العداء إلى الأخوة في العلاقات بين الشعب البريطاني والشعب الأمريكي خلال الفترة من أواخر القرن الثامن عشر حتى قيام الحرب العالمية الأولى. أما النموذج الثاني، فهوالانتقال من العداء إلى الصداقة بين الولايات المتحدة واليابان خلال الفترة الممتدة بين عام 1941 وتسعينيات القرن الماضي.  يرى البروفسور مزروعي أنه  في عام 1776 بدأ الأمريكيون تمردهم ضد الحكم البريطاني من خلال ما بات يُعرف بحرب الاستقلال الأمريكية. وعلى مدى قرن على الأقل، كان البريطانيون هم الشعب الذي يبغضه الأمريكيون أكثر من غيرهم، حيث خاضوا حرباً أخرى في عام 1812. ربما تكون المملكة المتحدة اليوم أقرب حليف للولايات المتحدة وربما أقرب حتى من إسرائيل وكندا. لقد التأمت جراح عامي 1776 و1812 بين الأمريكيين والبريطانيين وتمت صياغة شعور جديد وأعمق بالهوية المشتركة. كانت المصالحة بطيئة ولكن عميقة. في عام 1941، وبعد قصف اليابان غدراً ميناء بيرل هاربور كان لدى الأمريكيين سبب وجيه لكراهية اليابانيين. وفي أغسطس 1945، ألقت الولايات المتحدة قنابل ذرية على هيروشيما وناغازاكي، حيث أصبح اليابانيون أول الضحايا في العصر النووي. وقد كان لدى اليابانيين أيضاً سبب وجيه لكراهية الأمريكيين. ومع ذلك، في غضون أقل من جيل واحد، أصبحت الولايات المتحدة واليابان حليفين سياسيين كبيرين وشريكين تجاريين بارزين.

ماهي الدروس المستفادة لهذه المصالحة التاريخية في إطار علاقات الأخوة بين شعبي وادي النيل؟ ثمة اختلاف جوهري عن النموذجين السابقين، حيث أننا أمام إحياء روابط قديمة والبناء عليها وتجاوز مراحل من الشكوك المتبادلة أذكتها عوامل السياسة والأيديولوجيا بالأساس، ولاسيما خلال العقود الثلاثة الماضية. نحن في حاجة إلى النموذج الأنجلو- أمريكي الأكثر بطئاً ولكنه أعمق أثراً وتطبيق ذلك على المسكوت عنه في العلاقات السودانية- المصرية.

النوبة وأفرابيا وادي النيل

شاءت الظروف أن ألتقي بأحد الأصدقاء من بلاد النوبة في السودان أثناء بعثتي الدراسية في الولايات المتحدة، ومن خلال الحوارات المستمرة لاحظت عليه تمسكاً شديداً بهويته النوبية لدرجة قد تجب معها الانتماءات الأخرى. تركزت المقولة المحورية لصاحبنا حول الأصول النوبية للحضارات الأفريقية بالإضافة لمركزية اللون والوعى الأسود بالنسبة للأفارقة.هنا يمكن الاستفادة من "أفرابيا" على مزروعي باعتبار أن بلاد النوبة عامل توحيد ولقاء بين السودان ومصر. ذهبت بعد ذلك إلى أسوان ملتمساً التعرف على بعض آثار وعجائب بلاد النوبة كما عرضها سكيب غيتس في عجائب العالم الأفريقي. يسرد متحف النوبة في أسوان قصة إحدى أكثر الثقافات تفرداً في إفريقيا. منذ آلاف السنين، بدأت الجماعات البدوية التي كانت تعيش على الصيد والالتقاط على طول الروافد العليا للنيل في الاستقرار في قرى صغيرة على طول نهرالنيل بالقرب من الشلال الرابع، حيث عثر علماء الآثار في مواقع مثل مروى، على بقايا المنازل والمقابر. كانت مثل هذه المجتمعات الصغيرة هي التي وضعت أساس الحضارة النوبية بحسبانها واحدة من أكثر الثقافات ديناميكية في أفريقيا. عندما زار الجغرافي اليوناني سترابوس الأراضي الواقعة جنوب الشلال الأول عام 29 قبل الميلاد، لاحظ مدى ثراء المنطقة من حيث مواردها الطبيعية. كان يعرف المنطقة باسم النوبة، وهو الاسم الذي يعتقد بعض العلماء أنه مشتق من كلمة "نبو"، وهي الكلمة المصرية القديمة للذهب الذي يعد أهم صادرات النوبة. ومع ذلك، فقد أطلق المصريون على الأرض الممتدة من أسوان في الشمال إلى الخرطوم جنوب الشلال السادس اسم "تا سيتي" أو "أرض القوس"، حيث كان السيف بمثابة السلاح المفضل لدى النوبيين. ويعني مصطلح "النوبة" اليوم أشياءاً مختلفة بالنسبة لكثير من الناس. بالنسبة للاثنوغرافيين واللغويين، فإنه يشير إلى منطقة معينة تمتد جنوب مصر وشمال السودان، حيث عاش النوبيون ذوو البشرة السمراء. أما بالنسبة لعلماء الآثار المحدثين، فهى منطقة واسعة في وادي النيل الأوسط والصحاري المحيطة التي تمتد تقريباً من أسوان في مصر باتجاه الجنوب إلى الخرطوم  وما وراءها. لقد ازدهرت بلاد النوبة ذات الموقع الاستراتيجي الفريد خلال عصر الدولة القديمة (حوالي 2700-2200 قبل الميلاد)، كانت المعبر الذي وصلت  من خلاله السلع الأفريقية - الأبنوس والعاج والبخور وجلود النمر وريش النعام - إلى مصر والعالم المتوسطي الأوسع في مقابل الزيت والعسل والنبيذ والبيرة والكتان. ازدهرت النوبة أيضاً من خلال تصدير الذهب والنحاس والأحجار شبه الكريمة مثل العقيق، والتي كانت تمتلكها بكميات كبيرة. متحف النوبة في أسوان، الذي افتتح في خريف عام 1997، هو اعتراف بهذه الحضارة الأفريقية. تم تصميم المتحف، الذي يقع على قمة تل بالقرب من مقياس النيل، وفقاً لفنون العمارة النوبية التقليدية. هل يمكن أن تكون بلاد النوبة أحد عناصر المصالحة وتجاوز المسكوت عنه في حوض النيل؟

الهوية المشتركة وحلم الوحدة

ثمة عوامل أخرى شكلت وعى أبناء الوادي مثل التعليم والدين ومقاومة الاستعمار والمطالبة بالحكم الذاتي. ومن خلال العودة إلى أسماء أروقة الجامع الأزهر يتضح لنا آثار العلماء السودانيين الذين درسوا فيه؛ فثمة "رواق سنار"، نسبة إلى سلطنة سنار و"رواق دارفور" نسبة إلى سلطنة دارفور. وقد انعكست هذه الروابط الثقافية والحضارية على تشكيل العقل الجمعي لأبناء وادي النيل خلال فترة الاستعمار البريطاني، حيث تشكلت جمعيات سرية من الشباب السودانيين مثل "جمعية الاتحاد السوداني" عام 1920 و"جمعية اللواء الأبيض" عام 1923 التي اتخذت لنفسها علماً أبيضاً مرسوم عليه خريطة وادي النيل وهلال ونجوم ترمز للعلم المصري. وقد تجلى الشعور الجمعي العفوي بالهوية المشتركة لشعب وادي النيل في المظاهرات التي أعقبت تشييع جثمان مأمور أمدرمان عبدالخالق أفندي حسن وهو مصري، حيث هتف الجميع بشعار "تحيا الأمة المصرية، ليحيا الاستقلال التام لوادي النيل". ومع نضج الحركة الوطنية السودانية، ظهرت مجموعة من الأحزاب الاتحادية التي كانت تطالب بوحدة وادي النيل ولو بدرجات متفاوتة ابتداء من الرابطة الفيدرالية وانتهاءاً بالاندماج التام. وكان من أبرز هذه الأحزاب: حزب الأشقاء، وحزب الاتحاديين، وحزب الأحرار، وحزب وحدة وادي النيل. تلك هي المواريث التي تعبر عن النضالات المشتركة لأبناء الوادي في سعيهم نحو الوحدة والاستقلال.

ختاماً، فإن وقت الأزمات يعكس روح الأخوة بين الأشقاء، وقد اتضح ذلك في أكثر من مناسبة. ففي أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أعلن السودان بكل وضوح أنه: "لا سلامة للسودان إذا كان الخطر محدقاً بمصر"، كما وضعت الحكومة السودانية كل إمكانياتها تحت تصرف مصر بما في ذلك تأمين الطائرات المصرية في مطار وادي سيدنا السوداني. وقد تكرر الأمر نفسه عام 1967 حينما احتضنت قاعدة جبل الأولياء الكلية الحربية المصرية. ومن ثم، يمكن العودة إلى الجذور والتوكيد على عرى الأخوة والقيم المشتركة بين الشعبين السوداني والمصري لتحقيق انطلاقة تكاملية مختلفة هذه المرة. يستلزم ذلك يقيناً ضرورة تصحيح الصور الذهنية السلبية والتركيز على تبني مقاربات جديدة لمواجهة تحديات الحاضر وتحقيق آمال المستقبل في حوض وادي النيل.

طباعة
د. حمدي عبد الرحمن

أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة