مقالات تحليلية

الصومال بين البلقنة وخيار الفيدرالية المتوازنة

طباعة

كانت مشكلة إفريقيا- ولاتزال- تكمن في البدايات الخاطئة لسياسات الحوكمة والتنمية. ووفقاً للاشتراكي الفرنسي رينيه ديمون الذي نشر كتاباً بهذا المعنى عام 1962، فإن التخلف المستمر في إفريقيا لم يكن بسبب الظروف الطبيعية غير المواتية ولكن بسبب فشل أنظمة الحكم في كل من فترتى الاستعمار وما بعد الاستعمار في تبني سياسات أكثر ملاءمة فيما يتعلق بالتكنولوجيا والزراعة والتصنيع والتعليم وتطوير الخدمة المدنية ودور المساعدات الخارجية والتكامل الإقليمي. لا تزال قراءة دومون- الذي هز مجتمع المعونة الدولية وألهم جوليوس نيريري، مؤسس ورئيس تنزانيا في تبني استراتيجيات التنمية الجريئة التي تم التعبير عنها في إعلان أروشا عام  1967- صالحة حتى يومنا هذا. ومن الواضح أن أزمة الصومالبعد ثلاثين عاماً من الحرب الأهلية عام 1991، لا تزال تكرر مفهوم البدايات الخاطئة. إذ على الرغم من تدفق المساعدات والتدخلات الدولية، فإن البلاد غير قادرة على تطوير هيكل حوكمة وظيفي قادر على توفير الأمن وغيره من الخدمات الأساسية للمواطنين. كما أن خيار الفيدرالية بصيغته غير المكتملة والمسيسة لم يحقق الاستقرار السياسي. فهل يمكن الحديث عن إعادة النظر في الخيار الفيدرالي مرة أخرى، أم يتم إفساح الطريق لمزيد من البلقنة وقيام دول عشائرية مستقلة في إطار كونفدرالي فضفاض؟

سلام الخارج ومصالحات الداخل

تمثلت البداية الخاطئة الأولى في التدخلات الدولية وتبني مبادرات للمصالحة مفروضة من الخارج. لقد توجه الصوماليون بعد انهيار الحكومة المركزية صوب دول الجوار القريب والبعيد لعقد مؤتمرات الحوار والمصالحة والتي انتهت بقبول صيغة عرته / جيبوتي. تم القبول في تشكيل الحكومة الفيدرالية الانتقالية بمبدأ "4.5" لتقاسم السلطة الذي يقسم العشائر الصومالية إلى أربع عشائر رئيسية ويعطي كل العشائر الأخرى المتبقية نسبة "0.5". تلك الصيغة كرست العشائرية في النظام السياسي المقترح وأخفقت في الحصول على دعم كل من صوماليلاند وبونتلاند. وفي مقابل هذا السلام المفروض من الخارج مكنت عمليات المصالحة المحلية والإقليمية الموسعة في صوماليلاند وبونتلاند من إقامة أطر وسياسات سلمية ومستقرة نسبياً.ولا شك أن هذه المبادرات المحلية بين المجتمعات الصومالية تظهر مطلباً للأمن والقانون والنظام. كما تظهر قدرة المجتمعات الصومالية، في ظل غياب الدولة، على السيطرة على الصراع العنيف وإدارته من خلال مقاربات قائمة على الإجماع عن طريق التفاوض. وينعكس ذلك في الالتزامات بالمسئولية المشتركة وإدارة وقف إطلاق النار والأمن. في هذه النواحي، تظهر عمليات السلام التي يقودها الصوماليون درجة من التطور والبراغماتية التي تم افتقادها في الجهود التي ترعاها الدولة بمساعدة خارجية في السياق الصومالي. ذلك هو الدرس الأول الذي لم يتم تعلمه من داخل الخبرة الصومالية نفسها.

عندما تم انتخاب رئيس الوزراء السابق محمد عبد الله فارماجو رئيساً للحكومة الفيدرالية الصومالية في عام 2017، أشاد الكثيرون – وكاتب هذه السطور من بينهم -بفوزه. على عكس أسلافه، كان يُنظر إلى فارماجو على أنه قائد توافقي بمقدوره أن يوحد البلاد لأنه كان يتمتع بعقلية قومية وكان شخصاً لم يتأثر بمصالح العشيرة. ورث الرجل دولة فاسدة ومختلة، تمزقها الانقسامات العشائرية والفئوية العميقة، وتحاصرها حركة الشباب من كل صوب وحدب بالرغم من وجود بعثة الاتحاد الأفريقي (أميصوم). لكن للأسف، لم تؤد فترة حكم فارماجو التي انتهت رسمياً يوم 8 فبراير الماضي إلى تحول كبير في هياكل الحكم أو السياسة الصومالية. على العكس من ذلك، فإن عداءه العلني لقادة الأقاليم الفيدرالية - لا سيما جوبالاند وبونتلاند، ورغبته في تركيز السلطة في يديه وانحيازاته المتعلقة بسياسات الصومال الإقليمية قد أدت إلى تراجع شعبيته، وهو ما يعيد الصومال إلى وضع البدايات الخاطئة مرة أخرى.

يحكم فارماجو اليوم بدون تفويض شعبي، كما أعلنت جماعات المعارضة الرئيسية إنها لن تعترف به كرئيس للدولة لأنه فشل في تنظيم الانتخابات العامة التي كان من المقرر إجراؤها هذا الشهر (فبراير 2021). ولا يخفى أن هذا الفراغ الظاهر في السلطة مسألة ثانوية للعالِم بمجريات الأمور في الصومال، حيث أن الرئيس هو مجرد زعيم صوري؛ لأنه لا يمارس سلطة حقيقية. لا تستطيع الحكومة في مقديشو السيطرة على معظم أنحاء البلاد، حيث تقوم العشائر والأقاليم الفيدرالية بتسيير أمورها إلى حد كبير. كما تتولى قوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، وليس الجيش الوطني الصومالي، أمور الأمن القومي إلى حد كبير.

انسحاب مشروط

تطرح "أميصوم" تكراراً لمسلسل البدايات الخاطئة في الصومال. تقترب ولاية بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال من نهايتها. إذ من المقرر خروجها في ديسمبر 2021، بعد أن مدد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الموعد النهائي الذي كان مقرراً في 28 فبراير. ولكن يعتمد الانسحاب الناجح لقوات البعثة على الاستقرار السياسي في الصومال، وهو أمر عصى على التحقق في ظل الأزمة المتصاعدة التي تشهدها البلاد. وفقاً لخطة الصومال الانتقالية لعام 2017، التي أقرها مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن الدولي، يجب تلبية عدد من الأولويات المهمة قبل مغادرة بعثة الاتحاد الإفريقي. يشمل ذلك بناء القدرات المؤسسية وتوفير الدعم المادي واللوجستي لقوات الأمن في الصومال. على أن أهداف الخطة طموحة للغاية بحيث يتعذر تحقيقها في غضون الإطار الزمني المحدد. علاوة على ذلك، ثمة عوامل أخرى تسهم في تأجيج حدة الأزمة الداخلية في الصومال مثل تفاقم عدم الاستقرار السياسي والتهديدات الأمنية والخلافات الدبلوماسية بين الصومال وكينيا وجيبوتي. لا تزال حركة الشباب تشكل تهديداً كبيراً في البلاد وخارجها، وقد زادت من هجماتها، خاصة اعتباراً من أغسطس 2020. وتقدم حركة الشباب في الواقع نوعاً من "الحوكمة" في المناطق التي تسيطر عليها - حتى لو كانت الضرائب يتم جمعها من خلال الابتزاز أو التهديد بالعنف. يأتي ذلك في ظل غياب الدولة التي أضحت سراباً بالنسبة لمعظم الصوماليين الذين يحكمهم إما القانون العرفي الـ"حَيْر" أو الشريعة.  

تأثير المساعدات

في كتابها عن المساعدات المميتة، تطرح دامبيسا مويو رؤية نقدية لصناعة المساعدات الأجنبية - وتصفها بأنها ليست فعالة فحسب، بل "خبيثة". فعلى الرغم من تقديم أكثر من تريليون دولار من المساعدات التنموية لإفريقيا في الخمسين عاماً الماضية، إلا أن هذه المساعدات فشلت في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والحد من الفقر - وجعلت القارة أسوأ حالاً. ينطبق ذلك يقيناً على الصومال، حيث لم تفض الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحقيق ما يشبه الحوكمة من خلال إنشاء المؤسسات اللازمة للحكومة والتي تعمل بكفاءة. لقد كانت هذه المساعدات الخارجية ذات نتائج عكسية لأنها رسخت الفساد في الحكومة (حيث سرق المسئولون الفاسدون الكثير من المساعدات) وأبطأت تعافي الصومال واستقراره. كما كان تدخل إثيوبيا تحديداً أبرز أسباب زعزعة استقرار الصومال. لقد  أدى الغزو الإثيوبي للصومال المدعوم من الولايات المتحدة في عام 2006 إلى الإطاحة بحكم اتحاد المحاكم الإسلامية بزعامة شيخ شريف. ومن المعروف أن حكومة شيخ شريف نجحت في تحقيق ما يشبه الفترة الذهبية في حكم الصومال بعد سياد بري من خلال إقامة تحالف من رجال الدين ورجال الأعمال المسلمين. ولا يخفى كذلك أن التدخل الإثيوبي أدى إلى ظهور جماعات متطرفة مثل حركة الشباب المجاهدين التي أحدثت الفوضى في أرجاء الصومال منذ ذلك الحين. على أن سيادة الصومال لم تنتهك من قبل أثيوبيا وحدها فقد كان لتدخل كينيا في الصومال في عام 2011 تأثير مماثل، حيث وسّعت حركة الشباب نشاطها الإرهابي ليشمل الأراضي الكينية.

ما العمل؟

هل يمكن إنقاذ الصومال من خلال تبني نهج مفهوم بناء الدولة المعتمد على المبادرات المحلية مثل ما حدث في صوماليلاند وبناء دولة ديموقراطية قوية تقوم على مبدأ الصوت الواحد لكل فرد بدلاً من الصيغة العشائرية الحالية؟، أم هل ينبغي القبول بمنطق الأمر الواقع، حيث تنقسم الصومال إلى ما يشبه دول المدينة التي تتمتع بالحكم الذاتي تكون أكثر قدرة على حكم نفسها؟. اقترح العديد من الخبراء نهجاً أساسياً في هذا السياق، حيث يتم تقسيم الدولة إلى ستة هياكل إدارية محلية في المناطق شبه المستقلة المحددة كلياً أو جزئياً من خلال الانتماء العشائري. تهيمن عشيرة إسحقعلى صوماليلاند في الشمال الغربي؛ وتهيمن المجرتينفي بونتلاند في الشمال الشرقي؛ كما ستضم جوبالاند وجيدو المتاخمة لكينيا عدداً من العشائر غير المتجانسة؛ وفي المقابل سوف تتحكم الهوية في وسط الصومال؛ وفي نهاية المطاف سوف تظل مقديشو مركزاً إدارياً يعبر عن رمزية الأمة الصومالية.على أن الصيغة الفيدرالية المقترحة في هذا النهج تظل مثار اختلاف في ضوء جهود فيلا صوماليا (مركز مؤسسة الرئاسة) الرامية إلى دعم سلطة المركز على حساب الأقاليم.

ثمة مسار آخر دعا إليه بعض الخبراء من واقع خبرة النهج اليوغسلافي السابق. ألم تفض "اتفاقات دايتون" لعام 1995، التي أنهت حرب البوسنة، إلى تمهيد الطريق لبلقنة عرقية في يوغوسلافيا السابقة من خلال إقامة ستة بلدان. أدى ذلك في نهاية المطاف إلى السلام والاستقرار والازدهار. قد يجادل البعض بأن هذا الخيار قد يقضي على خطر الشباب المجاهدين ويسمح بعودة اللاجئين الصوماليين في كينيا وإثيوبيا وبلاد المهجر. ومع ذلك، فإن حلم الصومال الموحد يظل هو الخيار الأصلح ولكن وفق قواعد جديدة تعلي من قيم المواطنة المتساوية وتحدد بوضوح وظائف كل من المركز والأطراف من خلال علاقة فيدرالية عادلة.

طباعة
د. حمدي عبد الرحمن

أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة