مقالات تحليلية

حكومة الكاظمى وتحديات فرض هيبة الدولة

طباعة

تعهد رئيس الوزراء العراقى مصطفى الكاظمى فى برنامجه الحكومى بفرض هيبة الدولة وسيادتها، ونزع سلاح الميليشيات المسلحة، وحصر السلاح فى المؤسسة العسكرية الرسمية. وفى محاولاته الجدية تنفيذ تلك التعهدات واجهته تحديات عدة، كان أبرزها محاولات عدد من فصائل هيئة الحشد الشعبى الشيعية -وتحديداً تلك التى تدين بالولاء السياسى والمذهبى للمرجعية الدينية فى قم بإيران- إشاعة حالة من الفوضى الأمنية، وعدم الامتثال لقرارات الحكومة الخاصة بحصر السلاح وتفكيك بعض الفصائل. فضلاً عن محاولات تلك الفصائل إظهار الحكومة بمظهر العاجزة عن فرض سيادتها وهيبتها على ما دونها من جماعات؛ لاسيما بعد تكرار استهداف عدد من الفصائل المنطقة الخضراء (مقر الإدارة السياسية للدولة)، واستهدافها كذلك للسفارة الأمريكية هناك، ما أدخل العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة التابعة للحشد الشعبى فى "صراع إرادات" حاد لم يتبين بعد مدى قدرة حكومة الكاظمى على حسمه فى ظل الدعم الإيرانى لميليشيات الحشد من ناحية، وإصرارها على إبقاء العراق "ساحة" لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة استباقاً لتولى الرئيس الأمريكى المنتحب جو بايدن مهامه رسمياً في 20 يناير الجارى (2021) من ناحية ثانية.

سياسة "احتواء" ذات مسارين

حاول الكاظمى منذ توليه الحكومة فى مايو 2020، اتباع سياسة "احتواء" هادئة لميليشيات الحشد عبر مسارين: الأول، يتعلق باحتواء الفصائل التى ترتبط بالولاء المرجعى الدينى لإيران. والثانى، ينصرف إلى استقطاب دعم الفصائل التى ترتبط بالمرجعية الشيعية العراقية، والمعروفة بحشد العتبات، خاصة وأنها الأقرب إلى برنامجه السياسى، حيث طالبت تلك الفصائل قادة الهيئة بالعمل على إبعاد الهيئة عن سياق الصراع بين العراق والولايات المتحدة من ناحية، وإبعادها كذلك عن التورط فى العمل السياسى الداخلى من ناحية ثانية، بما يعنى عدم تسييسها حتى لا تكون طرفاً فى صراع سياسى محموم بين القوى والتكتلات الحزبية من ناحية ثالثة.

انطلاقاً من ذلك، طالب الكاظمى رئيس هيئة الحشد فالح الفياض- الذي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في 8 يناير الجاري- بضرورة إجراء تعديلات جوهرية لإصلاح الهيئة، وتعديل سلوك بعض فصائلها فى التعامل مع الداخل العراقى. فالكاظمى على قناعة تامة بأن أحد أبرز تحديات برنامجه الحكومى هى التحديات الأمنية التى يفرضها وجود هيئة الحشد، خاصة وأن بعض فصائلها المسلحة تتمتع بظهير سياسى كعصائب أهل الحق، وسرايا السلام، ومنظمة بدر، وكتائب جند الإمام. والبعض الآخر ليس له تمثيل سياسى وهو الأكثر شراسة فى التعامل مع الداخل العراقى؛ كحركة النجباء، وكتائب حزب الله العراقى، وكتائب سيد الشهداء. ورغم القرارات الإصلاحية التى اتخذها الفياض فى يونيو 2020، بشأن إصلاح الهيئة لتكون جزءاً من المنظومة العسكرية الرسمية للدولة - عبر تقنين عملية امتلاكها للسلاح - إلا أن العديد من فصائلها اعتبرت أى تعديلات تخص نزع سلاحها، أو تغيير توجهاتها، أو منع قادتها من مزاولة العمل السياسى، يمثل تحدياً فعلياً لوجودها.

فضلاً عن ذلك، واصلت كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء -وهى فصائل تتلقى أوامرها من إيران مباشرة- التمرد فى مواجهة الحكومة بالتوازي مع قيامها بعدد من الضربات الأمنية التى أظهرت عجز الأخيرة عن فرض سيادتها، كان أبرزها استهداف السفارة الأمريكية بضربات صاروخية ثلاثة مرات خلال الشهرين الماضيين، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات باعتقال عدد من قيادات بعض الفصائل؛ كالاعتقالات التى نفذتها بحق عناصر من كتائب حزب الله، وبعض عناصر عصائب أهل الحق، وتفكيك عناصر أخرى كسرايا الخراسانى، وإعفاء القائد العسكرى لمنطقة الكرادة قرب المنطقة الخضراء -ينتمى إلى هيئة الحشد- من مهامه الأمنية واستبداله بأحد ضباط جهاز الاستخبارات العراقى.

محاولات الكاظمى على هذا النحو لتقليم أظافر الميليشيات المسلحة المحسوبة على إيران، ووجهت برفض واضح من قبل تلك الفصائل، لدرجة وصلت إلى إعلان بعض قادة الفصائل تهديد السلامة الشخصية لرئيس الوزراء فى حالة استمراره فى استهداف الحشد وفصائله. ووصل التوتر بين الكاظمى وبين فصائل الحشد، وتحديداً كتائب حزب الله، إلى ذروته عندما اتهمته الأخيرة بالمشاركة فى اغتيال قائد فيلق القدس الإيرانى قاسم سليمانى ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبى أبومهدى المهندس الذي حلت ذكراه الأولى في 3 يناير الحالي.

أهداف عديدة

فى هذا السياق، يستهدف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمى من محاولات تقليص وتحجيم وتقنين دور هيئة الحشد الشعبى تحقيق عدة أهداف، يساعده فى ذلك كونه رئيس وزراء مستقلاً لا ينتمى إلى أى من الكتل السياسية. ويمكن رصد بعض تلك الأهداف فيما يلى:

1- إعادة صياغة العلاقات بين العراق وإيران فيما يتعلق بدعم الأخيرة لهيئة الحشد الشعبى؛ فالكاظمى لا يخطط ولا يرغب فعلياً فى فصم العلاقات بين إيران والعراق بصورة كاملة، ولكنه يسعى إلى وضع حدود جديدة لها، مؤداها أن من مصلحة إيران أن يكون العراق دولة قوية على علاقة جيدة بمحيطيه الإقليمى والدولى. واستهدافه المباشر للهيئة فى هذا السياق جاء لكونها المعول الرئيسى لإيران، الذى يتولى مهام تنفيذ السياسات الإيرانية الإقليمية فى حلقتها العراقية. فضلاً عن رفض فصائلها مسار التصحيح الذى يحاول الكاظمى ترسيخه، ورغبتها كذلك مشاركة الحكومة فى رسم علاقات العراق الخارجية، بما يهدد استقلالية القرار السياسى للدولة، وهو ما يخطط الكاظمى حالياً لمنعه وتقويضه.

2- استغلال الفرص التى أتاحها "التراجع النسبى" فى دور إيران داخل العراق؛ لاسيما بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليمانى، وبعد العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، والتى أضعفت، نسبياً، من نفوذها نتيجة للضغوط الاقتصادية الحادة التى تزامنت مع ما فرضته جائحة فيروس كورونا من تداعيات.

3- تهيئة الأوضاع الداخلية للعملية الانتخابية المقبلة فى يونيو 2021 المقبل، فسياسات الحكومة لتقويض فصائل الحشد، سواء التى تتمتع بظهير سياسى أو لا، من شأنها التأثير على مستقبل منظومة الحشد الشعبى بأكملها، بما يؤثر بالتبعية على نتائج الأحزاب السياسية وأذرعها العسكرية فى الهيئة. ومن شأن ذلك الدفع باحتمال تراجع ترتيب تلك الأحزاب فى الانتخابات المقبلة، على العكس من انتخابات عام 2018، التى نتج عنها حصول كتلة الفتح، التى ضمت عدداً من فصائل الحشد، على المرتبة الثانية من حيث عدد الأصوات.

4- استثمار حالة التأييد الشعبى، باعتبار أن حكومة الكاظمى جاءت بعد ضغوط واحتجاجات شعبية عارمة خلال عام 2019، إلى جانب تأييد المرجعية الدينية الشيعية فى النجف بزعامة على السيستانى، فى تحقيق مهام تقنين وضعية هيئة الحشد الشعبى داخل العملية السياسية. 

5- إظهار الحكومة بمظهر قوى قادر على مواجهة حالة الانفلات الأمنى التى تحاول بعض فصائل الحشد فرضها على الداخل، والترويج لدى المجتمع الدولى، والولايات المتحدة تحديداً، بإمكانية الاعتماد على حكومة الكاظمى فى تقويض المصالح الإيرانية على الساحة العراقية.

حسابات طهران

المعطيات السابقة تشير إلى أن إيران لا تؤيد الإجراءات الإصلاحية التى يسعى الكاظمى لإدخالها على منظومة هيئة الحشد الشعبى، وتحديداً محاولاته تقويض حركة الفصائل الولائية التابعة لها، وهو ما قد يدفع إيران إلى إرباك حسابات الكاظمى على المستوى الداخلى عبر تلك الفصائل نفسها. فمن المحتمل أن تقوم تلك الفصائل بما هو أبعد من استهداف مقرات الجيش العراقى والسفارة الأمريكية فى المنطقة الخضراء، بهدف التأكيد على فكرة كون العراق ساحة إيران الإقليمية الأولى، وتسويق ذلك بقوة لدى الإدارة الأمريكية الجديدة.

ويدلل أنصار هذا التصور على ذلك باحتمال فشل محاولات الكاظمى لتقويض فصائل الحشد التابعة لإيران نتيجة لحدة الضغوط التى تمارسها طهران عليه. فضلاً عن كون الاستهدافات التى قامت بها الحكومة لفصائل الحشد الولائية لا تعبر عن استراتيجية أمنية واضحة أو طويلة الأمد فى التعامل مع تلك الفصائل، وبالتالى قد تنتهى تلك المواجهات إلى "تسويات" محسوبة بين الكاظمى وقادة الفصائل الحشدية الولائية، ينتج عنها اعتراف ضمنى بدور تلك الفصائل فى العملية السياسية، بما يعقد من المشهدين الأمنى والسياسى.

وفى المقابل، ثمة رأى يقول بأن إيران ستقبل التغيرات التى يحاول الكاظمى إدخالها على منظومة هيئة الحشد الشعبى، لأنها تسعى إلى تهيئة المجال للتفاوض مع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن فى سياق ما يسمى بسياسة "الصبر الاستراتيجى" التى اعتادت طهران على العمل بها فى مواجهة القوى الدولية المناوئة لها، الأمر الذى قد يدفعها إلى التهدئة فى ملفات إقليمية متعددة، ومنها بالطبع الملف العراقى، عبر "ضبط" تحركات وسلوكيات فصائلها الولائية ولو بصورة مؤقتة، وهو ما أدركه جيداً الكاظمى واستغله فى الخطوات التصعيدية ضد فصائلها داخل هيئة الحشد.

مما سبق يتضح أن عملية تقويض وتحجيم فصائل الحشد الشعبى التى تدين بالولاء لإيران، والتى تقوم بها حكومة الكاظمى استباقاً للانتحابات المبكرة فى يونيو المقبل، تبدو عملية معقدة الحسابات على المستويين الداخلى والإقليمى؛ لكون تلك الفصائل المسلحة تمتلك العديد من أوجه النفوذ والسيطرة فى مواجهة الدولة، سواء من حيث النفوذ السياسى الذى توفره لها القوى السياسية الداعمة لها والممثلة فى البرلمان، أو من حيث النفوذ الاقتصادى لما تتمتع به من موارد مالية ضخمة، نتيجة السيطرة على العديد من المؤسسات الاقتصادية عبر عمليات فساد متعددة، ما يضع قيوداً فعلية على سياسات الكاظمى الراهنة بشأن إعادة هيكلة منظومة الحشد الشعبى من ناحية، وبشأن حصر السلاح فى يد المؤسسة الأمنية والعسكرية من ناحية ثانية، ويفرض عليه احتمال تأجيل المواجهة لما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، التى قد تأتى ببرلمان مغاير فى تركيبته السياسية عن البرلمان الحالى الذى تتمتع فيه هيئة الحشد الشعبى بغطاء سياسى واضح.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل – مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية