تقديرات استراتيجية

كيف تسهم الكراهية السياسية في تغذية عدم الاستقرار بالشرق الأوسط؟

طباعة

تصاعدت دعاوي وخطابات الكراهية السياسية في الشرق الأوسط، خلال السنوات الماضية، تجاه الآخر المختلف سياسياً أو مذهبياً أو مناطقياً لدرجة أنها صارت ملمحاً رئيسياً للتفاعلات داخل وبين دول الإقليم من ناحية، وبين الإقليم والعالم من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن تلك الكراهية ليست ظاهرة حديثة بل تعود إلى عقود طويلة وعكستها سياسة "الإسلاموفوبيا" التي انتشرت في الغرب وهو ما نتج عنه تزايد العداوة بين الطرفين العربي والإسلامي والعالم الغربي وخاصة في أعقاب حدوث أزمات صغرى أو كبرى على نحو ما ظهر في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث أثير تساؤل رئيسي مفاده: "لماذا يكرهوننا؟".

هناك اتجاه في الكتابات ينظر إلى الكراهية على أنها "مشاعر سلبية مستمرة ومتطرفة يشعر بها أحد الأطراف تجاه الطرف الآخر، وتحتوي على رغبة ذاتية في إيذاء هذا الطرف، وربما تدميره تماماً، وتنطوي على اعتقاد بأن الطرف الآخر شرير بطبيعته، ولن يتغير أبداً". ووفقاً لذلك المفهوم، فإن الكراهية غير مرتبطة بموقف بعينه، وإنما هي شعور تراكمي يوجه إلى الطرف الآخر بناءً على شخصيته، وسماته الأصيلة.

في حين يعرف اتجاه آخر الكراهية بأنها "حالة نفسية غاضبة وموجهة سلبياً نحو فكر أو عقيدة أو شخص أو أمة أو ثقافة أو مجتمع أو منطقة داخل دولة.. إلخ". وتشتد هذه الحالة النفسية أو تخفت رداً على تصرفات الآخرين، والتي قد تكون نابعة من ذواتهم أو يكونوا متأثرين بها نتيجة متغيرات خارجية. وتبعاً لذلك، فالكراهية إما تكون عارضة (مؤقتة) وإما تصبح دائمة، وتتحدد قوتها أو ضعفها حسب معطيات الحاضر بكل تداخلاته وانعكاساته.

وعلى الرغم من أن الكراهية قد تكون كامنة، في بعض الأحيان، على نحو يصعب من إخضاعها للتحليل السياسي، إلا أنها قد تكون علنية، في أحيانٍ أخرى، وهو ما تعكسه تصريحات محددة ومواقف سلوكية، سواء من جانب نخب الحكم أو رموز معارضة أو غضب الشارع، وتتعلق بمراحل مختلفة تبدأ بعدم التوافق والتشويه المتعمد للخصوم وتمر بنزعات الانتقام والثأر، والإقصاء المتبادل، وتصل إلى حد التكفير ونزع الوطنية.

أنماط متعددة

إن التيار الرئيسي في أدبيات النظم السياسية والعلاقات الدولية، وبصفة خاصة في دراسات فريدريك ويري وروبرت سترنبيرج ود.بهجت قرني وأ.جميل مطر ود.أحمد يوسف أحمد ود.نيفين مسعد ود.عبدالحميد الأنصاري ود.خالد الحروب ود.خالد حنفي ود.هويدا عدلي ود.داليا رشدي وغيرهم يشير إلى تعدد الأنماط الدالة على تزايد خطاب الكراهية في الإقليم، وذلك على النحو التالي:

1- الكراهية المتقابلة بين القوى المدنية والتيارات الدينية: صار هذا النمط حاكماً للتفاعلات في الإقليم منذ الحراك الثوري العربي، قبل عشر سنوات حينما صعدت التيارات الدينية إلى السلطة في أعقاب انهيار النظم السياسية القائمة، إذ حاولت التيارات الدينية وصم نظيرتها المدنية (سواء كانت ليبرالية أو يسارية) بأنها معادية للدين وداعمة للنظم السابقة، وخاصة في مراحل الانتقال السياسي من خلال الاستحقاق الانتخابي أو الاستفتاء على التعديل الدستوري. في حين تتهم التيارات المدنية نظيرتها الدينية بالانتهازية والمظلومية لتحقيق مآربها الخاصة.

وتأججت تلك الكراهية في مرحلة ما بعد سقوط تلك التيارات الإسلامية أو تعثر المراحل الانتقالية التي قادتها لاسيما بعد أن اتخذت من العنف الموجه ضد مؤسسات الدولة أو قوى المجتمع مدخلاً منفرداً لبقائها في السلطة، وهو ما ينطبق على حالة جماعة الإخوان المسلمين في مصر التي صُنِّفت بأنها "جماعة إرهابية" وفقاً للقانون في ديسمبر 2013. وكذلك توجد تلك الكراهية في الحالة التونسية بين حركة النهضة وحلفاءها من جانب والتيارات المدنية وبصفة خاصة الحزب الدستوري الحر من جانب آخر، وهي جزء من المأزق المركب الذي يواجه البلاد.

2- الكراهية السائدة بين الطوائف (المذهبية والدينية): سواء لاعتبارات مذهبية (بين السنة أو الشيعة) أو دينية (بين المسلمين والمسيحيين)، وهي قائمة في المجتمعات المتعددة. فالحالة المذهبية تبدو واضحة في اليمن بعد استيلاء ميلشيا أنصار الله الحوثية على السلطة في العاصمة صنعاء منذ سبتمبر 2014 ومحاولتها مد نفوذها إلى بقية مناطق اليمن الأخرى سواء عبر القوة المسلحة أو الاستيلاء على الموارد الاقتصادية أو محاولة العبث بالهوية عبر الوسائل الإعلامية وتغيير محتوى المقررات التعليمية.

وفي هذا السياق، أشارت بعض وسائل الإعلام العربية في 5 فبراير الجاري (2021) إلى قيام جماعة أنصار الله الحوثية بفرض كتب تعليمية جديدة بعد إضافة أفكار مذهبية إليها فيما يعرف بـ"حوثنة التعليم"، حيث استهدفت المواد المرتبطة بالجوانب العقائدية كالقرآن الكريم واللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية الاجتماعية، بخلاف عملية اختطاف عدد من المدرسين والموظفين بديوان عام وزارة التربية والتعليم بصنعاء تحت دعوى إخفاء أجهزة تخزين البيانات بالوزارة التي يديرها شقيق زعيم الحوثيين يحيي بدر الدين الحوثي، مع إحلال عناصر موالية للحوثي. وتهدف جماعة أنصار الله إلى إنشاء جيل عقائدي موالي لها طائفياً وحشد المزيد من المقاتلين على جبهاتها.

كما تم استهداف المسيحيين في عدد من الدول العربية، لأسباب مختلفة. فقد تعرضت الكنائس للحرق من قبل إرهاب الإخوان بعد 30 يونيو، وكذلك الحال بالنسبة لمسيحيي العراق تحت دعاوى دعم الاحتلال الأمريكي،كما تم استهداف المسيحيين في الصراع الدائر في سوريا من قبل جبهة النصرة (تنظيم القاعدة)، نظراً للارتباط المصلحي بين المسيحيين ونظام بشار الأسد، وهو نفس ما تعرض له المسيحيون في العراق في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين، وبصفة خاصة من قبل الميلشيات الشيعية المسلحة.

3- الكراهية المكتومة بين ساكني المركز وقاطني الهامش: يعد هذا النمط سائداً في أغلب دول الإقليم بين المناطق التي تحظى بالاهتمام من قبل الحكومات والمناطق المحرومة من خدمات التنمية سواء من حيث إتاحة الخدمات وإقامة المشروعات وتوافر الوظائف، بما يؤدي إلى تبلور ما يطلق عليه في الأدبيات "الكراهية المناطقية" أو "الغيرة الأقاليمية"، بل يوجد تباين في تهميش بعض مناطق الأطراف داخل بعض الدول على نحو يجعله أقرب إلى "اليأس المتمايز"، وهو ما تعكسه الاحتجاجات المناطقية التي تشهدها دول مثل تونس والجزائر ولبنان والعراق لتشبه "ثورات البراكين" تهدأ أحياناً وتثور في أحيان أخرى.

فعلى سبيل المثال، لاتزال الاحتجاجات في تونس تنطلق من الأطراف في سيدي بوزيد، اعتراضاً على السياسات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة التي لم تواجه واقع الفقر، والاختلالات التنموية، والتهميش الذي عانت منه الأطراف. كما توجد مشاعر للكراهية، ليس استناداً لمعضلات التنمية غير المتوازنة فقط، حيث سادت مظاهر الإهمال في بنغازي طوال حقبة القذافي، وإنما لتوابع ما بعد الثورات، على نحو ما هو قائم بين بنغازي في الشرق وطرابلس في الغرب، وانضمام كل من المنطقتين للمعسكر المناوئ للطرف الآخر منذ عام 2014 وحتى بداية عام 2021.

4- الكراهية المتجددة بين داعمي الثورة ومؤيدي الإصلاح: لازال الجدل بين مؤيدي الثورات التي اندلعت في دول الإقليم ورافضيها قائماً على الرغم من مرور عشر سنوات على اندلاعها. فهناك قطاعات داخل المجتمعات متضررة مما أحدثته الثورات وخاصة في الدول التي تحولت فيها تلك الثورات إلى صراعات مسلحة مثل ليبيا واليمن وسوريا، حيث تشهد نمطاً أقرب إلى "السيادة المتعددة" لفواعل مختلفة سواء كانت تابعة لمؤسسات الدولة أو الميلشيات المسلحة أو التنظيمات الإرهابية أو "الكتائب المناطقية".

فقد انهارت نظم وتفككت دول ونهبت ثروات وتفرقت عائلات وتغيرت ديموغرافيا مجتمعات بحيث صار هناك سؤال "أين نعيش؟" نظراً لأن "هناك دولاً غير عربية في المنطقة العربية". في مقابل ذلك، لازالت هناك قطاعات مجتمعية مؤيدة لما جرى في تلك البلاد بسبب الطبيعة السلطوية لتلك الأنظمة وتزايد مستوى التهميش السياسي والاقتصادي لفئات مجتمعية ومناطق جغرافية، وما ترافق معه من تفاقم الاستقطاب السياسي.

5- الكراهية الدفينة بين قوى الحراك الشعبي والنظم الحاكمة السابقة: تسود علاقات تحكمها الكراهية من جانب قوى المجتمع التي اختارت "سياسة الاحتجاج" أو "الشارع" لإعلان رفضها للنظم الحاكمة، وهو ما تشير إليه حالات الموجتين الأولى (2011) والثانية (2019). وثمة تعبيرات استخدمتها قوى الحراك لتوصيف النظم السابقة مثل "الفلول" في مصر و"أنصار القذافي" في ليبيا و"أذلام بن علي" في تونس و"العصابة" في الجزائر و"أنصار البشير" في السودان، وكذلك الحال بالنسبة لموقف قوى الحراك في لبنان والعراق ضد النخبة الحاكمة أو الطبقة السياسية. ويجمع القوى المحتجة توصيف تلك النظم المنهارة أو القائمة بأنها "نظم بائدة" في إشارة إلى ضرورة رحيلها أو ابتعادها عن التمثيل في النظم الجديدة.

6- الكراهية "الحادة" بين العمالة الوافدة وقطاعات مجتمعية من الدول العربية المستضيفة لها: وهو ما حذر منه حقوقيون وناشطون سياسيون في الكويت، وفقاً لصحيفة "القبس" الكويتية في 9 أبريل 2020، حيث أشاروا إلى أن "تنامي العنصرية وخطاب الكراهية في المجتمع يضران بمصلحة الكويت"، وأن "البعض يصب الزيت على النار عن عمد لتحقيق أهداف خفية ومصالح انتخابية ومكاسب ضيقة على حساب إشعال الفتنة بين الكويتيين والجاليات المقيمة". ويتوازى ذلك مع ظهور اتجاه يرى أن العمالة الوافدة ساهمت ولاتزال تساهم في بناء الكويت، وأن تيار الكراهية السابق لا يعبر عن التوجه الرئيسي للمجتمع الكويتي.

7- الكراهية "الظرفية" بين الدول العربية: كانت مشاعر الكراهية في فترات زمنية معينة تبرز خلال مباريات كرة القدم بين فرق المنتخبات الوطنية التي تتنافس في بعض المسابقات القارية، وهو ما عكسته، على سبيل المثال، مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر خلال عام 2009 للتأهل لمونديال كأس العالم 2010، وما انطوت عليه من أعمال عنف مست العلاقات بين المجتمعات في الدولتين. وقد بدت تلك المشاعر جلية أيضاً في الأزمات التي يتعرض لها اللاجئون في بعض الدول العربية، على غرار أزمة وجود نحو 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان، والتي تجدد الجدل حولها بعد الحريق المتعمد الذي اشتعل في مخيم للاجئين السوريين في شمال لبنان، في 27 ديسمبر 2020، حيث امتد إلى المخيم بالكامل وتسبب في تشريد نحو 75 أسرة.

8- الكراهية المتزايدة بين الدول العربية والقوى الإقليمية: برزت مشاعر الكراهية لدى الدول العربية تجاه القوى الإقليمية وخاصة إيران وتركيا وإسرائيل، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، لاسيما في ظل محاولات بعض تلك القوى التدخل في شئون الدول العربية. فإيران وتركيا تعتبرهما بعض الدول العربية مصدر التهديد الأساسي لأمنها الوطني، لدرجة أن بعض الكتابات تعتبرهما "ذئاب إقليمية" في حين لازالت هناك مشاعر كراهية لدى قطاع لا يستهان به من الرأي العام في بعض الدول العربية تجاه إسرائيل بسبب أنها، وفقاً له، تمثل آخر الدول الاستعمارية فضلاً عن ممارساتها تجاه الشعب الفلسطيني، على الرغم من موجة التطبيع الراهنة بين بعض الدول العربية وإسرائيل.

9- الكراهية التاريخية تجاه التدخلات الغربية في الشئون الداخلية: تسود مشاعر الكراهية لدى توجهات الرأي العام العربي إزاء القوى الخارجية التي تتدخل في الأوضاع الداخلية منذ مرحلة الاستعمار مروراً بالحصول على الاستقلال الوطني ووصولاً إلى التدخل الخارجي في شئون الدول بأشكال مختلفة مثل الضغط لإجراء إصلاحات داخلية أو الاتهام بالتضييق على أوضاع الأقليات أو التلويح بسلاح المعونات الاقتصادية ومنع الصفقات العسكرية. فضلاً عن غضب قطاعات مجتمعية في دول عربية من الدعم الغربي لإسقاط نظم بها مثل النظام الليبي في عهد القذافي، وكذلك الحال بالنسبة لقوى مجتمعية لا تزال تدافع عن بقاء نظام الأسد في سوريا.

10- الكراهية "العلنية" بين القطاعات الهشة في دول الإقليم والقوى الدولية: تسود مشاعر للكراهية من جانب قطاعات للرأي العام، وخاصة تلك التي تعاني من أوضاع مأزومة في عدد من دول الإقليم تجاه القوى الغربية المتقدمة على خلفية توفير اللقاحات للعلاج ضد كوفيد-19. فعلى الرغم من أن الفيروس لا يميز بين غني وفقير في الإصابة به، إلا أن معدلات الشفاء منه تضعف بالنسبة للاجئين والنازحين والعالقين على الحدود "الرخوة" وقاطني العشوائيات.

ويحدث ذلك في الوقت الذي تحولت تلك اللقاحات إلى صراع نفوذ بين القوى الكبرى، وهو صراع يؤثر على التوازنات الجيوسياسية، بما يخصم من نصيب الدول النامية ومنها دول الشرق الأوسط ويتسبب في تأخر فرصها في الحصول على اللقاح الذي يناسب ظروفها المالية وأوضاعها الاقتصادية على نحو يعكس التفاوت في زمن الجائحة بعد توسيع الفوارق في الدخول وفي مستويات الرعاية الصحية.

تأثيرات انتشارية

تساهم تلك السياقات الداخلية أو البيئات الحاضنة في تغذية عدم الاستقرار الإقليمي من زوايا مختلفة. فبقاء المُحفِّزات الاقتصادية والاجتماعية للكراهية الناتجة عن عدم العدالة التوزيعية أو الأقاليمية يؤدي إلى تجدد الاحتجاجات من قبل قوى مجتمعية متضررة من الأوضاع القائمة، وهو ما برز جلياً خلال العامين الأخيرين بصعود الاحتجاجات "الفئوية". كما أن استمرار جمود الخطاب الديني والعبث بمقررات التعليم من جانب الفواعل المسلحة ما دون الدولة في مناطق سيطرتها يؤدي إلى تغذية مشاعر الكراهية ضد الآخر المختلف عنها، لاسيما في ظل غلبة الانتماءات الأولية على النوازع الوطنية.

ويضاف إلى ذلك أن توظيف أدوات التواصل الاجتماعي مثل "فيس بوك" و"تويتر" في تغذية مشاعر الكراهية يعزز من انتشارها لاسيما في ظل استخدامها بشكل رئيسي من قبل النواة الصلبة في تلك المجتمعات وهي الأجيال الشابة، علاوة على السرعة التي تتسم بها الرسائل الموجهة من تلك الأجيال للمناظرة لها في مجتمعات أخرى سواء من داخل الإقليم أو من خارجه. هذا بخلاف استمرار الصراعات المسلحة وتدخلات القوى الإقليمية في الشئون الداخلية للدول العربية، والذي يعزز من خطابات وممارسات الكراهية، وذلك في الوقت الذي تنشغل القوى العالمية بمصالحها لتأمين لقاحات مواجهة كوفيد-19، على الرغم من أن الفشل في توزيع اللقاح عالمياً يُعرِّض الجميع للخطر.

وفي هذا السياق، يمكن فهم إطلاق الإمارات، في 31 يناير الماضي، مبادرة عالمية جديدة من خلال حشد خبرات وقدرات تحالف يضم 3 شركات تتضمن "طيران الإمارات" و"شبكة موانئ دبي العالمية" و"مطارات دبي" والمدينة العالمية للخدمات الإنسانية، وذلك لنقل وتخزين وتسريع توزيع اللقاحات المضادة لكوفيد-19 حول العالم، مع التركيز بشكل خاص على الدول النامية التي تضرر سكانها من الوباء.

سياسات المواجهة

إن التصدي لخطاب الكراهية مرهون بتفكيك البيئات الحاضنة له من خلال تعزيز دور الدولة التنموية، واستعادة دور المؤسسات الدينية الوسطية عبر تجديد الخطاب الديني، وبث قيم حقوق الإنسان واحترام الآخر المختلف في المناهج الدراسية، وإصلاح الصور الذهنية بين الخصوم السياسيين داخل كل دولة أو بين الدول، غير أنه من المتعذر حدوث كل ذلك، بل توجد عبارة شهيرة للأديب السوري خالد خليفة يقول فيها: "نحتاج إلى الكراهية كي تجعل لحياتنا معنى".

وقد تعددت السياسات التي اتخذتها بعض دول الإقليم، سواء بشكل فردي أو ثنائي أو متعدد الأطراف، لتفكيك خطاب الكراهية سواء داخل المجتمعات أو بين الدول، خلال الفترة الأخيرة، ويتمثل أبرزها في:

1- إطلاق مبادرة للأخوة الإنسانية: وقد جاءت نتاج جهد مشترك لمصر والإمارات، إذ تم اختيار يوم 4 فبراير من كل عام باعتباره "اليوم العالمي للأخوة الإنسانية"، من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة احتفاءاً بإطلاق وثيقة "الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك" في عام 2019، التي وقع عليها كل من د.أحمد الطيب شيخ الأزهر، والبابا فرانسيس بابا الفاتيكان، والتي أثبتت التطورات احتياج العالم إليها، بعد تصاعد التيارات المتطرفة والشعبوية وتزايد دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق الاستقطاب ونشر ثقافة الكراهية.

وهنا، قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، في 4 فبراير الجاري، تزامناً مع يوم الأخوة الإنسانية: "هذه المناسبة المهمة تذكرنا جميعاً بأهمية الحوار لفهم وتقبل الآخر، كما تذكرنا بأهمية تعزيز التعاون لنبذ التعصب والتصدي لخطاب الكراهية ونشر قيم التسامح والعدل والمساواة من أجل تحقيق السلام والاستقرار"، مضيفاً: "نسعى دوماً لتوطيد دعائم الأخوة بين أبناء المجتمع كنسيج وطني واحد يتمتعون بجميع حقوقهم دون تمييز، ونتصدى لدعاوي الكراهية والتحريض على العنف".

وفي هذا السياق، قال الرئيس السيسي أيضاً: "تبذل المؤسسات والقيادات الدينية في مصر قصارى جهدها لتعزيز الحوار بين أتباع الديانات السماوية المختلفة ورفع مستوى الوعي بالقيم الإنسانية المشتركة"، داعياً إلى "العمل من أجل نشر ثقافة السلام وإعلاء قيم التسامح والتعايش السلمي، ونبذ جميع مظاهر العنف والتطرف، التي راح ضحيتها العديد من الأبرياء، والتي سلبتهم حقهم في الحياة". ويأتي خطاب الرئيس السيسي معززاً لجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف التي تنتهجها مصر بالأمم المتحدة في مجال ثقافة السلام وتعزيز قيم التسامح والحريات الدينية والتصدي لحالات التمييز.

2- تنظيم القوافل الدعوية المشتركة لنبذ التعصب والتطرف: ولعل أبرزها القافلة الدعوية المصرية السودانية، وقد حدث ذلك في الثُلث الأول من فبراير الجاري ضمن التعاون بين وزارتي الأوقاف في الدولتين. وقد ركزت القافلة على الجوانب الإيمانية والأخلاقية والقيم الإنسانية، والولاء والانتماء للأوطان على نحو يساهم في تدريب وتأهيل ورفع قدرات الدعاة فيما يخص تقديم الدعوة بفكر مستنير ووسطي ومواكب لروح العصر، سواء من جانب الائمة أو الواعظات، وشملت تلك القافلة مناطق في جنوب دارفور وشمال كردفان. وقد تنوعت الأساليب الدعوية التي اتبعتها تلك القوافل، ومنها تلك التي تحرك العاطفة، والشعور، والوجدان، والأساليب التي تدعو إلى التفكر، والتدبر، والاعتبار، والأساليب التي تعتمد على التجارب الإنسانية.

3- تدشين ملتقيات تضم ممثلين عن ديانات سماوية مختلفة: شهدت العاصمة السودانية الخرطوم مؤتمراً يعد الأول من نوعه في تاريخ البلاد، شارك فيه رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود وهندوس وبوذيون، نظمته جمعية الصداقة السودانية- الإسرائيلية، وذلك بعد إعلان السودان عزمها تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في نهاية عام 2020. ووفقاً لما صرح رئيس الجمعية أبوالقاسم برطم في 7 فبراير الجاري فإن "الهدف من عقد اللقاء الأخوي الأول، لتعزيز التسامح والسلام الاجتماعي في السودان، هو تعزيز القيم الوطنية والإنسانية، والدعوة للتعايش السلمي".

وأوضح برطم أن "الفكرة ليست جديدة لكنها أصبحت ملحة وضرورية لأن السودان بحاجة إلى مبادرات جديدة جادة وتأسيس منصات تجمع الناس بمختلف أديانهم، والتأسيس لخطاب جديد ينبذ الفرقة بين مكونات شعب السودان، يستند إلى شعارات وأهداف ثورة يناير 2018 من الحرية والسلام والعدالة ونبذ الكراهية"، مضيفاً: "نحن نقود ثورة ثقافية جديدة، تقوم على النقيض من الثقافات والمفاهيم الهدامة التي تدعو للكراهية والبغضاء". وتابع: "نعمل على تطوير برامج وإقامة مراكز للتعايش الديني والقبلي، وتحويل ثقافة التعايش لواقع، لخلق أجيال تعيش حرية الأديان وتحترم قيم المواطنة".

4- الاهتمام بالمناطق المحرومة من التنمية: أو ما يعرف بـ"مناطق الظل". ولعل مبادرة "حياة كريمة" لتطوير 1500 قرية، كمرحلة أولى من تطوير قرى الريف المصري على مستوى الجمهورية، تعبر عن مقاربة جديدة لتطوير تلك المناطق في عهد الرئيس السيسي، بما تتضمنه من صرف صحي كامل، ومياه شرب، وشبكة طرق، وكهرباء. كما أن ذلك سيوقف حركة الهجرة من الريف إلى الحضر.

5- تعزيز أدوار بعض المؤسسات: على غرار وسائل الإعلام وهيئات الثقافة والمجتمع المدني ومراكز الحوار لبلورة خطاب مناوئ لخطاب الكراهية في دول الإقليم، والتعاون مع منظمات إقليمية ومؤسسات دولية، في صورة برامج ومبادرات ومؤتمرات وملتقيات ومجالس، على نحو يقود في نهاية المطاف إلى بناء وتأهيل قيادات وكوادر عربية شابة تؤمن بقيم التسامح والانفتاح والحوار بين الأديان والثقافات ونبذ الكراهية.

في النهاية، يمكن القول إن انتشار الكراهية، خطاباً وسلوكاً، بات ظاهرة مؤثرة في الشرق الأوسط تستدعي التحليل، على مستويات مختلفة، بدءاً بالفرد والمجتمع، مروراً بالنظام السياسي وواقع الإقليم، وصولاً إلى النظام الدولي، ومن المتعذر القضاء على تلك المشاعر السلبية، سواء تجاه الداخل أو الخارج، خلال أمد زمني منظور لتوافر سياقات وبيئات حاضنة لها، وإن كانت هناك أدوار غائبة لأجهزة إنذار مبكر تقوم برصد خطاب الكراهية وتعمل على مجابهته.

طباعة
د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية