تقدير موقف

اتفاقية الاستثمار "التاريخية" بين الصين والاتحاد الأوروبي والتوازنات الدولية

طباعة

فيما يعد أكثر محاولات الصين والاتحاد الأوروبي شمولاً حتى الآن لوضع العلاقات الاقتصادية بينهما على أرضية صلبة،أعلن الجانبان، في 30 ديسمبر 2020، عن التوصل إلى اتفاقية استثمار "تاريخية" بينهما. وجاء هذا الإعلان عن الاتفاقية الشاملة للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين EU-China Comprehensive Agreement on  Investment (CAI) بعد اجتماع عبر الفيديو بين الرئيس الصيني تشي جينبينج والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

فوائد متنوعة  

تهدف الاتفاقية، التي يجب التصديق عليها من جانب حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي في عملية من المرجح ألا تكتمل قبل عام 2022، إلى استبدال أكثر من عشرين معاهدة استثمار ثنائية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 والصين. ومن المتوقع أن تفتح هذه الاتفاقية مساحة أكبر بكثير للشركات الأوروبية والصينية لتوسيع أعمالها في أسواق بعضها البعض، حيث من المنتظر أن توفر هذه الاتفاقية للشركات الأوروبية فرصاً استثمارية ضخمة في الصين، خاصة في مجالات: خدمات النقل البحري والجوي، والتمويل، والكومبيوتر، والأبحاث والتطوير، والسيارات ذات المحركات البديلة، والاتصالات، وخدمات الحوسبة السحابية، وكذلك في مجال تشغيل المستشفيات الخاصة. كما من المرجح أن تزيل الاتفاقية كثيراً من القيود أمام الشركات الأوروبية للوصول إلى السوق الصينية، بما في ذلك متطلبات الترخيص الصينية وحدود الملكية الأجنبية في قطاعات معينة. هذا فضلاً عن أن الاتفاقية سوف تضمن أيضاً احترام الملكية الفكرية للشركات الأوروبية، وتحظر عمليات النقل القسري للتكنولوجيا، وتفرض قواعد شفافية على المساعدات التي تتلقاها الشركات العامة الصينية، وتحظر العمل القسري. ومن جهة أخرى، من المنتظر أن تستفيد الشركات الصينية من هذه الاتفاقية في تخفيف القيود المشددة المفروضة أوروبياً على قيام الشركات الصينية بشراء ما تعتبره أوروبا "قطاعات استراتيجية"، مثل الاتصالات والبنية التحتية للطاقة.

مفاجأة غير متوقعة

التوصل إلى اتفاقية الاستثمار "التاريخية" بين بكين وبروكسل، في هذا التوقيت، مثّل مفاجأة للكثير من المراقبين. فهذه الاتفاقية تم إعلان التوصل إليها بعد "مخاض عسير"، حيث تمت مناقشتها في 35 جولة من المفاوضات، استمرت حوالي سبعة أعوام. كما جاءت هذه الاتفاقية أيضاً قبل ثلاثة أسابيع فقط من دخول الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن إلى البيت الأبيض في 20 يناير الجاري (2021). وكان بايدن، خلال حملته الانتخابية، قد حث الاتحاد الأوروبي، مراراً وبشكل واضح، على ضرورة تشكيل تحالف أمريكي- أوروبي في وجه الصعود المتنامي للنفوذ الصيني عبر العالم، وبالتالي تعد هذه الاتفاقية ضربة غير متوقعة إلى الرئيس الأمريكي المنتخب، الذي كان يعول كثيراً على التنسيق مع حلفائه في ملف العلاقات مع الصين.

ورغم وقع المفاجأة، تبدو اتفاقية الاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي "منطقية للغاية" في ظل العديد من المؤشرات، والتي من أبرزها ما يلي :

أولاً، تنامى العلاقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين، إذ يعد الاتحاد الأوروبي منذ أمد بعيد الشريك التجاري الأكبر للصين، بينما أصبحت الصين الشريك الأكبر للاتحاد في عام 2020، بعدما تجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية بين الطرفين في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي (2020) نحو 516.8 مليار دولار، ليتخطى حجم التجارة بين الأوروبيين والأمريكيين، وهو 501 مليار دولار. ومن جهة أخرى، يبلغ رصيد استثمارات الأوروبيين (ما عدا المملكة المتحدة) في الصين ما يقرب من 150 مليار يورو، فيما يصل ذلك المتعلق بالصين في الاتحاد الأوروبي إلى 113 مليار يورو (وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي ثالث أكبر مصدر ومقصد للاستثمار بالنسبة للصين في الوقت الراهن). وقد استثمر الأوروبيون، على مدى السنوات العشر الماضية، ما معدله أكثر من 7 مليار يورو في الصين سنوياً، مقابل 5. 6 مليار يورو للصين في الاتحاد الأوروبي.

ثانياً، كان من المنطقي أن تسارع بكين إلى إعلان هذه الاتفاقية قبل وصول الرئيس الأمريكي المنتخب إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2021. فهذا الإعلان، من وجهة نظر صانعي القرار الصيني، قد يحول دون حشد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الصين، في إطار الحرب التجارية المشتعلة مع واشنطن، خاصة وأن الرئيس المنتخب بايدن قد كشف عن عزمه توحيد المعسكر الغربي في مواجهة الصين وروسيا.

وربما ما ساعد القيادة الصينية على اتباع هذه الاستراتيجية القبول الكبير الذي أصبحت تحظى به بكين أوروبياً، حيث تعقد الأخيرة بانتظام قمم "17 + 1" مع دول شرق ووسط أوروبا، كما أصبحت أيضاً تؤسس علاقات وثيقة مع غالبية دول أوروبا الغربية، وخاصة ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، التي انضمت في العام الماضي إلى مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، لتصبح أول دولة داخل مجموعة السبع الصناعية الكبرى تقوم بذلك.

ثالثاً، إصرار مسئولي الاتحاد الأوروبي على أن اتفاقية الاستثمار مع بكين لن تؤثر سلباً على العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة، معتبرين أن الاتفاقية توازي، جزئياً، "المرحلة الأولى" من الاتفاق التجاري الذي أبرمه الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب مع بكين في يناير 2020. وينتقد هؤلاء الاتفاق التجاري الأخير بين واشنطن وبكين مشيرين إلى أنه فشل في التعامل مع القضايا الهيكلية في الاقتصاد الصيني، وفرض على بكين شراء السلع الأمريكية، سواء الزراعية أو الصناعية، مما تسبب في تراجع المشتريات الصينية من أوروبا.

ومن جهة أخرى، يرى الأوروبيون أيضاً ضرورة الاستفادة من السوق الصينية الضخمة (1.4 مليار نسمة) ومن شبكة الاتفاقات التجارية الضخمة التي توصلت إليها بكين مؤخراً، من أجل التغلب على التداعيات الاقتصادية السلبية التي ترتبت عن تفشي وباء كوفيد – 19، خلال عام 2020، حيث من المتوقع أن يؤدي هذا الوباء، على سبيل المثال، إلى تراجع معدلات النمو الحقيقي السنوي للناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا (12.8%)، وفرنسا (12.5%)، وألمانيا (7.8%). وهنا يشار إلى أن الصين قد وقعت، في 15 نوفمبر الماضي (2020)، مع 14 دولة (دول الآسيان العشر فضلاً عن اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا)على "اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة"، مما سمح بتكوين أكبر كتلة تجارية في العالم، تضم ما يقرب من ثُلث الأنشطة الاقتصادية في العالم.ومن هنا كان اهتمام بروكسل بتعزيز وجودها الاستثماري في السوق الصينية.

تحديات صعبة

رغم الفوائد والمكاسب المتوقعة من اتفاقية الاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي، إلا أنه ليس من المرجح أن تساهم هذه الاتفاقية في تحقيق اختراق كبير في العلاقات بين بروكسل وبكين في عام 2021 على الأقل، لأسباب رئيسية ثلاثة: الأول، أن هناك العديد من القضايا التي تؤثر على العلاقات بين الجانبين، منها، على سبيل المثال، الطريقة "غير الشفافة" التي ترى غالبية الدول الأوروبية أن بكين تعاملت بها مع تفشي فيروس كوفيد- 19 ومسئولية الصين عن انتشار الوباء في العالم، وإصدارها لقانون الأمن القومي في هونج كونج؛ وانتهاكات حقوق الإنسان لأقلية الإيجور المسلمة في إقليم سينكيانج؛ وقيام غالبية الدول الأوروبية بتشديد الرقابة على الشركات الصينية التي تبني شبكات الجيل الخامس، والمسألة التايوانية واستعراض القوة العسكرية من جانب الصين في بحر الصين الجنوبي.

والثاني، الضغوط المتوقعة من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة على الاتحاد الأوروبي لاتباع نهج مشترك أكثر اتساقاً تجاه الصين، حيث يقول عدد من الخبراء إن الاتفاق الاستثماري بين الصين والاتحاد الأوروبي سيعقد خطط الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن لإعادة إقامة شراكة قوية مع الحلفاء الأوروبيين من جهة، وكبح جماح نفوذ الصين المتصاعد في العالم من جهة أخرى، وهو الأمر الذي أكده مستشار الأمن القومي الأمريكي الجديد جيك سوليفان عندما غرَّد، في 22 ديسمبر 2020، قائلاً: "ترحب إدارة بايدن هاريس بإجراء مشاورات مبكرة مع شركائنا الأوروبيين بشأن مخاوفنا المشتركة حول الممارسات الاقتصادية للصين".

والثالث، انقسام الأوروبيين بشأن كيفية التعامل الأمثل مع العملاق الصيني الصاعد، إذ يرى فريق ضرورة احتواء القوة الصينية الصاعدة، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً، من خلال تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي كشف عنه بوضوح تصريح رئيس الشئون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في 16 مايو 2020، عندما قال أن بكين "خصم منهجي يسعى إلى الترويج لنموذج بديل للحكم" ومنافس اقتصادي. بينما يرى فريق آخر من الأوروبيين أنه يجب السعى للتعاون مع الصين كلما سنحت الفرصة من أجل التعامل مع التحديات العالمية المتفاقمة، بدءاً من مواجهة التغييرات المناخية حتى الاستعداد للوباء القادم، مروراً بالتعافي الاقتصادي من جائحة كوفيد- 19.

التحوط الاستراتيجي

على أية حال، يبدو أن اتفاقية الاستثمار "التاريخية" بين الصين والاتحاد الأوروبي، جاءت في وقت يسعى فيه القادة الأوروبيون، وخاصة في ألمانيا وفرنسا، إلى الإبقاء على مسافة متساوية بينهم وبين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، خاصة مع اتجاه النظام الدولى، على نحو متزايد، للخضوع إلى هيمنة هاتين القوتين، حيث يأمل غالبية الأوروبيين في ألا تنزلق المنافسة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، مثلما كان الحال بين ألمانيا الإمبريالية وبريطانيا قبل عام 1914، إلى حرب كبرى يجد الاتحاد الأوروبي نفسه فيها مضطراً للانحياز لطرف في مواجهة الآخر.

كذلك، يبدو أن الأوروبيين يحاولون الموازنة بين استقلالية قرارهم السياسي وسيادتهم الاقتصادية (في مواجهة الهيمنة الأمريكية) من ناحية وبين علاقات التحالف العسكري والاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية (في مواجهة الصعود الصيني وعودة روسيا) من ناحية أخرى. وهنا تظهر مهارة الأوربيين في "التحوط الاستراتيجي" من رهاناتهم على كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار السياسي الخارجي والفوائد الاقتصادية الكبيرة من التجارة والاستثمار الخارجي.

ومع ذلك، يثور التساؤل التالي: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا"التحوط الاستراتيجي" الذي يمارسه الأوروبيون تجاه كل من بكين وواشنطن بنجاح في ظل الأزمة المتنامية التي تواجه العولمة الاقتصادية وصعود تيارات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وهى ضغوط شديدة قد تعمل على تهديد استراتيجية أوروبا ذات التحوط المزدوج؟.

وبغض النظر عن إجابة هذا التساؤل، تمثل اتفاقية الاستثمار الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والصين (وهما "أكبر قوتين وسوقين وحضارتين في العالم" على حد وصف الرئيس الصيني تشي جينبينج) مؤشراً مهماً على إعادة تنظيم القوى التجارية الكبرى لشكل علاقاتها المستقبلية، لكى تتوائم مع عالم ما بعد ترامب وما بعد كوفيد – 19، وهو الأمر الذي من شأنه إحداث سلسلة متعاقبة من التغييرات المهمة على الخريطة الجيوسياسية للعالم.

طباعة
د. أحمد قنديل

رئيس وحدة الدراسات الدولية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية